برنامج مفاهيم إفتائية (8) - الحجية من الأصول الفقهية - مفاهيم إفتائية

برنامج مفاهيم إفتائية (8) - الحجية من الأصول الفقهية

26 دقيقة
  • حجية الأصول الشرعية تمثل بابًا مهمًا في أصول الفقه، وكان الإمام الشافعي أول من حول العمليات الذهنية للمجتهد إلى كتاب مدون بناءً على طلب عبد الرحمن بن مهدي.
  • عرّف العلماء أصول الفقه بأنه معرفة دلائل الفقه إجمالاً، مكونة من ثلاثة أجزاء: المصادر (الأدلة الفقهية)، وطرق البحث (كيفية الاستفادة منها)، وشروط الباحث (حال المستفيد).
  • الحجة في الشرع هي كتاب الله وسنة رسوله، فالحاكم عند المسلمين هو الله وليس البشر.
  • السنة وحي غير متلو بينما القرآن وحي متلو، وحجية السنة ثابتة بالقرآن والسنة.
  • أجمع المسلمون شرقًا وغربًا، سلفًا وخلفًا على حجية السنة.
  • لم يوجد تعارض حقيقي في الشريعة رغم بحث العلماء في كل كلمة وحرف فيها.
  • وضع العلماء قواعد للقياس والإلحاق لأن النصوص متناهية والأحداث غير متناهية.
محتويات الفيديو(27 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن حجية الأصول

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامج مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا بكم.

[المذيع]: نريد يا مولانا في الحلقة اليوم إن شاء الله أن نتحدث عن حجية الأصول؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. حجية الأصول الشرعية في الحقيقة هي نظرية أو مرحلة أو باب من أبواب أصول الفقه في ترتيب معين تحدث عنه الأصوليون.

الإمام الشافعي وتأسيس علم أصول الفقه بطلب من عبد الرحمن بن مهدي

وقد ابتدأه الإمام الشافعي في تحويل رحلة في ذهن المجتهد إلى كتاب؛ فالإمام الشافعي جلس يتأمل كيف يجتهد، ولاحظ العمليات الذهنية وكتبها على الورق.

وذلك أن الإمام عبد الرحمن بن مهدي كان قد طلب منه هذا؛ أي لأنهم وجدوا أن شيئًا غريبًا لدى الشافعي لا يدركونه هو الذي يميزه عنهم، وهم لا يعرفون ما هذا الشيء. هم يحفظون القرآن وهو يحفظ القرآن، وهم يعلمون السنة وهو يحفظ السنة أيضًا، وهم على معرفة بلغة العرب وهو كذلك على معرفة بلغة العرب.

فما هذا الشيء الذي يجعل الإمام مثل الإمام أحمد بن حنبل يلازم الشافعي؟

ملازمة الإمام أحمد للشافعي وتشبيهه بالعافية للأبدان والشمس للدنيا

عندما يراه [الإمام أحمد] وهو يشعر أن فيه شيئًا ما يختلف عن الآخرين، هو ليس مجرد حافظ للقرآن والسنة ولا مجرد عارف باللغة العربية.

وكان الإمام أحمد يلازم الإمام الشافعي من أجل هذا الذي عنده، فيقول له إسحاق: أتترك فلانًا وفلانًا وتأتي تسير وراء الشافعي؟ قال: نعم، فإنه لو فاتنا لفاتنا خير كثير.

قال [الإمام أحمد]: «إن الشافعي للعلم كالعافية للأبدان والشمس للدنيا»

ما شاء الله! ما الذي جعل هذا الرجل لديه هذا الأمر؟ هناك شيء معين، هذا الشيء المعين طلبه منه عبد الرحمن بن مهدي.

كتابة الإمام الشافعي للرسالة القديمة ومراجعتها وإصدار الرسالة الجديدة

فكتب له الشافعي الرسالة، ولما كتبها أول مرة وتسمى بـالرسالة القديمة، أعاد النظر فيها وراجع العمليات الذهنية التي يمر بها ذهنه، أو استبطن واسترجع وصحح الرسالة القديمة، وجعل هناك رسالة جديدة وهي الرسالة التي وصلت إلينا بخط الربيع، وهي التي نشرها الشيخ أحمد شاكر رحمهم الله جميعًا.

ماذا لو قرأنا وأعدنا إلى ما فعله الشافعية بأن نقرأ الرسالة ونرى الكامن وراءها؟ نعم، فهو رأى، أي عبّر عن العمليات [الذهنية التي] يقوم بها. حسنًا، وما وراء هذه العمليات الذهنية؟ قليل جدًّا من الناس من يلتفت إلى هذه المفاصل ويكتب فيها؛ أنه يكتب في تأصيل التأصيل.

علماء تأصيل التأصيل من القرافي وابن دقيق العيد وابن تيمية وغيرهم

كان من هذا النمط الإمام القرافي؛ عندما تقرأ له في [كتاب] الفروق تعلم أن الرجل أدرك أنه لا بد أن يؤصّل وأن يبحث عن الفروق وعن الجوامع وعن القواعد.

كان من هذا النمط ابن دقيق العيد، كان من هذا النمط الإمام ابن تيمية، كان من هذا النمط الذي يغوص في تأصيل التأصيل هكذا الإمام العز بن عبد السلام.

كان من هذا النمط ابن السبكي تقي الدين بن السبكي، كان من هذا النمط الإمام السيوطي. يعني ليس كل العلماء هكذا، فنحن أمام نماذج من هؤلاء العلماء الذين علمونا كيف نفكر وكيف نحرر ما فكرنا وكيف نؤصّل ما حررناه.

تعريف أصول الفقه عند الرازي والبيضاوي وأجزاؤه الثلاثة

هكذا فالمتأمل في كتاب الشافعي ومن كتب بعده فنجد أنهم عرّفوا أصول الفقه بأنه: معرفة دلائل الفقه إجمالًا، يعني مصادر البحث، وكيفية الاستفادة منها، يعني طرق البحث، وحال المستفيد، يعني شروط الباحث شروط المجتهد.

ولذلك أسموها أصول الفقه وليس أصل الفقه؛ لأنها مكونة من ثلاثة أجزاء:

  1. الجزء الأول: المصادر، معرفة دلائل الفقه إجمالًا.
  2. الجزء الثاني: طرق البحث وكيفية الاستفادة منها.
  3. الجزء الثالث: شروط الباحث وحال المستفيد.

هذا تعريف الإمام الرازي وتلميذه أو من مدرسته الإمام البيضاوي.

تأثير أصول الفقه على المنهج العلمي الحديث عند روجر بيكون وأمثاله

الغريب أن البحث العلمي الحديث الذي نحّى الدين أخذ هذه المصادر الثلاثة وطرق البحث وجعلها أركان المنهج العلمي مع روجر بيكون وأمثاله، وروجر بيكون كان يعرف العربية. نعم.

أما الوحي فقد تركوه، لا شأن لنا بهم. دعونا نعود إلى هذا المنهج ونتأمل في هذه الثلاثة، فسنجد أن الباحث وكأنه فكّر بهذه الطريقة التي نعرضها الآن، وهذا الكلام من تحليلنا نحن وليس هو مكتوبًا في كتبهم.

أنه قال: أنا أريد أن أعرف مراد الله وأوامره ونواهيه وأحكامه، فما الحجة في هذا؟ فالسؤال الأول الذي خطر في بال الباحث المجتهد، أي المستفيد [الذي يستنبط] الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية، هو الحجية.

الحجية والثبوت والفهم كأسئلة أساسية في منهج الاجتهاد الشرعي

إذن أول شيء يجب علينا أن نتحدث فيه هو الحجية. وبعد أن بحث بحثًا طويلًا وجد أن الحجة هي كتاب الله وسنة رسوله؛ لأن الحاكم عند المسلمين هو الله وليس البشر.

ولذلك فالحكم هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو التخيير أو الوضع. إذن خطاب الله وخطاب رسوله، قال: هذا [خطاب الرسول] دالّ على خطاب الله، الرسول لا يشرّع من عنده، هذا الرسول مبلّغ عن ربه وليس هو منشئ الأحكام، هو يبلّغ الأحكام كما تكون.

سيدنا النبي مبلّغ:

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]

يبلّغ فقط، فهو لا يشرّع شيئًا من عنده.

الوحي بنوعيه القرآن والسنة وأن الحاكم هو الله وحده عند جميع المسلمين

وبالرغم من ذلك إلا أن الله قد أوحى إليه بنصّ متلوّ وهو القرآن، وأوحى إليه بالسنة أيضًا:

﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]

يعني إذا كانت السنة هذه من عند الله وإلا لكان ربنا سبحانه وتعالى قد صحّحها وألغاها وقدّمها وأخّرها، فالكل من عند الله والحكم لله.

﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]

يعني ليس هناك حكم إلا لله. فالحاكم عند المسلمين بجميع طوائفهم من سنة ومعتزلة وشيعة وغيرهم هو الله، فلا حاكم إلا الله.

مصادر الحكم الشرعي من القرآن والسنة والإجماع والقياس

والحكم الشرعي مدلول عليه بالقرآن، ومدلول عليه بالسنة، ومدلول عليه حتى بإجماع الأمة الكاشف عن حكم الله، ومدلول عليه بفعل المجتهد في القياس؛ حيث يقيس بعض الأشياء على أشياء أخرى حتى يكتشف - وليس حتى ينشئ بل حتى يكتشف - حكم الله سبحانه وتعالى.

فالله هو الحاكم والحاكم الوحيد. بعد ذلك قال: حسنًا، هذه الحجة الكتاب والسنة، ولدينا أدلة كثيرة ولدينا أحوال كثيرة أن الكتاب والسنة هما الحجة في الشرع.

كيف ثبت لنا الكتاب وكيف ثبتت لنا السنة؟ سؤال آخر يكون السؤال الثاني: الثبوت، كيف ثبت؟ كيف وصلت إلينا؟ من أين وصل إلينا الكتاب والسنة؟ لن نتكلم في هذا [الآن].

مراحل الفهم والتمييز بين القطعي والظني في النصوص الشرعية

كيف نفهمهما؟ لقد عرفنا أنهما الحجة وأنهما أصول، وأن المصحف هذا الذي مطبوع معنا الآن هو هذا المصحف القرآن الذي نزل على سيدنا النبي، وأنه هو هذا الحجة، وأن الأحاديث التي معنا هنا الثابتة هذه هي الحجة ولقد ثبتت.

إذن كيف نفهمها؟ يبقى الفهم. أجل، رقم أربعة: بعد ما فهمناها أصبح هناك أمور ظنية يمكن أن نختلف فيها، وأمور قطعية لا يمكن أن نختلف فيها، بالرغم من أن اللغة العربية تجعلها محتملة لكن لن نختلف فيها أبدًا.

مثال تحريم الخمر بلفظ الاجتناب الأشد من لفظ التحريم الصريح

مثل قصة الخمر، هذه ربنا لم يقل: حُرّمت عليكم الخمر، وإنما قال:

﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]

حسنًا، الخمر والميسر والأنصاب والأزلام وسماها رجسًا لكن لم يحرّمها [بلفظ صريح]. أحدهم يقول هكذا، نعم. حسنًا، هذا قال: فاجتنبوه، نعم، قال: والله يعني اتركها جانبًا.

نعم، هذا يلعب إذن! حسنًا، ما الذي يجعلنا نقول إنه يلعب؟ فاجتنبوه يمكن فعلًا جعله على الجانب، أي في اللغة. قال: لا، فاجتنبوه أشد تحريمًا مما حرّمناه أو حُرّمت عليه، أشد تحريمًا مما حرّمناه.

دلالة لفظ الاجتناب على تحريم المقدمات كما في الزنا والخمر

نعم جميل، لأنه بهذا الشكل لم يصف الزنا بالحرام أيضًا عندما قال:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ﴾ [الإسراء: 32]

صحيح، لا تقربوا الزنا، هذا يعني: لا تنظر، نعم، لا تختلِ بالمرأة الأجنبية، لا تلمسها. نعم، هذا حرّم ليس الزنا فقط ومقدماته أو ما يؤدي إليه أصلًا، هذا عدم القرب.

فإذا حرّم في الخمر عشرة أشياء ومنها النظر إليها، ليس شربها [فحسب]، بل أيضًا الجلوس في مجلسها، وبيع العنب الذي سيُعصر فيصبح خمرًا. هذا يعني حرّمها من بعيد.

فإذا «اجتنبوه» هذا أشد تحريمًا من لفظ حرام أو حُرّمت أو كذلك إلى آخره.

القطعي والظني والإلحاق بالقياس لأن النصوص متناهية والأحداث غير متناهية

القطعي والظني أيضًا من المباحث التي تعرّض لها الأصوليون. الإلحاق [بالقياس]: النصوص متناهية ولكن الأحداث غير متناهية، ولذلك لا بد من القياس، فوضعوا له آلية وخطوات وقواعد للقياس.

[المذيع]: بعد إذن فضيلتكم، لنتعرف على الآلية وخطوات القياس بعد الفاصل؟

[الشيخ]: نعم إن شاء الله.

القياس والإلحاق والتعادل والترجيح وعدم وجود تعارض حقيقي في الشريعة

[المذيع]: كنا قبل أن نخرج للفاصل، مولانا كان يحدثنا عن الأحكام من حيث الحجية والثبوت والفهم، ووصلنا إلى مرحلة القياس. تفضل يا مولانا.

[الشيخ]: فالقياس هذا يقال الإلحاق، بأن نلحق فرعًا غير منصوص عليه بفرع منصوص عليه، وسنتحدث بعد ذلك عن ذلك بتوسع إن شاء الله.

القضية السادسة هي التعادل والترجيح: كيف نرجّح عندما يتعارض ظاهر نصّين؟ لأن التعارض الحقيقي غير موجود، ولكن والحمد لله ليس هناك أبدًا تعارض حقيقي في الشريعة.

بعد بحث آلاف وملايين العلماء في كل كلمة وحرف في الشريعة، لم يجدوا فيها أي اختلاف والحمد لله. ولذلك التعارض المطلق هذا غير موجود، فهذا ليس له مثال حتى أننا حاولنا أن نخترع مثالًا فلم نجد.

انبهار المسلمين بعدم التعارض في الشريعة وتمسكهم بالإسلام عبر العصور

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فإذا هذا شيء، هذا الذي يجعل المسلمين منبهرين بالإسلام. هناك كثير من الغربيين يقولون: أنتم ما لكم هكذا متمسكون جدًّا؟ لماذا هكذا؟ هل هو شيء قوي جدًّا الإسلام؟

نعم، تخيّل أن ملايين الناس عبر العصور تفكر ولم تجد مثالًا للتعارض! ما شاء الله، فما هذا؟ هذا هو الذي يجعلنا نحب هذا الدين ويجعلنا متمسكين به.

هذا شيء رائع حقيقة، هذا شيء عالٍ جدًّا ورائع جدًّا. ولذلك هذا يثبّت قلوب المؤمنين والحمد لله رب العالمين. مثل القرآن، كلما قرأه المسلمون كلما يتمسكون به. صحيحًا مثل حضرة النبي، كلما قرأ المسلمون سيرته كلما أحبوه أكثر، وهذا حضرة النبي.

التعادل والترجيح كنظرية سادسة وشروط المجتهد كسؤال سابع عند الشافعي

وبعد ذلك الثانية [أي النظرة الثانية]، فهو يراه أنه بشر هكذا من غير [أن] ينتبه إلى أنه هو الإنسان الكامل.

فقضية التعادل والترجيح هذه هي النظرية السادسة إن صح التعبير، أو السؤال السادس الذي حلّله الإمام الشافعي في الرسالة.

بعد ذلك شروط المجتهد: ما هي؟ هل كل واحد هكذا هو من غير معرفة بتفاصيل التفاصيل هذه المسألة وبما تشتمل عليه من أدوات، وبما تشتمل عليه من مناهج، وبما تشتمل عليه من خطوات متتالية ينبغي أن تُجرى في إجراءات تنبثق من الرؤية الكلية؟

هل هكذا أي شخص يكون هواه أنه فهم فهمًا أو خطر في باله خاطر، قام يقول به على أنه حكم الله؟ صحيح، فلا بد من ضبط المسألة بوضع شروط الباحث.

سبع نظريات تمثل منظومة أصول الفقه كأداة تفسيرية للكتاب والسنة

إذا نستطيع أن نقول معنا سبع نقاط أو سبع أسئلة أو سبع نظريات أو سبعة أبواب تمثل هذه المنظومة التي هي فلسفة الإسلام، التي هي الأداة التفسيرية للكتاب والسنة، التي أُطلق عليها أصول الفقه.

والتي لا بد لكل فقيه أن يكون متمكنًا منها حتى يعي كيف يستنبط ويفهم. أيضًا حتى كلام المجتهد، حتى لو لم يكن هو مجتهدًا، ينبغي أن يفهمها حتى يفهم المجتهد ويفهم ما الذي جرى في ذهنه من عمليات عند الاجتهاد.

فهذه التقدمة كان لا بد منها.

حجية الكتاب والسنة مستدلًا بحديث معاذ بن جبل وآيات قرآنية

نضع قضية الحجية في مكانها؛ فالحجية هي حجية الكتاب والسنة. حجية الكتاب والسنة لا تحتاج منا كثيرًا من العناء.

ففي حديث معاذ مثلًا الذي يرشدنا:

قال النبي ﷺ: «بِمَ تحكم؟» قال: بكتاب الله. قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟» قال: بسنة رسول الله. «فإن لم تجد؟» قال: اجتهد في رأيي ولا آلو.

واضح جدًّا أن الكتاب والسنة هما الحجة وهما مصادر الأحكام.

﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]

إذا هذا الكتاب هدى للمتقين.

﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: 38]

على تفسير أن هذا الكتاب هو القرآن.

السنة مبينة للقرآن والقرآن وصف نفسه بأكثر من خمسين صفة

﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]

إذا فالسنة مبيّنة للقرآن؛ لأن هذه الآية إما أن تحملها على القرآن وإما أن تحملها على السنة، فإذا حملتها على السنة فالسنة تفسّر القرآن.

كل هذه الآيات وغيرها، كل القرآن يقول إن القرآن هو الحجة، وأن القرآن وصف نفسه بأكثر من خمسين صفة، هم ستة وخمسون صفة: أنه نور، وأنه هدى، وأنه محكم، وأنه مفصّل، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه تبيان لكل شيء، وأنه بشرى، وهكذا.

ستة وخمسون صفة موجودة في القرآن تصف القرآن، ما شاء الله!

كتاب حجية السنة للشيخ عبد الغني عبد الخالق وإجماع المسلمين على حجيتها

فإذا كان القرآن هذا هو الحجة، والسنة فحجية السنة هي عنوان البحث الذي تقدّم به سيدنا رحمه الله عبد الغني عبد الخالق لنيل الأستاذية. فكان في الماضي هكذا يقدّمون بحثًا لنيل الأستاذية.

وطُبع هذا الكتاب الماتع ويبيّن فيه أن المسلمين بكل طوائفهم شرقًا وغربًا، سلفًا وخلفًا، لم يَنِدّ واحد [منهم عن القول] بحجية السنة. أجل.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فلما صدر الآن حاليًّا، خرج - يعني من المضحكات المبكيات في عصرنا - من يشكّك في السنة، أو من يُسقط السنة من حسابه، أو من يريد أن يُلغي السنة، أو من يعترض على السنة، أو من يجعل هناك انتقاءً هوائيًّا أي على هواه فيأخذ من السنة ما يشاء ويردّ منها ما يشاء.

الدفاع عن الإمام أبي حنيفة وموازنته بين القرآن والسنة وشهادة الشافعي له

أو أنه قد خرج بعض المبتدعة واعتمدوا على السنة وتركوا القرآن، ولاموا على أبي حنيفة كثيرًا جدًّا من الفروع. وأبو حنيفة وازن بين القرآن والسنة ولم يضرب بعضها ببعض، فهو إمام كبير متّبع مجتهد.

وكما يقول الإمام الشافعي:

قال الإمام الشافعي: «الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة»

إنما هؤلاء الغِرّ الصغار اعتقدوا أن أبا حنيفة ضد السنة أو جاهل بالسنة أو شيء من هذا القبيل. الخوارزمي جمع مسانيد أبي حنيفة سبعة عشر مسندًا، ما شاء الله، أئمة كبار.

فأجمع المسلمون شرقًا وغربًا، سلفًا وخلفًا، على حجية السنة. نعم.

حديث النبي عن التمسك بالسنة ورد الشافعي على من يطرح السنة بدعوى الاكتفاء بالقرآن

والنبي صلى الله عليه وسلم - وهذا ما يريده الشافعي في الرسالة - يقول:

قال النبي ﷺ: «رُبَّ رجلٍ متكئٍ على أريكته يأتيه الحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال أحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه. ألا إنني أوتيتُ القرآن ومثله معه»

عليه الصلاة والسلام. في رواية أخرى عن غير طريق الشافعي: «ومثليه معه».

[المذيع]: ومثليه معه! آه، يعني في رواية مثله وهذه المشهورة، وفي رواية مثليهما.

[الشيخ]: الإمام الشافعي لما قالوا له: هناك قول يقول: إذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن كان موافقًا لكتاب الله فذاك، وإلا فاضربوا به عرض الحائط. قال: هذا من وضع الزنادقة.

النبي صاحب الوحيين القرآن والسنة والفرق بينهما وبين الحديث القدسي

هذا من وضع الزنادقة، نعم، لا يوجد شيء هكذا. نعم، ضربوا به عرض الحائط، أي كلام فارغ! لا حول ولا قوة إلا بالله.

هذا النبي صلى الله عليه وسلم أُوحي إليه بوحيين: وحي نسميه القرآن وهو يجوز تلاوته في الصلاة، ووحي نسميه السنة، فهو صاحب الوحيين عليه الصلاة والسلام.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وهي كلمة منسوبة أيضًا إلى الإمام الشافعي: «صاحب الوحيين»، يعني القرآن وحي والسنة وحي. جميل، وإن كان يعني منسوبًا بلا سند إلى الإمام الشافعي «صاحب الوحيين»، لكنها موجودة هكذا وهي منسوبة إليه؛ لأن الكلام واضح أن القرآن وحي متلوّ والسنة وحي غير متلوّ.

الفرق بين القرآن والسنة والحديث القدسي عند ابن العربي في الفتوحات

ولذلك الشيخ محيي الدين بن العربي تجد نصًّا له لطيفًا في الفتوحات [المكية]، ينقله عنه جمال الدين القاسمي في كتابه قواعد التحديث.

يقول فيه: ما الفرق إذن بين القرآن والسنة والحديث القدسي؟ جميل. فيقول: والله كله وحي. نعم، ولكن:

  • القرآن: لفظه ومعناه من الله.
  • الحديث القدسي: هو من الله معنًى، والنبي صلى الله عليه وسلم يؤديه لفظًا.
  • والسنة: هي من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع إرادة الله لها، يعني بأنها إن ربنا راضٍ عنها.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]:

﴿أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]

﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]

إذن فحجية السنة أمر ثابت بالكتاب وبالسنة، ولا يمكن التخلي عنه.

قصة محمد نجيب الذي أنكر السنة وجعل الصلوات عشرًا بناء على فهمه الخاطئ للقرآن

لقد ظهر عندنا عبر العصور من ينكر السنة، وكانوا في حال أفضل من أصحابنا الذين في تلك الأيام. كان هناك شخص منهم يُدعى محمد نجيب، ومحمد نجيب هذا توفي سنة ستين [هجرية/ميلادية].

وعندما كان رئيسًا لهيئة الاتصالات المصرية، هذا الرجل في عام ألف وتسعمائة واثنين وخمسين عُيّن وزيرًا للمواصلات لأربعة أو خمسة أيام في حكومة الثورة. نعم، والحمد لله.

وبعد ذلك هذا الرجل أنكر السنة كلها، فذهب - لأنه صادق الآن مع نفسه - ذهب وقال: والله يا إخواننا الصلوات عشر؛ لأن القرآن يقول هكذا أن الصلوات عشر: صلاة الفجر وصلاة الصبح وصلاة الضحى وصلاة الظهر وصلاة العصر.

﴿وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 1-2]

وجالس يخلط كثيرًا هكذا، وجعل ثلاثة عشر كتابًا في هذا الخلط، منها كتاب ضخم هكذا اسمه «الصلاة». والمهم قليلًا، أظن أنه قد ترك الإسلام ومات على ذلك.

خاتمة الحلقة وتأكيد حجية السنة واختراع المسلمين أكثر من عشرين علمًا لضبطها

يا إخواننا، السنة حجة وحجة بلا هذا الهتر الذي يُقال. والسنة اخترع المسلمون لها أكثر من عشرين علمًا لضبطها، الحمد لله رب العالمين.

[المذيع]: نعم، حسنًا يا مولانا، سنتحدث مع فضيلتكم في الحلقة القادمة عن علم السنة وضبط السنة إن شاء الله، ونستكمل الحجية والثبوت والفهم لأصول الفقه.

اسمحوا لي بإسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة على هذا الجهد. على وعد باللقاء في حلقة قادمة من برنامجكم مفاهيم إفتائية، إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام ورحمة الله وبركاته.