برنامج مفاهيم إفتائية (24) - الإسلام لايدعو للفقر
- •أوضح الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية أن الفقير والمسكين المستحقين للزكاة هما من كان دخلهم غير وافٍ لاحتياجاتهم.
- •الاحتياجات تختلف من شخص لآخر، فما يكفي شخصاً قد لا يكفي آخر، لذا ينبغي تنزيل الناس منازلهم.
- •أكد أن الفقير لا يلزم ببيع أصوله كالمسكن والمركب للعيش، فليس عليه أن يبيع قصره أو سيارته ليسكن في مكان أقل.
- •شرع الله الزكاة كفريضة وليست عقاباً للأغنياء، وجعلها فيما يمكن محاسبة الغني عليه.
- •لا تجب الزكاة في الجواهر والأحجار الكريمة لأنها أصول وليس من المعقول بيعها أو كسرها.
- •هناك فرق بين حد الحلال والحرام وحد الورع، فمن باع قصره وسكن بشقة صغيرة فعل ذلك من باب الورع وليس الإلزام.
- •الإسلام دين يحترم الإنسان في رقيه ومشاعره، ولا يهمش أحداً ولا يتعالى على أحد.
- •تطرق للحديث عن البنوك وتطورها وتغير القوانين المنظمة لها.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون معكم في ضيافة فضيلة العالم الجليل العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
حكم بيع الأصول للفقير الذي كان غنيًا وضاقت به السبل
[المذيع]: تحدثنا في اللقاء السابق يا مولانا وما قبله عن الزكاة، وكنا وصلنا في نهاية الحلقة السابقة أن الإنسان الغني إذا ضاقت به السبل وهو في بيته أو مثلًا فيلا على النيل أو شقة على النيل، وبعد ذلك افتقر، لا نقول له اترك الشقة واذهب لتجلس في كوخ. فنريد أن نشرح هذا الموضوع بشيء من التوضيح يا مولانا.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
هذا نص كلام الشيخ إبراهيم الباجوري شيخ الجامع الأزهر المتوفى سنة ألف ومائتين وسبعة وسبعين هجرية، وحاشيته تُعدّ هي من الحواشي المهمة التي تُدرَّس في الأزهر الشريف.
والتي نصت على أن أولاد الناس وهي عبارة عن كلمة كانت تُطلق على أولاد المماليك، ومن المعروف أن المماليك لأنهم اشتغلوا بالجهاد وبالعسكرية كانوا أغنى الناس وكانوا هم الحكام.
فأولاد الناس معناها أولاد المماليك؛ يعني المملوك يكون أجنبيًا وجاء إلى مصر وافدًا، ولكن ابنه وُلد في مصر وعاش في مصر فهو مصري مائة في المائة، وورث عن أبيه أموالًا ثم بعد ذلك ضاقت به الدنيا وفُقدت هذه الأموال وإن بقيت الأصول.
أجل، فليس على الفقير أن يبيع أصوله؛ فلو كان يملك أرضًا أو عقارًا أو شيئًا من هذا القبيل فإنه ليس عليه أن يبيع هذه الأصول.
اختلاف احتياجات الناس وتعريف الفقير بحسب حاجاته الأساسية
[المذيع]: ما شاء الله! ليس عليه أن يبيع الأصول، لا أقول له بِع شقتك بِع سيارتك، أريد أن أقول له أن يبيعها ثم يسكن في أي مكان. صحيح.
والناس مختلفون في احتياجاتهم؛ يعني قد يكون هناك إنسان يكفيه عشرة وهناك إنسان لا يكفيه إلا مائة. نعم، حتى أنهم عدّوا من الحاجات الأساسية بالإضافة إلى المأكل والمشرب والمسكن والعلاج، وهذه الأشياء التي يسمونها الحوائج الأساسية، عدّوا الخادم.
فهذا الرجل لا يصلح إلا أن يسير معه خادم؛ يعني لا يُحسن أن يعمل لنفسه كما يقولون كوب شاي. صحيح، لا يُحسن أن يعمل لنفسه طعامًا، لا يعرف، لا يعرف أن يطبخ، لا يعرف في هذا. وفي تلك الساعة، نعم، فالقضية إذا كانت قضية خرجت عن نطاق فلسفة الفقر.
تعريف الفقير والمسكين وتفاوت الاحتياجات بين الناس في استحقاق الزكاة
جميل ما شاء الله، وأن الفقير والمسكين في التعريف: أنهما من كان الدخل غير وافٍ للحاجات. فما هذه الحاجات؟ الحاجات تختلف؛ فهناك من يكفيه عشرة وهناك من يكفيه مائة.
تخيّل الذي يكفيه مائة هذا دخله خمسون ويستحق الزكاة، وإن الذي يكفيه عشرة دخله سبعة ويستحق الزكاة. قد يقول قائل: ما دام هذا دخله سبعة فإن الذي معه خمسون هذا لا شأن لنا به.
نعم، هذا أكثر، هذا هو المفهوم الذي شاع في الناس الآن وهو مفهوم خاطئ. والصحيح هو أن تعريف الفقير هو أن الموارد لا تكفي الاحتياجات؛ أي احتياجات كل شخص بحسبه.
[المذيع]: يعني ننزل الناس منازلهم.
[الشيخ]: نعم، جميل.
أولوية إعطاء الزكاة للأشد فقرًا والفرق بين الاستحقاق الشرعي والاختيارات الإدارية
لأن هناك شخصًا احتياجاته قليلة، نحن عندما نرى هذا التفاوت أحيانًا نبدأ بالفقير القليل [الأشد فقرًا]، هذا لأمر آخر وهو أن أموالنا لا تكفي الفقراء جميعًا، وإن هذا الفقير نراه غير قادر على إيجاد مورد آخر فعلًا.
ولذلك نقدّمه على من قد نجد أنه يستطيع أن يجد موردًا آخر. هذا الغني أو هو فقير من أبناء الطبقة الميسورة، هذا من أبناء الطبقة الميسورة يستطيع أن يستدين من أقربائه، نعم، يستطيع أن يتدبر أموره أكثر من المعدم.
إنما شرعًا عندما أعطيه الزكاة فقد أديت ما عليّ أمام الله وقُبلت مني وهي إعطاء صحيح. وكل شيء يبقى في فرق بين استحقاق هؤلاء الناس للزكاة شرعًا، وبين تصرفات الصناديق الخيرية والجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني.
عندما تبدأ بطائفة وتفضلها على طائفة أخرى، وتقول إن هذه الطائفة مقطوعة لا تستطيع أن تستعين بأحد وهذه الطائفة يمكن أن تستعين بأحد، إذن فلننقذ هؤلاء قبل هؤلاء. هذه اختيارات إدارية وليست مسائل شرعية [بمعنى الحل والحرمة].
المسائل الشرعية أن الجميع مستحق ولو كان ابن ناس ولو كان عنده أصول من بيت وكذا إلى آخره. فهذا هو منصوص الشرع الشريف فيما ورثناه عن أئمتنا الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
الرد على من يعترض على عدم وجوب الزكاة في المسكن والمركب الفاخرين
[المذيع]: جميل يا مولانا، نحن فضيلتكم تطرقتم إلى القصور والبيوت الفارهة. هنا يحدث في مجتمعنا نقطتان: النقطة التي فضيلتكم أوضحتموها لنا كمفهوم، كان هناك أناس يقولون مثلًا امرأة توفي زوجها توفاه الله وهي في ضائقة لا تعرف كيف تدفع مصروفات أولادها أو نحو ذلك، [فيقولون لها:] ممتلكاتك التي في المكان المعين نحن لن نستطيع أن نعطيك.
الشيء الآخر يا سيدنا، بعض الناس يعترضون الذين ينظرون بمنظور معين يقولون: كيف تقولون إن المسكن لا زكاة فيه والمركب لا زكاة فيه؟ هذا الكلام كان على البيوت القديمة قديمًا المبنية بالطوب اللبن أو الدابة، الآن يركبون سيارة فاخرة ويعيشون في فلل وقصور، كيف تقولون كفقهاء إن هؤلاء لا تجب عليهم زكاة؟ نرد عليهم نقول لهم ماذا يا مولانا؟
[الشيخ]: لما شرع الله سبحانه وتعالى الزكاة شرعها ومكّن الأغنياء من الامتثال؛ أي فشرعها فيما يمكن أن نحاسب عليه الغني إذا ما تخلّف عنها.
مثال المصنع وبيان استحالة فرض الزكاة على الأصول الثابتة
فمثلًا رجل لديه قطعة أرض بأربعين مليونًا، بنى عليها مبانٍ بأربعين مليونًا، وأحضر آلات في مصنعه الذي بناه بأربعين مليونًا، وأتى بمواد خام بأربعين مليونًا، نعم، وأثّث هذا المصنع وأحضر عمالًا وأعطاهم أجورًا وتأمينات وما إلى ذلك بأربعين مليونًا.
نعم، فأصبحنا خمسة أربعينات أي مائتي مليون. نعم، ليس معه نقود الآن في البنك. كان يملك مائتي مليون في بداية السنة فوضعها [استثمرها] بهذه الطريقة.
وجئت أنا وقلت له إنك غني ومعك مائتا مليون، وما دام معك مائتا مليون لأن الدنيا قد تغيرت وهكذا هذا الكلام، فادفع من المائتي مليون ادفع منها اثنين ونصف في المائة.
[المذيع]: يعني خمسة ملايين.
[الشيخ]: خمسة ملايين من أجل زكاة مالك الزكاة المفروضة عليك هذا العام. أنت جلست تبني هذا الكلام في سنة، خمسة ملايين! يقول: حسنًا أنا ليس معي. نعم، صحيح.
حكمة الشرع في عدم تكليف الغني ببيع أصوله لدفع الزكاة
ماذا سيفعل؟ فنقول له ماذا إذن إن شاء الله. هيا بنا نتصور حتى نعرف حكمة الشرع وإنه أحكم من هؤلاء المتكلمين جميعًا.
هيا بنا نتصور حلولًا لهذه الورطة: إنه يبيع قطعة من الآلات، حسنًا ما هذا؟ خراب بيت هذا! صحيح، هذا باع الثمن من الآلات، هذا ممكن أن يدمر الآلات كلها بهذا البيع. صحيح.
ثم إنه عندما يشتريها بخمسة لا يبيعها بخمسة، هذا يبيعها باثنين أو ثلاثة [خسارة]. حسنًا، سيصبح الأمر أنه إذا استدان فستصبح ورطة؛ لأن الرجل لم يكن مدينًا وأنا بعد أن أمرت بهذا الأمر أصبح مدينًا.
يعني كأنني أنا حاقد على الأغنياء وأُفقرهم! لا، الشرع الشريف ليس حاقدًا على الأغنياء، الشرع الشريف يحب الأغنياء ويحب الفقراء وهو شرع الله للبشرية جمعاء. ولذلك فهذا الكلام خطأ.
تراكم الزكاة في ذمة صاحب المصنع وخطورة الآراء التي ظاهرها الرحمة
حسنًا، سأقول له: حسنًا عندما تشغّل المصنع فهو في ذمتك. حسنًا، شغّل هو المصنع بإدارته، وكلما ربح كلما وسّع وكلما جدّد وكلما أضاف وهكذا إلى آخره.
وتتراكم في ذمته كل سنة يقول له خمسة ملايين وأكثر، بات أكثر. يبقى إذن بعد عشر سنوات وجدت عليه خمسين مليونًا وهو الرجل لا يملك هذا المبلغ أبدًا.
تصور أن هذه الآراء وإن كان في ظاهرها الرحمة إلا أن في باطنها العذاب. صحيح، يعني تخيّل أن هؤلاء الناس وكأنهم يبكون على حال الفقراء، ولكن سوف يؤدي كلامهم البسيط هذا إلى إفقار الغني.
الإسلام لا يسعى لإفقار الغني بل يكلف بما يُطاق من الزكاة
لا، أنا لا أريد إفقار الغني ولا أريد أن نكون جميعًا شركاء في الفقر، وإنه إذا لم تستطع أن تساوي الناس في الغنى فساوِهم في الفقر. أي هذه الفلسفة لا توجد في الإسلام.
الإسلام أمرنا بما نستطيع؛ فقال: أنت معك أربعون شاة، قلت له نعم، فقال لي أخرج منها واحدة. تستطيع؟ يمكنني أن آخذ واحدة فيبقى معي تسعة وثلاثون، تسعة وثلاثون سيتناسلون وما شاء الله ربنا يبارك فيهم.
كما نفعل نحن أحيانًا، فذهبنا أنفسنا ذات مرة إلى مزرعة، وجدنا فيها ثلاثين أو أربعين رأسًا من الغنم. نعم، فالثلاثين أو أربعين رأسًا من الغنم هؤلاء لا نعرف ملك من هم.
فسألنا إخواننا: هذه المزرعة كانت ملكًا لمن وهؤلاء ملك لمن؟ واتضح أنهم ليسوا ملكًا لأحد؛ لأنهم تناسلوا هكذا. نعم، الرجل ترك معزة صغيرة هكذا تركها لأن تكلفتها لم تعجبه، ومعزتين نعجتين، والنعجتان تناسلتا بهذا التناسل.
وعندما تعطلت هذه المزرعة قاموا هم بالداخل واكتفوا اكتفاءً ذاتيًا، والله هو الذي حملهم والذي ولّدهم والذي فعل ذلك بأمره سبحانه وتعالى.
الزكاة مقدورة على المال السائل والإبل ولا تجب في الجواهر
أي إذا جاء يقول لي أن عندك خمسة من الإبل فأخرج شاة، حاضر تفضل. أن عندك مبلغًا من المال موضوعًا في البنك فأخرج عليه، حاضر، مقدور.
إنه مقدور أن أتصرف، وحين أقول لا أكون أنا المخطئ، أكون أنا الذي بخلت؛ الله رزقني المائة وأنا أبخل باثنين ونصف. فيكون إذن هنا أنا قادر.
ولكن حين يكون كأحدهم يقول لك ماذا؟ ولا زكاة في الجواهر. أحدهم معه فصّ وهذا الفصّ بخمسين أو ستين ألف جنيه، لا تجب عنها زكاة. كل [أربعين] يعني الآن عليه ألف كل أربعين.
عدم وجوب الزكاة في فص الجواهر لعدم القدرة على إخراجها منه
[المذيع]: بعد إذنكم يا مولانا ننتقل إلى الفاصل ونعود لنستكمل هذا الحوار الشائق، نعم إن شاء الله، يحفظكم يا مولانا. فاصل.
[المذيع]: عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. مولانا قبل أن نخرج إلى الفاصل وصلنا مع فضيلتكم إلى أن فصّ الجواهر أو الألماس لا تجب عليه زكاة حتى لو كان بخمسين ألفًا.
[الشيخ]: لأنه من أين سيأتي بها؟ نعم، يعني أنا لديّ الفصّ وهذا الفصّ بثمانين ألف جنيه، فستجب عليه زكاة مثلًا بالمخّ هكذا يصبح ألفي جنيه.
طيب أنا لا أملك ولا مليمًا [سائلًا]. نعم، فيقول له اكسره مثلًا هات قطعة منه، فنكسره ونأخذه، لا يصلح! لا يصلح. يقول له طيب بِعه، طيب ألست كذلك تدمره هذا!
أنا أحفظه للزمن لكي يعني لعل أن تحدث أمور طارئة فيكون حينها أبيع هذه الأصول. نعم، فالشرع كلّفنا بما يُطاق، والاقتراحات الموجودة [بفرض الزكاة على الأصول] لا يطيقها أحد.
أو قد يطيقها الواحد الفرد والفردان، لكن لا يطيقها الناس عبر العصور. هذا دين يا جماعة، يعني لكل البشرية، هذا دين تعدّى الزمان والمكان.
الفرق بين حد الحلال والحرام وحد الورع في أخذ الزكاة
لكن هذه الأفكار أفكار في ظاهرها الرحمة، في ظاهرها العطف على الفقير، في ظاهرها محاولة حثّ الغني. لكننا نقول لهم: لا، فيوجد فرق ما بين حدّ الحلال والحرام وحدّ الورع.
حدّ الورع يعني نرى الناس لا تسأل الناس الحاجة. ولذلك ترى أن هذا الذي كان ساكنًا في القصر يقول: لا، أنا لا آخذ من الزكاة. هو الذي يقول ليس أنه يستحق [فحسب].
هو الشرع يقول له وصل إليه الزكاة، هذا الشرع كذلك. فهو قَبِل ذلك، انتهى الأمر، لا تثريب عليه. إذا حدث ورفض وقال أنا لا آخذ الزكاة، ماذا أفعل؟
قال: سأبيع القصر هذا وأستثمر ماله وآخذ شقة صغيرة ستكفي. قال: كافح. أجل، هو اعتاد على أن يتريّض في الحديقة في الصباح، هو معتاد على أن هذا القصر بات يفعل فيه هذا.
ولكنه من ورعه باع القصر حتى لا يسأل الناس، وأخذ يأكل ويحلّ المسألة في شقة صغيرة يستطيع فيها السكن أيضًا، ولكن لا تكون مثل ما تعوّد عليه.
بيع القصر والاستغناء عن الزكاة من باب الورع لا الوجوب
[المذيع]: نستطيع أن نقول يا مولانا أن هذا موضوع اختياري وليس إجباريًا، فإن أراد أن يفعل ذلك فهو من باب الورع، من باب الورع وليس من باب الحلال والحرام، وليس من باب حدّ الحلال والحرام.
لو أن الناس فهمت ذلك لاستراح الجميع. هذا الرجل يذهب فيبيع القصر ويستعمل أمواله ويتاجر بها حتى لا يسأل الناس وحتى لا يأخذ من أوساخ الناس [أي الذنوب التي غسلتها الزكاة].
النبي عليه الصلاة والسلام لما كان سيدنا الحسين يأتي وهو صغير هكذا طفل صغير يحبو، يذهب يأخذ تمرًا من الصدقة، فيضرب على يديه هكذا [ويقول]:
قال النبي ﷺ: «كِخ كِخ يا حسين، فإنّا أهل بيت لا نأكل من الصدقة»
انظر إلى الجمال! إذن يعني هذا لأنه حرّم على أهل بيته ألا يأخذوا من الصدقات وقال:
قال النبي ﷺ: «إن فيها أوساخ الناس»
يعني الزكاة تطهّرني وأنا أخرجها فهي خارجة وهي فيها الوسخ [الذنوب]. فالزكاة لها وجه آخر.
نصيحة صاحب القصر بين الاستحقاق الشرعي والسبيل الأرقى
ولذلك نقول إننا الآن نقرر مفاهيم أصلية، وعندما نأتي لنطبّق يكون لنا شأن آخر، يكون لنا نصيحة.
نذهب لهذا الرجل صاحب القصر ونقول له: تنبّه أنك تستحقها [الزكاة]، ولكن يعني ولكن هناك سبيل أرقى يتناسب معك يا ابن الناس ويتناسب مع كونك من أصل طيب، وهو ألا تأخذ من هذه الزكاة ولا تسألها.
وبِع هذا القصر، وهذا ليس فرضًا عليك، واستعمل ماله في التجارة في كذا إلى آخره. قال: والله لا يصلح. قلنا له: ضعه في مصرف، ضعه في المصرف. قلنا له: كُل منه حتى ينفد واتخذ لك شقة صغيرة هكذا، وأغنِ نفسك عن الأخذ من أقذار الناس [الذنوب التي غسلتها الزكاة].
نخاطبه هذا على سبيل ماذا؟ النصيحة.
التحذير من مخاطبة الفقير بالشماتة والتعالي والاستهانة
القضية أن بعض الناس يخاطبونه على سبيل الشماتة؛ يعني أنت جالس لي في قصر! كلا، هذا شعور الشماتة، هذا شعور ليس شعورًا أخلاقيًا إسلاميًا. نعم.
أو من قبيل أنه يتكلم معه على سبيل التعالي، لا، التعالي ليس من الإسلام. أو يكلمه على سبيل شيء من الاستهانة والتهميش، الاستهانة والتهميش ليستا من أخلاق الإسلام.
الذي نريد أن نقرّه في المفاهيم ونحن نتكلم الآن هو أن الإسلام دين يحترم الإنسان في رقيّه ومشاعره، وهو أن الإنسان مكرّم حتى أسجد الله له الملائكة. صحيح.
بل إن هذا الإنسان أُعدّ له جنات حتى يجازيه بما أنعم به عليه؛ يعني هو المال هذا من منّة الله، مال الله. صحيح، وعندما أعبد ربي هو من منّة الله، وبالرغم من ذلك يجازيني إكرامًا لي كإنسان.
المفهوم الراقي للزكاة في الإسلام وتكريم الإنسان
هذا المعنى الإلهي يجب أن يصل إلى قلوب المفتين والعلماء والعوام وجميع الناس، أن هناك مفهومًا للزكاة هو مفهوم راقٍ لا يهمّش أحدًا، ولا يتعالى على أحد، وليس هو منّة من أحد على أخيه.
بل هو فرض من فروض الله سبحانه وتعالى، معناه راقٍ ومعناه قوي. جميل.
حكم وضع الأموال في البنوك بين الإباحة والتحريم وحقيقة المؤسسة البنكية
[المذيع]: سآخذ من كلام فضيلتكم يا مولانا بعد إذنكم، الذي لا يعرف كيف يتاجر في أمواله عندما يبيع أصله نقول له ضعها في البنك. فضيلتكم لكم من قراءة مجموعة من السادة علمائنا أن البنوك بعضهم أحلّها وبعضهم حرّمها، وبالتالي لا ينكر بعضنا على بعض.
ولكن نريد أن نأخذ من فضيلتكم رأيًا أو فتوى كمفهوم: هل يمكنني أن أضع أموالي في بنك إذا لم تكن لديّ القدرة على استثمارها، أم كما يقول بعض الناس أو بعض مدّعي العلم إن هذا ربا وهذا حرام وما إلى ذلك؟
[الشيخ]: إن القضية مبنية على معرفة حقيقة هذه المؤسسة المسماة بالبنك. ولأن هذه المؤسسة لها تاريخ، ولأن هذه المؤسسة أيضًا لها قواعد ووظيفة، ولأن هذه المؤسسة أيضًا ليست من إنشاء المسلمين؛ أي أنها فكرة نشأت في ظل نظام آخر غير النظام الذي وضعه المسلمون.
نرى أن كثيرًا من العلماء يختلفون في إدراك هذا الواقع الذي نعيشه. والقضية الثانية أن هناك اختلافًا بين ما هو مكتوب في تأصيل البنوك وبين ممارسات البنوك في الواقع.
إذ إن المسألة قد تعقّدت فأصبح هناك اختلاف من بلد إلى بلد. وكانوا هم يعلّموننا قديمًا يقولون لك إن البنك في روسيا يختلف عن البنك في أمريكا. جميل، هذا مفهوم البنك في روسيا داخل النظام الروسي يختلف عن مفهوم البنك في أمريكا في داخل النظام الأمريكي تمامًا.
[المذيع]: هذه اشتراكية وهذه رأسمالية، منظومة مختلفة.
[الشيخ]: منظومتان ووظيفتان وهكذا إلى آخره مختلفة.
تطور البنوك في مصر وتغير القانون المصرفي واستعمال لفظ التمويل بدل القرض
ولذلك إذا ما تحدثنا نتحدث عن البنوك في مصر، نعم، ونتحدث عن البنوك في مصر سنة الألفين وتسعة، ألف وأربعمائة وواحد وثلاثين هجرية ونحن نسجّل معًا الآن. فتح الله عليكم مولانا.
تطورت هذه البنوك. نشأ البنك الأهلي المصري في منتصف القرن التاسع عشر، ثم أصبح لدينا الآن في عام ألفين وتسعة أي ألف وأربعمائة وواحد وثلاثين وضع مختلف تمامًا.
القانون تغيّر، كثير جدًا من الناس لم تقرأ القانون الجديد. القانون تغيّر وآخر تغيير له كان سنة ألفين وأربعة. الجهاز المصرفي حتى أنه لم يستعمل كلمة قرض التي هي العلاقة بين البنك والناس، حتى لم يستعمل كلمة فائدة، واستعمل بدلًا منها ألفاظًا أدقّ لوصف وظيفة البنك وهي التمويل.
والتمويل هذا عقد مختلف تمامًا. نعم.
تحريم الربا وتغير وسيط التبادل من الذهب إلى العملة الورقية وإلغاء الغطاء الذهبي
ربنا لما حرّم الربا كان وسيط التبادل بين الناس الذهب والفضة. أي الذهب والفضة ظلّ عماد العملة الورقية عندما صدرت؛ أي في مخزون في البنك المركزي يقوّي ويُعتمد عليه إصدارات الورقة التي بين أيدينا، هذه المائة جنيه مثلًا.
هم يسمونه الغطاء الذهبي. والغطاء الذهبي أُلغي سنة ألف وتسعمائة وسبعين؛ نيكسون أعلن تعويم الدولار وفصله عن قاعدة الذهب، فأعلن العالم كله كذلك.
وظلّ خلال عشر سنوات حتى أن بيروت لبنان كانت آخر من ألغى قاعدة الذهب. نحن اليوم في عام ألفين وتسعة أي بعد ثلاثين أو أربعين سنة من هذه الأحداث، في وضع آخر.
هذه العملة التي بين أيدينا لا غطاء لها، أصبحت ورقة نقدية.
ختام الحلقة والوعد باستكمال موضوع العملة والغطاء الذهبي
[المذيع]: حسنًا مولانا، وقت الحلقة انتهى. يمكننا أن نستكمل في الحلقة القادمة الفرق بين العملة وهي مغطاة بغطاء ذهبي وبين أنها ورقة نقدية. نستكمل ذلك ولتكن هذه حلقة كاملة حتى يفهم الناس البداية والنهاية. جميل، الله يفتح عليك يا مولانا.
[المذيع]: اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعد باللقاء في الحلقة القادمة وحلقات قادمة أخرى إن شاء الله من مفاهيم إفتائية.
فإلى ذلك الحين نستودعكم الله في دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
