برنامج مفاهيم إفتائية (3) - الإفتاء يحتاج إلى تدريب
- •الفتوى تكليف وليست تشريفاً، تحتاج إلى علم ودراسة شرعية متخصصة وليس كل دراسة شرعية تؤهل للإفتاء.
- •يشترط في المفتي التخصص العميق، فالأزهر أنشأ كليات متخصصة مختلفة للعلوم الشرعية كاللغة العربية وأصول الدين والشريعة.
- •الإفتاء يتطلب تربية على يد المشايخ وتدريباً عملياً، ويحتاج صبراً وحلماً وتأنياً.
- •هناك فرق بين الإفتاء وبين الوعظ والدعوة والقضاء، فالإفتاء بيان الحكم الشرعي.
- •يمر المفتي بمراحل: التصوير والتكييف وبناء الحكم ثم الإفتاء.
- •المفتي يحتاج أن يستمع بدقة للسائل ويتفهم قضيته ويميز بين ما يعتقده السائل وما هو واقع فعلاً.
- •من الخطأ أن يتصدر للإفتاء غير المؤهل، حتى لو كان متعلماً للشريعة ولكنه غير متخصص في الإفتاء.
- •المفتي يحتاج للحفاظ على أسرار الناس وإعطائهم الأمل مع عدم مخالفة الشريعة.
مقدمة البرنامج والترحيب بفضيلة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
[المذيع]: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون مع حضراتكم في ضيافة مولانا العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا بك، أهلًا وسهلًا، أهلًا وسهلًا.
شهوة التصدر للفتوى دون تأهيل شرعي كافٍ في الزمن المعاصر
[المذيع]: مولانا، إننا في الحلقة الماضية توقفنا عند أن الفتوى تكليف وليست تشريفًا، ونحن في الزمن المعاصر نرى أن أي شخص قرأ كتابًا أو كتابين يتصدر للفتوى في الفضائيات.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هناك - والعياذ بالله تعالى - شهوة عند بعض الناس لم يُقِمْهُ الله سبحانه وتعالى في هذا، فتراه يعني لم يدرس الدراسة الشرعية التي تؤهله لهذا؛ لأنه ليس كل دراسة شرعية تجعل الإنسان قادرًا على الإفتاء.
التخصص في العلوم الشرعية وتنوع كليات الأزهر كنموذج للتأهيل
[المذيع]: جميل، ليس كل دراسة شرعية تجعل الإنسان قادرًا على الإفتاء؟
[الشيخ]: نعم، ولذلك عندما كان الأكابر ينشئون جامعة الأزهر، وطوال تاريخ العلوم الشرعية فيها كانت متخصصة، فجعلوا هناك كلية للغة العربية وآدابها، وكلية لأصول الدين يُدرس فيها العقيدة والتفسير والحديث، وكلية للشريعة يُدرس فيها أصول الفقه والفقه والسياسة الشرعية وغيرها.
لم يجعلوها كلية واحدة، بل جعلوها بهذا التنوع من أجل هذا التخصص؛ لأنه عادةً الإنسان وإن كان عالمًا وكبيرًا إلا أنه يكون أميل إلى فرع من فروع العلم يختلف عن بقية الفروع. هو لا بد عليه أن يكون عنده معلومات في كل العلوم، ولكن بالرغم من ذلك إلا أنه ليس هو صاحب هذا العلم.
تشبيه التخصص الشرعي بالتخصص الطبي ودرجات العلم والمعرفة
[المذيع]: أي بعد إذن فضيلتك، نستطيع أن نقول أن أي طبيب يستطيع أن يكون ممارسًا عامًّا للطب الباطني، ولكن الذي يُجري العملية الجراحية لا بد أن يتخصص في الجراحة.
[الشيخ]: ولذلك تنوعت التخصصات في الطب حتى اتسعت جدًّا، وأصبح الأمر ليس مجرد أنه طبيب عيون، بل أصبح هناك من يُجري الليزر في طب العيون، تخصص ليزر، تخصص في التخصص.
[المذيع]: جميل، التخصص.
[الشيخ]: التخصص، نعم. وليس كل أحد، أي وهناك من يبرز من أولئك المتخصصين الذين يعملون هذا الليزر، فيقول لك: لا، هذا فلان، هذا الأستاذ، المستشار الخاص بهذه المسألة.
درجات التخصص الطبي وأهمية الإحالة إلى المتخصص الأكفأ
إذن هي درجات عند الله، يعني هناك درجات عند الله سبحانه وتعالى. ألست طبيب عيون؟ نعم، بلى. أَجْرِ لي العملية! لا، ليس من يقوم بإجراء عملية الليزر أي شخص يمكنه إجراء الليزر.
قال: لا، حالتك أنت بالتحديد تحتاج إلى كذا. وبعد ذلك أيضًا يقول لك: هذا غير متوفر لدينا في البلد، اذهب إلى ألمانيا، اذهب إلى فرنسا، اذهب إلى اليابان، اذهب إلى إسبانيا، اذهب.
ما هذا الاحترام؟ هذا احترامًا للعقل البشري وللإنسان. فهل الأبدان أصبحت أولى عندنا من الأديان؟ لا إله إلا الله!
تحرج الصحابة من الفتوى وإحالة بعضهم السائل إلى بعض
لقد كان الصحابة الكرام عندما يذهب بعض التابعين لسؤالهم، يُحيل كل منهم السائل إلى من بجواره، إلى أن يطوف على جميعهم حتى يرجع إليه الأول، والكل يتحرج من الفتوى ومن الإجابة، ويرى أنه لو أدلى بقول فإنه يعني ويُخرج هذا القول يوجد شيءٌ من الخطأ.
فيقول أبو بكر الصديق - الصديق، ها الصديق، الصديق يعني ماذا؟ يعني سيد الأمة، يعني الصديق، يعني حبيب الرحمن، يعني حبيب سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام -: أي أرضٍ تُقلّني وأي سماءٍ تُظلّني إن أنا قلتُ في كتاب الله ما لا أعرف!
لا إله إلا الله، هذا من هذا الذي يفعل هذا؟
مكانة أبي بكر الصديق وتحرجه من القول في كتاب الله بغير علم
فهذا [أبو بكر الصديق] يكون عربيًّا فيتقن اللغة العربية بالطبع، وليس محتاجًا للتعليم، وهو صاحب رسول الله، صاحب الرسول، ثاني اثنين إذ هما في الغار، ما شاء الله.
هذا هو الصديق الذي سماه ربنا صديقًا، أي أنه أبو بكر يا إخواننا، الذي كان مع النبي عليه الصلاة والسلام.
قال [النبي ﷺ]: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»
هذا يعني أصبح وكأنه مصدر من مصادر الشريعة.
من تصدر للفتوى قبل التعلم كمن تزبب قبل أن يتحصرم
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: وبعد ذلك يقول [أبو بكر الصديق]: أنا لن أستطيع أن أتكلم، فأنا لا أعرف. الناس الذين يتكلمون هكذا قبل الدراسة ليسوا مؤهلين لإدراك الشريعة ولا لإدراك مقاصدها، ولا لإدراك الواقع، ولا للوصل بينهما، ولا لتلك المسؤولية، ولا لمعرفة المآلات.
ثم بعد ذلك يتصدر قبل أن يتعلم، وقالوا: من تصدر قبل أن يتعلم كمن تزبب قبل أن يتحصرم. العنب أصبح زبيبًا قبل أن يصبح حصرمًا، قبل أن يصبح عنبًا أصلًا!
ولذلك يصبح من الخارج هلا هلا، ومن في داخله يعلم الله حقًّا. أي من الخارج كالزبيب، تأتي لتأكله فتجده مرًّا حقًّا. إن هذا الزبيب حلو، وإنني أتعجب حقيقةً من هذا الأمر إلا أن تكون هناك شهوة [للتصدر].
الفرق بين الإفتاء والدعوة إلى الله وبيان أن الإفتاء يحتاج تعلم المصادر
[المذيع]: حسنًا يا مولانا، إذن هناك فرق بين الإفتاء وبين الوعظ أو بين الدعوة إلى الله؟ لأن الناس دائمًا يقولون: الرسول قال عليه الصلاة والسلام: «بلِّغوا عني ولو آية»، طبعًا فيقولون: إذن نحن نخرج ونفتي الناس، ها نحن نقول للناس لأن الرسول أمرنا بذلك.
[الشيخ]: هناك فرق بين الدعوة وبين الإفتاء. الإفتاء هو بيان الحكم الشرعي، وهو يحتاج إلى تعلم المصادر، وتعلم أيضًا ليس المصادر فقط؛ لأنه يمكن أيضًا أن أتعلم المصادر فأصبح مؤلفًا جيدًا، مؤلفًا جيدًا، ولكن لا أُصبح مفتيًا.
لا أستطيع أن آخذ هذا المصدر وأضعه على هذه الحالة، لا أستطيع، ليست عندي هذه القدرة.
الإفتاء يحتاج إلى تعليم وتربية وتدريب وليس مجرد علم نظري
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: يمكن أن أصبح مفسرًا أو لغويًّا أو نحويًّا أو أي عالم من العلماء واسع العلم، لكن لا أستطيع أن أفتي.
القضية في الإفتاء تحتاج إلى ليس فقط تعليمًا بل أيضًا تربية؛ لأن المفتي لا بد له أن يكون صبورًا حليمًا متأنيًا، يستمع أولًا إلى القضية، ثم يغوص فيها ويتخيل مآلاتها، ثم بعد ذلك يتكلم.
وأيضًا تحتاج الفتوى إلى تدريب، فلا بد للإنسان أن يتدرب على كيفية تلقي السؤال وفهمه، ومحاولة [إدراك أن] السائل ينقل ما يعتقد لا ما هو واقع فعلًا، وكيف تفرق بينهما وهو أمر دقيق للغاية.
كيف يأخذ المفتي المعلومة من المستفتي ويميز بين شعوره والحقيقة
يعني كيف يأخذ المعلومة من المستفتي؟ المستفتي لا يكذب، نعم، لكنه ينقل شعوره وينقل وجهة نظره هو. فكيف تتصور أن تدرك أن هذه وجهة نظره وأنها ليست هي الحقيقة؟
فلا بد عليك من التأني والدربة، وهذه تحتاج إلى تدريب فعلًا، وليس إلى أن تمر عليك مرة واحدة أو مرتين أو أكثر إلى آخره.
أهمية حضور الزوج في مسائل الطلاق والسؤال عن الحال والزمان والمكان
[المذيع]: لذلك يا مولانا دائمًا يُقال - يعني عندما يسأل أحد عن الطلاق في البرامج التي تظهر فيها فضيلتك أو أحد من علماء الإفتاء - يقولون، أو حتى عندما نتصل بالخط الساخن لدار الإفتاء يقولون: إنه يجب أن يحضر الزوج حتى نتحدث معه ونسأله، وليس عبر الهاتف.
[الشيخ]: صحيح؛ لأن فضيلتكم ينتبه إلى أمور كثيرة. نحن نسأله عن الحال والزمان والمكان والأشخاص وعن أشياء كثيرة جدًّا، ثم نسأله عن الأملاك وعن الإدراك، ونسأله حتى وهو لا يشعر.
أسئلة المفتي الدقيقة للتحقق من إدراك المستفتي وإملاكه في مسائل الطلاق
نعم، بل يتعجب من بعض الأسئلة. يعني مثلًا عندما يأتي شخص وبعدها أقول له: أنت كنت واقفًا أم جالسًا؟ أنت كنت في أي مكان؟ هذا ليس بالموضوع! يقول: ما العلاقة، أنا واقف أم لا!
أنا أريد أن أرى هل هو مدرك أم غير مدرك؛ لأن لدينا شيء يسمى الإدراك والإملاك. وفقد الإدراك ولم يفقد [الإملاك]، أو فقد الإملاك ولم يفقد الإدراك.
أعمال كبيرة متراكمة ليست بالهيِّن السهل؛ لأنك عرفت شيئًا وغابت عنك أشياء. فالتصدر من غير علم الحقيقة هو بلاء كبير نحن نعيش فيه في هذا الزمان.
حتى من درس بعض العلوم الشرعية لا يصلح للإفتاء إلا بالتدريب والتربية على يد المشايخ
ليس فقط غير المتخصص هو من كان مشتغلًا بالهندسة أو بالطب ثم تعرض للفقه عَرَضًا، لا، ليس هذا فقط، هذا موجود، هذا نوع موجود. بل أيضًا حتى من درس شيئًا من الشريعة أو العلوم المساعدة لها كالمنطق والفلسفة واللغة بكل فروعها والحديث والتفسير، ليس له أهلية للإفتاء إلا بعد أن يدرب نفسه وبعد أن يتربى على يد المشايخ.
لأن هذه التربية تحتاج إلى شيوخ. يعني مثلًا عندما كنت في سنة ثلاثة وتسعين، وضعني الشيخ جاد الحق رحمه الله - شيخ الأزهر - في لجنة الإفتاء بالأزهر الشريف.
تجربة الشيخ علي جمعة في لجنة الإفتاء بالأزهر والاستعانة بالمشايخ رغم العلم الغزير
حينما دخلت وأنا أستاذ في الجامعة، نعم، وأدرس الفقه وأصوله وما إلى ذلك، والقواعد الفقهية، وكنت في ذلك الوقت أحفظ كتاب الأشباه والنظائر للسيوطي حفظًا كالقرآن.
وبالرغم من ذلك، عندما دخلت وجاءتني المرأة تشكو زوجها أو البنت تشكو أباها، وقعت في حيرة واستعنت واستغثت بمشايخي.
[المذيع]: نعم، الذين سبقوا فضيلتك.
[الشيخ]: نعم، أنا في هذا كنت أبلغ من العمر أربعين سنة أو خمسة وأربعين سنة، وهم خمسة وثمانين سنة، ما شاء الله.
منهج الشيخ مسلم في تدريب الشيخ علي جمعة على الإفتاء عمليًّا
فكان معنا الشيخ مسلم، وكان الشيخ مسلم عندما تأتيه مسألة وهو حريصٌ على أن يُربيني وأن يُعلمني وأن يُدربني.
[المذيع]: نعم، عفوًا بعد إذنك يا مولانا، لأن هذا الموضوع يحتاج إلى سعة من الوقت والوقت قد حان، سننتقل إلى الفاصل ثم نعود لنرى ماذا فعل الشيخ مسلم مع فضيلتك إن شاء الله. فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا.
فاصل ثم نواصل.
عودة من الفاصل وتفاصيل تدريب الشيخ مسلم للشيخ علي جمعة على تلقي الفتوى
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عُدنا إليكم من الفاصل، معنا مولانا العلامة الدكتور علي جمعة فضيلة المفتي. وكنا قبل أن نخرج للفاصل، كان مولانا يحكي لنا عندما ضمه فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق مولانا للفتوى في الأزهر الشريف سنة ثلاثة وتسعين، وكان لفضيلة الشيخ [مسلم] موقف معين مع فضيلتكم، تفضل يا مولانا.
[الشيخ]: كان رحمه الله تعالى وكان قريصًا، عضو مجمع البحوث ومن كبار العلماء وعضو لجنة الفتوى. فكان إذا أتاه السؤال يقول لي: تعالَ، اجلس هنا. ويقول للسائل: قل للشيخ.
أسلوب الشيخ مسلم في الإشراف على الفتوى واعتماد إجابة المتدرب
نعم، ويجلس متابعًا، يشاهد ويتابع من بعيد. بمعنى أن الرجل أو المرأة أمامي للسؤال، وهو جالس حاضر في الكلام، وأتلقى السؤال وأجيب.
ثم يقول بعد الإجابة: صحيح، صحيح. يعني هذا اعتماد، أي أنه يعلمني وأنا طبعًا أستاذ في الجامعة، ولكن هذا جديد عليَّ بهذا الشكل وبهذا القدر.
[المذيع]: حضرتك حاصل على الدكتوراه وأستاذ في الجامعة، لكن لا...
[الشيخ]: وأنا أفتي للشخص، للسيدة أو الرجل، أنه لا، الشيخ يقول [إن] الذي أنا أقوله صحيح. يقول صحيحًا، لا لا، يجب أن يراجع عليه ويقول صحيحًا في رأيه.
التفريق بين الاستفتاء والنزاع القضائي وأهمية الدربة في ذلك
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: فكنت أذهب إليه دون سؤال، يعني إذا كان بعيدًا أقوم لأذهب إليه وأقول له: في حالة معروضة عليّ تقول كذا وكذا وكذا وكذا، ماذا أفعل فيها؟
فيقول لي: لا، لا تُجب عليها، لا تُجب عليها.
[المذيع]: نعم، يعني من جزء من الإفتاء أنك لا تجيب؟
[الشيخ]: قلت له: يعني أن أسكت، كيف أسكت؟ أوضح أن هذا جزء من الإفتاء. قال لي: هذا نزاع قضائي، والنزاع القضائي يذهب إلى القاضي وليس إلى المفتي. هذا أتى يريد أن يأخذ فتوى ليدعي أن الحق معه.
ضرورة معرفة أطراف القضية كلها والفرق بين المعلومة النظرية والتطبيق العملي
[المذيع]: حسنًا، جميل.
[الشيخ]: هذا يريد أن تفتي، ولكن يجب أن تعرف أطراف القضية كلها، ولا بد أن يأتي الطرف الثاني، ولا بد من كذا وكذا وكذا.
فبدأت أتنبه إلى الفرق [بين الاستفتاء والنزاع القضائي]، وهو على فكرة موجود في الكتب، لكن معلومتك من الكتب تختلف عن معلومتك هكذا من الواقع.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: أن هناك فارقًا بين الاستفتاء وبين القضاء، وأن هناك فارقًا بين الاستفتاء وبين طلب قضية لرفع النزاع والخصام.
الفرق بين دور المفتي ودور المحكم وعدم جواز التحيز لطرف واحد
يأتيني واحد فيأخذ مني الفتوى ثم يطلب مني التدخل لحل هذه الفتوى، وهذا أمر آخر. أنا لست محكمًا، أنا مفتٍ. يعني حضرتك أفتيتني، أي تعال معي وقل لهم أن الحكم الشرعي يقول هكذا، لا أستطيع.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: بهذا أزيد العلاقات الاجتماعية تعقيدًا. وكوني آتي يجب أن يدعوني الطرفان لكي أحكم بينهما، لكن هو عندما يأخذني، سيكون الأمر كأنه أخذ محاميه، أخذ محاميه وأخذني أنا في جانبه.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فأصبحت متحيزًا دون أن أريد هذا التحيز ودون أن أقصده. إذن لا تفعل هكذا، لا أفعل هكذا، لا. هذه قف عندها، دربة.
الشيخ عبد الرازق ناصر نموذج للعالم المحكم الذي يحل نزاعات أهل البلدة
كان لدينا الشيخ عبد الرازق ناصر رحمه الله تعالى في لجنة الفتوى، وكان عندما يأتي ليغادر يقول: هيا إذن، لنذهب يا أبناء، سأذهب الآن. وينظر إلى الساعة لأن لديه اليوم مجلس تحكيم في البلدة.
أهل البلدة يُحكِّمونه، يستفتونه ويجعلونه يحكم في حل النزاعات وما إلى ذلك، ولا يذهب أحد في هذه البلدة أبدًا إلى القضاء، بل للشيخ عبد الرازق ناصر. لماذا؟ لأنه يحل لهم الأمور بالعدالة وبالشريعة وبكذا إلى آخره.
هذه دربة كبيرة طبعًا.
أخلاق المفتي في حفظ أسرار الناس وإعطائهم الأمل والرحمة بهم
والأخلاق، كيف يتقبلون الأمور الاجتماعية العجيبة الغريبة؟ أنت هنا في هذا المكان قد تطلع على عورات الناس، قد تطلع على قاع المجتمع تمامًا مثل الطبيب، فيجب عليك أن تحفظ السر.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: وأن تكون مَن لا يَخرُجُ الإنسانُ من عندك منتحرًا لأنك سددت الدنيا في وجهه وجعلتها سوداء. بل يجب عليك أن تهدئ باله، يجب وهو جالس أن تعطيه الأمل.
يجب، لا بد، أنت لا تخالف الشريعة، أنت لا تفرط فيها، ولكن ترحم الخلق، وتوجد لهم بقدر قدرتك الحلول، وتنزلهم منزلة أنا منكم مثل الوالد للولد، يكون متأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحمته بالعباد وبمن حوله.
الإفتاء يحتاج إلى دربة وتدريب عملي وليس مجرد كلام نظري
هذه تحتاج إلى دربة، ليس هذا مجرد كلام، إنها تحتاج إلى قضية فيها تدريب. مدربين في الخارج على شيء آخر غير الاتصال الجماهيري، وهذا غير القضية هذه.
تمييز الإفتاء عن القضاء والفقه والوعظ والدعوة إلى الله
إذن فهناك فرق بين الإفتاء وبين القضاء، وبين الإفتاء وبين الفقه، وما بين الإفتاء وما بين الموعظة والوعظ والإرشاد والتذكير بالله والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وأن نتخلص من ذنوبنا ونخرج من دائرة نقمة الله وغضبه إلى دائرة رضاه ورضوانه.
اللهم انقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك.
الإفتاء مسؤولية وعلم وتربية وتدريب وتكليف وليس تشريفًا
فإذن الإفتاء شيء آخر، الإفتاء مسؤولية، والإفتاء علم، والإفتاء تربية، والإفتاء تدريب، والإفتاء تكليف وليس تشريفًا، وهو ما بدأنا به الكلام في أول الحلقة.
من عرف الإفتاء عرف فيه المسؤولية، وعرف فيه الهم، وعرف فيه محاولة الإتقان، وعرف فيه معاني كثيرة جدًّا، وأنه ليس هزلًا ولعبًا، وأنه ليس كل شخص يخرج ويتكلم هكذا على الهوى والناس تسأله وهو يفتي، ليس كذلك.
أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار وخطورة إغلاق أبواب الرحمة على الناس
[المذيع]: يا مولانا، في الأثر يُروى أن أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار، نسأل الله السلامة.
[الشيخ]: آمين. الذي يحدث الآن أنه غافل عما يفعل في نفسه، ويخرج ليغلق على الناس أبواب الرحمة، وهو يعتقد أنه يُحسن صنعًا.
أعوذ بالله، يعني إذا نحن لا نريد أن نتلو الآية:
﴿ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]
الضال هو الذي يضل ويُضِلُّ، فهو ضال ويضل الآخرين.
دعوة من تصدر للفتوى بغير علم إلى معرفة حدوده والتزام تخصصه
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فنحن نسأل الله لهم الهداية، ونسأل الله لهم أن يدركوا ما الذي يفعلونه. ونقول لهم: يا جماعة، إن الله سبحانه وتعالى يقيم من شاء فيما شاء، فهل أقامك أنت في هذا؟
ترى أحدهم يعمل في البقالة، هذه البقالة هي تجارة صحيح ولها قانون مهنتها، كيف يقطع الجبنة وكيف يصنع كذا وكيف. أتقنها يا أخي، وكن تاجرًا صادقًا تدخل الجنة، صحيح.
لكن ماذا؟ أنت الآن تأتي وتفعل هذا العدوان على المسلمين وعلى الشريعة وعلى العلم، ثم بعد ذلك تظن أنك رافع اللواء وأنك رافع البلاء. لا أبدًا، بل أنت بهذا الشيء منكس اللواء وواضع البلاء.
بيت شعر في ذم تصدر غير المؤهلين للعلم وقصة رفع قضية بسبب سوء الفهم
إذن مرة كنت أقول أتمثل في بيت شعر أُربِّي أبناءنا عليه، وأنهم ينبغي أن يكونوا مسؤولين: تصدر للتدريس كل مهوس بليد، تسمى بالفقيه المدرسي.
فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ببيت قديم شاع في كل مجلس: لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها، وسامها كل مفلس. أي أن كل شخص مفلس يأتي ويقوم بهذا العمل.
فإذا بأحدهم يرفع قضية عليَّ أمام المحاكم لأنه ظن أنه المقصود بهذه الكلمة! لا إله إلا الله على سوء الفهم! كيف يظن أحدهم أنه المقصود بهذا؟
التعجب من سوء فهم البعض وظنهم أنهم المقصودون بالنقد العام
ماذا نقول عن الناس في هذا العصر العجيب الغريب؟ نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
يعني أنت ظننت أن هذا الكلام - مع أننا لم نذكر اسمًا إطلاقًا وما حدث ولم نذكر أي شيء - لكنه أحس وكأن الكلام عليه، فرفع هذه القضية المضحكة التي ينجينا الله سبحانه وتعالى منها، وهو حسبنا ونِعْمَ الوكيلُ ونِعْمَ باللهِ.
تميز الإفتاء عن الوعظ والدعوة والفقه والقضاء ومراحله الأربع
[المذيع]: إذن هذا هو الإفتاء.
[الشيخ]: نعم، هو متميزٌ وله مراحلُ.
[المذيع]: لعلَّ الوقتَ يتسعُ لنا في الحلقةِ القادمةِ إن شاء اللهُ. مراحلُ الإفتاءِ يا مولانا التي هي التصويرُ والتكليفُ وبناءُ الحكمِ والإفتاءُ؟
[الشيخ]: نعم، هذه مراحلٌ يمرُّ بها الفقيهُ المفتي. الفقيهُ المفتي يمرُّ بها عندما تُعْرَضُ عليه واقعةٌ من التي تحتاج إلى إفتاء.
لكن الإفتاء هو متميز عن الوعظ والإرشاد وله رجاله، متميز عن الدعوة إلى الله ولها أسلوبها ورجالها، متميز عن الفقه، متميز عن القضاء، متميز أيضًا عن الحياة بمعنى النصيحة والأمور الاجتماعية.
خلط الناس بين الإفتاء وغيره من المجالات وسؤال المفتي في غير تخصصه
وكثير من الناس لخلطهم بين هذا حتى يسألون المفتي في أمور اجتماعية، أو يسألون المفتي في أمور سياسية يعني يجب أن يكون فيها نقاش اجتماعي من الأحزاب السياسية، فيسألون المفتي في أمور فكرية أو في نقد أدبي، وهذا لا علاقة للإفتاء به.
ويلومونه إذا امتنع عن الإجابة؛ لأنه ليس لديه هذه الإجابة من ناحية، أو لأن له رأيًا شخصيًّا سيكون ليس إفتاءً.
الفرق الكبير بين الفتوى الشرعية والرأي الشخصي للمفتي كمواطن
ومن هنا فإن هناك فارقًا كبيرًا بين الفتوى وبين الرأي الذي قد أعبر عنه من وجهة نظري كمواطن، أي في السياسة، في الاقتصاد، في الاجتماع، في الفكر، في الثقافة، في الشعر، في الأدب، في أي كان، في أمور الحكم، في أي شيء، لكن هذا ليس فتوى.
[المذيع]: لكنَّها ليست فتوى، جميلٌ.
[الشيخ]: أو أُعبِّر عنها في مقالة. فرقٌ ما بين الموعظة التي أعظ بها يوم الجمعة في الخطبة وأنا خطيب، وبين الفتوى.
الفرق بين الرأي الفقهي والدعوي والفتوى الشرعية التطبيقية
[المذيع]: جميلٌ.
[الشيخ]: الفرق بين رأيٍ تبنيته في أصول الفقه في كتبي وبين الفتوى. هناك فرقٌ ما بين رأيٍ أتبناه لمواجهة أمرٍ في الدعوة العالمية في سفرياتي وما شابه ذلك إلى آخره، وبين الفتوى.
ختام الحلقة والوعد بالحديث عن مراحل الإفتاء في الحلقة القادمة
[المذيع]: لذلك يا مولانا، وجودنا في حضرة فضيلتك في هذا البرنامج مفاهيم إفتائية، سنُعلِّم الناس إن شاء الله، أو الناس سيستفيدون بعلم فضيلتك، ويعرفون ما الفرق بين هذه الأمور كلها وبين الفتوى.
مع وعد إن شاء الله باللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله. اسمحوا لي، إلى ذلك الحين نشكر أولًا فضيلة مولانا العلامة الدكتور علي جمعة على هذا الجهد وعلى هذا العلم.
على وعدٍ باللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله من مفاهيم إفتائية، إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
