برنامج مفاهيم إفتائية (2) - التعرف على الواقع المعيش - مفاهيم إفتائية

برنامج مفاهيم إفتائية (2) - التعرف على الواقع المعيش

24 دقيقة
  • الإفتاء هو بيان الحكم الشرعي لواقعة عملية، ويرتكز على ثلاثة عناصر: المصادر، والواقع، والربط بينهما.
  • المصادر تنقسم إلى قسمين: مصادر أصلية (الكتاب والسنة) والفقه الإسلامي الموروث الذي يشمل نحو مليون ومائة وخمسة وسبعين ألف فرع فقهي.
  • الواقع ينقسم إلى أربعة عوالم: الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار، ولكل عالم طريقته في الإدراك.
  • عند إدراك الواقع يجب التمييز بين أنواع الشخصيات (الطبيعية والاعتبارية) مثل الوقف والمسجد وبيت المال التي لها أحكام خاصة.
  • الربط بين المصادر والواقع يكون بمراعاة المقاصد الشرعية والمصالح والإجماع واللغة العربية وقطعيات النصوص.
  • الفقيه يجب أن يبني على ما بناه السابقون دون هدمه، مع مراعاة الواقع المعاصر.
  • الإفتاء صناعة مركبة ومعقدة تتطلب معرفة وخبرة وتقوى، وهو تكليف وليس تشريفاً.
محتويات الفيديو(27 أقسام)

مقدمة الحلقة واستكمال عوالم مالك بن نبي والأحداث غير المتناهية

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية.

يسعدنا ويشرفنا أن نكون معكم في ضيافة فضيلة العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا بكم، أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا بكم. الله يحفظك يا مولانا، كنا في اللقاء السابق يا مولانا في الحلقة الأولى وصلنا في نهاية الحلقة أن الأحداث غير متناهية، نريد من فضيلتكم أن نستكمل العوالم الخاصة بمالك بن نبي ونتعرف على الأحداث غير المتناهية؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. كنا قد تحدثنا عن أن هناك أكثر من تسعين مذهبًا فقهيًا وصل إلينا بالكاد ثمانية، وصل إلينا بمعنى أنه قد تأسست هذه المذاهب وأصبح لها كتب معتمدة ومصطلحات، وأصبح لها علماء، وأصبح هناك ترتيب لهذه الكتب والأخذ منها إذا ما حدث أي تعارض، أصبح لها أدلة نوقشت وتبيّنا جهة دلالة كل دليل على الحكم.

عدد الفروع الفقهية في المذاهب وتصنيفها بالأحكام الشرعية الخمسة

هذه المذاهب خُدمت خدمة جيدة ووصلت إلينا. عندما نذهب إلى هذه المذاهب نجد أن عدد الفروع على عدّ بعض الحنفية وصل إلى مليون ومائة وخمسة وسبعين ألف فرع فقهي، مليون ومائة وخمسة وسبعين ألف فرع، يعني كأن لدينا مليون ومائة وخمسة وسبعين ألف جملة مفيدة.

جملة مفيدة فيها المسند إليه الذي هو المبتدأ مثلًا، فعل من أفعال البشر التي هي لا نهاية لها؛ من البيع والشراء والزواج والطلاق والحروب والسلام والعبادات وهكذا.

والأحكام الشرعية الخمسة التي تصف هذه الأفعال: الإباحة وهذه دائرتها واسعة جدًا، والحرام، والمكروه، والواجب، والمندوب.

الركن الأول للإفتاء وهو بيان الحكم الشرعي من المصادر الأصلية

إذن هذا هو المصدر أو الركن الأول من أركان الإفتاء الذي هو بمعنى بيان الحكم الشرعي لواقعة عملية، بيان الحكم الشرعي لواقعة عملية.

فأنا لديّ مصادر، أول شيء يذهب إليه المفتي المصادر. والمصادر تنقسم إلى قسمين: مصادر شرعية أصلية وهي الكتاب والسنة، القرآن الكريم والسنة النبوية، منها التشريع.

أي أنني لست من حقي التشريع، ليس في الإسلام رجال دين أي كهنوت مثلًا يشرّعون للشعب، ما يوجد شيء عندنا كذلك.

﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]

ونعم بالله، والحكم الذي هو لله إما أن يكون مدلولًا عليه بالقرآن، وإما أن يكون مدلولًا عليه بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالقرآن والسنة حجة، والقرآن والسنة المصدران الأساسيان للتشريع.

فهم الأئمة العظام للكتاب والسنة ونشأة الفقه الإسلامي الموروث

هذا أولًا في باب المصادر، أجد الكتاب والسنة، وأجد هؤلاء الأئمة العظام كالشافعي ومالك وأبي حنيفة والأوزاعي وكذلك إلى آخره وجعفر الصادق، وقد فهموا فهمًا دقيقًا مستعملين كل الأدوات الدقيقة للفهم الشرعي السليم، بنيّات خالصة وبتقوى عالية.

فهموا الكتاب والسنة فنشأ من هذا الفهم هذا المليون ومائتا ألف فرع فقهي تقريبًا، أي سنجبر الكسر.

وأصبح هناك الفقه الإسلامي الموروث الواسع جدًا، أصبح معينًا لنا نأخذ منه أيضًا؛ لأنه معين عذب زلال جميل متقن رصين مخدوم خلال أكثر من ألف وأربعمائة عام، مخدوم بآلاف العقول وملايين النظر، وساعات العمل ملايين ساعات العمل أنشأت هذا الفقه، مع تقوى الله وقيام الليل والذكر والتقوى والإصلاح في الأرض.

ثروة الفقه الإسلامي وضرورة مراعاة الواقع المتغير عبر الزمان

هؤلاء الناس، هؤلاء الطيبون العلماء الأتقياء الأنقياء تركوا لنا هذه الثروة والكنز الذي لا يمكن أن نفرّط فيه وهو المعين العملي.

ولكن بالرغم من ذلك إلا أن بعض جمله قد تأثرت بواقعها وزمانها، وهم أمرونا ألا نقف عند واقعهم ومسائلهم، بل لا بد أن نأخذ مناهجهم وأن نستعملها على واقعنا نحن، على واقعنا نحن؛ لاختلاف في الواقع عبر الزمان.

ويُضلّل الإمام القرافي في كتاب له اسمه الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: من ذهب إلى الكتاب فأخذ منه من واقع آخر فوضعه في واقع مختلف يُضلَّل، يعني يقول عليه أنه ضالّ مُضلّ، ضالّ مُضلّ! يا ستار!

ضرورة إدراك الواقع كعنصر ثانٍ في الفتوى وتحديد معنى الواقع

إذن هؤلاء الناس أمرونا رضي الله تعالى عنهم أن نراعي عنصرًا آخر غير المصادر، قال ألا نكتفي بالمصادر، ألا نعلم المصادر فقط، بل علينا أولًا أن نعلم المصادر بكل إتقان.

الأمر الثاني: أن نعلم الواقع. والواقع كلمة فضفاضة، فأردنا أن نحددها، ووجدنا علماء الحضارة ومنهم مالك بن نبي كما ذكرت يحاولون أن يحققوا ويدققوا ويضبطوا هذا اللفظ.

واقع يعني ماذا؟ بعض الناس قالوا الواقع هو المصلحة فزادوا الأمر غموضًا، يعني ماذا المصلحة؟ فوجدنا أن الواقع هذا يمكن يُقسم إلى عوالم ندركها في ذاتها وندرك العلاقات البينية فيما بينها: عالم الأشياء، وهناك عالم الأشخاص أنا وأنت ومن معنا وهكذا أشخاص.

عوالم الواقع الأربعة: الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار والنظم

وهناك عالم الأحداث؛ يقول لك الدولار ارتفع، الدولار انخفض، في أزمة مالية، أحداث، فلان مات حدث، تولى الرئاسة، ترك الرئاسة، حدث، أحداث.

وهناك عالم أفكار، ويكتنف هذه النُّظم، يكتنف هذه الأربعة النُّظم، يعني لا تحسبها خمسة، لا، فلتكن أربعة وتبقى النُّظم هي التي تحيط بها.

كل عالم من هذه العوالم له إدراك، فعندما يأتيني ويقول لي: والله يوجد منتج جديد لخل التفاح ويقولون أن فيه كحولًا، أحلال أم حرام نأكل خل التفاح هذا؟

خل التفاح هذا من عالم الأشياء، عالم الأشياء.

طريقة إدراك عالم الأشياء ودور العلوم التجريبية في الفتوى

عالم الأشياء لها طريقة في إدراكها؛ حيث أنه يجب عليّ أن أدرك الواقع حتى أفتي فيه. أي السؤال: ما هو خل التفاح هذا؟ شكله كيف؟ رائحته كيف؟ هل هو مسكر أم غير مسكر؟ كم نسبة الكحول الذي فيه؟ ما نسبته؟ وما مقدار الكحول هذا؟ وأي نوع من الكحوليات؟

ولذلك قضية عالم الأشياء لها طريقة لإدراكها تقوم بها الآن علوم الكيمياء وعلوم الفيزياء وعلوم التحليل الغذائي وهكذا وإلى آخره، وعلوم الفيزيولوجيا لكي نرى كيف تتأثر وظائف أعضاء الإنسان بهذه المواد، وعلوم كذا وكذا، بعضها في الطب وبعضها في العلوم وبعضها في هنا وهناك.

ولكن في النهاية عالم الأشياء له إدراك معين وطريق معين لإدراكه.

دور المفتي في سؤال الخبير عن حقيقة الكحول ونسبته في المنتجات

أنا أريد كمفتي أن أسأل الخبير، وأنا أتعلم بقدر ما أفهم لغة الخبير واصطلاحاته وطريقته، وأقول له: يا خبير، انظر لي إلى الكحول الذي هنا ما نوعه؟ وانظر لي هل هو الإيثيلي الذي هو الذي يسبب الإسكار أم لا؟ ونسبته تسبب الإسكار الفعلي أم لا؟

هذا يكاد يكون ماء النيل فيه أيضًا كحول، صحيح، ولكن في نسبة ضعيفة جدًا لا تؤثر في الإسكار فلا يكون مسكرًا؛ لأنه:

قال النبي ﷺ: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»

وقال ﷺ: «ما أسكر ملء الفَرَق منه فملء الكف منه حرام»

يعني الذي يسكر من برميل كبير لو أخذ قليلًا في يده هكذا يصبح حرامًا عليه.

حساب نسبة الكحول المسكرة وقاعدة الفَرَق في التحريم

هذا الفَرَق يعادل حوالي مائتي لتر، هذا أكبر من البرميل هكذا، يعني مثل حوض الاستحمام هكذا. حوض استحمام مملوء، إذا شرب أحد حوض الاستحمام وسكر، إذن لا يجوز الكف منه.

طيب، النسبة هذه هي نسبة فعلية يمكن حسابها. فيأتي ويقول لي: والله حدث في هذا الكحول استحالة، يعني تحوّل من مادة إلى مادة؛ لأن الكحول عبارة عن كربون وأكسجين، فتفكك، والكربون صار مع شيء آخر والأكسجين صار مع شيء آخر، إذن أصبح مادة أخرى، إذن ليس حرامًا.

قاعدة الاستحالة في الفقه وحديث النبي في مدح الخل

[المذيع]: حسنًا بعد إذنك يا مولانا، موضوع استحالة الكحول والتحول إلى شيء آخر نعرفه بعد الفاصل إن شاء الله. فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.

السلام عليكم ورحمة الله، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية. قبل الخروج للفاصل كان مولانا يشرح لنا أن لو أحد سأل عن شيء من عالم الأشياء وهو مثل خل التفاح الذي فيه نسبة كحول، هل هو حرام أم لا؟ فقلنا نرجع إلى العلماء. مولانا قال لكي نرى موضوع الكحول هذا هل تحوّل أو استحال إلى شيء آخر أم لا؟ تفضل يا مولانا.

[الشيخ]: فالنبي صلى الله عليه وسلم:

قال ﷺ: «نِعْمَ الأُدُمُ الخَلُّ» رواه البخاري

يعني الغموس، مثلما نقول في مصر أفضل شيء الخل، نغمس الخل.

قاعدة الاستحالة الفقهية وتطبيقها على خل التفاح في السوق

فهل يا ترى خل التفاح هذا حلال؟ ينطبق عليه لفظ الخل الذي قال به الرسول؟ وللعلم الخل لا يكون خلًّا إلا إذا مرّ بكونه خمرًا.

فأخذ العلماء من هذه قاعدة اسمها قاعدة الاستحالة، يعني الأمر إذا استحال من كونه خمرًا وهو نجس فاستحال خلًّا طَهُر، فالاستحالة تُطهّر.

هذا الكلام أنا آتٍ به من أين؟ من المليون ومائتي ألف فرع التي تعب فيها العلماء ألفًا وأربعمائة عام. أريد الآن أن أرى أن الشيء الذي في السوبر ماركت أمامي هذا حلال أم حرام؟

فهذا عالم الأشياء، هذا الواقع.

العنصر الثالث في الفتوى وهو الربط بين المصادر والواقع بسقف المقاصد

العنصر الثالث في الفتوى: الربط بينهما؛ بين المصادر التي تعلمتها في الكلية وفي المدرسة وعلى المشايخ ومن الكتب التراثية رضي الله عن أئمتنا، وبين الواقع المعيش الذي نعيشه.

لا بد أن نحسن الربط، نعمل فيه جسرًا. هذا الجسر لا بد أن يشتمل على:

  1. المقاصد الشرعية: فأنا مثلًا لا أحرّم شيئًا ولا أحلّله وبعد ذلك أعمل فتنة من وراء هذا التحليل والتحريم، أو أقضي على مصالح الناس.
  2. مصالح الناس لا بد أن تُراعى.
  3. الإجماع لا بد أن يُراعى، لا بد أن لا أخرج عن الإجماع.

حرمة مخالفة إجماع الأمة وضرورة التزام اللغة العربية في الفهم

[المذيع]: عن إجماع العلماء ولا عن إجماع الأمة؟

[الشيخ]: عن إجماع الأمة، إجماع الأمة. لا أصنع فرقة بينهم أو فتنة. لا، ما هو إجماع الأمة مخالفته حرام، مخالفته حرام، لا يجوز. يصبح العمل باطلًا لو أنني خالفت الإجماع.

اللغة العربية: لا أذهب لأجلب دلالات أخرى للغة العربية غير الدلالات التي وردت إلينا نقلًا عن العرب؛ لأنه:

﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 193-195]

فمثل هذا يمثل السقف الذي يربط ما بين المصادر وما بين إدراك الواقع.

العوالم الأربعة لإدراك الواقع والفرق بين الشخصية الطبيعية والاعتبارية

فأنا في إدراك الواقع لديّ أربعة عوالم: الأشياء، والأشخاص، والأحداث، والأفكار، والنُّظم التي تجمع بين هذه الأربعة. وأنا في كل عالم له طريقته في الإدراك، قلنا مثلًا لعالم الأشياء.

عالم الأشخاص: هذا أنا أصبح لديّ في الواقع الآن شخصية اعتبارية وشخصية طبيعية، وتختلف الشخصيتان في واقعهما.

الشخصية الطبيعية محدودة، معروف أن لها ميلادًا ولها وفاة، ولكنها تمثل ذمة واحدة. شخص فلان الفلاني هذا شخص وُلد وسيموت ومحدود؛ محدود في ذهنه، محدود في ماله، محدود في حركته، لا يمكن أن يكون في بلدين في وقت واحد.

الشخصية الاعتبارية وتعدد فروعها واختلاف أحكامها عن الشخصية الطبيعية

لكن الشخصية الاعتبارية يمكن أن تكون في بلدين في وقت واحد، بأن يفتح فرعًا في القاهرة وفرعًا في الإسكندرية وفرعًا في لندن. شخصية اعتبارية مثلًا شركة، هو نفس الشخص لديه مثلًا مؤسسته التي لها فروع، أصبحت هذه شخصية اعتبارية.

فمن الممكن جدًا أن تكون متعددة، والغريب أن فرع الإسكندرية استلف من فرع القاهرة مع أنهما الاثنان لشخص واحد، شخص واحد طبيعي، الاثنان هما شخص واحد لأنهما شركة واحدة.

ولكن من ناحية أن هذا في سجلاته يُحاسب حسابًا غير هذه السجلات، فأرباحه مختلفة، والحكومة حين تتعامل معه ضريبيًا مختلفة.

الشركات القابضة كنموذج للشخصية الاعتبارية وإشارة الفقه الموروث إليها

قد يكون شخصًا واحدًا ولديه شركتان أو حتى في منطقة مختلفة ألف وباء، فيقترضون من بعضهم البعض أو يشغّلون بعضهم البعض.

قد تكون هناك شركة قابضة لديها شركة للصحافة وشركة للسينما وشركة للكتب وشركة للمواد الغذائية وشركة للملابس وشركة، وهي شركة قابضة واحدة اعتبارية واحدة وهي شخصية اعتبارية واحدة.

هذا الكلام هذا يريد أن يُدرس مرة أخرى. طبعًا هذا نحن رجعنا، كان قديمًا يتحدثون عن شخص واحد، الآن يوجد شخصية اعتبارية. أشار الفقه الموروث الجميل الرائع الذي يعلمنا ويربينا ويعلم عقولنا كيف نفكر إلى الوقف وأعطى له أحكامًا مختلفة عن أحكام الشخص الطبيعي.

أحكام الوقف والمسجد وبيت المال كشخصيات اعتبارية لا تجب فيها الزكاة

تحدث [الفقه الموروث] عن المسجد وأعطى له كمؤسسة أحكامًا غير أحكام الشخص الطبيعي، تحدث عن بيت المال وأعطى له أحكامًا غير أحكام الشخص الطبيعي.

فالشخص الطبيعي عنده مال، هذا المال يجب أن يزكّي عليه. لكن الوقف لا يزكّي، الوقف لا يزكّي. فلماذا إذن؟ لأن الوقف هذا ملك الله ونعم بالله، الذي اليوم في التعبيرات الحديثة يقولون ملك المجتمع.

أتلاحظ؟ انظر الفرق بين التعبيرين: نحن نقول ماذا؟ خرج من ملكه إلى ملك الله سبحان الله، وهذا يقول لك خرج من ملكه إلى ملك المجتمع. لا بأس عليه، لن نناقش هذه الآن.

الفرق بين ملك الله وملك المجتمع وعدم وجوب الزكاة على الوقف وبيت المال

فقط أنا عندما أعرف أن هذا ملك الله سأتقي الله فيه أكثر مما تتقي الله في ملك المجتمع. ولا تجب عليه زكاة، ولا تجب عليه زكاة.

[المذيع]: طيب، لماذا؟ ألست شخصًا اعتباريًا هو الذي هو الوقف ولك مال وحال عليه الحول وفي ملكك؟

[الشيخ]: قال له لا؛ لأنه هو منه وإليه، هذا من الله فهو ما لا تجب عليه زكاة. بيت المال لا تجب عليه زكاة، بيت المال لا تجب عليه، فعلًا المال الذي جمعناه في بيت المال لن تخرج منه زكاة. المسجد لا تجب عليه زكاة.

الله! يبقى إذن الشخصية الاعتبارية وإن كانت في صور بسيطة وقف أو مسجد أو كذا، الآن تعقدت جدًا.

وجوب إدراك الشخصية الاعتبارية لتحقيق مقاصد الشرع في الفتوى

فيجب عليّ أن أدركها حتى أحقق مقاصد الشرع ومصالح الناس، وألا أخرج في تحقيق هذا عن الإجماع ولا عن اللغة العربية ولا عن قطعي النصوص.

فإذن يجب عليّ في ذهني كفقيه أن أنتبه إلى أن هذا منتمٍ إلى عالم الأشياء فكيف أصل إلى حقيقته وما الوسائل التي توصلني إليه، وأن هذا منتمٍ إلى عالم الأشخاص فأفرّق بين هؤلاء الأشخاص حتى تنفتح لي أبواب أستطيع بموجبها أن أطبّق الشرع الشريف الذي استفدته من المصادر من الكتاب والسنة أو من فهم السابقين كمناهج على الواقع المعاش، فأكون قد طبّقت الشرع الشريف في واقع الناس.

كذلك يطول الكلام إذن في الأحداث وفي الأفكار، كل عالم من هذه العوالم له أدواته. لن ندخل في ذلك الآن حتى لا يتسع معنا الكلام.

ملخص أركان العملية الإفتائية الثلاثة: المصادر والواقع والربط بينهما

إذن نرجع مرة أخرى إلى العملية الإفتائية ونقول إن المفتي يجب عليه:

  1. أن يدرك المصادر.
  2. وأن يدرك الواقع المكوّن من العوالم الأربعة.
  3. وأن يدرك كيفية الوصل بينهما المحدد بسقف مكوّن من المقاصد ومن المصالح ومن المآلات ومن الإجماع ومن اللغة ومن قطعية النصوص إلى آخره.

حتى لا يخرج عن التراث وحتى لا يبقى في التراث أيضًا، أي لا نقف عند مسائل التراث ولا نترك مناهجها.

كيف كانوا يفكرون؟ سنفكر كما كانوا يفكرون بنفس الطريقة، النمط، بنفس التقوى، ومن نفس النسيج، وعليه ننسج وعليه ننسج ونسير.

البناء على التراث الفقهي دون الوقوف عنده مع مراعاة المقاصد والمصالح

ونضع الأثر على الأثر، وكما يقولون الحافر على الحافر، يعني ممسك بحصان نمشي كما يمشي وأمشي خلفه، لكن أنا لست واقفًا ولا أرجع إلى الوراء.

إذن أنا أبني بنيانًا هو بناه، أحيط هذا البنيان ببنيان جديد يحتاجه العصر، ولا أهدم ما بناه؛ لأنه بنى صحيحًا، ولأن هذا كان في وقته كله صحيحًا حتى في جزئياته.

ولكن عندما نطبّقه ينبغي علينا أن ندرك المآلات وندرك المقاصد وندرك المصالح وندرك الواقع المعيش حتى نحقق المصلحة.

تحذير القرافي ممن يفتي بلا تأهيل والإفتاء صناعة مركبة ومعقدة

[المذيع]: يعني إذن يا مولانا موضوع الإفتاء هذا ليس شخصًا يأخذ كتابًا وقرأ كلمتين ثم يخرج ليفتي للناس؟

[الشيخ]: يقول القرافي: ضالّ مُضلّ، ضالّ مُضلّ، هكذا دائمًا، ليس فيها جدال.

وهذه هي الأزمة التي أشرت أنت إليها في حلقة من الحلقات الماضية، الحلقة ربما كانت الأولى، وقلت إنه كثر الكلام في الفضائيات. إذا صدر من مختص فالمختص قد تربّى على ما أقول، أنا أصف ما الذي يحدث في جامعات رصينة مثل جامعة الأزهر مثلًا؛ إنها تعلّمه المصادر وتعلّمه كيفية إدراك الواقع وتعلّمه كيف يربط بينهما.

خطورة من يفتي بغير علم وتسمية الإفتاء صناعة الفتوى

حسنًا، وصاحبنا الآخر، صاحبنا الآخر ظنّ نفسه أنه قد قرأ، ويقولون لنا هكذا: قرأنا المغني لابن قدامة في شهرين! ما شاء الله! قرأت صحيح البخاري وأنا قرأت صحيح البخاري وأنا قرأت لا أدري ماذا.

لكن ليس لديك القدرة على إدراك الواقع ولا أدواته، وليس لديك القدرة على الربط بينهما.

وهذا أمر يحتاج، يعني يجعل الإفتاء صناعة، سمّاها سيدنا الشيخ عبد الله بن بيّه «صناعة الفتوى»؛ لأنها مسألة مركّبة معقّدة وليست مسألة سهلة. مسألة العارف لحقيقتها يفرّ منها ولا يشتهيها، ويشتهي أن يتصبّر الناس بها أبدًا.

الإفتاء تكليف وليس تشريفًا والعارف بحقيقته يفر منه

لم نطلب الإفتاء، نحن كُلّفنا تكليفًا وليس تشريفًا بالإفتاء، فبذلنا تكليفًا وليس تشريفًا.

طبعًا هذا تكليف وليس تشريف؛ لأن الإنسان على هذا شيء متعب، شيء متعب. ولكنه يقول لي هكذا، يقول لي: قف على هذا الثغر، حاضر. هو الذي قال سبحانه وتعالى، هو الذي ساق هذا إلينا.

لو كان المرء يعرف ما فيها لما ذهب إليها، سنهرب منها، سنفرّ منها. لن يشتهيها ويتفاخر بها ويقول: لا أبدًا! ويمسك بالكرسي هكذا: أنا أبدًا لا أترك مكاني هذا أبدًا! هذا مسكين، هذا لا يفهم ما يفعله بنفسه.

التكليف بالإفتاء كالثغر في الزحف لا يجوز التولي عنه

ولكن عندما كُلّفنا وعندما أرسلها الله إلينا هكذا تكليفًا لا تشريفًا، كان لا بد علينا ألا نتأخر؛ لأنه يصبح مثل من ولّى في الزحف الأكبر والعياذ بالله.

فهذا ينبغي أن يُفهم أن الإفتاء تكليف وليس بتشريف.

خاتمة الحلقة والوعد بالحديث عن مواصفات المفتي في الحلقة القادمة

[المذيع]: حسنًا يا مولانا، وقت الحلقة كما أقول لفضيلتكم دائمًا ينتهي مع فضيلتكم. سنقف عند أن الإفتاء تكليف وليس تشريف، ونتعرف على المواصفات الخاصة بمن يفتي في الحلقة القادمة إن شاء الله.

إلى ذلك الحين، اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، هذا الجهد وعلى هذا العلم. على وعد باللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله من برنامجكم مفاهيم إفتائية.

إلى ذلك الحين نستودعكم الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.