برنامج مفاهيم إفتائية (19) - الاستحسان والاستصحاب - مفاهيم إفتائية

برنامج مفاهيم إفتائية (19) - الاستحسان والاستصحاب

23 دقيقة
  • المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً قاعدة تختص بالعقود، حيث تُحمل ألفاظها على العرف السائد في البيئة المحيطة.
  • عند إبرام العقود، يُعتبر ما هو متعارف عليه في المجتمع كأنه مذكور في العقد صراحة.
  • تطبق هذه القاعدة عند الإطلاق في العقود كتحديد العملة في المعاملات المالية، فإذا قيل "مئة ألف" دون تحديد يُحمل على عملة البلد.
  • قد يؤدي العرف إلى فساد العقد كما في حالة القرض الذي يُشترط فيه هدية مع الرد.
  • الاستحسان هو تقديم القياس الخفي القوي على القياس الجلي الضعيف، وليس مجرد تحسين الأمور بالهوى.
  • الاستصحاب يعني استصحاب الأصل واستمرار الحكم الثابت حتى يقوم دليل على تغييره.
  • مثال الاستصحاب: بقاء الصائم على صومه حتى يتيقن من غروب الشمس، وبقاء المفطر على إفطاره حتى يتيقن من طلوع الفجر.
  • تطبق قاعدة "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" في الاستصحاب.
محتويات الفيديو(30 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن العرف

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن يكون مع حضراتكم، وفي ضيافته نكون نحن وحضراتكم في ضيافة فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة في هذا البرنامج، أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: في الحلقة الماضية مولانا كنا نتحدث عن العرف، كان هو من أنواع الاستدلال، فنريد أن نستكمل الحديث عن العرف في مقولة تُقال أو قاعدة فقهية أن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا؟

قاعدة المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً وتطبيقها في العقود

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

هذه القاعدة تختص بالعقود فقط؛ فالعقود موجودة في بيئة معينة، فتُحمل ألفاظها على العرف السائد في هذه البيئة. فالمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، يعني هو معروف ولذلك فهو مسكوت عنه، ولكنه كأنه مصرح به، أي كأننا كاتبين إياه في بنود العقد، كأنّنا كاتبين ذلك في بنود العقد.

أي لنفترض أنني سأعمل بيني وبينك عقدًا، نعم، وقلنا إن البداية بمائة ألف، لكن عندما أذكر مائة ألف ماذا؟ مائة ألف بيضة أم مائة ألف جنيه أم دولار أم يورو أم أي شيء آخر؟ هذا يُحدث فرقًا!

تطبيق العرف في تحديد العملة عند السكوت عنها في العقود

نعم، القيم تختلف حقًا. فعندما قلتُ مائة ألف وسكتُّ، قام القاضي والحاكم بيننا يحمله على عرف البلد، على عرف البلد. ويقول: العرف يا ترى مقر العقد أين؟ مكانه في مصر، حسنًا، وما هي عملة مصر؟ الجنيه من غير منازع، وليس هناك منازع.

يعني عندما تركب الحافلة مثلًا وتُخرج يورو وتعطيه للسائق يقطع لك التذكرة، لن يرضى لأنه لا يعرفه، ما هذا؟ نعم صحيح، ولكن ما هذا؟ أعطيك بعض التذاكر باليورو، إذا كان هذا اليورو غير مستعمل.

الدولار مرفوض، نعم، الدولار نعرفه ونذهب إلى الصرافة ونصرفه وما إلى ذلك، لكن ليس هو الذي نشير إليه عند الكلام.

وجوب تقييد العملة عند مخالفة العرف السائد في البلد

عندما يقول أحدهم للآخر: بكم هذا؟ فيقول له: بخمسة مباشرة، فيفهمها أنها خمسة جنيهات وليست خمسة دولارات. وإذا كان الدولار، فلابد أن يُقيد، فيقول خمسة دولارات.

وكذلك لابد من تقييد الدولار لأن هناك عدة بلدان فيها دولارات، وكل دولار يختلف عن الآخر، فيقول أمريكي، أي لا يقول الدولار فقط حتى لا يُظن أنه دولار كندي مثلًا أو ماليزي، أو ما يسمونه بالرنجيت لديهم، هذا هو دولار.

إذن عندما تأتي العقود، يكون المعروف عُرفًا كالمشروط شرطًا.

الوجه الثاني للقاعدة: دخول الخلل والفساد في العقود بسبب العرف

[المذيع]: جميل.

[الشيخ]: الوجه الثاني للقاعدة: قضية ما يدخل العقود من خلل وفساد، ففيه أيضًا أن المعروف عُرفًا كالمشروط شرطًا ما دام المجال الخاص بنا. ما هي القاعدة؟

فمثلًا أنا آتي لأستلف منك، أقول: أنا أريد أن أستلف منك عشرة آلاف جنيه، وعملنا عقد بيني وبينك على هذا، سواء أكان مكتوبًا أو غير مكتوب، هو عقد اقترضت منك فيه عشرة آلاف، بحيث أنني أردها لك بعد ستة أشهر.

هذا العقد هكذا جيد وليس فيه أي إشكال، إنما جرى العرف في هذا البلد الذي عقدنا فيه العقد على أنه لازم لازب، ولازم اللازب يعني الحتم.

العرف الذي يوجب الهدية مع رد القرض وعلاقته بالربا

أي إنني وأنا أرد لك العشرة آلاف أرد لك معها هدية، فالعرف هكذا. فأرد لك معها خروفًا، وأرد لك معها خمسة كيلوجرامات عسل جيدة من العسل الغالي، وأرد لك معها قفصين أو ثلاثة من المانجا، يعني لا بد أن أرد لك هدية.

كل قرض جر نفعًا فهو ربا، هو ربا صحيح، قرض شرعي طيب.

هذا العُرف الوحيد من غير إقراض ولا شيء، كونُ أنني أُهديك، هذا حسنٌ، نتهادى ونتبادل الهدايا. لكن عندما يرتبط هذا العُرف بالعقد ويُصبح كالمشروط فيه، بحيث أنني عندما أرد لك العشرة آلاف جنيه أقول لك تفضل، فتقول لي: وأين الهدية؟ أين العسل؟ أين المانجا؟ أين الخروف؟

كيف يبطل العرف المرتبط بالقرض العقد لأنه يؤدي إلى الربا

يعني ما لم أحضرهم، فنذهب إلى الناس، فالناس تعتبرني غير جدير. لا تقل لي إنني رجل أخذت عشرة وأوفيتها عشرة وأنا رجل أمين لأنني سددت الدين، لا، بل الناس تقول: عيب عليك، كيف لا تحضر الهدية؟ فمن المعروف أن كل من اقترض لا بد أن يقدم هدية.

فلماذا كان قد أعطاك حملك إذن؟ نعم، أعطاك حملك هكذا لوجه الله، نعم، لوجه الله ويجب أن يكون لوجه الله.

فانظر إلى عبارة المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا التي يمكن أن يبطل بها العقد، يبطل بها العقد. فقد كان مشترطًا أمورًا مختلفة، لكن المهم أن تحضرهم لي ومعهم هدية، هدية جيدة هكذا.

خلاصة قاعدة المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً في مجال العقود

فانظر كيف أن المعروف العرف كالمشروط شرطًا قاعدة بليغة وهي تدخل في مجال العقود، أي فهذا هو معنى المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.

[المذيع]: نعم يا مولانا، يقولون إن العرف إذا اختُلف فيه يجب أن نوضحه، يعني مثلًا الخياط الذي أرسلت له القماش، هل بقايا القماش سآخذها منه أم أن العرف يقضي بأنه في حال كانت أشياء بسيطة يستخدمها هو؟ فيقولون إذا اختلف العرف يجب أن نحدده، أم أن ذلك ليس شرطًا؟

[الشيخ]: هذا نفس ما كنا نقوله الآن. لنفترض أنني أريد أن أبيع لك أو أنت تريد أن تبيع لي الشيء بمائة ألف دولار وليس جنيهًا، نعم، فلا يصح أن تقول لي مائة ألف وتسكت.

وجوب التوضيح عند اختلاف العرف ومثال الإمام الشافعي في عقد الاستصناع

نعم، ولذلك إذا كان هناك خلاف حول المعروف، فلا بد أن توضحه بشكل جميل. فهناك صور كثيرة في الحقيقة في العرف.

نعم، فمثلًا الإمام الشافعي يقول ماذا؟ يقول إنني عندما أذهب إلى صانع - الذي ضربت به مثلًا كالخياط - لكي يفصل لي جلبابًا أو يفصل لي جبة، لا بد أن يكون عقد الاستصناع هذا واضح المعالم.

ويقول لي متى سيسلمني الجبة وكم سيأخذ فيه، فصمت هو وصمت أنا، قال: إذن لا أجر له، لا أجر له، كان متطوعًا بعمل، كان متطوعًا. فالعرف غير ذلك.

دور العرف في تحديد الأجر عند سكوت الصانع وأجر المثل

نعم، هنا سيدخل العرف. نعم، يعني لا أجر له هذا لو أن ما حدث هكذا، أن الرجل الصانع دائمًا يقول [الأجر]. نعم، فعندما جاء هنا ولم يقل، فهذا يعني أنه يريد أن يؤدي لها خدمة.

لماذا؟ لأنه دائمًا ما يُقال [الأجر]، أما إذا كان العرف أنه لا يُقال دائمًا، فيجب علي أن أرد الجميل. حسنًا، كم عليّ أن أدفع؟

هنا سننتقل إلى نقطة ثانية وهي أجر المثل. نعم، مثلما ذهبت لأعمل الجبة، نعم، وسكت لأنه دائمًا ساكت. نعم، والمجتمع هذا يخجل أن يقول الأجر.

كيفية تحديد أجر المثل عند الاختلاف بين الصانع والعميل

نعم، وعندما تأتي لتعطيه الأجر يقول لك: ادفع ما تشاء مثلًا، مجتمع شكله هكذا. وبعد ذلك جئت وأخذت الجبة وقبلتها وسررت منها، السلام عليكم إذن.

حسنًا، فقال لي: أين الأجر؟ قلت له: لقد سكتَّ، نعم، أنت لم تتحدث، لم تقل كم تريد، أنت لم تخبرني. قال: لا، العرف أنني أسكت. قلت له: حسنًا، كم تريد؟ قال: يا هذا، أصبحت هكذا، أريد منك ثلاثة أو أربعة آلاف جنيه.

نعم، الشيء لا يساوي إلا خمسمائة أو ستمائة جنيه. إذن، فلنعد مرة أخرى ونحن قد تخاصمنا، ندفع كم يعني؟ نحن لم نتفق، وأنت تقول لي أدفع الآن، فيجب أن ندفع أجر المثل.

حساب أجر المثل بناء على متوسط أسعار السوق والفتوى به

أي [ما يساوي] السوق، ماذا في السوق؟ ما الذي لدى الخياطين في السوق؟ والله هذه المسألة فيها خياط يأخذ خمسمائة أو ستمائة أو سبعمائة، فيكون أجر المثل هو [ذلك] متوسط هذا الأمر، يكون حوالي ستمائة، وهذا حق.

فهناك خياط يقول لك: أنا رجل لست متفرغًا، وأنا رجل فنان، وأنا رجل آخذ ثلاثة آلاف. إذا وافقت أنا، فقد انتهى الأمر، وها أنا قد جهزتهم له بالفعل.

لكن أن يأتي ويفاجئني ويقول لي: أنا أريد الثلاثة آلاف ونحن لم نتفق أصلًا، وأجر المثل مختلف عن هذه الثلاثة، سندفع أجر المثل، سندفع وسنفتي بأجر المثل تمامًا.

الانتقال من الحديث عن العرف إلى الاستحسان كنوع من الاستدلال

[المذيع]: حسنًا، فلننتقل إلى الفاصل يا مولانا ونعود لنتحدث عن الاستدلال بالاستحسان.

[الشيخ]: نعم.

[المذيع]: فاصل نعود إليكم فابقوا معنا. السلام عليكم ورحمة الله، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم مفاهيم إفتائية. تحدثنا مع فضيلة مولانا في الجزء الأول تحدثنا عن العرف، ونستكمل الحوار إن شاء الله يا مولانا.

نريد أن نتحدث عن الاستحسان كاستدلال أو كأدلة مما يُختلف فيها، الاستحسان أيضًا ما معناه؟ لأن الإمام الشافعي قال: من استحسن فقد شرع، أي أنه جعل موقفًا قويًا من الاستحسان إلى درجة أنه يرى أن من استحسن، يعني ما هي فهمها بمعناها اللغوي؟

معنى الاستحسان لغوياً وموقف الإمام الشافعي منه

[الشيخ]: نعم، الألف والسين والتاء تدخل لطلب الشيء. نعم، استحسن يعني طلب الحسن، الحسن يعني الحسن من عنده، أي هو الذي يقول هذا حسن وهذا قبيح.

نعم، هذا الكلام يقولونه للمعتزلة. نعم، وهو ليس موافقًا للمعتزلة، فقال: من استحسن فقد شرع.

يعني سيدنا الإمام الشافعي كان يظن أن هذا الاستحسان هو قول المعتزلة الذين ينزلون الأمور بأهوائهم أو بما يراه حسنًا في رأيه، فإنه يأخذه، هو الذي يُحسّن وهو الذي يُقبّح.

وصف تلاميذ أبي حنيفة لاستحسانه ومجلسه العلمي الكبير

نعم، لكن الكلام الوارد عن أبي يوسف وعن سيدنا محمد بن الحسن الشيباني وهم يصفون سيدنا أبا حنيفة غير ذلك.

قال: كان لأبي حنيفة تلاميذ كُثر، بعضهم قال وصلوا إلى ثلاثمائة تلميذٍ في الجلسة، ما شاء الله. وكان يناقشه، فإذا وردت مسألة ناقشه، فإذا تكلموا في الأقيسة كادوا يغلبونه، كادوا يغلبونه.

نعم، ماذا يعني ثلاثمائة عالم؟ صحيح، ليس ثلاثمائة طالب علم، هذا ثلاثمائة، هذا مجمع، أي مجمع كبير. فهم يتناقشون في الأقيسة، هذه كلامهم وجيه وكلامهم قوي.

القياس بوابة الفقه وتفوق أبي حنيفة على تلاميذه في الاستحسان

يعرفوا يقيسوا، وقد قلنا قبل ذلك أن القياس هو بوابة الفقه وبوابة القياس والاجتهاد. وهكذا لدرجة أن الشافعي قال في الرسالة: الاجتهاد هو القياس، والاجتهاد هو القياس.

نعم، هو القياس هكذا، هو هو. طبعًا يقصد مثل: الحج عرفة، نعم، الاجتهاد والقياس أي أن أهم شيء في اجتهاد القياس.

فهؤلاء يبارونه في القياس تمامًا. إذن ماذا؟ عرف كيف يربيهم، عرف كيف يدربهم، عرف أنهم فعلًا هؤلاء تلاميذ أبي حنيفة.

نعم، وكان إذا استحسن، لا يُبارَى. خلاص، أصبح دخل في الاستحسان، فلا يستطيع أحد من الجالسين أن يتحولوا إلى تلاميذ مرة أخرى.

الفرق بين مناقشة القياس والاستحسان عند أبي حنيفة وتلاميذه

كانوا قبل قليل الند بالندِّ، وهو كلمة وهم كلمة، ويتحدثون ويفهمون بعمق ويعرفون كيف يطبقون آلية القياس.

أما إذا دخل في الاستحسان، بدأوا يندهشون ويفكرون ويبدأون في حالة التلقي. هذا هو الفرق بين الإمام الأعظم والناس الذين هم كالأطفال في الفقه مقارنة بأبي حنيفة.

كما يقول الإمام الشافعي، وبينهم على فكرة الإمام الشافعي ما لم يلتق الإمام أبو حنيفة، ولكن عندما سمع عن هذه المجادلات والمساجلات والجلسات والمجامع العلمية، لم يستعظم الإمامة كثيرًا.

تعريف العلماء للاستحسان بالعدول عن قياس جلي ضعيف إلى قياس خفي قوي

الإمام الشافعي يرى أن الاستحسان، وهو يعتبر أن كلمة الاستحسان معناها يكون مرفوضًا لأنه طلب الحسن، ويكون هذا مرفوضًا. فكيف إذن بسيدنا أبو حنيفة الذي كان إذا استحسن شيئًا، لا يُبارى، ماذا كان يفعل؟ ماذا؟

العلماء جلسوا يبحثون بدقة عن الإجابة على هذا السؤال حتى توصلوا إلى الآتي: أن الاستحسان العدول عن قياس جلي دنيء إلى مقياس خفي قوي جدًا.

وجميل، انظر كيف يكون لدينا، نعم، شيئان متقابلان: جلي وخفي، قوي ودنيء.

شرح العلاقة بين الجلاء والخفاء والقوة والضعف في القياسين

ودنيء ضعيف، يعني الدنيء، الدنيء يعني الدنيء في مقابل القوة، قوة وضعف ووضوح وخفاء.

جميل، الخفاء يعني ضعيف أيضًا قليلًا هكذا، لأن الجلي هذا يفهمه كل الناس، الخفي يحتاج شخصًا ذكيًا الذي يفهمه. يأخذ القوي والجلي يأخذ الدنيء.

ها، فأصبح لدينا قياسان: أحدهما جلي دنيء والآخر خفي قوي. هذا فيه سلبية وإيجابية وذاك فيه سلبية وإيجابية.

حسنًا، ولكن أيهما نقدم؟ والله الخَفِيَّ لا يعلمه إلا الأذكياء، حسنًا، لقد علمته خلاص، لكن بقوة.

تقديم القياس الخفي القوي على الجلي الضعيف وموافقة الشافعي لو عرف المعنى

وإذا كانت القوة تتقدم فهذا يعني أن القوة تتغلب على الجلاء. هذا الجلاء الذي يفهمه كل أحد، أي أنه ليس مبررًا أنني لأن الناس جميعها تفهمه أن أتخذه، إنما الذي يفهم هذا العمق، هذا العمق مطلوب.

وجد القوة، نعم، القوة مطلوبة. إذن إذا كان الاستحسان هو تقديم القياس الخفي القوي على القياس الجلي الضعيف، فهذا جميل ما شاء الله.

والله، لو عرف الشافعي الاستحسان بهذا المعنى لقبله حقًا. ما الذي يجعله يتجه إلى قياس ضعيف لمجرد أن الناس جميعها تفهمه، ويترك القياس القوي الذي لا يفهمه إلا الأذكياء؟ لا يرى ماذا من الأذكياء الذي يفهمه بشكل صحيح.

منهج أبي حنيفة في تدريب تلاميذه على القياس ثم إظهار الاستحسان الخفي القوي

وهذا قياس وهذا قياس. إذا كان أبو حنيفة يضربهم على آلية القياس بالعبارة التي قلناها، نعم، ويجعلهم يتناقشون فيما بينهم ويتدربون إلى آخره.

ثم يأتي لهم بالخفي القوي، نعم، فكان إذا استحسن لا يُجارى. جميل، ويُخرج لهم الخفي القوي ويُظهره، فإذا بهم يصمتون حقًا، وإذا بهم لا يجادلون.

أصبح، انتهى الأمر، نحن معنا فقط، هذا ذكي جدًا وهذا قوي جدًا. فكان الاستحسان على هذه الهيئة هو قياسين في الحقيقة، أحدهما ظاهر يعرفه كل أحد والطلاب يعرفونه وكذلك.

حقيقة الاستحسان وقبول جميع المذاهب له بعد تعريفه الصحيح

ولكن هناك شيء بالتأمل والتدبر والتوصل إلى حقيقته، فإنه لا يقول به ويأخذ به. فهذا هو الاستحسان.

ولذلك الاستحسان من المختلف فيه، ولكن إذا وصلنا إلى أننا عرفناه بهذا التعريف الذي عرّفه به المتأخرون واكتشفوه من المدرسة الحنفية، فالجميع يقولون به.

[المذيع]: تمام، فاضل يا مولانا بضع دقائق، فيمكن بعد إذن فضيلتك أن نأخذ الاستصحاب الذي هو أن يبقى الشيء على حاله إلى أن يغيره شيء. هل هذا مرتبط يا مولانا بالمقولة: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر؟

معنى الاستصحاب وتطبيقه في مسألة الصيام والإفطار

[الشيخ]: الاستصحاب معناه استصحاب الأصل. نعم، يعني الشيء الذي نحن فيه نستصحبه معنا.

إليك مثالًا بسيطًا، وبالمثال يتضح الحال. جميل، أنا صائم، نعم، فالصيام هو الأصل. هل غربت الشمس أم لم تغرب؟ أنا متحير، إذن أفضل صائمًا كما أنا ولا أذهب لأقول ما دمت متشكّكًا فلأفطر. لا، يجب أن أكمل الصيام مستصحبًا الأصل إلى أن أتأكد.

﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]

ففي التبيّن أنني بعد المغرب أصبحت مفطرًا، فأستصحب الإفطار حتى أتبيّن وأتيقن من طلوع الفجر.

تطبيقات استصحاب الأصل في حالتي التسرع بالإفطار والأكل قبل الفجر

لقد تسرعت وأكلت قبل المغرب واتضح أن المغرب لم يُؤذَن بعد، فأعيد اليوم [أي أقضيه].

سرت على حالي هكذا وجلست آكل وأنا لم يتبين لي أن الفجر قد أذّن، وبعد ذلك اتضح أنه يبدو أنه قد أذّن، فلا أعيد اليوم؛ لأنني كنت مستصحبًا بإفطار منتظرًا أن يأتي الفجر.

جميل، إذن هو استصحاب الأصل يدفعني إلى أن أبقى صائمًا إلى أن أتأكد من الغروب، ويجوز لي أن أبقى مفطرًا حتى أتأكد من الفجر.

جميل، حتى يتبين، انظر كلمة يتبين هي التي جعلت هذا الحكم كذلك.

استصحاب الأصل في ملكية البيت وتطبيق قاعدة البينة على من ادعى

أي يكون إذن الاستصحاب استصحاب الأصل، يعني هناك كلمة نقولها معها استصحاب الأصل، والأصل هو الذي ماذا؟ الحالة التي أنت عليها دائمًا.

نعم، حسنًا، أنا أقيم في بيت وهذا البيت ملكي، خلاص هو ملكي، مستصحب الأصل إلى أن جاء شخص من الخارج وقال: على فكرة، هذا البيت ملكي وملك أجدادي، لكنني كنت مسافرًا وعدت.

نعم، هنا تكون البينة على المدعي كما يُقال، واليمين على من أنكر. أنا هنا أستصحب الأصل، أنا أذهب إلى القاضي فيقول لي: من الذي يسكن فيه؟ فقلت له: أنا منذ أجيال وأنا ساكن فيه.

لماذا؟ لأنني مكثت سنوات فيه، فعلينا أن نستصحب الأصل وندعه مقيمًا فيه.

إثبات الملكية بالبينة والحكم بالشيء الطارئ عند تقديم المستندات

تعال أنت الآن أيها المدعي، أنت الآن قادم من الخارج وتدّعي. قال: لكن معه الحق، وها هي الصور وها هي المستندات وها هي العقود، وادي الشهادة، وادي كذا وكذا وكذا.

يحكم القاضي حينئذٍ بالشيء الطارئ هذا الذي يحتاج إلى إثبات. جميلٌ!

عجز عن الإثبات، فقال: هذه مسألة منذ مئة سنة والمستندات الخاصة بها ضاعت. يقول له: والله لا أستطيع أن أحكم لك. جميلٌ!

صحيح، يقول له: حسنًا، أحلف لك. يقول له: ما لا أستطيع أن أحكم لك، لا أستطيع.

استصحاب الأصل عند عجز المدعي عن الإثبات وبقاء الحال على ما هو عليه

أنت يا أخانا الذي تجلس في البيت، هذا الكلام أنت موافق عليه؟ قال له: والله لا أعرف ولا سمعت عنه أصلًا، يعني أوافق أو لا أوافق.

حسنًا، فلنستصحب الأصل ويبقى الحال على ما كان عليه.

شخص طلق زوجته ولا يعرف هل طلقها مرتين أم ثلاثًا؟ هما اثنان استصحابًا للأصل، والأصل هنا هو قيام الزوجية.

جميل ما شاء الله، وهكذا آلاف الفروع تندرج تحت كلمة استصحاب الأصل.

فهم الناس الخاطئ لاستصحاب الأصل وضرورة تقديم البينة للمتضرر

[المذيع]: الناس لا تفهم هذا يا مولانا، وحتى يعتبرون الحكام ظلمة عندما يقولون يبقى الحال على ما هو عليه وعلى المتضرر أن يلجأ إلى القضاء. يقول لك: ما هذا الظلم! مستولٍ على شقتي ويقولون لي ليبقَ الحال على ما هو عليه.

[الشيخ]: فضيلتك وضحت لنا أن الاستصحاب [يعني أن] الذي في داخل الشقة قبله سنوات، بالتأكيد هذا ملكه حتى يظهر دليل يخالف هذا الأمر.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: هي ليست بالتأكيد ملكه، فهي تحتاج إلى [إثبات]. إذا عجز الآخر، لا يستطيع القاضي أن ينصرك وأنت لا تستطيع أن تنصر نفسك.

غنى الفقه الإسلامي وأهمية التعلم والالتزام بشرع الله

[المذيع]: جميل ما شاء الله، الفقه الذي لدينا يا مولانا مليء بخيرات كثيرة، لكن الناس تغفل عنها.

[الشيخ]: الحمد لله رب العالمين، إنما العلم بالتعلم، ينبغي علينا أن نتعلم وأن نتعلم أيضًا، ما شاء الله.

أيضًا مما حكم به الله سبحانه وتعالى، كثير من الناس تفضل مصلحتها ولا علاقة لها لأنها غافلة هكذا مع نفسها عن شرع الله سبحانه وتعالى.

نقول لهم: لا يا أخي تعال، ليس هناك أحلى من شرع الله، ولا يوجد أهدأ للبال من الالتزام بشرع الله. نحن نريد أن نلتزم بشرع الله سبحانه وتعالى ونريد أن نهدأ له، فتجد أننا كلنا قابلنا بسعادة ولا يوجد خصام، أصبح بعد المنازعة يكون فيه وقار وليس خصامًا.

ختام الحلقة والتوديع مع الوعد بلقاء قادم من برنامج مفاهيم إفتائية

[المذيع]: بارك الله فيك يا مولانا. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعد باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم مفاهيم إفتائية.

فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.