برنامج مفاهيم إفتائية (25) - معاملات البنوك
- •شرح فضيلة الدكتور علي جمعة التغير الذي طرأ على النظام المصرفي عالمياً، وتأثيره على الفتوى الشرعية المتعلقة بالبنوك.
- •الفتوى تتغير بتغير الواقع، وقد انفصلت العملات الورقية عن الغطاء الذهبي منذ عام 1970، مما غير حقيقة التعامل المصرفي.
- •البنوك والنقود وجهان لعملة واحدة، والبنوك تؤدي وظيفة مهمة في منع التضخم الذي يضر بالفقراء.
- •الربا محصور في الذهب والفضة عند الأئمة الأربعة، والأوراق النقدية الحالية ليست ذهباً أو فضة.
- •القانون المصري يجعل البنوك مؤسسات تمويل وليست مؤسسات قرض، ولها أنظمة لمنع التضخم.
- •يجب على العلماء دراسة القوانين الجديدة وواقع البنوك قبل إصدار الفتاوى المتعلقة بها.
- •عدم وجود البنوك قد يسبب تضخماً يؤدي إلى الربا الفعلي ويضر بذوي الدخل المحدود.
- •الهامش المصرفي هو لضبط التعاملات وليس ربا، والبنوك تتبع نظاماً مصرفياً متكاملاً.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وملخص اللقاء السابق عن البنوك
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون معكم في ضيافة فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار. أهلًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: في اللقاء السابق يا مولانا من مفاهيم إفتائية كنا نتحدث عن البنوك، كنا نتكلم عن زكاة المال ودخلنا في موضوع الذي سيبيع الأصل ويتاجر بماله أو يضعه في البنك. وفضيلتكم أوضحتم لنا أن البنوك تغيرت، وهناك فرق بين العملة المغطاة بغطاء ذهبي وبين ورقة البنكنوت الحالية. تفضل يا سيدي.
الفتوى تتغير بتغير الواقع وموقف جمهور العلماء من البنوك حين كان الغطاء ذهبًا
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الفتوى على قدر الواقع، وإذا تغير الواقع فإنه لا تصلح معه فتوى قد صدرت في زمان آخر.
صدرت فتاوى بشأن البنوك لما كان الغطاء ذهبًا، وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه المعاملات المبنية:
- أولًا على مفهوم القرض.
- وثانيًا على مفهوم ثبات الفائدة.
- وثالثًا على مفهوم الضمان أنها أموال مضمونة مهما كانت.
إن ذلك من قبيل الربا. وصدرت في شأن هذا آراء ومؤلفات ومجامع علمية وكذلك.
تغير الوضع بعد عام 1970 وقرار نيكسون فصل الدولار عن قاعدة الذهب
ولكن تغير الوضع، وأصبح بعد سنة ألف وتسعمائة وسبعين الوضع مختلفًا إلى حد يوجب على الناظرين والعلماء أن يعيدوا النظر في القضية مرة أخرى.
كل ما نسمعه في معظمه مبني على أن هناك قاعدة للذهب ما زالت معمولًا بها، في حين أن نيكسون من أجل أن يتهرب من مديونية الولايات المتحدة الأمريكية لفرنسا فإنه قرر فصل العملة الورقية [الدولار] عن قاعدة الذهب.
وبذلك لا يكون الدفع إلى فرنسا بقيمة الذهب، وإنما بقيمة ما يطبعه هو في مطابعه.
كيف استغل نيكسون فصل الدولار عن الذهب لسداد الديون الأمريكية لفرنسا
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وحينئذ يستطيع أن يوفر واحدًا إلى خمسة وثلاثين من المديونية، أي لو كان عليه خمسة وثلاثون مليونًا مثلًا في ذمته فإنه يستطيع أن يدفع مليونًا واحدًا فقط، الذي هو مليون ذهب ولكن بخمسة وثلاثين دولارًا، فيدفع له ما طبعه بالرقم خمسة وثلاثين ويقول له سددت ما عليّ.
أي يخدعهم بقليل من الورق الملون ويأخذ الذهب لنفسه. رفض ديجول وهدده بالحرب، ورد عليه نيكسون بأنه مستعد لهذه الحرب.
تحذير محافظ البنك الفيدرالي من التضخم وإلغاء جميع دول العالم لقاعدة الذهب
في هذا الحين تدخل محافظ البنك المركزي الفيدرالي الأمريكي وألف كتابًا صغيرًا مطبوعًا وموجودًا متاحًا عن هذه المصيبة التي سوف تحدث وعن التضخم — يسمى بالإنجليزية التضخم — لأن هذا وإن كان فيه بعض الخير المؤقت وهو سداد مديونية الولايات المتحدة لفرنسا، إلا أن فيه الشر كله للبشرية جمعاء.
ولكن بالرغم من ذلك ولتمكن أمريكا العسكري والاقتصادي ولسيطرة الدولار على المنتجات البترولية وغير ذلك من أحوال الأسواق، فإننا رأينا التضخمات ورأينا أنه قد اشتركت في إلغاء قاعدة الذهب جميع دول العالم، وكان آخر هؤلاء ومن آخرهم — كان من أولهم — الكويت، ومن آخرهم لبنان.
جهل كثير من الناس بحقيقة أن النقود هي البنوك وأنهما شيء واحد
كل هذه المعلومات كثير من الناس لا يعرفونها ولا يدرسونها. وكان أساتذتنا في الاقتصاد عندما يعلموننا البنوك في مادة مستقلة — البنوك والنقود والبنوك — يقولون لنا: العنوان خاطئ. العنوان خاطئ من البداية، من بداية المحاضرة هكذا.
النقود والبنوك العنوان خاطئ. لماذا يا جماعة العنوان خاطئ ونبقى على خطئهم؟ لماذا؟ يعني هذه المادة اسمها هكذا: النقود والبنوك. يقولون: الصحيح أن النقود هي البنوك. النقود هي البنوك، هذا هو الصحيح، وليس نقودًا وبنوكًا.
النقود والبنوك معناهما أن هناك تمييزًا بين مفهوم النقود ومفهوم البنوك. النقود هي البنوك وهما وجهان لعملة واحدة. معنى ذلك أن البنك هو النقود والنقود هي البنك.
من قال إن البنك حرام فقد قال إن النقود الورقية حرام وموقف عبد القديم زلوم
هذه حقيقة بسيطة وكلمة بسيطة ودرس بسيط، ويبقى أنه قال في أول درس: النقود والبنوك أنهما شيء واحد. إذن من أراد أن يفهم واقع البنك في هذا يعني يفهم كل شيء.
الذي يقول إن البنك حرام يعني معناه أن النقود الورقية التي يتعامل بها الناس الآن حرام. صحيح، ظهر أحد العلماء اسمه عبد القديم زلوم يقول هذا، أن الأوراق البنكية حرام، وألف كتابًا اسمه «النقود في دولة الخلافة» وهو موجود في الأسواق.
ويقول فيه إننا إذا ما عدنا إلى دولة الخلافة فإننا سوف نلغي هذه الأوراق ونعود مرة أخرى إلى الذهب، إلى التعامل بالدراهم الفضية والدنانير الذهبية. الدراهم الفضية والدنانير الذهبية.
الحقائق الأساسية لفهم البنوك: النقود هي المصارف وانفصال الأوراق النقدية عن الذهب
الأمر سائر إن شاء الله، عندما يعودون إلى الخلافة التي يسعون لإقامتها فليفعلوا ما يريدون. صحيح، نحن نسأل الآن عن المؤسسة المسماة بالمصرف: ما الحكم فيها؟
إذن يجب أن نفهم الحقيقة الأولى وهي أن النقود هي المصارف. ويجب أن نفهم الحقيقة الثانية وهي أن الأوراق النقدية قد انفصلت تمامًا عن الذهب.
ويجب أن نفهم الحقيقة الثالثة وهي أن للبنوك وظيفة في المجتمع ينبغي أن نفهمها، وهي أنها تمنع التضخم. وذلك لأنه لو تركنا الأمور دون بنك فإننا بعد ذلك سنجد أنفسنا نذهب لنشتري علبة سردين بمئات الآلاف من الجنيهات.
وهذا التضخم حدث في ألمانيا وحصل في تركيا وحصل في لبنان عندما اختلت موازين إدارة البنك مع النقود المعروضة في المجتمع.
الحقيقة الرابعة والخامسة: البنوك نشأت من نظام غربي ومصر تمارسها منذ القرن التاسع عشر
الحقيقة الرابعة أن هذه البنوك نشأت وترعرعت ووردت إلينا من نظام آخر غربي لا نفهمه كثيرًا، ولذلك فإن الحقائق الأولى لها ليست مستقرة لا في أذهاننا ولا في وجداننا.
الحقيقة الخامسة أن مصر تمارس هذه القضية منذ منتصف القرن التاسع عشر وإلى اليوم، وأنها لا تبالي بالرأي الشرعي، أي هي مستمرة في السير، قد مضت، وليس هناك محطة يقفون فيها.
لا الذين يتعاملون مع البنوك يعني منتظرون فتوى المفتي، ولا الحكومة منتظرة فتوى المفتي.
الرد على من يزعم أن الحكومة تضغط على العلماء لتحليل البنوك
وكلام مضحك تقوله مواقع الإنترنت وكذا إلى آخره مع بعض الشباب مع بعض الإخوة — سامحهم الله — نلتقي إن شاء الله القيامة عند الرحيم الرحمن.
يقولون إن الحكومة هي التي تؤثر على علماء الدين لكي يقولوا ولكي يكون هناك اطمئنان. فالحكومة لا استشارت علماء الدين، والحكومة لا تستشير علماء الدين، ولا تريد أن تستشير علماء الدين.
القضية أن الذي يلح في السؤال لكي ندرس ولكي نفتي هو الشعب، وهو كذلك الشعب الفقير وليس الشعب الغني؛ لأنه هذا الذي يأتي ويقول: أضع أموالي، أنا معي مائة ألف، مائتا ألف — يعني أشياء تُعد في أرقام المال قليلة — أضعها في البنك فقط لأنني امرأة عجوز توفي زوجي، أو أنا رجل أصبحت على المعاش، أو كذلك إلى آخره.
فالذين يسألون الناس محدودو الدخل، يعني الذين هم على قدرهم، وليس الذين يسألون الحكومة. والحكومة لم تسأل في هذا السؤال ولا تريد أن تسأل.
الرد على اتهام الضغط على العلماء وأهمية معرفة القوانين المنظمة للبنوك
لا، بل هم يضغطون عليكم! هذا كلام سخيف وكلام قليل لا ينبغي أن يصدر خاصة من المشتغلين بالعلم. يصدر من الأولاد صغار السن، هؤلاء ما عليهم شيء يعني هم سفهاء الأحلام فلا عليك، فالنبي ﷺ وصفهم بأنهم سفهاء الأحلام.
لكن يصدر من أناس كبار وهو لا يعرف البنك ولا يعرف النقود ولا يعرف تاريخها ولا يعرف كذلك — وهو هذا المهم وأشرت إليه في حلقة سابقة — القوانين التي تنظم والتي تبين ما معنى البنك.
فهنا قانون صدر عام ألفين وأربعة، فهل اطلع عليه هؤلاء المتحدثون؟ في هذا القانون بيّنوا أن البنك يقوم بعملية تمويل وليس بعملية قرض. تمويل وليس قرض، يعني ليس قرضًا جالبًا للنفع فهو ربا. هذا تمويل لشيء استثماري. هذا كان قديمًا، هذا كان زمانًا قديمًا.
الإفتاء بدون علم وتغير الأوضاع بين فتاوى مجمع البحوث القديمة والجديدة
إذن نحن نفتي بدون علم ونفتي بدون دراسة. وابن القيم يقول لك: مجمع البحوث الإسلامية في عام كذا وستين في دورات كذا وستين وضع [قرارًا]، وفي عام ألفين وتسعة وضع [قرارًا] آخر. تغيرت البلاد ومن عليها:
فوجه الأرض المغبر القبيح ... تغير كل ذي لون وطعم وزالت بشاشة الوجه الصبيح
بشاشة الوجه الصبيح. وبعد ذلك قالوا إن التنوين من أجل الوزن ذهب. أي يا أخانا لماذا تقرأ؟ ليقول لك: لا، نحن قرأنا، نحن علماء. لا تقل لي اقرأ! واحد يقول لي: لا تقل لي اقرأ، لا تقل لي اقرأ، لا تقل لي اقرأ! أنا قرأت وانتهيت ولدي دليل في سنة ستين. ها هم العلماء اجتمعوا وقالوا. الحمد لله رب العالمين، إنا لله وإنا إليه راجعون.
القراءة أمر رباني لا ينتهي ومن ظن نفسه عالمًا فقد جهل
اقرأ! هذا أمر رباني وإلهي، ما كان ينبغي له أن يغضب على قوله الحقيقة. لا تقل اقرأ، لا تقل اقرأ! فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
يقول اقرأ وعلى الفور، وكلما تقرأ القرآن سيقول لك اقرأ؛ لأن القراءة لا تنتهي. صحيح، ومن ظن نفسه عالمًا فقد جهل. لا حول ولا قوة إلا بالله.
الحقيقة السادسة: القانون المصري يجعل البنوك مؤسسات تمويل تمنع التضخم
على كل حال، القضية الآن هي أن الحقيقة السادسة هي أن القانون المصري يجعل البنوك مؤسسات تمنع التضخم وتقوم بعمليات التمويل، ولا تقوم بمنح ما يسمى حتى بالفائدة، وإنما تقوم بمنح جزء من أرباحها بطريقة منظمة يسيطر عليها البنك المركزي.
ومع قضية عرض النقود [في] المجتمع تتم محاصرة الغلاء ومحاصرة التضخم، بحيث أنه لا يصاب ذوو الدخول المحدودة.
عدم وجود البنك هو الربا الحقيقي لأنه يسبب التضخم الذي يسرق الفقير
فأنا أعتقد أن عدم وجود البنك هو الربا. عدم وجود البنك هو الربا؛ لأنه عدم وجود البنك ماذا سيحدث معه؟ سيحدث معه تضخم، والتضخم ماذا سيكون؟
أنا رجل دخلي خمسمائة جنيه في الشهر، أشتري اللبن بجنيه، يصبح بثلاثة جنيهات، وبعد ذلك لكي يأكل طفلي ويشرب اللبن وبعد ذلك يصبح بخمسة جنيهات. خمسمائة جنيه التي كانت تمكنني من أن أشتري خمسمائة كيلو ستجعلني أشتري مائة كيلو.
إذن تحركت ونزلت تحت خط الفقر، سُرق الفقير. صحيح.
علة تحريم الربا هي حماية الفقير والزكاة جاءت لتثبيت الأسعار
طيب، الربا حُرِّم لماذا؟ المائة جنيه بمائة وعشرة، أي العشرة زادت من دون عمل. يوجد قرض بمائة جنيه — بمائة جنيه ذهب — وتُرد له مائة وعشرة ذهب. الأسعار الثابتة سترتفع؛ لأن العشرة هذه آتية من دون عمل، من دون أن يكون مقابلها إنتاج.
فهذا الذي يسميه تضخمًا، أي اللبن الذي بجنيه سيصبح بجنيه وعشرة قروش. فربنا قال: لا، مراعاة للفقير. هذا هو.
يريدون أن نثبت الأسعار، لماذا؟ فنعمل أمرين:
- نحرم الربا.
- ونأتي بالزكاة.
جميل، نحرم الربا ونوجب بالزكاة حتى يكون الجنيه هو الذي يأتي بعلبة اللبن الذي يُشرب ويبقى كذلك والحكاية تستر.
فاصل وعودة للجزء الثاني من الحلقة مع تلخيص ما سبق عن البنوك والربا
[المذيع]: جميل، طيب نخرج للفاصل يا مولانا ونعود نواصل هذا الحديث الممتع وهذا العلم الغزير. يزيدك الله علمًا يا مولانا ويجعله يتدفق هكذا وينفعنا بعلمك يا مولانا. فاصل ثم نعود إليكم فابقوا معنا.
السلام عليكم ورحمة الله، عدنا إليكم من الفاصل في الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم مفاهيم إفتائية. الذي كان معنا من بداية الحلقة، أسأل الله أن يكون قد انتفع بهذا العلم الغزير من فضيلة مولانا العلامة الدكتور علي جمعة.
فضيلة مولانا، وصلنا إلى حد أن البنوك عدم وجودها هو الذي يمكن أن يسبب الربا؟
التضخم هو السبب الحقيقي لتحريم الربا والزكاة جاءت حفاظًا على الفقير
[الشيخ]: نعم، عدم وجودها يسبب التضخم، والتضخم هو في ظني السبب الحقيقي لنهي الله سبحانه وتعالى عن الربا، واعتبار أن الربا هو حرب يجب علينا أن نحاربها — من الله ورسوله — في حرب من الله ورسوله ضد الربا.
وذلك حفاظًا على الفقير. والزكاة جاءت حفاظًا على الفقير. الزكاة ركن من أركان الإسلام والربا محرم باتفاق المسلمين.
واقع المصرف القائم على الاستثمار والتمويل والرد على شبهة الفائدة المركبة
إذن نحن لدينا واقع أن هناك مصرفًا يقوم بعملية الاستثمار، وذلك بأنه يأخذ مدخرات الناس ويستثمرها بتمويل للناس.
[المذيع]: نعم، فيأتي أحد ويقول لي: سؤال هنا أريد أن أستفسر عنه. هذا [البنك] يعطي التاجر والصانع الأموال ليعملوا بها وكل شيء ويربحون، لكن في يوم ما لا يربحون فإنه يفرض عليهم فائدة مركبة، وهذه الفائدة المركبة هل هي حلال؟
[الشيخ]: أقول له إن للبنك نظامًا، ومن ضمن هذا النظام أن يُهمّش المديونية حتى لا تصل إلى ما يسمى بالأرباح الوهمية. أي أن البنك لديه عند أشخاص مليون جنيه ولم يدفعها لهم، فيأتي ويضعها جانبًا ويجعلها في الهامش ويجعل هذا المليون كما هو ويضعه في الديون تحت التحصيل.
إذن قصة هذه الزيادة هي شيء لا علاقة له بهذا المليون.
نظام البنك في تهميش المديونية والحكم القضائي بعدم أخذ زيادة عن الأصل
ولذلك يأتي في المحكمة ويُحكم بأنه لا تأخذ زيادة عن المليون، خذ مليونك، خذ مليونك. يأتي في المحكمة يقول إن زيادتها خمسة في المائة فقط.
أليس أنت الذي جعلت له الزيادة مائتين في المائة؟ فنقول لصاحب البنك: لماذا جعلت الزيادة مائتين في المائة؟ أليس هذا حرام عليك؟ قال: والله هذا ضغط عليه، الله يعني ليس حقيقيًا. قال: لا، ليس حقيقيًا، هذا ورق الضغط حتى يأتي عاجلًا ليدفع ما عليه بسرعة؛ لأن هذه أموال الناس ويريدونها. وهكذا.
حقيقة تهميش المديونية وعملية التعويم والعفو عند السداد الفوري في النظام المصرفي
طيب، والحقيقة ما هي؟ الحقيقة أنه في النهاية يُهمّش المديونية، وفي النهاية يقوم بعملية تسمى عملية التعويم، يعني يعطيه أموالًا أخرى حتى يشغله، حتى يشغله لكي يسدد.
القضية يقوم بأمر أكثر من ذلك وهو أنه يعفو عنه إذا سدد فورًا. وهذا نظام في البنك، وهذا النظام صادر من البنك المركزي الذي يقود هذه المنظومة في الجهاز المصرفي.
ولذلك عندما نتعمق نقول: يا الله! فما هو غير ذلك؟ الخراب اليباب. صحيح.
لو استجابت الحكومة لتحريم البنوك لكانت النتيجة الخراب والدمار الاقتصادي
فكيف أحرم شيئًا إذا ما حرمته واستجابت لي الحكومة — المتهمة دائمًا بأنها تسأل — استجابت لي الدولة المتهمة دائمًا بأنها تضغط؟ وهذا لم يكن منذ منتصف القرن التاسع عشر وإلى يومنا هذا، إن في حكومة من الحكومات التجأت إلى هذا أبدًا. ما حدث! لا تضغط على رجال الدين.
فضيلة المفتي وشيخ الأزهر أصدروا فتوى أن البنوك حلال يجوز؟ ما حدث هذا! كذب محض، عجيب غريب.
فهذا الكلام لو أن دولة من الدول استجابت له وأغلقت البنوك، ماذا سيكون الحال؟ الخراب اليباب.
من قال بإباحة البنوك للضرورة أخطأ لأن المعاملات خارجة أصلًا عن الربا
ولذلك بعض الناس لما تحتار بين الأمرين — هو يريد أن يجعله ربا ويجعله حرامًا وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يلغيه — قوم قال: ماذا؟ يباح للضرورة.
يباح للضرورة! هو مخطئ؛ لأنه لم يعرف أن هذا أصلًا خارج الربا؛ لأنه أصلًا خارج الذهب والفضة. الذهب والفضة لم يعد موجودًا.
هل يمكن لحكم شرعي أن يفقد محله وأمثلة على ذلك من الرق والخلافة
واحد يسألني: فهل يمكن لحكم شرعي أن يفقد محله بهذا الشكل؟ قلت له: لقد حدث. ألم يحدث أنه كان لدينا نظام للرق؟ ولم تعد تستطيع أن تعتق رقبة الآن، فمن أين ستعتقها؟
فقديمًا كان هناك سوق العبيد ونذهب لنشتري رقبة ونعتقها، ولكن من أين نعتق الآن؟ فقد ذهب المحل بنفسه.
ولذلك هذا مذكور في القرآن كحكم. فلنفترض — وهو مذكور في القرآن — أن ربنا قال إنك تغسل يدك إلى المرفق، وبعد ذلك إذا قُطعت اليد فماذا ستغسل؟ إذن يبقى أيضًا ذهاب المحل مسألة واضحة في الذهن.
حسنًا، الخليفة كان له أحكام من الطاعة ومن تجييش الجيوش إلى آخره، فأين الخليفة الآن؟ وهكذا.
الربا محصور في الذهب والفضة عند الأئمة الأربعة وابن حزم ولا يتعدى إلى الأوراق النقدية
فالذهب والفضة أصلًا غير موجودين حتى يكون فيهما ربا. هو يعني أن القضية محصورة في الذهب والفضة. هذا كلام الأئمة الأربعة، كلام ابن حزم الظاهري ومعه الأئمة الأربعة يقولون إن الذهب والفضة الربا محصور فيهما.
محصور في الذهب والفضة — النقدين هذين — وليس خارجًا عنهما أبدًا.
فماذا نفعل؟ الأئمة الأربعة المتبوعون هم يقولون إن الورق — هذا الورق النقدي هذا — لا يوجد فيه ربا، ويجوز أن نبيع مائة بمائتين. فإذا بعنا مائة بمائة وعشرة من أجل تدوير المجتمع وتنظيمه، فما الحرام الذي في ذلك؟ أريد أن أفهم. أم أنه كلام مرصوص بجانب بعضه. واضح جدًا.
الاقتصاديون لا يصدقون الشريعة والشرعيون لا يفهمون الاقتصاد والحاجة لفهم عميق
عندما نأتي إلى الاقتصاديين يقولون: أمعقول أن الشريعة فيها هكذا؟ لا يصدقون الشريعة. هم يعتقدون أن أي وسيط للتبادل يقع فيه الربا، فيقولون إذن إن هذه البنوك ربوية.
حتى الاقتصاديون أنفسهم يقولون إنها ربوية؛ لأنهم لا يصدقون أن الشرع يقول هكذا. والشرعيون لا يعرفون أن الاقتصاديين لديهم شيء آخر.
إذن هذا الكلام كله الحقيقة يعني يحتاج إلى فهم عميق للنقود والبنوك وأنهما شيء واحد.
الشيخ يؤكد أنه درس الموضوع أربعين سنة ولم تضغط عليه أي حكومة
أنا الحمد لله درست هذا الموضوع، والآن أنا داخل على الأربعين سنة — ما شاء الله — يعني أنا أدرس هذا الموضوع وقرأت فيه بالعربية والإنجليزية أربعين سنة حتى رأيته واضحًا أمامي.
وأنا أبلغ أمتي بذلك، لا حاكم اتصل بي ولا حكومة سألتني. في الأصل لم تضغط عليّ أو أي شيء.
وهذه الآراء ألفت فيها كتبًا قبل الإفتاء وألفت فيها فتاوى قبل الإفتاء بكثير. ومن ضمن هذه الفتاوى رد عليّ فيها مفتي تونس الشيخ السلمي ورددت عليه ردًا قاسيًا في بعض الأحيان، فرفضوا أن يرسلوا له هذا الكلام.
وكان ذلك سنة ألف وتسعمائة — في عام ألف وتسعمائة وستة وتسعين — لم تكن هناك حكومة ولا إفتاء ولا منصب ولا أحد يضغط عليّ ولا لا يضغط عليّ. في خيالهم المريض، في خيالهم المخطئ الخاطئ. أنا أتكلم لوجه الله، ربنا يتقبل يا مولانا.
وجوب إعادة الدرس وفهم الواقع والقوانين الجديدة قبل الإفتاء في البنوك
يجب على سادتنا العلماء أن يعيدوا الدرس، أن يطلعوا على القوانين الجديدة، أن يفهموا الواقع على ما هو عليه، ثم بعد ذلك يقدموا فتواهم بما يرضي الله.
يجب عليهم ألا يتحرجوا من فهم السلف الصالح وفهم نصوص العلماء. الذي يجعل فيها الشافعي الذهب والفضة جزءًا من العلة؛ لأنها العلة هي المحل. والعلة إذا كانت محلًا أو جزءًا من المحل كانت قاصرة، ولذلك لا تتعدى إلى غيرها.
كل هذا الكلام موجود في الأصول وموجود في الفقه وموجود عند الأئمة الأربعة.
الفتنة العمياء مصدرها الخلل بين إدراك الواقع وفهم النص الشرعي
ثم بعد ذلك تحدث هذه الفتنة العمياء الصماء وكأن شيئًا لم يحدث. كل هذا من أين أتى؟ أتى من الخلل الذي بين إدراك الواقع وفهم النص.
[المذيع]: يفتح الله عليك يا مولانا، الله يفتح عليك يا مولانا. ونحن لدينا بعض التساؤلات يمكن أن نفرد لها حلقة.
سؤال عن زكاة الودائع البنكية هل تكون من أصل المال أم من الأرباح وختام الحلقة
الزكاة على الودائع التي في البنوك، نحن اتفقنا مع فضيلتكم وأخذنا فتوى فضيلتكم وهذا العلم الغزير مصدق. والذي وضع أمواله في البنك، أيُخرج منها زكاة اثنين ونصف في المائة من أصل المال الخاص بالوديعة أم من الأرباح؟ نريد أن نعرف هذا مع فضيلتكم بعد إذنكم في الحلقة القادمة إن شاء الله.
وإلى ذلك الحين اسمحوا لنا أن نقدم الشكر والتقدير والعرفان لفضيلة مولانا العلامة الدكتور علي جمعة، مع الوعد باللقاء معكم في حلقات قادمة إن شاء الله من مفاهيم إفتائية.
فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم السلام ورحمة الله.
