برنامج مفاهيم إفتائية (20) - الرؤيا المنامية لا يستدل بها - مفاهيم إفتائية

برنامج مفاهيم إفتائية (20) - الرؤيا المنامية لا يستدل بها

23 دقيقة
  • أجمع علماء الإسلام على أن الرؤيا المنامية ليست دليلاً شرعياً ولا مصدراً للتشريع، عدا رأي شاذ لأبي إسحاق الإسفراييني.
  • وصف النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا بأنها من المبشرات وليست من الأحكام، وميز بين الرؤيا الصالحة التي من الرحمن والحلم الذي من الشيطان.
  • المحفوظ من رؤية النبي في المنام هي الصورة فقط وليس الصوت، فإذا سمع الرائي النبي يأمره بما يخالف الشريعة فهذا من الشيطان.
  • ذكر الدكتور علي جمعة قصة حادثة الحرم سنة 1400هـ، حيث اعتدى مجموعة من الشباب على الحرم المكي بسبب رؤى منامية زعموا أن أحدهم هو المهدي.
  • جمعوا خمسين رؤيا وصنعوا لها أسانيد كالأحاديث، مما أدى إلى فتنة عظيمة وإراقة دماء.
  • من أخطر الفتن الاعتماد على الرؤى في الأحكام الشرعية والعقائد، وحذر النبي من تلاعب الشيطان بالإنسان في منامه.
محتويات الفيديو(23 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالدكتور علي جمعة وطرح موضوع الرؤية المنامية

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون معكم في ضيافة فضيلة العالم الجليل الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بحضرتك.

[الشيخ]: مرحبًا، أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: مولانا، نحن تكلمنا في الحلقات السابقة عن الاستدلال وعن القياس وعن الفتوى والمستفتي إلى آخره. نريد أن نبتدئ الآن مع فضيلتكم، كما يُقال: لا يُفتي ومالك في المدينة، فلا يُفتي فضيلتكم معنا إن شاء الله.

نريد أن نبتدئ نأخذ الموضوعات المثارة في المجتمع التي حولها جدل، ولنبدأ بـالرؤية المنامية. البعض يعتبر أن الرؤية يمكن أن نستدل بها كتشريع إذا كان لها شروط معينة وتوافق عدة أشخاص حلموا بحلم واحد فيكون إذن هذا تشريع، ويقولون إن الأذان جاء برؤية، والبعض يقول هذا تغييب للعقل المسلم، فنريد أن نعرف الوسطية في هذا الأمر؟

إجماع العلماء على أن الرؤية ليست دليلًا شرعيًا وشذوذ رأي أبي إسحاق الإسفراييني

[الشيخ]: بسم الله الرحمن، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الحقيقة أن علماء الإسلام كادوا أن يُجمعوا على أن الرؤية ليست دليلًا شرعيًا.

إلا أن هناك نقلًا عن أبي إسحاق الإسفراييني يعني يتكلم وكأنه كان يرى أن الرؤية إذا تواطأت أو تواترت أنها تكون حجة. وهذا مخالف لما عليه الجماهير، كما أنه مخالف أيضًا للواقع والتجربة التي عاشها المسلمون عبر القرون.

فهذا رأي أبي إسحاق الإسفراييني إنما هو رأي شاذ لا يُؤخذ به. ونصَّ العلماء في كتب الأصول على أن الرؤيا ليست مصدرًا من مصادر التشريع ولا دليلًا على أي حكم شرعي كان.

الدليل من السنة النبوية على أن الرؤيا من المبشرات وليست تشريعًا

أجل، استدلوا على ذلك بأن من المنقول والمعقول؛ استدلوا على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«انقطع الوحي من بعدي، فلا رسول بعدي ولا نبي»

فثقُل ذلك على الصحابة، فقال:

«إلا المبشرات»

يبقى إذا لم يقل إلا شيئًا يعني فيه حكم، إنما فيه بشرى؛ الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو تُرى له، أو تُرى له أحدٌ يراها له. يعني إذن فالشريعة تقول لي أن الرؤيا هي من المبشرات.

التفريق بين الرؤيا الصالحة والحلم السيئ وكيفية التعامل مع الكابوس

وعندما عُرض على النبي صلى الله عليه وسلم بعض المنامات التي فيها يعني إساءة، أو فيها لو أوَّلناها لكان شرًا، والتي يسميها الناس بـالكابوس أو يسمونها بالحلم أو شيء من هذا القبيل، قال:

«الرؤيا من الرحمن» - التي هي المبشرات -

نعم.

«والحلم هذا من الشيطان»

نعم.

«فإذا رأى أحدكم حلمًا» - يعني شيئًا فيه ضرر وشيئًا غير مفهوم هكذا وما فيه بشرى - «فليقم وليتفل عن يساره ثلاثًا»

والتفل هو عبارة عن نَفَسٍ يُخرجه الإنسان على هذه الهيئة من غير رذاذ ومن غير أي شيء، هو مجرد نفخ هوائي هكذا، كأنه يعني يُخرج صوتًا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

إذن فليتفل ثلاثًا وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يحكيه ولا يخصه ولا يُخبر به أحدًا.

نعم.

«فإنه لا يضره إن شاء الله»

يكون هذا هو التعامل مع الحلم السيئ.

الإنسان النائم لا يملك نفسه فلا اعتبار شرعي لما يراه في المنام

نعم، أما في البشارة فلا؛ البشارة هي بشارة. من ناحية المعقول أن الإنسان أثناء نومه لا يملك نفسه، ولذلك فهو منفعل وليس فاعلًا؛ أي تأتيه هذه الأشياء من غير إرادة ولا تحكم ولا ضبط ولا قدرة، ولذلك فلا اعتبار له.

حكم رؤية النبي في المنام والتفريق بين الصورة المحفوظة والصوت غير المحفوظ

ابتدأ العلماء يتحدثون عما هو أعمق من هذا. قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتانا في المنام ما الحكم؟ الحديث يقول:

«وإذا رأيتموني فقد رأيتموني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل بي»

وهنا تحدث العلماء عن مسألة دقيقة جدًا، تحدث عنها ابن حجر العسقلاني وتحدث عنها أيضًا من قبل الإمام النووي، وهو أن المحفوظة من جناب النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي الصورة وليس الصوت.

[المذيع]: الصورة وليس الصوت! ما شاء الله، انظر كيف!

[الشيخ]: نعم صحيح. الصورة هي المحفوظة؛ أي فمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فإن هذا هو المحفوظ، نعم، لا يتمثل به الشيطان.

فإذا سمع والنبي أمامه وكأن النبي يتكلم وأمره بشيء يخالف الشريعة، فهذا لا اعتبار له؛ والنبي لا يتكلم، والصورة صحيحة، والصوت هذا خاص بالشيطان.

أمثلة على الفساد الناتج عن اعتماد الرؤى المنامية في التشريع والأحكام

[المذيع]: بدقة متناهية ما شاء الله! هناك أناس كثيرون يغفلون عن هذا الأمر يا مولانا، وهذا هو سبب الفساد الحاصل في كثير جدًا من الطرق ومن الأتباع الذين ضلوا ممن رأيناهم حتى في حياتنا القصيرة، يعني ثلاثين أربعين سنة مضت رأينا الخلل حدث في هذا.

[الشيخ]: صحيح. هذا [يقول أحدهم]: أنا رأيت النبي قال لي لا تُصلِّ، انتهى! أقول له: النبي؟ نعم. أنت رأيته وقال لك ماذا؟ قال: اقتل! أُذُني! امشِ وراء واحد يقول إنه ربنا! أمشي وراء واحد يقول إنه المهدي! أمشي وراء واحد يقول إنه نبي! أمشي وراء واحد يقول كذا! أعطِ أموالك واخرج منها لفلان وفلان! هذا فاسق أصلًا.

نعم، لا حول ولا قوة إلا بالله. كل هذا الكلام أقول له: أنا مصدقك أنك رأيت النبي، نعم، عليه الصلاة والسلام.

منهج التعامل مع من يدعي رؤية النبي وتحليل العلماء للصورة والصوت

غير بقى واحد يقول له ماذا؟ لا، أنت كاذب. عندما أقول له أنت كاذب هو رأى فعلًا، نعم، يجوز أنه رأى النبي فعلًا، فيتركني أنا. صحيح، يتركني أنا على الفور.

نعم، فالرجل رأى فعلًا النبي، ولكن عندما آتي لأحلها له هكذا مثلما الإمام النووي ومثلما الإمام ابن حجر قاموا بحلها:

«فإن الشيطان لا يتمثل بي» - وفي رواية أخرى - «بصورتي»

فـالصوت غير. هذا، هل انتبهت لما ذكرته؟ فإذن المنام ليس بحجة، ونستطيع أن نقول ونحن مطمئنون بالاتفاق.

الرد على من يستدل برأي أبي إسحاق الإسفراييني وتأكيد أن الرؤية ليست حجة شرعية

ولكن بدلًا من أن يقول لي أحد من الشباب اللطيف هذا: ولكن أبا إسحاق قال! لا، أبا إسحاق الإسفراييني شذَّ وكلامه غير معتبر، والمستقر في علم الأصول أن الرؤية كذلك [ليست حجة]، والدليل عليها أنها من المبشرات، وأنه لا يضبط الإنسان نفسه حال المنام.

[المذيع]: نعم، حسنًا. يبقى إذن الرؤية ليست بحجة، إذا رأى أحدٌ النبي وقال له أمرًا يخالف الشريعة أو أمرًا غريبًا مستغربًا أو أمرًا يترتب عليه ضرر، كذلك حتى لو لم يخالف الشريعة إلا أنه يترتب عليه مضرة؟

[الشيخ]: فـالصورة هي المحفوظة والصوت غير محفوظ.

تأليف كتاب عن حادثة الحرم المكي سنة 1400 هجرية وجريمة جهيمان

[المذيع]: جميل ما شاء الله، والحمد لله.

[الشيخ]: هذا الكلام ليس من اجتهادنا، ولو كان من اجتهادنا لكان مقبولًا، لكنه من نصوص العلماء الأفاضل. وأنا ألَّفت في ذلك كتابًا بعد حادثة الحرم؛ أي عندما وقعت حادثة الحرم واعتدى الأولاد سنة ألف وأربعمائة هجرية أو ألف وتسعمائة وتسعين، لا، ألف وأربعمائة.

نعم، والأولاد اعتدوا على الحرم ودخلوا، كان يوجد واحد مجرم اسمه جهيمان هو الذي قادهم. كان مبنى الأولاد هؤلاء ماذا؟ في العدوان على الحرم! يعني جريمة لم تحدث منذ عهد سيدنا إبراهيم.

نعم، شيء يشيب له الإنسان، يعني أمر عظيم جدًا. صحيح، وقتلٌ ويُقتلون في الحرم واعتداء وعدوان وظلم وإلحاد في الحرم.

لقاء الشيخ بمن شاركوا في حادثة الحرم واعترافهم بأن الرؤى كانت السبب

فأنا تعجبت وسألت وقابلت بعض هؤلاء الناس، قلت لهم: ما الذي حدث لكم؟ يعني أنتم أناس تصلون تصومون مسلمون، كيف أنكم تعتدون على الحرم؟ يعني شيء لا يتصوره مسلم.

قالوا: الرؤى.

قلت لهم: ما الذي حدث؟ قالوا: كان هناك واحد في المدينة اسمه محمد عبد الله، ومحمد عبد الله هذا اسم المهدي المنتظر: محمد بن عبد الله. ومحمد عبد الله هذا هو شاب عادي تمامًا منا وهكذا.

فرأى أحدنا رؤيا في بلد بعيد عن المدينة أن محمد عبد الله هذا هو المهدي، أن الشخص المحدد هذا هو المهدي، وهو واحد منهم.

العودة من الفاصل واستكمال قصة حادثة الحرم ودور الرؤى في استدراج الشباب

[المذيع]: المخرج يقول لي إن وقت الفاصل الأول انتهى، فيمكننا أن نستكمل هذا في الجزء مباشرة في الفاصل الثاني إن شاء الله. فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا نستكمل قصة محمد عبد الله الذي ادعى المهدية سنة ألف وأربعمائة.

السلام عليكم ورحمة الله، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.

مولانا، كنا نتحدث عن موضوع الحرم سنة ألف وأربعمائة هجرية. كانت هذه الجريمة مبناها رؤى رآها هؤلاء الأولاد المساكين؟

[الشيخ]: كان لدى الأولاد، نعم، تشدد وكذا، لكن هذه قضية أخرى. ولكن كيف يتحول المسلم إلى العدوان القبيح المجرم على الحرم؟ وكيف تم الاستدراج؟

استُدرجوا، فقالوا لي أن هؤلاء الأولاد هم أنفسهم الذين قالوا لي، لقد التقيت بهم.

تفاصيل رؤية المهدي وكيف رفض محمد عبد الله الادعاء في البداية

نعم، قالوا: كان لهم أخ اسمه محمد عبد الله في المدينة، في أمان الله ومتزوج، الفتى ويعيش حياته. فرأى أحدهم رؤيا أن محمد عبد الله هذا هو المهدي، هو المهدي المنتظر.

نحن عندنا في أهل السنة لا نقول المنتظر، نقول المهدي. نعم، نقول المهدي. الشيعة يقولون المنتظر لأن عندهم شخصًا معينًا ينتظرونه، هذا شخص معين بالتحديد. أجل، محمد المهدي بن الحسن العسكري، نعم، الذي دخل في السرداب عندهم. نعم، أجل.

فقلت لهم: حسنًا، أجل، الآن هذه الرؤية، شخص رأى رؤية، فما الذي جعلكم بعد حلم؟ أجل حلم.

قالوا: أبدًا، فذهب فبلَّغها لمحمد عبد الله. أجل، قال: أنا رأيت رؤيا أنك أنت المهدي. فقال له محمد: والله يا أخي أنا لست مهديًا ولا غير ذلك، أنا لا أشعر في نفسي بشيء، وأنا رجل عادي أطيع وأذنب وهكذا.

إصرار الأتباع على إقناع محمد عبد الله بأنه المهدي بالصفات الجسدية

قال له [أحدهم]: هذه هي صفات المهدي [أن ينكر]. قال لهم: أنا ليس لدي يا إخواني أنا... قالوا له: لكن أنت فيك صفات المهدي! أجلى الجبهة، أقنى الأنف، أزجّ أبلج، لحيته كثَّة وبطنه طويلة.

الصفات التي وردت في الأحاديث عن المهدي موجودة فيك ومنطبقة عليك. قال لهم: والله أنتم تريدون أن تدخلوني في سرداب مظلم! وأنا هذا أمر عجيب عليَّ، أنا لست مهديًا ولا شيء.

قالوا: أول شيء علامة المهدي أنه ينكر، فأنت أنكرت، تصبح أنت المهدي! فماذا أفعل يا جماعة؟ قالوا له: كما نقول لك، هكذا أنت المهدي.

رؤيا زوجة محمد عبد الله وتأكيد أبيها مما زاد الفتنة تعقيدًا

فإذا بزوجته سمعت هذا الحوار، فتطرق على الباب، فتح لها. ما الأمر؟ قالت له: تعال، عندما كنت من العمر اثنا عشر عامًا رأيت رؤية إنني سأتزوج المهدي!

البنت عندها الآن خمسة وعشرون سنة وكانت ناسية كل هذه المدة وتذكرت الآن! قالت له: أنا صادقة لست كاذبة. لا حول ولا قوة إلا بالله.

وتعال معي لكي نرى أبي ونسأله، أُثبت لك أنني رأيت هذه الرؤيا. فاستدعى أباها بالهاتف، فالأب جاء. ما الخبر يا أولاد؟ قالت له: يا أبي إنني رأيت رؤيا معينة وأنا في الثانية عشرة من عمري، ما هي؟ احكِها.

قال له [الأب]: يا بني، رأت أنها تتزوج المهدي، وأنا ذهبت وسألت إمام مسجدنا عن هذه الرؤيا، فقال: إن شاء الله يكون خيرًا، وأن الله يهديها، والله يمنّ عليها بأن تحافظ على الصلاة. جلس هكذا يقول مثل هذا التأويل.

التحقق من صدق الرؤيا عند إمام المسجد وتصديق القوم بأنه المهدي

وتعال يا ابني، فذهب هو وإخوانه محمد عبد الله هذا والناس الذين تجمعوا لكي يقولوا له إنهم رأوا رؤية. والقوم ذهبوا إلى المسجد مباشرة لكي نتأكد أنه ليس فيه كذب ولا شيء.

فقالوا: ذهبوا إلى المسجد وقابلوا الشيخ الذي قال له منذ ثلاثة عشر أو أربعة عشر أو خمسة عشر سنة، استفتوه في هذه الرؤيا. وصلوا خلفه الظهر وقالوا له: يا سيدنا الشيخ، منذ خمسة عشر سنة نحن قلنا لك رؤيا، وهذه الرؤيا كان لها وضع كذلك.

قال: نعم. أليست متعلقة بالمهدي؟ والرجل يقول على السجية هكذا. صحيح، ما هي؟ قال: البنت بنتك رأت أنها تزوجت المهدي، وأنا حينئذ قلت لها كذا وكذا.

قال: هل تسمعون؟ ها هو ذا! فليكن هو المهدي إذن! انتهى الأمر.

تنامي الرؤى وتوافد أشخاص من مناطق بعيدة يؤكدون أنه المهدي

ما زال، ما زال أيضًا، ما زال هذا بداية، هذا البداية، المشروع بداية الضلالة. أنا شخصيًا لو حدث معي ذلك سأصدق أنني المهدي مع أنه ليس اسمي محمد عبد الله!

فقد حدث ذلك، هو الذي حدث هكذا، الذي حدث هكذا. وترتب عليه غضب الله أعوذ بالله. ترتب على اعتماد الرؤية يا جماعة غضب الله؛ لأنها ليست شرعًا وليست حجة وليست دليلًا.

الرجل محمد عبد الله قال لهم: والله مهما كان ما تفعلون أنا لست مقتنعًا بهذا الكلام. الفتاة رأت وأنت رأيت، ما شأني أنا؟ لماذا تُقحموني؟

بعد قليل وهم جالسون جاءهم واحد من القصيم، من منطقة أخرى، من منطقة أخرى وبعيدة. نعم، ماذا حدث؟ قال: عندنا ثلاثة رأوا أنك أنت المهدي! لا حول ولا قوة إلا بالله! فلان وعلان وتركان رأوا أنك أنت المهدي.

تسجيل الرؤى بأسانيد وتصاعد الفتنة حتى بلغت خمسين رؤية

نعم تحديدًا، وأنا أخذت منهم الرؤى وسجلتها، ها هي، وتوقيعهم ها هو. قال له: ولماذا فعلت ذلك؟ قال: لأني لست مصدقًا، فنمت فوجدتك أنت المهدي! فأصبحنا أربعة، واثنان من قبل ذلك، واحدة منهم منذ خمسة عشر عامًا.

فبدأت الرؤى تتنامى. هؤلاء الجماعة، هؤلاء الأولاد، الأولاد من فضل الله حتى فهم لديهم إخلاص لكن ليس لديهم صواب.

نعم، ذهبوا فعملوا ماذا؟ ذهبوا فعملوا أسانيد لهذه الرؤى! أي يؤكدون من أي ماذا؟ لا! أي مثلًا القصيمي رأى فقالها لمن؟ قالها لفلان وفلان، فأصبحوا يسجلون الأسماء، يبحثون عن السند.

وبعد ذلك يقول إن الرؤى وصلت الآن إلى عشرين إلى خمسين. أما الرؤيا الأولى فقد رواها فلان عن فلان عن فلان عن فلان، وعاشوا كأنها حديث نبوي، عاشوا في هذا نحو السنة.

الضغط النفسي على الشباب وإجبار محمد عبد الله على دخول الحرم

تصور! سنة هؤلاء الأولاد تحت وطأة نفسية تهيئهم لهذا الانتحار الذي انتحروه، وهذا العدوان الذي اعتدوا به، وهذا الطغيان الذي أدخلوا أنفسهم فيه في غضب الله. وكل هذا من اعتماد الرؤية.

[المذيع]: فما عنوان هذه الفتنة؟

[الشيخ]: أجل، اعتماد الرؤية. بدؤوا يسجلون الرؤى حتى وصلت هذه الرؤى إلى خمسين رؤية، خمسين رؤية تقول إنه هو المهدي، تقول إنه هو المهدي.

نعم، الولد مسكين لا يصدق. يقول أيضًا إن هناك ما يشبه الاتفاق، فحملوه حملًا؛ أي حملوه حملًا بالقوة هكذا بالإكراه عليه، وأخذوه إلى الحرم.

كان هناك أثر أن المهدي سيكون رافضًا للمبايعة، نعم، يوجد هناك أثر بهذا. فقالوا: إذن هو هو! انظر، من المؤكد أنه هو المهدي! نعم كذلك، فيكون هذا زيادة تأكيد أكثر.

محاولة محمد عبد الله الخروج من الفتنة وتهديده وقتله في النهاية

بل إن بعض الذين دخلوا هذه الفتنة وقُدِّرت لهم الحياة والسلامة بعدها - لأن كثيرًا جدًا قُتل فيها، نعم - قالوا إن محمد عبد الله هذا مسكين، راجع وقال: أنا سأخرج، أنا لست المهدي، الذي نفعله هذا خطأ.

ولكن هُدِّد وأُبقي وحُبس وكذلك، إلى أن قتلته القوات السعودية المباركة. ويجب أن نقول كذلك، فالقوات التي ضربت هؤلاء الأولاد سيدخلون الجنة إن شاء الله؛ لأنهم دافعوا عن دين الله وعن بيت الله، وأظهر الله على أيديهم الحق ونصرهم وأعزهم.

وهؤلاء الناس كتب الله لهم الأجر الجزيل؛ لأنهم أنقذوا البيت الحرام من هؤلاء المجرمين.

ضرورة دراسة حادثة الحرم واستخلاص الدروس وأن أساس الفتنة اعتماد الرؤيا

كل هذه القصة التي قد لا يكون بعضهم قد سمعوها من قبل، ولم يتحققوا من أمر هذه الحادثة. وأرى المسلمين لا يأتون بذكرها أبدًا، ولم أسمعها في التلفزيونات، ولا أحد يعالجها، ولا أحد أعدَّ عنها برامج، ولا أحد، وكأنها عورة من عورات الإسلام وهي حقيقة!

ما هذا الهراء؟ ما هذا الحمق؟ وإلى أين؟

[المذيع]: ولكن لا بد من دراسة هذه.

[الشيخ]: أنا إنها مؤلمة أيضًا. الناس تحب أن تنسى التجارب المؤلمة، وهذه كانت تجربة مؤلمة، ولكنها أيضًا فيها دروس وعبر ينبغي علينا أن نستخرجها.

من أول هذه الدروس وأعمقها وأساس الفتنة هو اعتبار الرؤيا وأخذها مصدرًا من مصادر الأحكام.

تحذير النبي من تلاعب الشيطان في المنام والتحذير من مفسري الأحلام في الفضائيات

[المذيع]: صحيح، وأنت فضيلتك أثبتَّ لنا أن هذا الأمر غير صحيح.

[الشيخ]: غير صحيح بالمرة، لا عملًا ولا شرعًا ولا تطبيقًا. وسيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام لما جاءه رجل وقال: رأيت رأسي قُطع ويتدحرج على الأرض، قال:

«إذا تلاعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يُحدِّث به الناس»

يعني إذن الشيطان يمكن أن يتلاعب بالناس في منامهم، طبعًا فعل ذلك، طبعًا.

نعم، فإذن فليتقِ الله هؤلاء الذين يتصدرون ليؤولوا الرؤى في التلفزيونات والفضائيات! والحمد لله، ليس هناك رؤيا إلا ويؤولها! سيدنا أبو بكر الصديق يُخطئ في تأويل الرؤيا وهو صدِّيق، والنبي صلى الله عليه وسلم يرده.

فيقول له: يا رسول الله أُناشدك الله فيما أخطأت. فيقول: لا تُناشدني؛ أي لن أقول له هذا السر النبوي.

خاتمة الحلقة والتحذير من التلاعب بتراث النبوة في تفسير الرؤى

وبعد ذلك إذ بنا والحمد لله كل الرؤى خير، وكل الرؤى تحت التفسير، وكل الرؤى... لا! هذا تلاعب بتراث النبوة، وهذا منهي عنه. ونرجو الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة أمر الرشد.

[المذيع]: فتح الله عليك يا مولانا. اسمحوا لي بإسم حضراتكم فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعد باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم مفاهيم إفتائية.

وإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.