برنامج مفاهيم إفتائية (4) - مراحل الإفتاء - مفاهيم إفتائية

برنامج مفاهيم إفتائية (4) - مراحل الإفتاء

25 دقيقة
  • تضمنت الحلقة شرح مراحل الإفتاء الأربع التي يجب على المفتي اتباعها قبل إصدار الفتوى.
  • المرحلة الأولى هي تصوير الواقعة المسؤول عنها من خلال فهم عميق للسؤال وجمع المعلومات الكافية.
  • المرحلة الثانية هي تكييف المسألة فقهياً وفهم طبيعتها الشرعية.
  • المرحلة الثالثة هي معرفة الحكم الشرعي المناسب للمسألة بعد تكييفها.
  • المرحلة الرابعة هي الإفتاء، وفيها يراعي المفتي الجهات الأربع: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
  • قدم د. علي جمعة مثالاً توضيحياً عن الطلاق، مفرقاً بين الطلاق الصريح الذي يقع بلا نية والطلاق الكنائي الذي يحتاج إلى نية.
  • أوضح أن تحريف لفظ الطلاق مثل قول "طالق" بالهمزة بدلاً من القاف ينقل الصيغة من الصريح إلى الكناية.
  • شدد على أن الإفتاء عملية مركبة تحتاج إلى تعلم وتدريب وممارسة وإخلاص، وأهمية التحول من الفردية إلى المؤسسية في الإفتاء.
محتويات الفيديو(33 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالدكتور علي جمعة للحديث عن مراحل الإفتاء

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون مع حضراتكم في ضيافة مولانا العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا بك، أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: في الحلقة الماضية، مولانا، تحدثنا عن الفتوى أنها تحتاج إلى تدريب، وكنت فضيلتك في آخر الحلقة قلت لنا أننا سنتحدث عن مراحل الإفتاء.

العملية الذهنية التي يقوم بها المفتي قبل إصدار الفتوى وأربع مراحلها

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

الحقيقة أنه ينبغي على المفتي إذا ما سُئل أن يقوم بعملية ذهنية قبل إصدار الفتوى. نعم، عملية ذهنية، فلن أذهب مُجيبًا كما يفعل الناس، وحتى لو تم هذا، فإن هناك أربع عمليات في هذه القضية حتى ولو كانت سريعة - أربع عمليات تتم - لأنه من الممكن أن أفعل هذا بسرعة لأنني مدرب على هذا، ولأن الأمر مكرر مثلًا؛ يعني السؤال بظروفه بكل شيء هو مكرر، فيسهل الإفتاء، وقد يكون غير ذلك.

المرحلة الأولى تصوير الواقعة وأهمية فهم حقيقة السؤال قبل الإجابة

أول شيء تصوير الواقعة المسؤول عنها، تصوير الواقعة. جميل، لا بد أن تستقر في ذهني صورة لهذه الواقعة؛ أي فلو جاءني شخص مثلًا وقال: قلت لهذه المرأة - جاءت معه امرأة ثانية - أنت طالق، فهل طلقت؟

فالتصوير هنا يقتضي فهمًا عميقًا، أعمق قليلًا من أن هذا رجل وهذه امرأة، لكن هل هذه زوجته أولًا؟ أو هل هي زوجتك؟ نعم، هل هي زوجتك؟ فقال: لا، هذه بنت الجيران. نعم، هي متزوجة من جارنا، لكنني قلت لها أنت طالق.

استيضاح المفتي لكُنه السؤال والتأكد من وجود علاقة شرعية توجب الطلاق

فالسؤال الثاني الذي لا بد عليّ أن أسأله حتى أستوضح كُنْهَ السؤال وأجيب عنه: هل معك توكيل مثلًا؟ هل وكَّلك زوجها؟ قال: يا سيدي، زوجها ميت.

قلت له: طيب، إذن ما العلاقة التي توجب أن تقول لها أنت طالق؟ صحيح، لا بد من وجود علاقة. قال: أنا اغتظت منها فقلت لها أنت طالق. نعم، أنزلتها منزلة زوجتي؟ أغضب منها فأطلق، التي عندما أغضب منها أقول لها أنت طالق.

نعم، أقول: هذا عبث. نعم، هذا ليس سؤال فتوى إطلاقًا، هذا ليس سؤالًا.

قصة من طلق أربع عشرة مرة وأهمية عدم التعجل في تصوير المسألة

ولكن قبل هذا لا بد أن نتأكد من أمور، لأنه فعلًا أصبح هناك أشياء عجيبة غريبة تأتينا. يأتيني شخص يقول: أنا أريد أن أسأل مسألة الطلاق. نعم، يقول: طيب، تفضل. قال للسيدة هذه: أنا طلقتها أربعة عشر مرة، أربعة عشر مرة! هذا حدث بالفعل.

هذا يحدث لأن المثال الأول كان من أجل أن نتبين أن المفتي يجب عليه أن يصور المسألة في ذهنه وألا يتعجل في استقرار هذه الصورة، وأن يبحث عن حقيقتها الواقعية الفعلية.

تفصيل حوادث الطلاق الأربع عشرة بين اليمين والطلاق الصريح والكناية

نعم، لكن مما يحدث الآن يقول: طلقتها أربعة عشر مرة. نعم، أقول له: ولكن الطلاق ثلاث مرات، فهل تزوجت بعد كل ثلاث مرات وطلقت أو مات عنها زوجها ومضت عدتها وفق الأحكام الشرعية؟ يقول: لا، هي زوجتي باستمرار، هكذا أطلق أربعة عشر حادثة؛ يعني أربعة عشر حادثة طلاق.

أقول له: طيب، فلنسمه بغير الطلاق لكي أستمع إليك. في النهاية ويحتاج المفتي إلى صبر حقيقي وسعة صدر. لا نسميهم أربعة عشر طلقة، نسميهم أربعة عشر حادثة. نعم، هناك أربعة عشر واقعة حدث فيها شيء نريد أن نتبينه.

فالحادثة الأولى ماذا كانت؟ فيقول لي الحادثة الأولى: قلت والله لأطلقك لو فعلت كذا. قلت له: هذا يمين. نعم، إنه ليس طلاقًا، والله لأطلقك كما يقول لها: عليّ الطلاق.

وفي المرة الثانية قال: عليّ الطلاق. فقلت له: هذا في قوة اليمين، فليس طلاقًا.

الطلاق الصريح الموثق عند المأذون وحالة طلاق المرأة وهي ليست في العدة

قال: في المرة الثالثة طلقتها فعلًا، قال لها: أنتِ طالق، أنت طالق، الصريح المريح الذي يقوله عليه، وذهبت وثقت هذا الطلاق عند المأذون. جميل، قلت له: حسنًا، هذه واحدة وقعت.

نعم، قالوا: وبعد أن مضت العدة لم نرجع، قالت لي: هل ترجعني أم لا ترجعني؟ قلت لها: أنت طالق. نعم، قال لها: أنت طالق وهي ما زالت مطلقة.

قلت له: وهي ليست في عِدّتها أم في الطلاق؟ قال: نعم، قلت لها: أنتِ طالق. قلت له: لكن هذه ليست زوجتك! لكنني أول من يطلق شخصًا. أجاب: نعم، صحيح. قلت له: حسنًا، هذا الطلاق لا يُحتسب لأنه في غير محله.

حالة طلاق زوجة شخص آخر وعدم وقوعه لعدم المحلية الشرعية

في غير محله كما وضّح فضيلتك لنا، فهو يطلق زوجة شخص آخر، زوجة صديقه ومات، وليس محلًا للطلاق. نعم، ليس محلًا لطلاقه. صحيح.

قال لي: حسنًا، وبعد ذلك تزوجنا مرة ثانية، فقلت لها على سبيل المزاح أو التهديد أو لا أدري ماذا، ولم أكن أنوي الطلاق: اذهبي إلى أمك، ما بيننا قد انتهى وانفصل.

قلت له: لا تكن كذلك طلقة. نعم، هذه الكناية تحتاج إلى نية، تحتاج إلى نية، فإذا لم يكن هناك نية فإذن هذا ليس طلاقًا، ليس طلاقًا.

حكم الطلاق بالإنجليزية وانتقاله من الصريح إلى الكناية بتغيير اللغة

قال لي: حسنًا، نحن بعد ذلك سافرنا إلى أمريكا وهناك قلت لها بالإنجليزية أنت طالق، بالإنجليزية أنت طالق.

قلت له: ما ينفع، وكنت تعني الطلاق؟ هنا أصبح السؤال: هل لفظ الطلاق باللغة الإنجليزية يقع إذا كان مصحوبًا بالنية؟ فأنت كنت تريد أن تطلقها؟ أبدًا، فهو كناية.

نعم، ففي ست حالات لا يوجد إلا طلقة واحدة، وهكذا فلا بد من ماذا؟ التصوير. لا بد من تصوير المسألة حتى أفهم ما هذه الصورة.

حكم قول سأطلقك وعلي الطلاق والفرق بين الوعد بالطلاق واليمين

[المذيع]: نعم، إذن هنا يا مولانا قبل أن ندخل هذه النقطة، بعد إذنك فضيلتكم، الأسئلة التي دائمًا ترد إلى البرامج أو دور الإفتاء، كالذي يقول: أنا قلت لها إذا لم تذهبي؛ أي إذا لم تذهبي مع والدتي في العيد سأطلقك، أو يقول لها: عليّ الطلاق بالثلاثة، والدتك لن تدخل البيت. هل حكمهم أنه يقع طلاق أم لا يقع؟ مولانا.

[الشيخ]: لا، عندما واحد يقول أنا سأطلقك، هذا وعد بالطلاق وليس طلاقًا. جميل.

عندما يقول: إذا ذهبت إلى أمك فأنت طالق، هذا شيء مختلف عما قلته الآن؛ يعني أنت تقول سوف أطلقك، هذا وعد بالطلاق فلا يقع. نعم، عندما لا، طلاقك هذا يمين، ولذلك يكفر عن يمينه ولا يطلقها.

عندما يقول عليّ الطلاق، فهذا في قوة اليمين، في قوة اليمين، في قوة اليمين.

فتوى الشيخ بخيت المطيعي في عبارة عليّ الطلاق والخلاف مع علماء الشام

وكان الشيخ بخيت المطيعي عنده هذه الفتوى. الشيخ بخيت كان مفتي الديار سنة ألف وتسع مائة وعشرين، تولى الإفتاء من أربعة عشر إلى عشرين، فكانت عنده هذه الفتوى.

إخواننا في الشام، أغلب علماء الشام يقولون لك: عليّ الطلاق هذا يقع به الطلاق، يقع به الطلاق عندهم هكذا ملزم له؛ يعني أنه قال هكذا. نعم، يلزمه بأن يقع عليه الطلاق إذا - يعني إذا حدث - ما علق عليه الطلاق، ما علق عليه، واعتبره تعليقًا وليس يمينًا، اعتبره تعليقًا.

قصة الشيخ أحمد الدومي وإثبات أن عبارة عليّ الطلاق يمين عند العامة

إلا الشيخ أحمد الدومي، كان هناك شيخ في الشام اسمه الشيخ أحمد الدومي، فوجد أن الناس في بلدته يُكثرون من قول عليّ الطلاق، فهذه الكلمة على ألسنتهم كيمين؛ أي نعم.

فيُقال أنه أتى بأحدهم وسأله: أهل البلد التي هنا، هل يُكثرون من قول عليّ الطلاق؟ وكانت عبارة عليّ الطلاق يمينًا لديهم، فأجاب الرجل: عليّ الطلاق أبدًا! فضحك الشيخ وقال له: خلاص.

يصبح إذا عليّ الطلاق هذه في السياق العامي لا تصلح لتكون هي اللفظ الشرعي الذي فيه هذا المعنى، نساء البلد كلهن سيصبحن مطلقات إذن مثلًا. نعم، صحيح.

تحريف لفظ الطلاق ينقله من الصريح إلى الكناية ويحتاج إلى نية

إذا تم تحريف اللفظ فتصبح كناية، فمثلًا لو قال: أنت طالقة، أنت طالقة، طالقة، طالقة واحدة؛ يعني أنت طالقة. نعم، أنت طالقة ولم يَعْنِي الطلاق، لكن لا بد أن لا يعني الطلاق.

نعم، فمثلًا من الأمور المضحكة حكاية الإفتاء والمتصدرين للإفتاء والذين ليسوا متصدرين للإفتاء، والفرق بين الفقه والفتوى وكذلك ما كنا نتحدث عنه في المفاهيم الإفتائية.

قالوا إن الشيخ مفتي مصر يقول أنه لا يوجد طلاق يقع، لا يوجد لا يقع طلاق، ليس هناك طلاق يقع، فهذه طبعًا مسألة مضحكة ناتجة من الجهل.

الفرق بين الطلاق الصريح والكناية وأن تحريف اللفظ لا يعني عدم وقوع الطلاق

صحيح، ما هو الجهل؟ ما الذي جهلوه؟ جهلوا أن تحريف لفظ الطلاق ليس معناه أنه لا يقع به الطلاق، بل هو ينقل الطلاق من الصريح إلى الكناية، فنحتاج إلى سؤال آخر، فإذا أقر بالسؤال الثاني فيقع الطلاق، إذا لم يقر بالسؤال الثاني فلا يقع الطلاق.

أهل مصر عندهم تحريف، يقول: أنت طالئ، القاف أصبحت همزة، طالئ. نعم، بالهمزة. إذا انتقل الكلام من الصريح إلى الكناية، الصريح الذي هو طالق بالقاف، هكذا بالقاف طالق، لا يوجد فيها شيء، ثلاث جدهن جد، لا يحتاج إلى نية. الصريح لا يحتاج إلى نية.

حكم لفظ أنتِ طالق الصريح ووقوعه بدون نية وأمثلة على تحريف اللفظ

أنتِ طالق بهذا الشكل بالعربي هكذا، بهذا الوضع بالنطق كما نطقتُ هكذا: أنتِ طالق. نعم، فإذا كانت هذه الصيغة فإنها تُطلِّق حتى لو لم ينوِ، حتى لو كان غير قاصد، لأن هذا صريح، صريح.

فلو قال لها: أنتِ طلقة، كما أفاد النووي في [الروضة]، أو لو قال لها: أنتِ تالك، أو لو قال لها: أنتِ طارق، طارق. نعم، لو قال لها أنتِ طالئ بالهمزة لو قال، انتقل الكلام من الصريح إلى الكناية.

تطبيق عملي على الكناية في الطلاق عند أهل القاهرة وسؤال النية

فعندما يأتي مصري جميل ويكون من أهل القاهرة، نعم، ويقول: قلت لزوجتي أنتِ طالقة، أنتِ طالقة. نعم، أقول له: هل كنت تعني الطلاق؟ قال: لا، لم أكن أعني الطلاق. أقول له: لا يقع الطلاق.

جميل، لماذا لا يقع الطلاق؟ لأنه كناية، هذه كناية. من أين هذا الكلام؟ الشيخ الباجوري في الحاشية يقول: ولو كانت لغة قومه، ولو كانت لغة قومه؛ يعني متعودين يقولوا الطلاق بالهمزة، حتى لو كانت هي اللغة التي يتحدث بها قومهم، أيضًا يتحول إلى كناية.

الفرق بين الطلاق الصريح الذي لا يحتاج نية والكناية التي تحتاج سؤالاً إضافياً

[المذيع]: كناية يعني يا مولانا لأجل أوضح للمشاهدين، أعني أقصد لا بد أن أعرف نيتك كانت ماذا؟

[الشيخ]: لا بد عندما يُقال لها أنتِ طالق ألا يأتي ويقول لي: أصلي لم أكن أقصد، بل وقع الطلاق بالفعل. جميل، الصريح وقع الطلاق.

نعم، عندما يأتي ويقول لها أنتِ طالئ، لا بد أن أسأله سؤالًا آخر، لا أتركها هكذا وأقول له لم يقع الطلاق وانتهى الأمر. فأسأله فيقول لي: لم أقصد الطلاق، فلا يقع الطلاق.

حسنًا، ذهبت وقال لي: قصدت الطلاق، وهذا يحدث كثيرًا.

الانتقال إلى الفاصل والعودة لاستكمال موضوع الطلاق الصريح والكناية

[المذيع]: دعنا نكمل يا مولانا بعد إذن فضيلتك بعد الفاصل موضوع الطلاق الكناية والطلاق الصريح، هل يقصد أم لا يقصد. فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، حلقة من حلقات برنامجكم مفاهيم افتائية. كنا قبل أن نخرج إلى الفاصل مع مولانا العلامة الدكتور علي جمعة، كان مولانا يحدثنا عن الطلاق بلفظ أنت طالق الذي هو الصريح المريح، وكلمة أنت طالقة التي يسمونها كناية. تفضل يا مولانا.

حكم الطلاق الصريح والكناية وسؤال النية عند قول أنت طالئ بالهمزة

[الشيخ]: فإذا الطلاق الصريح لا يحتاج إلى نية، يقع بنفسه. إذا أتاني أحدهم وقال لي: أخبرتها أنت طالق، حكمنا عليه بالطلاق.

الطلاق بالكناية يحتاج أن أسأله مرة ثانية وأقول له: أنت قلت لها أنت طالق بالهمزة هكذا؟ حسنًا، هل كانت نيتك الطلاق؟ فكثير من الناس يقول لي: نعم، كانت نيتي الطلاق، نحسبها عليه طلاقًا واحدًا.

وإن قال لي: لا، لم تكن نيتي الطلاق، أنا كانت نيتي التهديد فقط، أنا كانت نيتي الإغاظة، أردت أن أغيظها، كانت نيتي أن أُظهر لها أنني غاضب جدًا، لكنني لم أتخيل أننا سننفصل، أن بيتنا سينهار، أنها ستذهب بالأولاد وتحتضنهم عندها، لا يمكن أن أفكر في ذلك.

فعندها أقول له: إذا هذه كناية ولم تنوها فلا يقع الطلاق.

الرد على من يدعي أن مفتي مصر قال إن الطلاق لا يقع مطلقاً وأقوال العلماء

من المضحكات المبكيات أن يأتي شخص ويقول إن مفتي مصر قال إن أنت طالئ لا يقع بها الطلاق، لكن أنت طالئ هذه كناية عند الشافعية.

يقول البيجرمي: ولو كانت لغة قومه. ويقول الباجوري في حاشيته: ولو كانت لغة قومه. ويؤلف الإمام السيوطي في كتاب [الحاوي] رسالة ممتعة في تحريف لفظ الطلاق، فيما لو قال لها كما ذكرنا: تالك أو طارق أو طالئ، وكل هذه الأشياء تنقل المسألة من الصريح إلى الكناية.

قصة الشيخ مبارك مفتي الطلاق وخبرته في مسائل الطلاق البلاغية

الخبرة في هذه الأمور كانت موجودة، فقد كان لدينا شخص - رحمه الله - كان من كبار المشايخ، وكان يُلقب بـمفتي الطلاق، كان هذا اسمه الشيخ مبارك.

وكان قد قرأ كتابي أسرار البلاغة وإعجاز الإعجاز لعبد القاهر على الشيخ محمد عبده، وكان معمّرًا هذا الرجل. وكان يقول إن كثيرًا من الناس لا يفهمون شيئًا، صحيح أن كثيرًا من الناس في مسائل الطلاق لا يفهمون شيئًا.

المرحلة الثانية تكييف المسألة الفقهي بعد تصوير الواقعة

نرجع مرة أخرى للمراحل الأربعة، بعد المرحلة الأولى نريد التصوير. بعد أن صورت المسألة وفهمتها، ننتقل إلى المرحلة الثانية وهي تكييف المسألة.

تكييف أنني خلاص فهمت ما هي القضية، قال لها: أنت طالئ بالهمزة، ولم يكن يعني الطلاق، فتكييفي للمسألة أن هذا طلاق كناية، هذا هو التكييف.

المرحلة الثالثة معرفة الحكم الشرعي والمرحلة الرابعة الفتوى ومراعاة الجهات الأربع

نعم، ثم المرحلة الثالثة: الحكم. حسنًا، ما هو الحكم؟ أي على هذا التكييف، على هذا التكييف، نعم على هذا التكييف ما الحكم؟ ما الحكم؟ إنه لا يقع. جميل.

طيب، ما الفتوى؟ هل هناك فرق بين مرحلة الحكم ومرحلة الفتوى؟ قال: نعم، جميل، لأنني أراعي في الإفتاء الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، تُسمى الجهات الأربعة. نعم، الجهات الأربعة لتغير الفتوى.

نعم، أحد من إخواننا أيضًا ظنَّ أن الجهات الأربعة: الشمال والجنوب والشرق والغرب! لا بأس، أمرنا إلى الله على قدر معلوماته - أمرنا إلى الله - الإمام القرافي يسمي الجهات الأربعة: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

مراعاة الجهات الأربع في الفتوى ومناسبة الحكم للزمان والمكان والأشخاص والأحوال

حسنًا، فأنظر هل ما سأقوله الآن من الحكم وأُظهِرُه مناسبٌ للزمان وما فيه من أعراف، مناسب للمكان، مناسب للحال، وهل هو حال ضرورة أم حال عادي؟ هل هو مناسب للأشخاص؟ هل هو شخص اعتباري أم شخص طبيعي؟

وأنظر هل الحكم مناسب أم يترتب عليه ضرر أو يضيّع مصالح أو يسبب فتنة بين الناس إلى آخره. أقوم بالفتوى؛ يعني الفتوى هذه آخر مرحلة، آخر مرحلة، بشرط أن أنتبه إلى الجهات الأربع، حتى لا يكون هناك اضطرار.

مثال تطبيقي على تغير الفتوى عن الحكم في حالة الاضطرار كشرب الخمر

لنفترض أنه صوّر لي وقال لي: هذا شيء اسمه ويسكي. نعم، وبعد ذلك كيّفت أنا هذا الويسكي، قلت: حسنًا، وما هو هذا الويسكي؟ بحثت عن حقيقته، وتبين لي أنه خمر، فما حكم الخمر؟ أنه حرام.

لا أفتي وأقول حرام! إنني يجب أن أدخل عنصر: هل هناك اضطرار أم لا؟

﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]

مضطر يعني كان هناك مجاعة. نعم نعم، يعني أنت قلت لي: إنني كنت عطشانًا في الصحراء، العطش في السحر وليس عنده غيرها، ماذا أفعل؟ قلت له: اشرب. نعم، اشرب الحرام، هي حرام. نعم، اشربها لكي تنقذ حياتك. نعم، لكي تنقذ حياتك أن تشرب.

تغير الفتوى عن الحكم لحالة الاضطرار وقاعدة ارتكاب أخف الضررين واجب

يعني إذا كانت الفتوى قد تغيّرت عن الحكم. نعم، لحالة الاضطرار. نعم، ظللت واصل للمسألة وحكمت بأن هذا حرام.

نعم، ولكنه يقول لي: الله، أنت لو قلت لي هكذا الآن سأرتكب ما هو أكثر حُرمةً منه. أقول له: لا، ارتكاب أخف الضررين واجب، أفعل ذلك، ارتكب الحرام الصغير حتى لا تقع في الحرام الكبير.

إذن أنا أُجري القواعد الفقهية في النهاية وأراعي الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، ولا أستطيع أن أحوّل الحكم إلى فتوى إلا بعد إجراء هذا التعديل الذي قد أحتاج إليه حتى أحافظ على مقاصد الشريعة ومصالح الناس ومآلات الأفعال، ولا أخرج عن الإجماع ولا اللغة العربية ولا القطعي من النصوص.

ملخص مراحل الفتوى الأربع التصوير والتكييف والحكم والإفتاء

[المذيع]: إذن، ما هي مراحل الفتوى التي يمر بها الفقيه؟

[الشيخ]: التصوير، ثم التكييف، ثم الحكم (معرفة الحكم)، ثم الإفتاء؛ أي إيقاع هذا الحكم بما يناسبه من الفعل أو عدم فعل على الواقع بعد مراعاة الجهات الأربع: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

هذه صناعة، إنها عملية مركبة، عملية مركبة وتحتاج إلى دربة، تحتاج إلى دربة.

تفصيل مهارات المفتي في التصوير والتكييف ومساعدة المستفتي على عرض قضيته

وأنت تستمع للسؤال وتصنفه وتتعمق فيه وتصل إلى حقيقته، وما الأسئلة التي يجب أن تذكرها حتى تساعد المستفتي على عرض قضيته كما هي.

ثم تنتقل بعد ذلك إلى التكييف، فلو كيَّفتها شيئًا ما فقد تصل بها إلى الحرام، ولو كيَّفتها شيئًا آخر فقد تصل بها إلى الحلال.

هذا أمر جيد، فلا بد عليك من الالتزام بما هو موجود من التراث والالتزام بالقواعد الفقهية والالتزام بمآلات الأفعال والالتزام بحقائق الأمور والمصالح وأنت في عملية التكييف، والالتزام بمصالح الناس وبطبيعة العصر وبالأعراف.

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

معرفة الحكم الشرعي بعد التكييف وتطبيق قاعدة ارتكاب أخف الضررين

وبعد أن تقوم بهذه عملية التكييف تعرف هل مثل هذا في الشريعة حلال أم حرام أم مكروه أم مندوب؟

حسنًا، هو مندوب. نعم، لكن هذا المندوب إذا فعلناه يترتب عليه فتنة عارمة، لا لا تعملوه لأنه مندوب، فالمندوب ليس فرضًا ولا واجبًا.

إنه الآن حرام، ولكن الامتناع عنه يوقعنا في حرام أشد منه، ارتكاب أخف الضررين واجب. هو حرام وليس هناك مانع من تحريمه، فحرِّمه فورًا لأنه حرام. هو واجب وليس هناك مانع من وجوبه، فأوجبه فورًا، لا بدّ من فعله فورًا.

الإفتاء منظومة مركبة تحتاج إلى إدراك المصادر والواقع والإخلاص لله

وهكذا منظومة معقدة مركبة تحتاج إلى إدراك المصادر وإدراك الواقع بعوالمه الأربعة والوصل بينهما، تحتاج إلى هذا الشخص المتعلم المتربي المدرب الذي دارس، الذي دارس.

وبعد كل هذا نقول: يا رب سلّم، يا رب سلّم. فإذا أخطأ فله أجر لأنه اجتهد، لأنه بذل كل هذا وبذله مخلصًا.

ولا بد من الإخلاص:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»

فإذا كان قد فعله لهوى، فحسيبه ربه، وإذا كان قد فعله لمصلحة شخصية، فحسيبه ربه. صحيح، وإذا كان قد فعله استهانةً، فحسيبه ربه. نعم، فهذا هو الإفتاء بمراحله ونعم بالله.

تحويل دار الإفتاء إلى مؤسسة وتدريب العلماء على البحث والتقصي

[المذيع]: يا مولانا، لقد أحببنا علم فضيلتكم، فقد كان جميلًا جدًا، ووضحت لنا في هذه الحلقة بالذات تحديدًا وفي الحلقات الماضية، إن الإفتاء هذا عملية مركبة، يعني إذا جاز التعبير كأن شخصًا يركب آلة كبيرة أو موتور سيارة، ليس مجرد أن يمسك مفكًا ويفعل هكذا فيصبح ميكانيكيًا. المفتي لديه أشياء كثيرة لازم يدرسها ولازم يتعمق فيها ولازم يتدرب عليها قبل أن يُفتي.

[الشيخ]: نعم، وهذا ردٌ على أي شخصٍ يقرأ كتابًا ويعتبر نفسه مفتيًا. أنا عندما توليت دار الإفتاء المصرية، والحمد لله، كان لدي قرارٌ لا رجعة فيه، والحمد لله، ووفقني ربنا في أن أحول دار الإفتاء إلى مؤسسة، إلى مؤسسة.

جميل، يعني ليس هناك شخصٌ يفكر برأسه هكذا، فدربت علماء ما شاء الله للبحث والتقصي ومعرفة الأمور، سواء كان هذا في المصادر أو كان هذا في إدراك الواقع.

ضرورة تحول الإفتاء من الفردية إلى المؤسسية في ظل تعقيد الواقع المعاصر

خاصة وأن هذا الواقع يزداد كل يوم تغيرًا ويزداد كل يوم تعقيدًا ويزداد كل يوم اتساعًا. جميل، أي في البداية كنا نحن معنا هنا، لكن بالاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة أصبحنا نعيش في قرية واحدة.

إذن فالإفتاء ينبغي أن يكون أيضًا سعيٌ للخروج من السلطة الفردية والعلم الفردي إلى المؤسسية، إلى أن يكون هناك مركز أبحاث يقول لي شيئًا، ومركز أبحاث يدرس لي الواقع، ومركز يحاول أن يعطيني حقائق الأمور والمآلات والمقاصد، حتى تكون الفتوى أقرب ما تكون لرضا الله سبحانه وتعالى ولا تخرج عن الشرع الشريف أبدًا.

ختام الحلقة والشكر للدكتور علي جمعة على جهوده في تطوير دار الإفتاء

[المذيع]: ما شاء الله، ونحن نشهد يا مولانا أن دار الإفتاء على يدي فضيلتك تغيرت تمامًا، والخط الساخن مائة وسبعة، والمواقع التي على الإنترنت؛ يعني ما شاء الله جهد مشكور، نسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتك يا مولانا.

[الشيخ]: آمين يا رب العالمين.

[المذيع]: اسمحوا لي باسم حضراتكم نشكر معنا فضيلة العلامة الدكتور علي جمعة العالم الأزهري الجليل وفضيلة مفتي جمهورية مصر العربية على هذا الجهد، على وعد بلقاء في الحلقات القادمة إن شاء الله من مفاهيم إفتائية، إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.