برنامج مفاهيم إفتائية (18) - الاستدلال بالعرف
- •العرف من الأدلة المختلف فيها، وهو ما تعارف عليه الناس في حياتهم وأمورهم، ويعد أحد أنواع الاجتهاد التطبيقي.
- •أمر الله بالعرف في قوله تعالى: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين"، والإسلام جاء للرحمة والتيسير لا للمشقة والعسر.
- •العرف قد يكون لغوياً عاماً أو خاصاً بأهل فن معين، والفتوى تتغير بتغير الأزمان والأحوال والأعراف.
- •يجب على المفتي والقاضي معرفة أعراف الناس للحكم بالعدل، فقد تختلف الفتوى باختلاف الأعراف كما في مثال ضمان البهائم.
- •العرف المعتبر شرعاً هو العرف الصحيح الذي لا يخالف نصوص الشرع.
- •التعلق بالمظاهر دون فهم حقيقة السنة والإسلام يؤدي للتمرد على الأعراف والتكبر على الآخرين.
- •ينبغي فهم الشريعة بعمق وإدراك مقاصدها وعدم التعلق بالظواهر والأشكال فقط.
مقدمة الحلقة والترحيب بالدكتور علي جمعة للحديث عن الاستدلال بالعرف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
[المذيع]: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، ويسعدنا ويشرفنا أن نكون معكم في ضيافة فضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: في الحلقة الماضية مولانا تحدثنا عن الاستدلال بشرع من قبلنا وبالمصلحة المرسلة، نريد بعد إذن فضيلتكم اليوم أن نبدأ بالحديث عن الاستدلال بالعرف؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
تعريف العرف ومكانته بين الأدلة الشرعية والاجتهاد التطبيقي
العرف من الأدلة المختلف فيها، ولكنه أيضًا إذا تأملنا فيه باعتباره نوعًا من أنواع الاجتهاد التطبيقي فإنه لا يكون في خلاف.
﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]
والعرف هو ما تعارفه الناس، والأخذ بالعرف في المساحة التي ترك لنا الشرع أن نأخذ بالعرف فيها لا يُدخل الناس في ضيق وعسر، ويجعل الناس في بحبوحة من العيش، يبين لهم حقيقة الإسلام وأنه لم يأتِ من أجل المشقة والمخالفة، بل جاء من أجل الرحمة والسعة والتيسير والسماحة؛ الحنيفية السمحة.
إقرار النبي ﷺ للملوك والأمراء على أعرافهم ونقلهم من الظلمات إلى النور
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث إلى الملوك والأمراء وهم أصحاب مشارب مختلفة في السياسة وطرق الحكم وفي كذا إلى آخره، أقرّهم على ما هم عليه، وهو يريد أن يخرجهم من عبادة الناس إلى عبادة الله، هو يريد أن يخرجهم من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.
كما فعل ربعي بن خراش لما دخل على كسرى وقال له: هو يريد أن ينقلهم من الظلمات إلى النور، لا أن يتدخل في ملابسهم ومأكلهم ومشاربهم ومساكنهم وكذا إلى آخره.
سكوت الشرع عن تحديد شكل البيت واللباس وقول ابن تيمية في ذلك
ولذلك نرى الشرع الشريف وقد سكت عن هذا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة مفهوم لكلمة سكن أو كلمة بيت أو كلمة منزل، لم يرد يعني شكل لشكل إسلامي لهذا البيت.
للباس؟ أجل، اللباس له شروط. أجل، إنك أنت تستر به العورة. ولذلك فلما كان واجبًا على المرأة أن تستر جسدها إلا الوجه والكفين، فقد أباحهما رسول الله في حديث أسماء فيما أخرجه أبو داود:
قال النبي ﷺ: «يا أسماء، إذا بلغت المرأة المحيض لا يظهر منها إلا هذا وهذان» رواه أبو داود
لكن بقية الملابس لا تصف ولا تكشف ولا تشف بالنسبة للمرأة.
المواصفات الشرعية للباس المرأة وعدم التدخل في التفاصيل التي لم ينزل الله بها سلطانًا
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يعني ما لونه وما شكله وكيف هو؟ لا، لم يقل هكذا ولم يفعل هكذا. لا تكشف ولا تصف ولا تشف، هذه هي الآية التي نستطيع أن نقول عنها المواصفات الشرعية للباس الشرعي.
بعد ذلك يدخل لك في تفاصيل لم ينزل الله بها من سلطان وكل واحد يحملها على رأسه. ما رأيك في لبس المرأة للبنطال؟ البنطال في ذهنه هو البنطال الضيق.
فمثلًا نقول: البنطال الذي هو السروال، يعني هذا أستر للمرأة. كيف؟ يعني هذا الضيق الذي يُظهر كل مفاتنها يا بني يا حبيبي؟ هذا فقط شرط أصلًا من الآية [أي آية المواصفات الشرعية].
اختلاف اللغة والمفاهيم بين الناس وأثره في فهم الفتوى
اللباس الشرعي نقول لا يصف، وهذا [البنطال الضيق] يصف، فيكون ليس معنا [أي ليس مطابقًا للشرع]، فيكون ليس كالشرع أصلًا، ليس معنا.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: ولذلك اللغة في — يعني برنامجك لذيذ وجميل ويقول مفاهيم إفتائية — أنه في أشياء يعني اللغة ليست واحدة. فلما هذا يقول "البنطلون" ويقول "والله الحق المفتي أحلّ البنطلون"، فيأتي في ذهنه البنطلون الذي عرفه، ليس السروال الذي فيه الصفات الشرعية.
لا!
﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]
أنواع العرف اللغوي والعام والخاص ومثال كلمة الدبوس
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: والعرف هذا قد يكون عرفًا لغويًّا يعني معروفًا في اللغة، وقد يكون عرفًا شائعًا في خاص يسمونه العرف الخاص كذلك، وقد يكون عرف أهل فنّ معين أو طائفة معينة.
فإذا كان للفظة في اللغة معنى، وفي العرف العام معنى، وفي العرف الخاص معنى آخر — أي كلمة مثلًا "دبوس" — هذه الكلمة في اللغة العربية آلة من آلات الحرب، عبارة عن قطعة صولجان هكذا وفي نهايتها بروز، حتى عندما يُضرب بها العدو أي تؤلمه أو تجرحه أو تؤذيه، هذا هو الدبوس.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: والدبوس في العرف العام الآن؟ لا، الذي نربط به الورق، أو كما عند الخياط الذي يعمل به القماش مثلًا.
تعدد مراتب العرف في كلمة واحدة ووجوب معرفة أعراف الناس على المجتهد
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: في العرف الخاص قد تصل الخصوصية فيه إلى أن المرأة في المطبخ تسمي جزءًا من الدجاجة "دبوس الدجاجة". انظر كيف كلمة واحدة —
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: كلمة واحدة ولها مراتب متعددة. العرف هو العرف الدائم المعتبر، ولذلك فمعرفة الناس واجبة وهي جزء من الاجتهاد، ويسميها الفقهاء "معرفة الناس"، ومعنى معرفة الناس هو إدراك العرف.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: عندما أدخل بلدًا وأريد أن أعمل قاضيًا فيها، يجب أن أدرك أعرافها.
مثال تطبيقي على اختلاف العرف بين القرى في ضمان فعل البهيمة نهارًا وليلًا
فمثلًا في قرية عندنا اعتادوا تمامًا — اعتادوا أي فيها عادة أي في عرف — أنك أنت تحمي لأنك صاحٍ، تحمي البهائم التي تملكها: البقرة والجاموسة وما شابه ذلك.
وبالليل لا يوجد في هذه القرية زرائب، لا يوجد في هذه القرية حظائر، حظيرة بيت عندنا نغلق به. في الدوار في بيتي يكون فيه شيء أضع فيه البهائم؟ ليس عندنا كذلك، ضيق ونحن بالكاد ننام في البيت.
ولذلك البهائم بالليل تُترك خارجًا، تُترك خارجًا وترعى، يمكن أن تقطع الشيء. أكلت البهيمة قليلًا من الزرع المزروع في الحقل.
تطبيق قاعدة الضمان على البهيمة التي أكلت الزرع نهارًا في القرية التي لا حظائر فيها
في الصباح فأكون أنا صاحبها المخطئ وأضمن وأدفع ثمنه تمامًا. ويأتي إليّ صاحب الزرع فيقول لي: البهيمة التي في ملكك — أي في مسؤوليتك — أكلت اليوم شيئًا بخمسة جنيهات وأفسدت لي خمسة جنيهات، فيها ضمان التلفيات واجب، وضمان فعل البهيمة على صاحبها ومالكها.
قوم [أي ينبغي] أن أقول له: متى الساعة كم؟ قال لي: الساعة الثانية عشرة صباحًا، الظهر، عز الظهر. قلت له: تفضل الخمسة جنيهات. هنا أنا كانت في مسؤوليتي حينها؛ لأنها كانت في مسؤوليتي حينها [أي في وقت النهار حيث يجب عليّ حراستها بحسب عرف القرية].
اختلاف الحكم إذا أكلت البهيمة الزرع ليلًا حيث لا حظائر في القرية
لو فعلت ذلك بالليل عند الفجر ونحن نصلي معًا، قال لي: بالمناسبة أنني مررت على حقلي وأنا قادم فوجدت بهيمتك جالسة ترعى في المحصول وأضاعت لي خمسة جنيهات.
فأقول له: هذه مسؤوليتك أنت؛ حفظ البهائم على أصحابها نهارًا، وليلًا ليست في حفظي [لأن عرف هذه القرية أن البهائم تُترك ليلًا لعدم وجود حظائر]. هذا أمر من عند الله: احفظ أنت زرعك.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: بيّت فيه [أي ضع له سياجًا]، أبعدها، قل لها هش، ولا تمكّنها من الإفساد.
اختلاف الحكم بين القرى بحسب وجود الحظائر وقاعدة يضمن من كانت البهيمة في حفظه
بلد آخر، بالعكس ففيها الحظائر، ولذلك فالناس بالليل يكونون مسؤولين عن بهائمهم، وبالنهار لا يكونون مسؤولين؛ لأنه بالعكس بالنهار يترك البهيمة حرة، يترك البهيمة، وبالليل يحبسها عليها، وبالليل يحبسها عليها.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: فإذا اختلف الوضع هكذا فيجب على القاضي الذي يحكم بصحة يعرف بماذا سيحكم. فيقول: إن القاعدة العامة لا علاقة لها بالواقع، وإنما يقول: يضمن من كانت البهيمة في حفظه.
من كانت البهيمة في حفظه يضمن. عندما أتي لأطبق في القرية ألف سأتركها في النهار، وفي القرية ب سأتركها في الليل.
وحدة الشرع رغم اختلاف التطبيق وتغير الفتوى بتغير الأعراف والأحوال
سبحان الله! لا يأتي أحد يقول لي: إذن أنت تغير شرع الله، مرة تحكم بهذا ومرة تحكم بذاك. فلا يقل لي: أنت صاحب ذمتين.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لا، بل أنا صاحب ذمة واحدة وهي أن يضمن من كانت [البهيمة] في حفظه، من كان مالكها في حفظ مالكها، من كانت في حفظه يضمن فعل البهيمة، من كانت — حسنًا — هي واحدة وهذا شرع الله واحد وهذا صحيح.
ولذلك عندما نأتي إلى أمور مثل هذه، كثير من الناس لا يدركون أن الفتوى تتغير بتغير الأزمان والأحوال والأعراف وما إلى ذلك.
[المذيع]: أي نعم.
[الشيخ]: هي تتغير وهذا مثال بسيط، ولكن في آلاف المسائل.
حفظ المجتهد للأعراف وتطبيق الشرع الواحد في قرى مختلفة وتعجب الناس من ذلك
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: يحفظها المجتهد وينتبه لها كي يطبق الشرع واحد، فيلزم في هذه القرية أن يعمل كذا، وفي هذه القرية أن يرجع مرة أخرى كذا.
والناس تتعجب: والله أنت ألم تقل؟ من نصدق: المفتي الذي قال هذا أم المفتي الذي قال هذا؟ وهو لا يفهم هذا ولا يفهم هذا. ولذلك نحن الآن نصرخ في البرية: يا جماعة افهموا!
يقول: إذن هذا أنت قلت مرة كذا وقلت مرة كذا، منذ كم سنة قلت كذا والآن تغير كلامك. هاهو ما هو! لا ينتبه إلى أن هذين موضوعان مختلفان.
[المذيع]: صحيح.
عدم إدراك الناس للفرق بين المسائل المتشابهة ظاهريًّا والمختلفة واقعيًّا
يقول: لا، ما هما هذه بهيمة وهذه بهيمة. ما هو هذا ليس الموضوع! وهذا زرع تلف وهذا زرع تلف. ما هذا تلف وهذا زرع تلف، ما هذا ليس الموضوع! حسنًا ما هذه قرية وهذه قرية. ما هذا ليس الموضوع! حسنًا ما هذا ضمان وهذا ضمان. ما هذا ليس الموضوع!
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: ولا ينتبه. مرة فتاة من فتياتنا الصحفيات اعترضت، وأيضًا جاءت وأنا شعرت — وهي كاتبة المقال مسكينة — أنها اكتشفت اكتشافًا، أنها يعني وجدت أن المفتي قال مرة هكذا ومرة هكذا، ولم ترجع إليّ بالرغم من أنها ترجع إلى المكتب كثيرًا.
قصة الصحفية التي ظنت أنها اكتشفت تناقضًا في فتاوى المفتي
فشعرت أنها فخورة بنفسها: آه أمسكت! ممسكة الآن! آه أنها قد اكتشفت شيئًا.
[المذيع]: بسرعة نقول للناس، نعم طيب، أيمكن أن نعرف تفاصيل هذه القصة يا [مولانا]؟ الجزء الثاني من الحلقة بعد هذا الفاصل.
[الشيخ]: لابد لابد إن شاء الله.
[المذيع]: فاصل نعود إليكم فابقوا معنا.
تفاصيل قصة الصحفية وتوضيح سبب تغير الفتوى بتغير المدخلات
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامج مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة. قبل أن نخرج من الفاصل يا مولانا، فضيلتكم قلتم لنا عن الصحفية التي ظنت أنها أمسكت خطأ؟
[الشيخ]: نعم، من أجل أن تغيّر الفتوى بتغيير مدخلاتها. فهي لما رتبت الأمور جعلت جهاز الإعلام لديّ يتصل بها ويفهمها.
لماذا أنا لم أغضب من الفتاة؟ لأنها — أي لأنها — بذلت جهدًا، بذلت جهدًا، بذلت جهدًا وربطت أشياء مع بعضها وفرحت. فأنا أي لم أرد أن أحرمها من هذه الفرحة، لكن هذا خطأ وفهمناه هنا.
رسالة للمستمعين بضرورة السؤال وعدم الاكتفاء بالظاهر وأزمة الثقة في التقوى
فقالت: يا الله، طيب لماذا لم تقولوا لي؟ نعم، لأنك لم تسألي.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وهذا جزء من الرسالة التي نريد أن نرسلها للمستمعين: اسألوا. وهذا موجود في الثقافة، ونرى كثيرًا من الناس يقولون: أنا لا أريد كلامًا كثيرًا، قل لي وأنا سأفعل.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لأنه يعرف أنها عملية صعبة حتى نصل إلى الحكم المناسب، ولكنه يثق في التقوى؛ لأن الناس غير واثقة في التقوى، والعصر عصر فتن. وبدأ هو نفس تفكير الجماعات المنحرفة عبر التاريخ الإسلامي كالخوارج وكالحشاشين وكالموحدين وكذلك إلى آخره، من أولئك الذين يعني لم يثقوا في التقوى.
التحذير من الاغترار بظاهر التقوى وحديث النبي ﷺ عن الخوارج
يقول لك: الله إن الخوارج هؤلاء كانوا أتقياء جدًّا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم حذّرنا منهم وقال:
قال النبي ﷺ: «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية»
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: أي ليس مجرد ظاهر التقوى هو الصحيح، وإنما الامتثال لأمر الله والخضوع لأمره سبحانه وتعالى هو حقيقة الإيمان.
تحذير ابن الجوزي من الاغترار بطول اللحية وأنها ليست علامة التقوى
ففي بعض الناس عندما يرى أحدًا — ما شاء الله — يظهر على التلفاز ولحيته تصل إلى سرته، يعتقد أن هذه علامة التقوى وأنه تقي وعالم.
وعلى فكرة ليس هذا الأمر مختصًّا بعصرنا، بل هو عبر السنين. فـابن الجوزي حذّر من هذه اللحية التي تطول وتطول حتى تصل إلى السرة ويفتخر صاحبها بها وهي شعثة هكذا وتبدو كالغابة.
وقال في كتابه [أخبار الحمقى والمغفلين]: كلما طالت لحية الرجل عن القبضة — التي كانت شأن رسول الله وكانت لحيته عظيمة وجميلة صلى الله عليه وسلم — كلما طالت كلما أخذت ونقصت من عقله. أي وأورد [ذلك بالأسانيد].
كتاب أخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي وأن الله ينظر إلى القلوب لا الصور
كان ابن الجوزي هذا — ابن الجوزي — في [كتاب] أخبار الحمقى والمغفلين وهو كتاب مسند، هو المطبوع غير مسند حذفوا الأسانيد، لكن هو في حقيقته مسند والنسخة المسندة موجودة.
يقولون: ليس بطول اللحى يستحقون القضاء، إن كان هذا بذلك فالتيس عدل الرضا.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: فانظر كيف هذا تعبير إسلامي وحضاري لحديث سيد الخلق:
قال النبي ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم»
ضرورة التمسك بالعرف الصحيح في عصر الفتن ورأي ابن تيمية في لبس البياض
ولذلك فنحن في عصر الفتن وفي عصر البلاء، أي نحتاج إلى التمسك بالعرف أيضًا، ولكن لا بد أن يكون العرف صحيحًا.
﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]
الحقيقة أن قضية العرف لو اطلع عليها المختلفون أيضًا بشأنها لأخذوا بها. لماذا؟ لأنها من قبيل الاجتهاد التطبيقي.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يقول ابن تيمية في [كتاب] اقتضاء الصراط المستقيم: أن لو أن بلدًا ما جعلت لبس البياض فيها شعارًا للفاسقين.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هل نلبس جلبابًا أبيض؟ لكن هذا جلباب أبيض، هذا سنة! هذا كان يحب البياض صلى الله عليه وسلم.
ترك لبس البياض إذا أصبح شعارًا للفاسقين مراعاة للعرف السائد
لو أنها أصبحت [أي الثياب البيضاء شعارًا] للفاسقين، يبقى محرّمًا عليهم لبسها، فلا ألبس جلبابًا أبيض حينئذ. لا أبدًا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لأنني لست من الفاسقين، لست من الفاسقين، ولا أستطيع أن ألبسها طوال النهار وأنا أمشي أقول لهم: يا جماعة إنني أتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عصره كل الناس، المتكبرين فيهم ومظهر الكبر يُسبل ثوبه، يجر ثوبه خيلاء.
قال النبي ﷺ: «من جرّ ثوبه خيلاء فليتبوأ مقعده من النار»
ونهى عن إسبال الثوب.
قصة سيدنا أبي بكر وإناطة حكم الإسبال بالكبر لا بمجرد طول الثوب
فجاء سيدنا أبو بكر وهو يبكي — ليس فيه كبر بعد الصديق — وقال له: يا رسول الله إن ثوبي طويل فماذا أفعل؟ سيدنا أبو بكر بماله في سبيل الله عليه الصلاة والسلام.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: أي أنه أخرج من ماله كله. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:
«مثلك لا يتكبر يا أبا بكر»
[المذيع]: ما شاء الله، جميل.
[الشيخ]: إذن أناط الحكم بالكبر.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: ألغوا كل هذا وجعلوا هذا أمرًا مستقلًّا لا يتعلق لا بعرف ولا يتعلق لا بكبر، يتعلق بالأخلاق ولا يتعلق بأي شيء آخر.
تنوع ملابس الصحابة وعدم تحديد الشرع لشكل معين للباس
هؤلاء الناس كانت تأتيهم قباطي مصر، وكانت تأتيهم من نسوج اليمن، وكان يأتيهم الأمر من الهند ومن فارس، ويلبسون أي شيء.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: أي شيء كانوا يلبسونه؛ لأن الشرع لم يجعل له حدًّا ولم يعرّفه تعريفًا محددًا لما يُلبس. فحرّم الشرع علينا الذهب وتحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء، أمر واضح.
ولكن عندما تأتي وتجد كل المدينة في أمان الله ترتدي الثياب عادية هكذا وقد أصبح طولها إلى منتصف الساق، فإن رفعها يكون قويًّا إلى النصف؛ لأنهم كانوا عندما سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الإسبال جعلوا ثوبهم وإزارهم إلى أنصاف ساقهم، أخرجه البزار.
التمسك بعرف سائد دون إدراك أنه عرف وليس حكمًا لازمًا
فيأتي لهذه [الصورة] ويتمسك بها، وهو ما لم يدرك أن هذا كان معلنًا بعرف سائد. لو تكرر لفعلناه، ولو أن المدينة كلها — وفي بعض الأماكن في العالم الإسلامي كذلك — تلبس هكذا، فيجب علينا جميعًا أن نلبس كذلك وإلا نصبح متكبرين.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: فإذا شاع في مكان آخر عرف آخر، وحيث إن المسلمين فهموا أن هذا أمرًا لازمًا واجبًا — وإنما هو أمر يتعلق بالعادات — فترى في هذه المدينة ما فيها هذه العبارة، وفي تلك المدينة فيها هذه العبارة، وهكذا.
[المذيع]: صحيح.
عدم التمييز بين العرف والحكم الشرعي نوع من التمرد على العرف
عدم القدرة على هذا التمييز هو الموقف الحقيقي من العرف. في هؤلاء الناس نوع من أنواع التمرد، يعني ليس فقط أنه يعني ليس يريد أم لا، ليس فقط أنه يتمسك بسنة سيدنا رسول الله، بل هو يريد أن يتمرد على العرف.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وقس على هذا كل شيء في الشريعة. فالعرف معتبر وينبغي علينا؛ لأن الله عندما قال:
﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]
يعني ألا تكون سبب إزعاج المسلمين ومخالف [لأعرافهم].
خطورة فرض ما يظنه سنة على الآخرين والتكبر عليهم
ولا يتعدى، يقف الأمر عند أنه يفعل هذا في نفسه ويسكت؛ لأنه يريد أن يتلذذ بما يعتقد أنه سنة من سنن رسول الله، هو يظن هكذا. حسنًا، أنت اعتقدت هكذا وتريد أن تتلذذ بهذا، فلا تفرضها إذن على الآخرين.
لكن الأمر وهو مستمر في طريقه يغيّر العالم، طريقه غيّر العالم الطريق. هذا طريق الجهل وليس طريق العلم: أن يفعل ثم يأمر غيره بالفعل ثم يتكبر.
هذه هي المصيبة الكبرى التي لا حل لها، على من لم يفعل يشعر أن: أنا أحسن منك، أنا متبع سنة الرسول وأنت انظر كيف تتصرف! هذه مصيبة كبرى وبلية عظمى.
ضرورة فهم سنة النبي ﷺ بعمق والتواضع لله بدلًا من التمسك بالظاهر
لأنها تعلقت بالقلوب وتعلقت بالأخلاق التي جاء رسول الله ليتممها، وتعلقت بالعقيدة وتعلقت بالإنسان كإنسان.
فعندما نقول لأولادنا: يا أولاد، سنة رسول الله لا بد أن تفهموها بعمق، ولا بد أن تفهموا الشريعة بعمق.
الله يكون في عون الناس حين يستمعون إلى أولئك الذين يدعونهم إلى الظاهر وإلى تحليته، عن الآخرة هم غافلون. الله يكون في عون الناس لأنهم يمرون أيضًا بحاجة، هي ما هي موجودة في الظاهر ولا بأس بها أيضًا إذا كانت في ظل العرف.
هي القضية أنها أصبحت في ترتيب الأولويات في مكانها، حتى أيضًا نقدم انتماءنا ونخرج من كبرنا ونتواضع لربنا، فنفهم بهذا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ونكون نحن على أعلى درجات التمسك.
ختام الحلقة والوعد باستكمال موضوعات الاستدلال في الحلقة القادمة
[المذيع]: ربنا يفتح عليك يا مولانا، سنستكمل الحوار عن الاستدلال ولكن الوقت يمر معك بسرعة شديدة. ربنا يزيدك علمًا وينفعنا بعلمك يا مولانا.
في الحلقة القادمة إن شاء الله نستكمل موضوعات الاستدلالات الأخرى إن شاء الله.
[الشيخ]: إن شاء الله.
[المذيع]: اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نقدم الشكر والتحية إلى فضيلة مولانا الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا الجهد وعلى هذا العلم، وعلى وعد باللقاء في الحلقات القادمة إن شاء الله من برنامجكم مفاهيم إيمانية، وإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
