برنامج مفاهيم إفتائية (6) - أدب المستفتي - مفاهيم إفتائية

برنامج مفاهيم إفتائية (6) - أدب المستفتي

23 دقيقة
  • الفتوى مسؤولية عظيمة تتطلب علماً راسخاً وفهماً دقيقاً، فمن الصحابة البالغ عددهم 114 ألفاً لم يتصدر للإفتاء سوى 15 رجلاً.
  • تنقسم الفتاوى إلى نوعين: فتاوى فردية تخص أفراداً معينين كمسائل الطلاق، وفتاوى مجتمعية تتعلق بالأمة كقضايا الحوار الحضاري والبطالة والتعليم ونقل الأعضاء.
  • يجب على المفتي الاهتمام بمقاصد الشريعة ومراعاة المصالح والمآلات، وفهم الإسلام كدين شامل للعالمين.
  • على المستفتي الالتزام بخمسة آداب: الدقة في وصف المسألة، الوضوح في طرح السؤال، الصدق في نقل الواقعة، الحياد وعدم التحيز، والإخلاص والرضا بحكم الله.
  • يخطئ من يقسم الإسلام إلى إسلامات متعددة، فالإسلام واحد بكتابه وقبلته وصلاته وصيامه ونبيه، وهو الكلمة الأخيرة من الله للبشرية.
محتويات الفيديو(25 أقسام)

مقدمة الحلقة وسؤال عن مقولة علقها في رقبة عالم واخرج منها سالم

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون معكم في حضرة وفي ضيافة سماحة العلامة الدكتور علي جمعة المفتي الديار المصرية، أهلًا وسهلًا بكم يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: دائمًا يا مولانا في مقولة يقولونها، يقولون: علّقها في رقبة عالم واخرج منها سالم، نريد أن نعرف رأي حضرتكم في هذه المقولة، وما هو أدب المستفتي؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]

فأمرنا أن نسأل أهل الذكر وأن نسأل العلماء، وأن الناس أقسام وليسوا قسمًا واحدًا؛ فهناك من عرف أحكام الشرع الشريف بصورة لافتة للنظر بالأدلة الصحيحة والاستنباط السليم، وهناك من لم يكن كذلك بل كان من عامة الناس.

قلة المتصدرين للعلم والفتوى من بين صحابة رسول الله

لو تأملنا مثلًا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجدنا أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بلغوا مائة وأربعة عشر ألفًا، مائة وأربعة عشر ألف شخصًا رأوا سيدنا رسول الله وثبتت لهم الصحبة.

ويقول الشيخ ابن حجر العسقلاني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نظر إلى أحدهم أحدث فيه ما استوجب عدالته، ما شاء الله! يعني نظرة النبي تُحدث في الإنسان ما استوجب عدالته، ما شاء الله.

ليس ضروريًا أن يكون الشخص رأى النبي، المهم أن يكون النبي رأى الشخص؛ فيمكن أن يكون شخص كابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه كان ضريرًا.

تربية النبي بالنظرة وعدالة جميع الصحابة رضي الله عنهم

نعم، وهناك جماعة من الصحابة من ضُرِر أو العمى، أي كان كفيفًا، ولكن النبي لما نظر إليه أحدث في نفسه شيئًا استوجب معه العدالة، ما شاء الله عليه الصلاة والسلام.

فكان يُربّي بالنظرة صلى الله عليه وسلم من شدة بركته وعلو قدره عند الله سبحانه وتعالى، ومن هنا كانت الصحابة كلهم عدولًا.

عندما تتبّع ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتابه [إعلام الموقعين عن رب العالمين] من تصدّر للعلم من الصحابة، لا يزيد عن تقريبًا مائة وثلاثين، مائة وخمسين، مائة وثلاثين، مائة وثلاثين.

أبرز الصحابة المتصدرين للفتوى والفقه من بين مائة وأربعة عشر ألفًا

أغلب هؤلاء يعني يُروى عنه مسألة، يُروى عنه مسألتان، إنما الذي تصدّر للإفتاء وكذلك من الصحابة من مائة وأربعة عشر ألفًا أصحابي لا يزيدون عن خمسة عشر رجلًا، خمسة عشر رجلًا هم الذين نستطيع أن ننقل عنهم عدة مسائل في أبواب كثيرة.

نقول: قال عمر، قال أبو بكر، قال عبد الله، العبادلة — هؤلاء العبادلة من كان اسمهم عبد الله — نعم: عبد الله بن مسعود، عبد الله بن عمر، عبد الله بن عمرو، ابن عباس، وعبد الله بن الزبير، من العبادلة الذين اشتهروا بالفقه ما شاء الله.

والأئمة الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم، وكذلك من الصحابة السيدة عائشة والسيدة أم سلمة، قوم تجد لهم أثرًا ووجودًا في الفقه الإسلامي بكثرة.

مكانة سيدنا علي في العلم وقلة المتصدرين للفتوى رغم كثرة الصحابة وعدالتهم

أجل، ابن عباس وابن مسعود وعائشة وعمر تجدهم لهم كلام، كسيدنا علي، سيدنا علي باب مدينة العلم، قضية ولا أبا الحسن لها! يعني هذا سيدنا أبو الحسن.

حسنًا، فالمهم أن المقصود من هذا أن الصحابة بالرغم من كثرتهم وعدالتهم وما أحدثه فيهم النبي صلى الله عليه وسلم من تربية، وما قاموا به من جهاد، وما دخلوا فيه من رضا الله رضي الله عنهم ورضوا عنه:

قال النبي ﷺ: «لو أنفق أحدكم مثل جبل أُحُد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه»

أو نصف صاع، جبل أُحُد ذهبًا لو تصدّق به كقليل من القمح يتصدق بهم سيدنا أبي بكر، وبالرغم من هذا كانوا قلة.

سيدنا عمر يحتاج إلى سيدنا علي والمتصدرون للفتوى كانوا قليلين

[المذيع]: نعم، وسيدنا عمر فضيلتكم أوضح لنا.

[الشيخ]: سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو من هو يقول: قضية ولا أبا الحسن لها، يعني لا أبا الحسن لها، أي أن هذه القضية تحتاج إلى سيدنا علي، فحتى سيدنا عمر مع مقامه الشريف يقول: هذا يحتاج إلى سيدنا علي.

فالمهم، الحاصل أن الناس المتصدرون هؤلاء للفتوى كانوا قليلين.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: مما يدل على أن الأمر يحتاج إلى شيء آخر غير التقوى، وشيء آخر غير الفضل، وشيء آخر؛ قد يكون الإنسان يُسأل الدعاء من أجل الاستسقاء، أجل، نقول له: ادعُ لنا أن ربنا ينزل المطر، فيدعو فينزل المطر، لكنه لا يصلح، لا يصلح أن يكون في هذا المكان [مكان الإفتاء]، ما شاء الله.

معنى علقها في رقبة عالم وأقسام المستفتين فرد وشخص اعتباري وأمة

فعلّقها في رقبة عالم واطلع منها سالم، هذه جاءت في نطاق:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]

الحقيقة أنه من الذي يستفتي؟ الذي يستفتي إما أن يكون فردًا، وإما أن يكون شخصًا اعتباريًا، وإما أن تكون الأمة.

الأمة كلها، أي فتوى جماعية، وليست فتوى جماعية [فحسب]، فتوى ترتبط بمصير الأمة ومصالحها، أي مصير الأمة ومصالحها.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فهناك فرق كبير بين الفتاوى الفردية والفتاوى التي تتعلق بشأن الأمة.

[المذيع]: جميل.

[الشيخ]: فتوى رجل طلّق زوجته أم لم يطلقها، وفتوى شيء آخر له علاقة بالتعامل مع الأعداء، أو مثلًا بالدعوة إلى الإسلام.

أهمية المشاركة الحضارية وعدم اعتزال العالم في قضايا الأمة

بصورة الإسلام في العالم، أي نقوم بحوار أم لا نقوم بحوار.

[المذيع]: نعم، جميل.

[الشيخ]: نعتزل الناس ونقطع العلاقات أم نتحاور معهم؟ يكون لنا وجود في المحافل الدولية وأثر في المشاركة العالمية، ونصبر على من يؤذوننا في عقيدتنا وتاريخنا وشريعتنا ووجودنا أيضًا، وهكذا إلى آخره.

العالم ليس على قلب إنسان واحد أو شخص واحد؛ هناك من يكرهنا بلا مبرر بتراكمات تاريخية تتعلق به أو بعلاقته معنا، هناك من يحبنا ويعرف حقيقتنا، هناك من يجهلنا، هناك من لا نمثل نحن عنده أي شيء لا يحبنا ولا يكرهنا ولا يعرف عنا شيئًا.

هناك من يميل بقلبه إلى حبنا، وهناك من يميل بقلبه إلى كراهيتنا لكنه غير مصمم على هذه الكراهية، فهل من الحكمة أو من المصلحة أن نُقدم أم أن نُحجم؟ ما الذي نفعله؟

ضرورة المشاركة وعدم الاعتزال حتى لا نخسر الحلفاء المحتملين

صحيح، هل من الحكمة أو من المصلحة أن نعتزل أم أن نشارك؟ لأنه من الممكن أنه إذا اعتزلنا نخسر كل الناس حتى بما فيهم من هو أن يكون حليفًا لنا وليس عدونا.

نعم، ما الحكاية؟ ما الإمكانيات؟ وهنا ينبغي علينا أن نفكر وأن نتدبر وأن نعرف الواقع، وأن نرى مقاصد الشريعة، وأن نرى أيضًا صفات الإسلام، وأن نعمل دائمًا على ألا نكون حجابًا بين الخلق والخالق.

وينبغي علينا ألا نكون سببًا لهروب الناس من الإسلام بمقارنة واقعنا مع أوامر الإسلام، فنجد أننا نحن أنفسنا نحتاج إلى التعرف على الإسلام بصورة أكثر عمقًا، وإتباع النبي صلى الله عليه وسلم بصورة أكثر تمسكًا والتزامًا.

التحذير من أن نكون حجابًا يصد عن سبيل الله والفرق بين الفتوى الجماعية والفردية

وأكثر نضجًا من أن نحوّل المسائل إلى قضايا، وأن نكون فعلًا حجابًا نصدّ عن سبيل الله والعياذ بالله تعالى. هذا لا يرضاه الله ولا يرضاه رسوله ويأباه المسلمون.

فالقضية أن هناك فتوى تتعلق بأفعال متعلقة بالأمة؛ تتعلق بالتعليم والبحث العلمي، وتتعلق بالمشاركة الحضارية، وتتعلق بصورة الإسلام في العالمين، وبقضايا الحوار، وتتعلق بأمور مثل هذه.

وكلها تتعلق بأفعال؛ لأنني من خلالها سوف أعلم إذا كنت أفعل أم لا أفعل. وهذا جميل، وهناك قضايا فردية أو فتاوى فردية.

[المذيع]: طيب، بعد إذن فضيلتكم نخرج للفاصل ونعود لنستكمل القضايا الفردية والقضايا الجماعية الخاصة بالمجتمع.

[الشيخ]: نعم.

العودة من الفاصل وأمثلة على الفتاوى الجماعية المتعلقة بالأمة كاستعباد الشعوب

[المذيع]: فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل في الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامج مفاهيم إفتائية مع فضيلة العلامة الدكتور علي جمعة. كنا نتحدث عن المستفتي، خرجنا يا مولانا إلى الفاصل، فضيلتكم كنتم تقولون لنا إن هناك فتوى جماعية أو مجتمعية للمجتمع الإسلامي ككل وهناك فتوى فردية للشخص الواحد؟

[الشيخ]: نعم، يعني ضربنا مثالًا لفتوى الأمة ونزيد: موضوعات تتعلق بالأمة من ضمنها استعباد الشعوب. أليس هذا يُعدّ نوعًا من أنواع الرق الذي ينبغي أن نوجّه الزكاة إليه؟

قضايا استعباد الشعوب هذه لها صور، من ضمنها الأمية؛ إزالة الأمية هذا فرض حتم لازم. قضايا البطالة، قضايا الصحة، قضايا التكافل الاجتماعي، قضايا العمل الخيري، قضايا تتعلق بالأمة ويجب علينا أن نتعامل معها بصورة أخرى.

حفظ عقل الأمة والفرق بين الفتوى المتعلقة بالأمة والفتوى الخاصة بمجتمع معين

قضايا تتعلق بحفظ عقل الأمة، حفظ عقل الأمة.

[المذيع]: أجل، ليس فقط عقل الفرد.

[الشيخ]: أن أحرّم عليه المسكرات والمخدرات! لا، المسكرات والمخدرات حرام، ولكن عقل الأمة لا يُغيَّب، ما شاء الله.

[المذيع]: جميل.

[الشيخ]: يعني هناك في الحقيقة فتوى تتعلق بالأمة، وهناك فتوى تتعلق بأقل من ذلك وهو أن يكون هناك أمر في مجتمع ما.

[المذيع]: صحيح.

[الشيخ]: يتعلق بأفراد كثيرين لكنها خاصة، يعني خاصة بحالة دون حالة، ليست خاصة بالأمة الإسلامية ككل، ليست بالأمة كأمة على مثل هذا الذي ضربنا به المثل من المشاركة الحضارية، من البطالة، من الأمية، من العمل الخيري، من قضايا الحوار، قضايا تصحيح الصورة، يعني الذي قلنا عليه هذا، هذه أشياء تتعلق بالأمة.

نقل الأعضاء بين الإباحة والضوابط الشرعية لحماية الفقراء من تسلط الأغنياء

[المذيع]: نعم، هل فضيلتكم مثلًا نعني نحج بسبب الإنفلونزا الخنزيرية أو زراعة الأعضاء، تُعتبر هذه قضايا مجتمعية؟

[الشيخ]: التي يسألني فيها الناس قائلين لي: هل نقل الأعضاء حلال أم حرام؟ نقل الأعضاء هذا قضية تتعلق بإزالة الآلام، لكنها أيضًا تتعلق بالإنسان.

نحن نريد إزالة الألم ونريد العلاج، لكن لا نريد تسلّط الأغنياء على الفقراء، صحيح، ولا نريد أن يتحول الإنسان إلى قطع غيار تُباع وتُشترى.

فيجب علينا أن نُبيح هذا النوع من الأمر وأن نضع له شروطًا تحميه. جميل، فلنُبِحه بهذه الضوابط، ولنُبِحه أيضًا بالشروط التي تحميه حتى لا يتسلط الأغنياء على الفقراء، حتى لا نقع في أيدي المافيا.

ضرورة وضع معايير طبية وواقعية لنقل الأعضاء والاستفادة من تجارب الأمم

مافيا الأعضاء تخطف شخصًا وتأخذ منه الكُلى والقلب مثلًا، حتى لا يتحول الأمر إلى فوضى وعبث، لا بد من وضع مقاييس ومعايير طبية وواقعية لهذه القضية.

ونستفيد من تجارب الأمم الإسلامية وغير الإسلامية؛ فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.

الرد على من يحرم الشركات المساهمة والعملة الورقية والبورصة والمهور

أمور تتعلق بالمجتمع في الشؤون الاقتصادية؛ أحدهم يقول لي إن هذه الشركات المساهمة حرام، الشركات العابرة للقارات حرام، التعامل بالعملة الورقية حرام.

[المذيع]: هذا الكلام مكتوب لدينا في أوراقنا، نعم.

[الشيخ]: وقالوا إن التعامل بالبورصة حرام وكذلك.

[المذيع]: نعم، حسنًا وماذا بعد ذلك؟

[الشيخ]: أنت الآن توقفت عند مسألة ووضعية، حتى إن بعضهم سمعته يقول إن المهور هذه التي نقدمها في الزواج لا ينعقد بها الزواج! وكلام عجيب غريب ومكتوب في كتب تُشوّش على الناس أمر دينهم، ويُصرّ عليها ويعتبر ضلالًا.

لذلك كل هذا يحتاج منا إلى أن هذه فتاوى متعلقة بالمجتمع، ينبغي علينا أن ندرس ما المجتمع ومواضعه والمآلات التي تؤول إلينا بها مثل هذا الكلام، وكذلك إلى آخره لضبط الأمر.

الفتوى يجب أن تحقق مصالح الناس وتلتزم بمقاصد الشرع ونصوصه القطعية

وأن الفتوى تؤثر في هذا المجتمع تأثيرًا إيجابيًا، تحقق مصالح الناس، تلتزم بمقاصد الشرع وبنصوصه القطعية، وتؤوّل من النصوص ما يكون قابلًا للتأويل، وما يكون تأويله أقرب إلى الحق وإلى معاني الإسلام.

وأنه نسق مفتوح، وأنه قد خاطب الله به العالمين، وأنه قد تجاوز الله بهذا الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وأنه دين رب العالمين وكلمته الأخيرة إلى عباده.

لا بد لنا أن نفهم أن الإسلام هكذا، وليس الإسلام هو إسلامي أنا فقط، أو أن الإسلام إسلامات، ليس هناك إسلامات، كله إسلام واحد.

الإسلام واحد لا يتعدد وتفنيد تقسيمه إلى إسلامات سياسية

أحدهم يؤلف لنا أحد عشر كتابًا إن هناك الإسلام الحركي والإسلام السني والإسلام الشيعي والإسلام الصوفي والإسلام الوهابي والإسلام... لا يوجد شيء يُسمى هكذا!

هو الإسلام الذي أتى به النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم، إنه إسلام واحد، وشهرنا للصيام واحد، وحجنا واحد لبيت الله الحرام، وكتابنا واحد، وربنا واحد، ونبينا واحد، وصلاتنا واحدة، وقبلتنا واحدة.

ما هذا الهراء؟! هذا إذا كنت تريد أن تقسمه سياسيًا حتى تتلاعب بالإسلام وبالمسلمين فذلك شأنك وأنت حر، قل ما تشاء، لا مانع من ذلك، سنستمع إليك أيضًا، ولكن سنتعامل معك على أنه إسلام من عند رب العالمين وهو الكلمة الأخيرة والعهد الأخير للناس.

الفتاوى الفردية وأنواع المستفتين من أفراد وشركات ودول وجامعات

هناك أيضًا الفتاوى الفردية، والفتاوى الفردية هنا نقول إنه سواء كانت الفتوى آتية إليّ من فرد أو من شركة باعتبارها شخصًا اعتباريًا أيضًا، أو من سفارة أو دولة أو ما إلى ذلك، أو من جهة وطائفة ودين.

يمكن أن يسألني، وجامعة في الشرق أو الغرب يمكن أن تسألني، أو كان هذا الحال أمة يحتاج إلى البحث وإبداع الرأي الشرعي.

أدب المستفتي الأول الصدق مع الله ومع النفس في حكاية الواقع

يجب أن يكون أدب المستفتي هنا هو الصدق؛

قال النبي ﷺ: «إن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار»

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الصدق مع الله بحكاية الواقع كما هو، والصدق مع النفس بعدم دخول الشهوة والرغبة لاستجلاب فتوى على هواه.

ولذلك في إجابتنا دائمًا نقول: إذا كان الحال كما ورد في السؤال فإن الإجابة كذا وكذا. إذا كان الحال كما ورد في السؤال، إذا كان الحال هكذا وأنت صادق في كلامك هذا فتكون الإجابة كذا.

الفرق بين الصدق والحياد في وصف الواقعة عند الاستفتاء

ليس صادقًا فقط ولكن أيضًا دقيقًا وواضحًا. وهكذا يعني أن أحيانًا يكون صادقًا في تصوره الخاص به.

[المذيع]: أي مع نفسه، صحيح.

[الشيخ]: ولكنه متحيز.

[المذيع]: نعم، فصادق مع نفسه ولكن وهو يقول الكلام به تحيز.

[الشيخ]: به تحيز، نعم. مثلًا يضربون الجماعة أصحاب الأبحاث الاجتماعية هؤلاء وضعوا معيارًا للحكاية: كيف تحكي واقعة؟

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فقال لك أنه كان هناك رجل في معهد للخدمة الاجتماعية، قالوا: اشرحوا لنا قضية. فذهب رجل في محطة ومعه ابن صغير واثنان يراقبانه، زملاء من الخدمة الاجتماعية، والولد يطلب من أبيه مثلجات أو نحو ذلك، والقطار داخل هكذا.

مثال عملي على التحيز في وصف الواقعة وأثره على الفتوى

حتى الآن ونحن نصف هكذا فيكون هذا وصفًا محايدًا، هو هذا المطلوب في الفتوى: وصف محايد، أي أنه لا يقف مع أحد ضد أحد آخر.

ذهب كتب الأول: الأب المتجبر ينظر إلى الولد شزرًا ويُرغمه، والولد يتوسل إليه ويبكي من أجل كذا. والثاني كتب أن الأب المسكين، الولد يتفلت منه، وولد عنيد وشرس ويريد الآيس كريم الآن، والأب خائف من أن القطار يفوته فيبقى ضاع اليوم وضاع الحال كله.

أجل، هذا تحيز! هذا تحيز للطفل وهذا تحيز للأب وهذا تحيز للأب. هي الحكاية أن هناك أبًا وابنًا، أن هناك قطارًا داخلًا، أن هناك ولدًا يطلب آيس كريم، أن الأب لم يُحضر آيس كريم، هذه هي الحكاية.

ضرورة أن يكون المستفتي صادقًا ومحايدًا ومخلصًا لا يطلب حكمًا على هواه

ولكن بعد ذلك أصبح الأمر أن الولد مخطئ وأن الأب شرس وقاسٍ، هذه أحكام ذاتية.

فأحيانًا يكون الإنسان صادقًا، هو صادق مع نفسه، لكنه ليس محايدًا. فلا بد أن يكون صادقًا، ولا بد أن يكون محايدًا، ولا بد أن يكون مخلصًا.

أي نُنقّي نفسه ونُطهّرها من الرغبة أن يُحكم له، لا، بل يتوكل على الله ويطلب: يا رب قل لي هذا. وهذا كثير من الناس حتى لو كان الحكم عليّ فأنا موافق.

وأحيانًا يقولونها هكذا: حتى لو كان الحكم عليّ فأنا موافق وتمام. وفعلًا عندما نحكم عليه يقول: انتهى، قُضي الأمر.

خمسة آداب للمستفتي الدقة والوضوح والصدق والحياد والإخلاص

هذا هو المستفتي، وأدب المستفتي أن يكون دقيقًا، أن يكون واضحًا، أن يكون صادقًا، أن يكون محايدًا، أن يكون مخلصًا.

خمسة أشياء هي خمسة:

  1. كن دقيقًا ولا تُخفِ شيئًا.
  2. كن واضحًا ولا تتمتم بالكلام.
  3. كن صادقًا وإياك أن تكذب؛ فالكذب كبيرة وخيانة.
  4. كن أيضًا محايدًا وأنت تصف حتى لا يكون هوى نفسك هو المؤثر في المسألة.
  5. كن أيضًا مخلصًا لله راضيًا بحكمه.

إذا عرفت حكمه فإن الله يبارك لك في حياتك وفي سؤالك وفي كل شيء.

مثال على الصدق في الاستفتاء في مسألة الطلاق ومسؤولية المستفتي الكاذب

[المذيع]: لأجل ذلك يا مولانا فضيلتكم أوضحتم لنا في حلقات سابقة أننا نسأل الرجل الذي قال لها أنتِ طارئ أو أنتِ طالق، نسأله عن نيته، من المفروض أن يكون صادقًا وأن يكون أمينًا، ويأتي هنا تقول لي: فلنفترض أنه كان كاذبًا؟

[الشيخ]: نعم، قلت لها: لو كان كاذبًا ليس عليكِ أي شيء.

[المذيع]: صحيح.

[الشيخ]: أنتِ في حلال مطلق، المسكين هو الذي أضاع نفسه وسيأتي يوم القيامة باعتباره زانيًا — أعوذ بالله — وهي باعتبارها عفيفة شريفة نظيفة.

[المذيع]: نعم، وهي في الجنة، صحيح. يعني إذن يا مولانا الفتوى هنا المفتي لا ذنب عليه إن قال الرجل لم أكن أقصد؟

[الشيخ]: فإن المفتي ليس عليه ذنب، إذا كان الحال كما ورد في السؤال فحكم الله فيه هكذا.

خاتمة الحلقة ومسؤولية المستفتي بالصدق والإخلاص والحياد والدقة والوضوح

جميل، أنت أيها المستفتي لا بد أن تتحمل المسؤولية بالصدق والإخلاص والحياد والدقة والوضوح.

[المذيع]: ما شاء الله، ربنا يفتح عليك يا مولانا ويزيدك من العلم وينفعنا بعلم فضيلتك. اسمحوا لي بإسم حضراتكم نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية على هذا الجهد وعلى هذا العلم وعلى هذا البرنامج الجميل مفاهيم إفتائية.

على وعد باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله، إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.