برنامج مفاهيم إفتائية (7) - صفات المفتي
- •المفتي يختلف عن الفقيه بضرورة معرفته للواقعة ومصالح الناس والظروف المحيطة بها زماناً ومكاناً وأشخاصاً وأحوالاً.
- •أول صفات المفتي العلم بالأحكام الشرعية من الكتاب والسنة وآراء المجتهدين ومراعاة الإجماع والعلم بالواقع.
- •الصفة الثانية التدريب والضبط في فهم السؤال وإدراك حال المستفتي وإيصال الحكم الشرعي المجرد إلى الواقع النسبي المتغير.
- •التصور الخلاق والنظر في مآلات الأفعال من أهم مهارات المفتي.
- •الصفة الثالثة تنزيل الناس منزلة الوالد من الولد بالحنان والحزم وعدم الاستهانة بالإنسان أو الحالة أو الفتوى.
- •يجب على المفتي الاختيار الفقهي المناسب لتحقيق المصالح ومراعاة العصر خاصة في المسائل المختلف فيها.
- •الاختيار الفقهي يحقق احترام التراث وتحقيق مصالح المسلمين في العصر الحديث.
مقدمة الحلقة والسؤال عن صفات المفتي وآدابه
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامج مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
كما في الحلقة الماضية مولانا تحدثنا عن أدب المستفتي، نريد من فضيلتكم اليوم أن نتحدث عن صفات المفتي؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
المفتي يختلف عن الفقيه بأنه يجب عليه أن يعلم الواقع، وأن يعلم مصالح الناس، وأن يعلم الأعراف السائرة؛ حتى إذا ما طبّق ما عرفه من حكم في مثل هذه الواقعة كان محيطًا بالظروف البيئية المحيطة بهذه الواقعة من ناحية الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
الصفة الأولى للمفتي: العلم بالأحكام الشرعية وآراء المجتهدين
فأول صفة وأول أدب من آداب المفتي كما عبّر عنه العلماء -آداب المفتي والمستفتي- هو العلم. ولذلك حرص الصحابة الكرام على ألا يتصدوا لمسألة لا يعلمونها.
والعلم هنا يتمثل في العلم بالأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، وكذلك العلم بهذه الأحكام في آراء المجتهدين؛ حتى يراعي الإجماع ولا يخرج عنه، وحتى يستأنس بكلام المجتهدين.
وإذا كان المفتي مقلدًا لا بد له أن يلتزم كلام المجتهدين. والعلم أيضًا بالواقع؛ إذن فلا بد أن يعلم المصادر الشرعية التي يُؤخذ منها الحكم، ولا بد أن يعلم كلام الناس المجتهدين حتى لا يخرج عنه في الإجماع، وحتى يستأنس به أيضًا؛ حتى لو لم يكن مجتهدًا فإنه يجب عليه أن يلتزم به، وإن كان مجتهدًا يستأنس بكلامه أيضًا. العلم بالواقع.
الصفة الثانية للمفتي: الدربة في فهم السؤال وإدراك حال المستفتي
القضية الثانية من الصفات هي الدربة، أي والدربة هذه هي تمكّنه من:
- أولًا: فهم السؤال.
- ثانيًا: إدراك حال المستفتي.
- ثالثًا: كيفية إيصال الحكم الشرعي المطلق المجرد إلى الواقع النسبي المتغير المتشابك المعقد.
وهنا فإنه يتدرب على أن ينظر إلى المستقبل من ستر خفي عن طريق إدراكه لمآلات الأفعال.
يقول الإمام الغزالي: إن المجتهد كلما تصوّر المسائل وما تتداعى إليه كلما كان أكثر تمكنًا في الاجتهاد. يعني ما الذي يفرّق بين مجتهد ومجتهد آخر وقد استوفى جميعًا شروط الاجتهاد؟ القدرة على التصور الخلّاق. التصور الخلّاق أنه ينظر إلى الأمام عدة خطوات.
التصور الخلاق عند الغزالي وأثره في التفريق بين المجتهدين
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الذي يمكن أن يتوقع ما الذي يمكن أن يحدث. هذا أورده [الإمام الغزالي] في حقيقة القولين، ورواه عنه ابن برهان والسيوطي وهكذا، وهو كتاب مفقود لم يصل إلينا، ولكن النقول موجودة في كتب أخرى.
فالإمام الغزالي له نظرة ثاقبة في قضية التصور الخلّاق المبدع الذي يفرّق بين مجتهد ومجتهد. فمن صفات المجتهد المفتي أن يكون عنده نوع من أنواع هذا التصور الخلّاق.
وكلما كان عند المفتي تصور خلّاق لمآلات الأفعال وآليتها فإنه يكون أقرب في فتواه إلى الناس وإلى مصالحهم، وإلى المحافظة على المقاصد الشرعية، وإلى المحافظة على الشريعة، وإلى سهولة تطبيقها بيسر كما هو شأن الشريعة.
سماحة الشريعة وملخص صفات المفتي الثلاث: العلم والتدريب والتربية
لأن الشريعة سمحة، وما خُيّر النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما. فهي بطبيعتها سمحة، فعندما يكون لديه هذا التصور يدرك بالضبط ما دامت الأفعال كذلك.
فمن الصفة الأولى للمفتي يجب أن يكون عالمًا، والصفة [الثانية] أن يكون عالمًا بثلاثة أشياء:
- •بالمصادر [الشرعية].
- •وبالفقه.
- •وبالواقع.
وكذلك يجب أن يكون متدربًا لديه ضبط وتدريب.
الصفة الثالثة أنه يجب عليه أن ينزل الناس منزلة النفس أو منزلة الوالد من الولد. يعني عندما يأتيه مستفتٍ لا يناقشه فيما أخطأ وقصّر ولا في نقصه، بل يعتبره أن هذا هو ولده.
علاقة المفتي بالمستفتي كعلاقة الوالد بالولد في الحزم والرحمة
[المذيع]: نعم، يعني عن نية الوالد مع الولد يعني.
[الشيخ]: نعم، وقد يكون أيضًا بالحزم وليس بالحنان فقط؛ لأنه من كان ذا رحمة فليقسُ أحيانًا على من يرحم.
فهذه علاقة الوالد بالولد؛ الوالد بالولد لم تكن العقوبة فيها انتقامًا أو انتقاصًا، كانت دائمًا العقوبة التي تتم بين الوالد والولد تكون من سبيل التأديب والتهذيب. يريد مصلحته، يريد مصلحته، وحريص عليه، وواضع اهتمامه في قلبه.
هكذا لا بد للمفتي أن تكون علاقته بينه وبين الناس. وهنا تتولد إذن معانٍ كثيرة لا حصر لها من هذا المفتاح، هو عدم الاستهانة؛ فلا يستهين بالإنسان، ولا يستهين بالحالة، ولا يستهين بالفتوى.
عدم الاستهانة والاهتمام بأمر المسلمين من صفات المفتي
عدم الاستهانة بحيث أنه مهتم ومهتم في قلبه. والنبي صلى الله عليه وسلم وهو يربينا يقول:
قال رسول الله ﷺ: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منا»
ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «من غشّنا فليس منا»
ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «إنما أنا لكم مثل الوالد»
معانٍ عظيمة موجودة في الكتاب، وموجودة في السنة، وموجودة في فعل الصحابة، وموجودة في فعل أتقياء الأمة وعلمائها، مكانها هنا يُؤخذ بها في قضية صفات المفتي.
ملخص صفات المفتي في مجالات العلم والتدريب والتربية والأخلاق
فإذا تحدثنا الآن عرفنا أن المفتي لا بد أن يتصف بصفات في مجال العلم، وأن يتصف بصفات في مجال التدريب والممارسة، وأن يتصف بصفات في مجال التربية والأخلاق.
أصعب شيء في هذا كله هو إدراك الواقع بعوالمه المختلفة المتشابكة؛ لأن إدراك الواقع له صفات، وهو أنه نسبي. يعني مصائب قوم عند قوم فوائد، وفوائد قوم عند قوم مصائب.
نسبية الواقع وتغيره وأثر ذلك على الفتوى والأحكام الشرعية
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: يختلف باختلاف وجهات النظر، يختلف باختلاف الأحوال والعالم والزمن، عرض غير قارّ، يعني غير ثابت، هذا يجري.
[المذيع]: صحيحًا.
[الشيخ]: فاليوم الذي مضى لا يرجع؛ لأن الزمن عرض غير قارّ، ولأن الناس نرى تغيرًا كل يوم فيما حولنا، وتتبدل المصالح، وتختلف العلاقات، وتتشابك، وتزداد تعقيدًا كل يوم.
ربنا يقول:
﴿فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ [المائدة: 106]
سمّى الموت مصيبة. هذا لأنه عندما يموت الإنسان تتغير أشياء كثيرة جدًا.
تغير الأحكام بتغير الواقع ومثال الميراث وتحول الحرام إلى حلال
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: بعض ما كان حرامًا يصير حلالًا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فالمرأة بعد عدتها يمكن أن تتزوج. والملك: أنا لا أستطيع أن أتصرف في هذا الملك لأنه لأبي، فهو ليس في ذمتي وليس في ملكي، فإذا به أنه أصبح في ملكي ويجوز أن أتصرف فيه.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: وبدلًا من الحرام سآخذه حلالًا طيبًا. إن الفقهاء كثيرون جدًا في هذا المجال، فمثلًا يقول لك: لا عبرة بالظن البيّن خطأه، قاعدة [فقهية]، البيّن خطأه.
مثال بيع العمارة وتطبيق قاعدة لا عبرة بالظن البيّن خطؤه
فضربوا لذلك أمثلة، ومن ضمن هذه الأمثلة هذا المثال: في عمارة بيت ملك والدي، وبعد ذلك أنا ذهبت متطفلًا من عندي بعته يوم السبت.
[المذيع]: أجل.
[الشيخ]: هذا البيع صحيح أم لا؟ وقد اكتشفنا أن والدي توفي يوم الجمعة بالليل.
[المذيع]: نعم، قبل أن أبيع.
[الشيخ]: قبل أن أبيع.
[المذيع]: أجل، وأنا الوارث الوحيد.
[الشيخ]: لماذا؟
[المذيع]: أجل.
[الشيخ]: فلما بعته كان ملكي.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: وأنا أظن أنه ليس بملك.
[المذيع]: لماذا؟
[الشيخ]: يعني أنا تجرأت ببيعه من وراء أبي ومن غير توكيل.
[المذيع]: ومن غير توكيل.
[الشيخ]: وبعته لكي آخذ نقوده لأن أنا في ضائقة. هكذا ارتكبت إثمًا على فكرة، أي لأنني تجرأت على شيء وأنا أعتقد أنه حرام.
صحة العقد رغم ارتكاب الإثم في مسألة بيع ملك الوالد المتوفى
ولكن مع ارتكابي للإثم فالعقد صحيح، مع ارتكابي للإثم فالعقد صحيح والمال حلال، والمال حلال؛ لأن الله ستر ووقع هذا الفعل في محله، في مكانه.
وقع هذا الفعل في محله؛ أنا كنت أبيع وأنا قاصد الخطأ لأن أعلم أن الوالد ليس راضيًا بشأن البيع، ولكن صدفة أن الوالد توفي تمامًا.
[المذيع]: سنعرف يا مولانا بعد الفاصل ما الحكم الشرعي في هذه المرحلة؟ فاصل نعود إليكم فابقوا معنا.
عودة من الفاصل وتفصيل حكم بيع العمارة بعد وفاة الوالد
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة مفاهيم إفتائية مع فضيلة العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.
قبل أن نخرج للفاصل مولانا كان يقول لنا عن واحد باع العمارة التي تخص والده وهو الوارث الوحيد، وكان والده لا يريد بيعها ولم يعمل له توكيلًا، لكن صادف أن الأب توفي. في هذه الحالة سنعرف تفاصيل الحالة هذه مع فضيلة مولانا، تفضل يا مولانا.
[الشيخ]: هو توفي قبل البيع، توفي قبل البيع، فأصبح هذا الشيء ملكي. فأنا عندما بعته بيعًا صحيحًا حتى لو لم أكن أعرف هذه الصحة.
الشريعة تفصل بين الإثم وصحة العقد وتفريعات القاعدة الفقهية
أي فالشريعة هنا تقول لي: هاتان قضيتان منفصلتان؛ جرأتك على الفعل الخاطئ ستأخذ عليه إثمًا، ولكن العقد الذي أبرمته صحيحًا هو صحيح وسيظل صحيحًا، وسيظل صحيحًا.
وفرّعوا على هذه القاعدة فروعًا كثيرة جدًا. قالوا مثلًا: شرب سائلًا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ظنّ أنه خمر.
[المذيع]: نعم، يعني هو ظنّ أن هذا خمر فتجرأ عليه وظنّ أنه خمر فشربه.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: قالوا: فإذا تبيّن لا، هذا عصير.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وليس خمرًا ولا شيئًا من هذا القبيل، فلا نقيم عليه الحد أو شيء؛ لأنه ليس خمرًا وليس مخمّرًا.
إثم التجرؤ على الذنب وصفة المفتي في التشبه بالنبي في الرحمة
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: ويقوم يصلي لأنه ليس نجسًا.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: ولكن يعني هنا تجرؤ على الإثم، فيأخذ إثم التجرؤ على الذنب، فيأخذ ذنبًا.
هنا تأتي إذن صفة من صفات المفتي من كونه منكم مثل الوالد للولد، تشبهًا بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العطف والحنان والرحمة وكل الاهتمام والعناية وما إلى ذلك.
الاختيار الفقهي وثروة الفروع الفقهية المتاحة للمفتي المعاصر
تأتي قضية الاختيار الفقهي.
[المذيع]: الاختيار الفقهي، نعم.
[الشيخ]: المفتي الآن في عصرنا لديه ثروة هائلة، وكما قلنا في حلقة سابقة مليون ومائتا ألف فرع فقهي، ما شاء الله.
ففي مسائل هي محل إجماع وقطع، ولذلك لا يمكن للمفتي أن يخرج عنها. لا يمكن للمفتي أن يتكلم فيها؛ إن الوضوء قبل الصلاة وليس بعد الصلاة لأنه قبل الصلاة بإجماع المسلمين.
لا يمكن للمفتي أن يأتي ويقول إن الخمر حلال، أو إن صلاة الظهر يمكن أن تُصلى ثلاث ركعات، أو أن الإيلاء ليس من شريعة المسلمين، بالرغم من أن كثيرًا من الناس أصلًا يعني [لا يعرفون] الإيلاء يعني ماذا.
الفرق بين الإجماع والمعلوم من الدين بالضرورة ونسبيته بين الناس
أي ما لا يصح أن يفعل ذلك؛ لأن هذا إجماع.
[المذيع]: فهل هذا نسميه يا مولانا بعد إذن فضيلتكم المعلوم من الدين بالضرورة؟
[الشيخ]: ليس ضروريًا؛ لأن أصل الإجماع أوسع قليلًا من المعلوم من الدين بالضرورة. والمعلوم من الدين بالضرورة نسبي، يعني أنا المعلوم من الدين بالضرورة عندي الإجماع كعالم من علماء المسلمين.
لكن من عوام المسلمين من لم يسمع عن هذه الكلمة أصلًا.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: وأنا ضربت مثالًا بالإيلاء لذلك، يعني كثير من المستمعين يقولون لنا الآن يقول لك: فما الإيلاء هذا؟ معناه ما تقوله هنا. أنا لن أقوله الآن لكي أقول له: هذا موجود في القرآن وفي سورة البقرة.
نسبية المعلوم من الدين بالضرورة وتوضيح معنى الإيلاء في الشريعة
والإيلاء أول مرة يسمعها حقًا، وبالرغم من أنها مُجمع عليها وهي بالنسبة لي من المعلوم من الدين بالضرورة، لكن بالنسبة له هو غير معروفة إطلاقًا ولم يسمعها حقًا.
فإذا كان المعلوم من الدين بالضرورة نسبيًا يختلف فيه الأشخاص، فالإجماع أصبح أوسع من ذلك الذي هو ما [هو] معلوم أن الدين بالضرورة عند العالم.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يعني الإجماع يجب أن يكون العالم عارفًا كل مواضع الإجماع.
الإيلاء إذن هو أن رجلًا يُقسم على زوجته أن لا يقربها.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وقسم يجب عليه: والله ما أنا مقارب لها. فهنا نقول له: تربّص أربعة أشهر.
تفصيل حكم الإيلاء بعد انقضاء أربعة أشهر والفرق بينه وبين السفر
لكن بعد ذلك سيتحقق معك المجتمع والقاضي والدنيا كلها والشريعة ستقول لك: تعال، لقد مضت أربعة أشهر.
إذا كنت تكرهها فطلّقها، طلّقها. وإذا لم تكن تكرهها فكفّر عن يمينك.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وألغِ قضية البعد عنها وعش معها حياة طبيعية.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يقول لي أحدهم: حسنًا، هذا أنا مسافر في الخارج لمدة سنة. أقول له: هذا ليس إيلاءً؛ لأنك لم تحلف. هذا رجل حلف ألا يقترب منها.
الاختيار الفقهي في العصر الحديث وتعقد الحياة المعاصرة
نعود مرة أخرى إلى قضية الاختيار الفقهي. المفتي في عصرنا ومعه هذه الثروة الكبيرة، ومعه شيء آخر وهو أن الأمور تعقدت بشكل لم يكن موجودًا في السابقين.
من سنة ألف وثمانمائة وثلاثين إلى سنة ألف وتسعمائة وثلاثين، في هذه المائة سنة اخترع الناس كل شيء مما عقّدوا به الحياة: اتصالات ومواصلات وتقنيات حديثة.
وصلنا في النهاية بها إلى أننا عشنا في قرية واحدة، والذي يحدث في أمريكا يرونه في اليابان في الوقت نفسه. هذا الحال لم يكن موجودًا من قبل، في عصر سيدنا عمر ولا في عصر الإمام الباجوري الذي توفي سنة ألف ومائتين وسبعة وسبعين هجرية، لم يكن موجودًا هذا الحال.
وجوب إدراك المفتي للعصر واختيار الفتوى المناسبة لتحقيق المصالح
هذا الحال أوجد مقاييس أخرى للتقويم وللمصالح وللاتصالات وللعمل وللدعوة وللكيفية أن نعيش في هذا العصر، وأن يكون لنا قدم صدق في المشاركة.
يجب على المفتي أن يدرك هذا إدراكًا واعيًا، ويتخيّر الاختيارات الفقهية المناسبة لتحقيق المصالح، ولتحقيق المقاصد، ولعدم ضياع الإسلام والمسلمين في هذا العصر.
الاختيارات الفقهية التي يستأنس بها بكلام الأئمة الذين فرّقوا بين القطعي الذي ذكرناه [وهو الإجماع] والمختلف فيه. فإذا كان الأمر كذلك، فأنا عندما آتي وأرى أن هذه المسألة من أي طائفة هي: إذا وجدتها من المُجمع عليه فأمري لله، انتهى الأمر، يجب أن ألتزم بالإجماع.
اختيار المفتي من المذاهب المختلف فيها لتحقيق مصالح المسلمين
وإذا وجدتها من المختلف فيه فأختار من مذاهب المجتهدين العظام عبر التاريخ ما يجعلني أحقق مصالح الناس والمسلمين والإسلام في العالم اليوم.
الناس يقولون: لا، بالدليل. هذا الدليل معناه يحتاج إلى اجتهاد. فهل أنت أيها العالم الجليل مجتهد؟ إذا ادّعى الاجتهاد فأمره إلى الله.
يبقى إذن هو يختار ما يراه، ولكن أغلب العلماء عندهم تواضع، أي لا يدّعون الاجتهاد حتى لو كانوا مجتهدين.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: كما أن الاجتهاد إن شاء الله سنفرد له حلقة، أي حلقة واسعة إن شاء الله عن طبقات المجتهدين.
أهمية الاختيار الفقهي في تحقيق احترام التراث ومصالح المسلمين المعاصرة
فصفات المفتي لا بد أن نضيف إليها الاختيار الفقهي في عصرنا الحاضر؛ أن يكون قادرًا على الاختيار الفقهي، واعيًا بالاختيار الفقهي وبضوابطه وبقواعده.
لأن الاختيار الفقهي هذا يحقق له قضيتين كبيرتين جدًا:
- احترام التراث وعدم [إهماله].
- تحقيق مصالح المسلمين في العصر الحديث، وأنهم لا يغيبون عن عصرهم أبدًا.
مثال مشاركة المرأة في البرلمان والاختلاف الفقهي في تولي الولايات العامة
يعني مثلًا عندما تأتيني قضية مشاركة المرأة في البرلمان.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: مشاركة المرأة في البرلمان هذه كثير من الأعراف تأباها في أعراف الدول. حسنًا لا توجد مشكلة، المرأة نفسها لا تريد أن تذهب إلى [البرلمان]، لا تريد أن تذهب إلى البرلمان، وهذا ليس فيه مشكلة.
لكن هناك مجتمعات مسلمة ترى فيها المرأة أنها تريد أن تذهب إلى البرلمان.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فيأتي زوجها ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «لن يفلح قوم ولّوا أمورهم امرأة»
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فندخل في منع وندخل في صدام ونزاع وما إلى ذلك. تولية المرأة الولايات العامة يقول بها عبد الرحمن بن أبي ليلى من المجتهدين، ويقول بها الطبري. إذن فهي محل خلاف وليست محل اتفاق.
تحقيق مصالح العباد في مسألة تولي المرأة وفهم الحديث في سياقه
حسنًا، مصالح العباد الآن كيف تكون؟ ألا تدخل المرأة في هذا المكان؟ هذا صورة الإسلام في العالمين، أحسن أن يقول إنه يمنع المرأة ولا يعطي المرأة هذه الولاية؟ لا، أحسن أنه يقول أنه يعطي المرأة بدون شك. هذا واضح في العالم.
طيب، المصادر ماذا نفعل في الحديث وهو صحيح:
قال رسول الله ﷺ: «لن يفلح قوم ولّوا أمورهم امرأة»
هيا بنا نستعمل آليات السلف الصالح في فهم الأحاديث، ونرى ما سبب هذا الحديث، وهل هو قاصر على سببه، وهل هناك علة لهذا الحكم أم لا.
سبب ورود حديث تولي المرأة وقصة ابنة كسرى وشواهد القرآن من قصة بلقيس
فنجد أنه قيل في ابنة كسرى لما مزّق أبوها رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستقبلها استقبالًا حسنًا، كما فعل المقوقس وأرسل الهدية، أو كما فعل هرقل، وحتى هرقل عرض الإسلام على رجاله.
لكن هذا صاحبنا [كسرى] مزّق [الرسالة]، كذلك فدعا النبي عليه أن: اللهم مزّق ملكه. فلما تولّت ابنته قال هذه العبارة على هذه الحالة.
إذن ففهم الحديث في سياقه يجعله خاصًا لا عامًا، خاصًا لا عامًا، خاصًا بحالة ابنة كسرى وليس أي امرأة، وليس أي امرأة.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: والقرآن تحدث عن بلقيس ملكة سبأ وأقرّ لها الملك.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ولم يسلبها هذا الملك، وعرض عليها الإسلام سيدنا سليمان، ومدح إسلامها مع سليمان، ومدح إسلامها ولم يسلبها الملك.
الاختيار الفقهي يفيد صورة الإسلام ولا يفرض على المرأة المشاركة
إذن هذا النمط من التفكير يفيد صورة الإسلام في الخارج، يفيد ألا يحدث نزاع. وكذلك هو لم يفرض فرضًا على كل امرأة أن تذهب إلى البرلمان أو المجالس هذه، ولم يفرض على الدول التي تعوّدت فيها المرأة عدم المشاركة لأنها لا تريد هي المشاركة.
قضية أخرى، هذه حريتها، هذا من حقها أن تمتنع. فنحن نقول إنه جائز وليس واجبًا، جائز وليس واجبًا، أي يعني هذا جائز وليس بواجب.
خاتمة الحلقة وشكر فضيلة الشيخ علي جمعة على حديث صفات المفتي
[المذيع]: بعد إذن فضيلتكم يا مولانا، يمكن أن نأخذ رأي الإسلام ورأيًا إسلاميًا نفرد له الحلقة إن شاء الله؛ لأن الوقت قد نفد منا، عدنا أكثر من ثلاث دقائق إن شاء الله.
على كل حال، هذا ما كان المقصود في هذا اللقاء. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر في نهاية هذا اللقاء فضيلة العلامة الجليل الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.
على وعد باللقاء في لقاء آخر، إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
