برنامج مفاهيم إفتائية (17) - الاستدلال بشرع من قبلنا - مفاهيم إفتائية

برنامج مفاهيم إفتائية (17) - الاستدلال بشرع من قبلنا

24 دقيقة
  • الأدلة المتفق عليها بين جماهير الأمة هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
  • القرآن والسنة حجة في ذاتهما، القرآن بالأصالة والسنة بالتبع والتفسير.
  • توجد أدلة مختلف فيها بين العلماء، كشرع من قبلنا ومسألة المصالح المرسلة.
  • اختلف العلماء في شرع من قبلنا على عدة مذاهب: مذهب يمنع مطلقاً، ومذهب يقبل مطلقاً، ومذهب يقبل بشروط.
  • الراجح أنه يؤخذ بشرع من قبلنا بشروط: أن يرد في شرعنا، وألا يكون في شرعنا ما ينسخه، وأن نحتاج إليه.
  • المصالح المرسلة هي مصالح لم يرد في الشرع اعتبارها ولا إلغاؤها، وإنما دل الشرع على اعتبارها بكلياته.
  • الإمام مالك اعتبر المصالح المرسلة دليلاً للأحكام، وهي مصالح تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
  • أمثلة المصالح المرسلة كثيرة مثل محطات القطار ومترو الأنفاق والمدارس وغيرها مما يحقق مصلحة الناس.
  • الشرع يهدف إلى تحقيق مصالح الناس ودفع المضار عنهم.
محتويات الفيديو(24 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بفضيلة الدكتور علي جمعة

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون معكم في ضيافة فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، مفتي الديار.

أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا بكم، أهلًا وسهلًا.

الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها في أصول الفقه الإسلامي

[المذيع]: أهلًا بك يا مولانا. تحدثنا في اللقاءات السابقة من مفاهيم إفتائية يا مولانا عن القرآن والسنة كأدلة شرعية، ونريد أن نكمل مع فضيلتكم الاستدلال بالأمور الأخرى؛ أولًا ما معنى الاستدلال؟ وذلك نتطرق إلى الأدلة التي اختلف فيها.

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن تبعه.

وقد عرف الأصوليون ما يسمى بـالأدلة المختلف فيها؛ لأن الأدلة المتفق عليها هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. وكلمة الاتفاق غير كلمة الإجماع. فهذه الأدلة الأربعة — الكتاب والسنة والإجماع والقياس — اتفق عليها جماهير الأمة، وليس كل الأمة.

فابن حزم مثلًا ينكر القياس، ويحصر الإجماع في إجماع الصحابة فقط. وبعضهم ينكر الإجماع، مثل النظّام. ولكن جماهير الأمة من الذين اشتغلوا بالفقه وأنتجوا هذا الإنتاج الثري الذي بين أيدينا، كانت هذه هي المصادر التي رجعوا إليها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

حجية الكتاب والسنة وعلاقتهما بالأدلة المختلف فيها

ونحن قلنا إن الكتاب والسنة بهما الحجة، وأن الحجة فيهما في ذاتهما؛ إما بالأصالة ككلام الله، وإما بالشرح والتبع والتفسير كسنة رسول الله ﷺ، وهو الذي يقول:

«ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»

فرسول الله ﷺ حجةٌ في ذاته، ولكنها حجةٌ تابعة لهذا الأصل الذي هو الكتاب؛ لأن الحكم هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.

هناك أدلة مختلف فيها، بعض الناس أسماها الاستدلال. بعض هذه الأدلة تحتاج إلى تحرير المعنى، وكلما حررنا فيه المعنى كلما ضاق الخلاف.

الخلاف اللفظي بين المجتهدين وأثره في مسائل الأدلة

لكن أيضًا من أسباب الخلاف أن كل شخص عرّف هذا المختلف فيه تعريفًا مختلفًا؛ إذا لم يصبح هو الذي يعنيه أخوه المجتهد، بل شيء آخر — قد لو عُرض عليه لأنكره، ولو عُرض هذا المعنى الذي مع المجتهد الأول عليه هو لوافق عليه.

ولذلك يسمونه: اختلاف مرده إلى اللفظ. والخلاف الذي مرده إلى اللفظ ما لو اطلع كل فريق على ما قاله الآخر لقال به غالبًا.

يمكنني أن أطلع على ما تعنيه ولا أقول به أيضًا، ولكن غالبًا ما يكون هذا المعنى متفقًا عليه يا أخي؛ فلماذا نختلف حول هذه الأدلة المختلف فيها؟

شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ المذاهب والأدلة

مثلًا: شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ فتجد مذاهب؛ فبعض العلماء يقول: نعم، هو شرع لنا، لأن:

﴿فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]

يعني: لقد كان لكم في قصصهم عبرة، في قصص الأنبياء عبرة، وفي هدي الأنبياء موعظة. وهؤلاء الأنبياء رضي الله عنهم، وهو الذي أوحى إليهم، وهو الذي شرع لهم، وهو الذي قبل منهم. فهذا معناه أن تصرفات الأنبياء هي أيضًا يجوز أن نستنبط منها أحكامنا نحن الشرعية.

بعض الناس قال: شريعتنا — والحمد لله — كاملة:

﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]

شريعتنا ناسخة للشرائع الأخرى:

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ﴾ [البقرة: 106]

يبقى نحن لسنا في حاجة إلى شرائع من قبلنا، ولا الاطلاع عليها، ولا البحث عن صحف إبراهيم والزبور والتوراة والإنجيل من أجل أن نأخذ منها شرائعنا.

تفصيل العلماء في شرع من قبلنا بين الرواية الداخلية والخارجية

بعض الناس أراد أن يفصّل الكلام فقال: الآن شرع من قبلنا — هذا أنت يا من قلت أنه شرع لنا — الرواية التي أتت من خارج الإسلام، أي وجدنا صحف إبراهيم، قوم نأخذ بها يعني؟ أم الرواية التي جاءت داخل الإسلام؟

داخل الإسلام يعني في القرآن والسنة، يعني قال الله هكذا عن إبراهيم، عن نوح، عن موسى، عن العين بالعين والسن بالسن الذي قال الله سبحانه وتعالى — هذا صحيح تأخذ به حينئذٍ عندما يكون قد أتى من طريقك.

لكن عندما يكون لم يأتِ من طريقك فأنت لا تثق في روايته؛ فسيذكّرنا هذا بقضية الإثبات.

منهج الإثبات العلمي شرط للأخذ بشرع من قبلنا

إذا كنا نحن قد بذلنا الجهد الجهيد من أجل إثبات القرآن، ومن أجل إثبات السنة — فالأشياء التي لم نرها ولم نعرفها، إذا كنا نحتاجها فإننا نوثّقها حتى لا نشك فيها.

فما بالك بأشياء لا نعرفها؟ ولا تقف عند ما ليس لك به علم:

﴿إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: 36]

إذن من منهج العلم ألا أقتفي أثرًا لا أعرفه ولا أتوثق من صحته.

بعض الناس قالوا: لا، نحن نأخذ منهم ما لم يرد في شرعنا. ما لم يرد شرعنا — إذن أولًا يجب أن يكون قد ورد في كتابنا أو في سنة نبينا حتى نتوثق منه، ومنهج الإثبات يكون قد تحقق.

المذاهب الأربعة في الأخذ بشرع من قبلنا وشروطه

ثانيًا: إننا هذا الذي ورد لا نأخذ به جميعًا، بل نأخذ منه ما لم يرد الحكم في شرعنا؛ لأن الحكم الذي ورد في شرعنا إما أن يكون موافقًا لما قبله — إذن فإننا نأخذ بشرعنا أيضًا وهذا صحيح — وأما أن يكون مخالفًا فهو ناسخ له. لكن الشيء الذي لم يرد في شرعنا فهو الذي يمكن أن نأخذ به.

صار عندنا ثلاثة مذاهب [في الأخذ بشرع من قبلنا]:

  1. مذهب يمنع مطلقًا.
  2. مذهب يقبل مطلقًا.
  3. مذهب يقبل إذا كان واردًا عندنا.
  4. مذهب يقبل بشرط آخر وهو الرابع: إذا كان واردًا عندنا وكان لا يوجد في شريعتنا ما يماثله موضوع هذا الحكم.

الرأي الراجح في شرع من قبلنا وشروط الأخذ به

والله إنني أظن أنه لو كل فريق اطلع على ما قاله الآخر ليقول بهذا الكلام المنطقي: أن شرع من قبلنا هو شرع أنبياء معتبرون رضي الله عنهم وأوحى إليهم، ولذلك نأخذ به بشروط:

  1. أولًا: أن يرد في شرعنا.
  2. ثانيًا: ألا يكون في شرعنا ما ينسخه.
  3. ثالثًا: أن نحتاج إليه؛ لأن هذا قد لا نحتاج إليه في عصر ونحتاج إليه في عصر آخر.

حسنًا، يذكّرنا هذا مثلًا بسورة سيدنا يوسف؛ عندما كان الشيخ محمد عبده وهو يفسّرها في الأزهر، يستنبط منها قواعد القضاء جميعها: ما الذي يفعله القاضي، وكيف يكون الشاهد وما صفاته، وكيف تكون المحاكمة، ولجوء القاضي إلى الحيلة.

استنباط الإمام محمد عبده قواعد القضاء من سورة يوسف

أجل، عندما وضع يوسف صواع الملك في رحل أخيه، وكذلك اليمين والقسم والتثبت، وردّ القاضي على الشهود أو على المتهمين، ويعني الشدة معهم في بعض المواقف — أخذ منها أشياء كثيرة جدًا تصلح لتأليف كتاب في قصة سيدنا يوسف.

ولذلك كان هناك واحد من الشام ألّف كتابًا في مجلدين، كان اسمه العلمي رحمه الله، يفسّر سورة يوسف على هذا النمط بالنواحي الاجتماعية والقضائية والسياسية والنفسية وغير ذلك، وسمّاه مؤتمر سورة يوسف.

نعم، تخيّل فيه علماء، كل عالم في تخصص معين في هذا المؤتمر، وأخذ يتفاعل مع السورة ومع شرحها، وخرج في مجلدين كبيرين.

القرآن الكريم كله مصدر لاستنباط الأحكام الشرعية

أريد أن أقول إن شرع من قبلنا هذا مورد تحدث عنه الفقهاء، لكن مرده في النهاية وفي الحقيقة أنك قد جعلت كل القرآن مصدرًا لاستنباط الأحكام، وهو الراجح عندي وعند كثيرين، منهم الإمام الغزالي.

الإمام الغزالي يعني لم يستحسن أن نحصر القرآن في آيات الأحكام. ويقولون إن مقاتل بن سليمان هو أول من حصر آيات الأحكام، فصار الناس وراءه، وأنه حصر الآية التي فيها الحكم مباشرةً واضحًا جليًا صريحًا.

أما الحكم الضمني فإن الإنسان يمكن أن يستنبطه من أي آية، ويُفتح عليه فيها ما لا يُفتح على غيره فيها.

الإمام الشافعي والبحث عن دليل الإجماع في القرآن الكريم

جلس الشافعي يقرأ القرآن — وكان من حفّاظه — ستين مرة حتى يبحث عن دليل للإجماع.

ما شاء الله، هذا الحال للإمام الشافعي يدل على أن الدلالة ليست واضحة؛ لأنه لما قرأه أول مرة ومرة ثانية وثالثة وعاشرة لم يلتفت إليها. فالآية في سياقها وسباقها ومردودها على الذهن ليس لها علاقة مباشرة وواضحة بالإجماع، ولذلك لم يلتفت إليها.

كذلك جلس العلماء يفكرون في حجية القياس حتى عثروا على قوله تعالى:

﴿فَٱعْتَبِرُوا يَـٰٓأُولِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ [الحشر: 2]

واعتبروا أن هذه الكلمة وكأنها داعية للقياس وداعية لاستنباط الأحكام الشرعية عن طريق هذه الأداة. لهم في هذا كلام واسع وجيد، ولكن تؤول المسألة إلى الاستدلال بالكتاب.

الأدلة المختلف فيها تؤول إلى المصادر المتفق عليها

وكذلك سنرى أن هذه الأدلة المختلف فيها كثيرًا ما تؤول إلى مصدر من المتفق عليه، وتكون هي الجانب التطبيقي العملي لهذه المصادر.

حسنًا، فلننظر إليها معًا يا سيدي بعد الفاصل إن شاء الله.

[المذيع]: فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا.

المصلحة المرسلة دليل مختلف فيه وسبب الخلاف حولها

[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات برنامج مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة. قبل أن نخرج إلى الفاصل يا مولانا كنا تحدثنا عن شرع من قبلنا، وفضيلتكم قلتم لنا هو يستمد أيضًا من القرآن والسنة. نستكمل الاستدلال ونبدأ مثلًا بالمصالح المرسلة أو المصلحة المرسلة.

[الشيخ]: من الأشياء المختلف فيها أيضًا قضية المصلحة، والحقيقة أن من أنكر المصلحة تخوّف من أن نشرع مع الله سبحانه وتعالى طبقًا لأهوائنا ومصالحنا الضيقة.

ومن أثبت المصلحة قال: إن المصالح والمصلحة كالمنفعة وزنًا ومعنى نوعان:

  • مصلحة معتبرة نصّ عليها الشرع، وهذه لا خلاف في الأخذ بها.
  • مصلحة ملغاة ألغاها الشرع ولم يعتبرها، كالمنفعة التي تحصل للسارق من سرقته.

الله هو الحاكم بالحسن والقبح وأثر ذلك في المصالح

صحيح أن السارق انتفع بسرقته، فيبقى إذن أمرًا جميلًا وشيئًا حسنًا بالنسبة له. نعم، لكنهم قالوا: لا، هذا سيء وهذه جريمة.

نعم، فمن الذي يحكم الأفعال بالحسن والقبح؟ هو الله. فلما وصف هذا بالحسن وهذا بالقبيح، ووصف التصرف في المال بأنه كرم، ووصف الاعتداء على المال بأنه اغتصاب أو سرقة أو كذلك — أصبحت هذه الصفات حقيقة؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي قالها.

والتفت ومنهم الإمام مالك بذهنه الثاقب إلى أن هناك مساحة ليست ملغاة ولا معتبرة [وهي المصلحة المرسلة].

الإمام مالك والمصلحة المرسلة بين الإلغاء والاعتبار

إذا من قسّم المصالح إلى ملغاة ومعتبرة فقط، لم يرَ المصلحة المرسلة عن الإلغاء وعن الاعتبار.

واعتبر أنه ما لم تكن معتبرة وما لم ترد في الشرع فإنها تكون ملغاة. وعلى ذلك فمن سار وراء المصلحة عند هذا التفكير وعند هذا التقسيم فقد شرّع.

نعم، لو سألنا الإمام مالك: هل تريد أن تكون مشرّعًا مع الله؟ فعلى الفور يقول: أعوذ بالله، ويقول: حاشا لله مباشرة هكذا.

ولو سألنا الآخر عن أن هذه المسألة معتبرة في جملتها ولم تُعتبر ولم يُنص على جزئها، فعلى الفور يرد عليّ قائلًا لي: إنه قياس. نعم، أي أنك موافق على ذلك؟ يقول: نعم، موافق. فهم المعنى الذي يقصده قصد الآخر.

خطورة اتهام الإمام مالك بالتشريع مع الله والمسألة الغائبة

حسنًا، فإن لم نفهم هكذا فستكون هذه مسألة خطيرة جدًا: أن تصف الإمام مالك الذي أجمعت عليه الأمة، التقي النقي، عالم دار الهجرة — وللعلم هذا رجل محب لرسول الله وللشريعة، وهذا ثابت بطريقة قطعية — أنه يشرّع مع الله. هذا غير مناسب صحيحًا.

فيبقى إذا أنا هناك مسألة غائبة عني أن أتهم الإمام مالك بهذا. فيبقى أنا لديّ في مسألة الغيبة، وما هذه المسألة الغائبة؟ أن هذه المصالح المرسلة قد وافق عليها الشرع فعلًا بكليتها، أجل بكليتها بصفة عامة وليس بجزئيتها.

أمثلة على المصالح المرسلة المتغيرة بتغير الزمان والمكان

[المذيع]: مصالح مرسلة مثل ماذا؟ هي التي تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال؟

[الشيخ]: كان لدينا هنا في القاهرة — ربما الناس الكبار في السن يتذكرونها — محطة للمترو في باب اللوق. حسنًا، قبل ذلك في الماضي، أيام أجدادنا وعلى الأجيال القديمة، المحطة هذه لم تكن موجودة. نعم، واليوم لو ذهبنا إلى مكانها سنجده شارعًا.

صحيح، هل تنتبه إلى ذلك؟ أجل، لا توجد محطة أصلًا. فماذا حدث إذن؟ لم توجد المحطة، وُجدت المحطة، لم توجد المحطة. نعم، إذن: عدم ووجود وعدم.

لماذا لم تكن موجودة؟ لأنه لم تكن هناك حاجة إليها. نعم، لأن الإنسان لم يخترع بعد القطار؛ لأن الإنسان كان ينتقل آنذاك بالحصان، بالحمير، بالإبل، بالهجانة، يعني شيئًا كهذا بالدواب.

مترو الأنفاق في القاهرة نموذج حي للمصلحة المرسلة

وعندما وُجدت [المحطة] لأن الإنسان اخترع القطار، واحتجنا لقطع المسافات الطويلة لهذه المواصلات الحديثة، فأدخلناها تسهيلًا للناس. نعم، إذن عدم وجودها ووجودها أصبح لمصلحة الناس.

ما شاء الله، تطوّر العالم وصنعنا شيئًا يسمى مترو الأنفاق. نعم، ومترو الأنفاق هذا يجري تحت الأرض، مدينة تحت المدينة. صحيح، لكي نجعل الأرض — أي الناس — تستطيع أن تمشي فيها براحة قليلًا بدلًا من الازدحام.

فبدلًا من أن يكون فوق الأرض أصبح تحت الأرض، ودخل قطار حلوان هذا في المنظومة، وأصبح مترو الأنفاق يذهب هنا وهناك، ومن ضمنها هذا الذراع. فقمنا بجعل المحطة تحت الأرض وألغيناها من فوق. وللعلم هي لا تزال تحت، ولها سلّم ننزل عليه وننزل تحت. لماذا؟ لمصلحة الناس.

المصالح المرسلة في المدارس والمواصلات وتطور الحياة

يبقى إذن هذا شأن محطات الحافلات ومحطات القطارات والطائرات وكذلك إلى آخره. هذا شأن طريقة مثلًا المدارس: كنت قديمًا أذهب إلى الكتّاب فأجلس على الأرض، لماذا؟ المتاح هكذا.

وبعد ذلك الآن لا، وأصبح فيها طابور صباحي، وأصبح فيها جدول، وأصبح فيها جرس لكي ينهي الحصة. وأحيانًا يطوّروه [الجرس] بدلًا من الجرس التقليدي الذي يضربونه بأيديهم، فيصبح بزرًا هكذا يقوم بإصدار صوت، وأحيانًا يكون هذا الصوت مثل موسيقى أو شيء آخر لكي ينبّه بانتهاء الحصة.

وهكذا مصالح لا نهاية لها من المصالح المرسلة.

الشرع يأمر بتحقيق المصلحة والنفع للناس في كل زمان

الشرع يقول ماذا؟ يقول:

«من كان منكم قادرًا على أن ينفع أخاه بشيء فليفعل»

جميل، ما شاء الله. إذن الشرع يقول للحاكم والمحكوم وعلى المستوى الفردي والجماعي:

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

وتحت هذا الأمر الكلي الذي لا يحتوي على تفاصيل يدخل جرس المدرسة، ويدخل المترو الخاص بالأنفاق، ويدخل إذن آلاف الأشياء التي يمكن أن تكون مندرجة في تسهيل الحياة على الناس في تحقيق النفع للناس.

أليس قلنا أن المصلحة كالمنفعة وزنًا ومعنى حتى لو لم يرد هذا بخصوصه؟

قصة الضابط المصري في اليمن ومن لا يفهم المصلحة المرسلة

الذي لا يفهم هذا فماذا يفعل؟ الذي لا يفهم هذا — عندما دخلت القوات المصرية في اليمن، عندما قال اليمنيون: أدركونا، فأرسلنا إليهم من القوات المصرية لكي تقف مع الثورة الحديثة — يُحكى أن الضباط الذين ذهبوا أنهم جاءوا يرصفون طريقًا، فقام لهم ولد صغير هكذا عمره ستة عشر عامًا.

ما هو فاقد إذن الحل التي نحن نشرحها هذه؟ أجل، وقال لهم: هذا طريق لم يسر فيه رسول الله ﷺ، من الذي قال لكم أن تفعلوه هكذا؟ نعم، هذه بدعة، وانتبه: هذا طريق لم يسلكه النبي، لماذا تفعلونه؟

هذا لا ينتبه إلى عالم الأشياء، وليس منتبهًا إلى قضية المصلحة، لا ينتبه إلى تغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

الشريعة تتطلع إلى المصلحة لأتباعها والمؤمن القوي خير

لا ينتبه أنه حيثما تكون المصلحة فإن الشرع يتطلع إليها لتحصيلها لأتباعه؛ لأن الشرع يريد من أتباعه أن يكونوا أقوياء:

«والمؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف»

وأن الصناعات الثقيلة أو تطور البلاد يتوقف على الهياكل الأساسية، وأن هذا من الهياكل الأساسية — هو لا يعرف كل هذا. نعم، لكن العلماء يعرفونه.

فلما دخلت الإذاعة والميكروفون، بعض الناس في مكة المكرمة قاطعوا الحرم؛ لأنه دخل فيه صوت الميكروفون.

خاتمة البرنامج والتأكيد على مبدأ المصلحة المرسلة

[المذيع]: حسنًا يا مولانا، الحلقة وقتها انتهت، وهو أيضًا هذا انتهى، وهذا انتهى أيضًا.

[الشيخ]: المصلحة المرسلة هكذا تكون قد انتهت؛ لأننا أوضحنا فيها الحقيقة وما يمكن أن يُستدل به على غيره. إذا كان هناك شيء في مصلحة الإنسان المسلم لا نقول: هذا لم يرد في الشرع ونحن نحارب. ما دام هناك مصلحة مرسلة لم تُلغَ، فنأخذ بها. نعم.

[المذيع]: اسمحوا لي باسم حضراتكم نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا الوقت وعلى هذا الجهد وعلى هذا العلم، وعلى وعد باللقاء في الحلقات القادمة إن شاء الله من مفاهيم إفتائية. إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.