برنامج مفاهيم إفتائية (9) - الثبوت من الأصول الفقهية - مفاهيم إفتائية

برنامج مفاهيم إفتائية (9) - الثبوت من الأصول الفقهية

25 دقيقة
  • تميز المسلمون باختراع علوم لنقل مصادر الشريعة من القرآن والسنة دون تحريف.
  • تكفل الله بحفظ الذكر الذي يشمل الكتاب والسنة، كما قال تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".
  • وضع المسلمون نظام الأسانيد لتوثيق القرآن والسنة، وهي طريقة لم تطبق مع أي نص آخر في العالم.
  • وصل حفظ القرآن إلى درجة الأداء الصوتي، فلم ينقل بمجرد الحروف والكلمات والآيات فقط.
  • بلغ عدد الصحابة في حجة الوداع 114 ألفاً، وصلى على النبي في المدينة نحو 20 ألفاً.
  • روى عن النبي من الصحابة نحو 1800 صحابي فقط، وكثير منهم روى حديثاً واحداً.
  • وضع العلماء حوالي عشرين علماً لضبط السنة، منها علم الرجال والجرح والتعديل.
  • صنفت الأحاديث إلى صحيح وحسن وضعيف حسب معايير دقيقة تتعلق بالسند والمتن.
  • استمر العمل بالأسانيد حتى منتصف القرن الخامس الهجري مع الإمام البيهقي.
  • يمكن أن يكون للحديث الواحد مئات الأسانيد كحديث "إنما الأعمال بالنيات" الذي له سبعمائة سند.
محتويات الفيديو(28 أقسام)

مقدمة الحلقة والحديث عن توفيق الله للمسلمين في حفظ مصادر الشريعة

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامج مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.

تحدثنا في اللقاء السابق يا مولانا عن الأصول الفقهية وتحدثنا عن الحجية، وإن شاء الله اليوم فضيلتكم قلتم لنا سنتحدث إن شاء الله عن الثبوت.

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بتوفيق من الله وحده وُفِّق المسلمون إلى أن يخترعوا وأن يبدعوا علومًا تنقل مصادر الشريعة الغراء عذبةً طريةً من غير تحريف ولا تخريف ولا تقديم ولا تأخير؛ القرآن والسنة.

توثيق القرآن والسنة من خلال علم القراءات وعلوم السنة رواية ودراية

وفَّق الله الأمة المحمدية لتوثيق النص القرآني وتوثيق السنة النبوية الشريفة المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في علمين كبيرين: علم القراءات بالنسبة للقرآن وما يتعلق بها من رسم القرآن ومن ضبط القرآن ومن قراءة القرآن وتلاوته وتجويده وغير ذلك من العلوم المتعلقة بالكتاب العزيز.

ثم أيضًا القسم الثاني: علوم السنة رواية ودراية.

ربنا يقول:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

والذكر يشمل الكتاب والسنة، وفعلًا حدث [ما وعد الله به من الحفظ].

النبي ﷺ لم يكن بوسعه حفظ الكتاب بنفسه وإنما الله تكفل بذلك

لم يكن بيد النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يحافظ على كتابه وقد حُرِّفت كتب كثيرة قبله، ولم يكن بوسعه أن يفعل هذا. لم يكن بوسعه مثلًا أن يحافظ على أهل بيته، وقد رأى أولاده تقريبًا كلهم ماتوا في حياته صبيانًا وبنات ما عدا السيدة فاطمة والسيدة زينب والسيدة أم كلثوم والسيدة رقية.

كلهم ماتوا، دفنهم في المدينة بيده، وأخبر السيدة فاطمة أنها أسرع أهله لحاقًا به، فماتت بعد ستة أشهر.

ويقول [صلى الله عليه وسلم]:

«تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترة أهل بيتي»

وعد النبي ﷺ بحفظ الكتاب والسنة كان من عند الله لا من عند نفسه

كيف يعني النبي ﷺ ومعروف أنه عبقري وأنه ذكي وأنه أفطن الناس وأنه أكيس الناس؟ هذا [الوعد بالحفظ] من عند ربه، هذا قاله له ربه فقاله كما كان. هذا ليس من عند نفسه، هذا لو كان من عند نفسه لما قالها صحيحًا؛ لأنه يعلم أن سنة الله الجارية أن تُحرَّف الكتب، أن تُفقد الكتب، أن كذا إلى آخره، أن ينقطع النسل.

إذا كان هو رأى بعينيه انقطاع نسله أو يكاد، حتى قال هذا الذي لا نعرف من هو [العاص بن وائل]: إن محمدًا أبتر؛ لأنه رأى أنه لا يعيش له ولد، وأنه:

﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40]

صلى الله عليه وسلم، وحتى البنات مُتن أيضًا في حياته إلا فاطمة عليها السلام.

تكفل الله بحفظ القرآن والسنة وتعليم المسلمين كيفية الحفظ بالإسناد

إذن هذا الكلام ليس من عنده، هذا الكلام من عند ربنا. فربنا تكفَّل بالحفظ وعلَّم المسلمين كيف يحفظوا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

القراءات ظهرت في الثبوت، نحن نتحدث الآن في ثبوت الكتاب والسنة. من الذي قال أن هذا المصحف الذي بين يدي أنه هو المصحف الذي نزل على النبي صلى عليه وسلم وأنه يعبر عن القرآن الذي أوحى الله به لنبيه؟ سؤال!

لدينا أن السند — فكرة السند — فأنا قرأت القرآن على شيخ موجود، يعني ليس في الكتاب، ليس وجدت الكتاب في المكتبة وأخذت الحمد لله قرأته.

نظام تلقي القرآن بالسند المتصل من شيخ إلى شيخ حتى النبي ﷺ

وعندما قرأت القرآن على شيخ — طبعًا كلمة "على شيخ" هذه تعني — أنا مثلًا كمثال حفظت القرآن على شيخ، والشيخ هذا غير الشيخ الذي قرأت عليه القرآن حتى أكون قد قرأته على شيخ صاحب سند وأسانيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

[المذيع]: الذي يعطي الإجازة.

[الشيخ]: وأنا لم أقرأ على واحد فقط، بل إنني قرأت على أربعة مثلًا. شخص واحد قرأ على أربعة مشايخ فلم يختلف الأربعة في تلاوة القرآن في الأداء، حتى حُفظ لنا القرآن هكذا بتلاوة التلميذ عن الشيخ.

وهذا الشيخ كان تلميذًا لشيخ آخر، والشيخ الآخر هذا كان تلميذًا لشيخ آخر، وهكذا إلى سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.

ابن الجزري وكتاب النشر في القراءات العشر وألف سند إلى النبي ﷺ

لما جاء ابن الجزري — محمد بن محمد بن محمد بن ابن الجزري شمس القراء شمس الدين؛ لأنه محمد يعني كانوا يلقبونه بشمس الدين وأحمد بشهاب الدين يعني هكذا — فلما جاء ابن الجزري وألَّف "النشر في القراءات العشر" أورد ما يقرب من ألف سند إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

توفي ابن الجزري سنة ثمانمائة وثمانية، وألف سند وكل هؤلاء مترجَم لهم في كتب اسمها "طبقات القراء". كل واحد نعرف متى وُلد ومتى مات ومتى حفظ القرآن ومتى قرأ القرآن وعلى من قرأه وعلى من علَّم القرآن.

نحن لسنا أصحاب أوهام، بل لدينا أسانيد.

مقارنة نظام الإسناد الإسلامي بطرق حفظ الكتب عند الأمم الأخرى

عندما نأتي مثلًا إلى كتب أخرى مثل الفيدا عند الهنود، فإن الفيدا عند الهنود لديهم طريقة غريبة لحفظها وهي أنهم يخصصوا كل عائلة لحفظ كل سورة. يعني هذه مثلًا لو كان في القرآن مثلًا يعني فيكون هناك عائلة لآل عمران وهناك عائلة للبقرة وهناك عائلة لـ"قل هو الله أحد"، عائلة بذاتها تحفظ السورة الواحدة. فأين الأسانيد؟ لا توجد أسانيد، ليس هناك إسناد أو أسانيد نتمسك بها.

مثلًا شيء مثل التوراة، يقول ابن حزم إن التوراة وجدوا لها سندًا واحدًا — انتبه للمقارنة — سند واحد فقط بين آخر واحد وسيدنا موسى ألف سنة.

[المذيع]: يعني لم يتلقَّ من سيدنا موسى [مباشرة]؟

[الشيخ]: بينهم وبينهم ألف سنة، نعم.

تفرد الأمة الإسلامية بنظام الإسناد في توثيق القرآن والسنة

حسنًا، إذن إذا اختص الله الأمة الإسلامية بقضية الإسناد هذه، فهي فكرة لم تُطبَّق مع أي نص موجود في العالم؛ لا شعر ولا روايات ولا كتب حكمة ولا صحف سياسية. لا يوجد أي شيء فيه مثل هذا التوثيق.

لا يوجد إلا القرآن فقط، ويليه السنة، وكلاهما من عند المسلمين بتوفيق رب العالمين وليس من حولهم وقوتهم؛ لأنه هو الذي تعهد بالحفظ.

حفظ القرآن وصل إلى درجة الأداء الصوتي الدقيق في التلاوة

هذا الحفظ وصل في القرآن إلى درجة الأداء الصوتي. الأداء الصوتي، فلما كنت أقول للشيخ مثلًا "والضحى" يقول لي: لا، ليس "حى" [بتفخيم الحاء]، نعم "وضحى" "حى" [بترقيق الحاء]. طيب يعني ما الفرق في المعنى؟ سيأتي من حيث لا يوجد شيء [من فرق في المعنى]، ولكنها هكذا [نُقلت].

[المذيع]: هي سيأخذها من الشيخ الخاص به هكذا، الذي أخذها كابرًا عن كابر حتى [النبي ﷺ].

[الشيخ]: والتي صفتها كُتبت في الكتب هكذا وهو أنها مرققة وليست مفخمة. فما هذا؟ يعني تستلزم أن توقفني وتجعلني أعيد.

عظمة القرآن في دقة الأداء الصوتي والتمييز بين الحروف المرققة والمفخمة

طبعًا هذا القرآن أي القرآن غالب لا مغلوب، انتبه. القرآن شيء عظيم جدًا، القرآن هذا يقف عنده فيتضاءل الإنسان أمامه. فلا بد أن تقرأ صحيحًا.

وبعد ذلك تقول مثلًا:

﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ [النصر: 1]

فيقول لي: ليس "نا" [بتفخيم النون]، "نا" [بالترقيق]. فما الفرق بين "نا" بالتفخيم و"نا" بالترقيق؟ أي "نصر" و"نا"، فإذا قلتها "نسر" فلا يصح؛ هذه صاد وليست سين. والله إلى هذا الحد!

nعم، "إذا جاء نصر الله والفتح"، وفي الحاء في همس — "سكت فحثه شخص" — يعني الحروف هذه تهمسها يعني يجري النفس مع الحرف الخاص بها، فتقول: "نصر الله والفتح".

[المذيع]: معها هواء هكذا.

[الشيخ]: معها هواء.

أهمية رياضة الفم في أداء القرآن وقول ابن الجزري في ذلك

ما هذا الأداء! وقيل إذن ما المرقق وما المفخم؟ وتأتي مشكلات: "اسجدوا لآدم" هذه مشكلة "اسجدوا" هذه. فلماذا؟ ما تقرأها كما لو كان الأمر كذلك فتبقى ما عليها، اقرأها كما لو كان الأمر كذلك، ربنا يكون في عونك، تبقى تتلعثم في القرآن. لا، في القرآن ولكن هذه لها أداء معين يجعل فمك يتحرك فيها.

ولذلك يقول ابن الجزري: "وليس بين دراكه إلا رياضة امرئ بفكه"، يعني لازم يفتح فمه لآخره.

وكان شيخنا وهو يعلمنا هذه الأشياء يقول لي: لا، اجعل شفتيك بجانب أذنيك وأنا أنطق مثلًا "ثم"، فيقول لي: "ثم"؟ ما هكذا! ما هذا؟ كلام الأعاجم! لا، قل "ثُمَّ" فاجعل شفتيك بجانب أذنيك، قم تجد أنها خرجت صحيحة: "ثُمَّ".

القرآن نُقل بالأداء الصوتي الكامل والسنة اخترع فيها المسلمون أكثر من عشرين علمًا

الله! إذن هذا [القرآن] نُقل إلينا ليس بحفظ حروفه ولا كلماته ولا آياته ولا سوره، لا، بل نُقل إلينا بالأداء الصوتي الخاص به.

السنة التي اخترع فيها المسلمون أكثر من عشرين علمًا، وهذه لها تفصيل كذلك هذه العشرون علمًا.

[المذيع]: نقولها بعد الفاصل يا مولانا.

علم الرجال وحصر الصحابة الرواة وعدالتهم جميعًا

[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، ونحن خارجون من الفاصل ووصلنا مع مولانا لثبوت السنة بعشرين طريقة. تفضل يا مولانا.

[الشيخ]: هناك عشرون علمًا يضبط رواية السنة. فهناك علم اسمه علم الرجال، وعلم الرجال حصر لنا عدد الصحابة الذين نقلوا لنا الأحاديث عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هؤلاء الصحابة جميعهم عدول، والنبي صلى الله عليه وسلم عدَّلهم؛ ليس فيهم أحد كاذب، ليس فيهم أحد يفتري على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدًا.

عدد الصحابة في حجة الوداع وصلاتهم على النبي ﷺ فرادى في المدينة

كان الصحابة مائة وأربعة عشر ألفًا في حجة الوداع. والصحابة الذين صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة نحو عشرين ألف صحابي.

وعلى فكرة، عندما جاؤوا ليصلوا عليه في المدينة صلوا عليه فرادى واحدًا واحدًا؛ لأنهم كانوا يلتمسون البركة منه وبالصلاة عليه، فوقفوا صفًا وصلوا عليه لمدة يومين.

الصحابة المائة وأربعة عشر ألفًا، الصحابة العشرين ألفًا حتى الذين يقيمون في المدينة؛ لأن معنى ذلك أن المدينة إما فيها عشرون أو جاء إليها عشرون ألفًا. وطبعًا هناك رقم آخر وهو أنه ثلاثون ألفًا، يعني هناك رقمان. صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم.

عدد الرواة من الصحابة ألف وسبعمائة فقط من بين عشرات الآلاف

لنقل عشرين ألفًا دون الثلاثين. كم واحد روى عنه [صلى الله عليه وسلم]؟ لأن بعض الناس يعتقدون أن الأمر فوضى، أي مثل أيامنا هذه كل واحد يتكلم وهكذا إلى آخره. لم يحدث ذلك.

لدينا الرواة من الصحابة ألف وسبعمائة وبعض الشيء من المائة وأربعة عشر ألفًا. وسبعمائة وقليل، قل إنهم ألف وثمانمائة لكي يكون أفضل أن تظهر أي رواية أخرى. لا، هذا بعد الحصر التام: ألف وسبعمائة وقليل، دعني أقول ألف وثمانمائة.

مسند الإمام أحمد بن حنبل وعدد الصحابة المروي عنهم فيه

نعم، الألف وثمانمائة صحابي هؤلاء نذهب إلى الكتاب العظيم، هذا ديوان كبير من كتب السنة اسمه مسند الإمام أحمد بن حنبل. هذا عندما طُبع بالتنسيقات الحديثة هكذا صدر في أربعة وأربعين مجلدًا.

في كم صحابيًا فيه؟ حوالي تسعمائة وتسعين صحابيًا — الله! — تسعمائة صحابي، يعني نصف الرواة جميعًا الذين رووا.

فماذا عن التسعمائة صحابي الآخرين الذين ليسوا موجودين في مسند أحمد؟ تجد كل صحابي له حديث واحد فقط.

صحابة عاشوا حياتهم كلها لينقلوا حديثًا واحدًا بصدق وأمانة

فما معنى أن الصحابي له حديث واحد؟ يعني عاش حياته كلها ونقل لنا حديثًا واحدًا فقط، ونقل لنا سطرًا صحيحًا جملة. نعم، لكي فقط يتصور الناس عندما يقولون هذه السنة وهذه الرواية وهذه الأحاديث وكيف قالوها.

تخيل أن إنسانًا قد عاش حياته كلها وهو يروي كلامًا محددًا. لو أن هذا الكلام كان مثلًا:

قال رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس»

لو أنه واحد يروي هذا، تقول لي من فضلك يعني الشك أين؟ عاش حياته لكي يقول هاتين الكلمتين.

قصر الأحاديث النبوية دليل على صدقها وأنه ﷺ أوتي جوامع الكلم

وانتبه كيف:

قال رسول الله ﷺ: «لا يحل لامرئ مسلم أن يُفزع أخاه»

فقط، يعني أن هذا كلام. أن "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". فإذا كانت مثل هذه الأحاديث — أنا أضرب مثلًا وليس أن هذه هي الأحاديث التي رواها، لا ليس كذلك — أنا أضرب مثلًا أن الأحاديث قصيرة.

وهذا من علامات رفض الحديث وعدم قبوله أن يبقى طويلًا. لا، إن أحاديثنا صغيرة.

[المذيع]: أنه أُوتي جوامع الكلم عليه الصلاة والسلام.

[الشيخ]: عليه الصلاة والسلام. هذه الأحاديث الطوال جمعها ابن الأثير، الأحاديث الطوال خرجت في كتاب صغير هكذا، والباقي كله في سطر وسطرين، وبالكثير ثلاثة أو أربعة. ما في مانع.

فتخيل أن هناك من عاش حياته ليروي هذه الأسطر الأربعة بصدق.

حتى من لا يحفظ يستطيع نقل عبارة واحدة سمعها طوال حياته بأمانة

[المذيع]: وآخر كان لديه ملكة الحفظ فكان يحفظ دواوين الشعر والمعلقات.

[الشيخ]: وكل شيء. ولكن دعونا من ذلك، فهذا أي إنسان حتى أي بشر حتى لو كان لا يحفظ وحافظ بالكاد أنه سمع من — دعونا في عصرنا الحاضر — من أبيه هذه العبارة: "أبي قال لي يا ابني معرفة الناس كنوز".

"أبي قال لي معرفة الناس كنوز"، "أبي قال لي معرفة الناس كنوز"، يقولها لأصحابه وأولاده وإخوته وأقاربه وجيرانه، لا يقول غير "معرفة الناس كنز".

أنا أقول له: لا، أنت لم تسمعها من أبيك وأنت أصلًا في خلل وأنه توجد حاجة حدثت وهذا يعني شيئًا!

ظلم الإسلام والمسلمين بالتشكيك في السنة وعدد التابعين الرواة

والحقيقة أنني عندما أتأمل هذا الكلام يعني هذا شيء عجيب وظلم للإسلام وللمسلمين وللعلماء عبر التاريخ وهكذا.

يصبح لدينا ألف وثمانمائة صحابي. فكم تابعيًا رووا عنهم؟ فوجدوا أن التابعين الذين يروون عنهم شيء لا يزيد عن ألفين وثمانمائة، قل ثلاثة آلاف. نعم.

طيب، إذن لدينا ألف وثمانمائة وثلاثة آلاف فيكونون أربعة آلاف وثمانمائة. فما الذي بعدهم؟ فما الذي بعدهم؟ المهم أنهم وضعوا علم الرجال.

مليون سند للأحاديث وحديث إنما الأعمال بالنيات له سبعمائة طريق

هذا كل الأسانيد وجدوا لدينا الأسانيد مليون سند. لكن يمكن أن يكون للحديث الواحد مائة سند ويبقى له سبعمائة سند.

يعني ابن حجر [العسقلاني] عندما تتبع حديث:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»

وجد سبعمائة شخص يرويه. عمن أخذ منه؟ عمن؟ ربما سعيد المقبري أو نحو ذلك. سبعمائة إنسان، يبقى هذا له سبعمائة سند.

[المذيع]: يعني يوجد سبعمائة خط واصل ما بين هذا الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام؟ إلى النبي، هذا تأكيد أن الحديث هذا قوي جدًا. نعم، «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».

علم الرجال يبين ترجمة الرواة ودرجاتهم من الثقة إلى الكذب

[الشيخ]: فعلم بحاله اسمه علم الرجال يبين لنا فيه ترجمة للعشرين ألفًا هؤلاء. أجل، يقول لي فيهم: والله الرجل هذا ثقة، الرجل هذا متوسط، نعم هذا الرجل سيء ليس حفظه سيئًا [فحسب].

هذا الرجل كاذب، هذا الرجل واهٍ جدًا ولا تأخذوا عنه ودجال. لكن هذا الرجل [ثقة] وهكذا، نعم.

وألَّف علماء المسلمين في علمين آخرين اسمهما الجرح والتعديل.

علم الجرح والتعديل وقواعد الحديث في تقديم الجرح المفسر على التعديل

ونشأ من الجرح والتعديل أمور: أن هناك واحدًا متفقًا على عدالته، وأن هناك واحدًا متفقًا على جرحه، وأن واحدًا مختلف في جرحه فبعض الناس جرحوه وبعض الناس عدَّلوه.

فماذا نفعل؟ فبدأ يظهر علم آخر أيضًا اسمه علم قواعد الحديث. فيكون عندنا علم الجرح والتعديل والرجال. لا، هذا في قواعد الحديث: عندما يكون واحد هكذا وفيه جرح وفيه تعديل فيقول لك: الجرح مقدم على التعديل إذا كان مفسرًا ومن إمام ليس بينه وبين المجروح علاقة سيئة أو شيء من هذا القبيل.

فهذا يعني أن نجعل حديث الجرح مقدمًا على التعديل. عندما نأتي عمليًا لنبحث في هذه المسألة نجد أن أغلب الجرح غير مفسر.

[المذيع]: أغلبه غير مبيَّن السبب.

[الشيخ]: أتلاحظ كيف؟

عشرون علمًا وفق الله المسلمين إليها لضبط السنة وتصنيف الأحاديث

فهنا الكلام أصبح يأخذ أيضًا منحى آخر. عشرون علمًا ربنا وفَّق المسلمين إليها ووضعوا هذه العلوم ووصلت إلينا هذه الكتب حتى الآن.

فننظر في السند ونقول: حسنًا، هل التقى كل واحد بالآخر؟ هل هذا ثقة وهذا كذلك إلى آخره؟ وأصبحوا يصنفون العلوم ويصنفون الأحاديث: الصحيح والحسن والضعيف وكذلك إلى آخره.

أولها الصحيح وهو ما اتصل إسناده ولم يشذ ولم يُعَلّ، يرويه عدل ضابط عن مثله، معتمد في ضبطه ونقله. والحسن المشهور طرقًا وغدت رجاله لا كالصحيح اشتهرت. وكل مع الرتبة الحسن قصر فهو الضعيف وهو أقسام كُثُر.

أنواع الحديث المسلسل وأمثلة عليه كالمسلسل بالأولية والتبسم

وهكذا وابتدؤوا فقد ينوعون يعني مثلًا: مسلسل — قل ما على وصف أتى مثله — أما والله أنبأني الفتى، كذاك قد حدثنيه قائمًا، أو بعد أن حدثني تبسَّم.

وقال لي هذا حديث مسلسل بالأولية:

قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

هذا حديث مسلسل بالحسن: روى الحسن عن أبي الحسن عن جدي الحسن، حسن الحسن الخلق الحسن. هذا حديث [مسلسل].

[المذيع]: مسلسل يا مولانا الذي هو عندما النبي تبسَّم والصحابي تبسَّم وتبسَّم وهكذا فسُمي مسلسلًا؟ مسلسل يعني حتى قيل لنا أن الرسول تبسَّم هنا بمعنى كذلك.

أمثلة على أنواع الحديث المسلسل بالتشبيك والأولية وضبط الرواية حتى القرن الخامس

[الشيخ]: مثلًا أو مثلًا بالتشبيك شبَّك بين أصابعه، أو مثلًا في عاشوراء، أو مثلًا في وكان وجهه حسنًا الذي هو الحسن هذا، أو الأولية كان أول — هذا حديث الذي هو «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى».

وهكذا اهتموا اهتمامًا بليغًا، ثم ضبطوا هذا إلى منتصف القرن الخامس. وآخر رواية نأخذ بها بالأسانيد ونفتش في أسانيدها تصحيحًا وتضعيفًا: البيهقي.

الإمام البيهقي، بعض العلماء يقول: لا، دعونا بعد البيهقي قليلًا؛ لأن ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد أيضًا أورد أسانيد، والأمالي لابن الشجري أوردت أسانيد ليست موجودة عند البيهقي فيما هو واقع بين أيدينا الآن.

خاتمة الحلقة والإشارة إلى دقة علم الحديث وتخصصاته العميقة

كلام علمي رصين مفصَّل له علماء وله تخصص في بحر عظيم؛ لأنه بعد ذلك تحدث اختلافات: هل هو ابن المسيَّب أم ابن شبيب؟ نعم، المخطوطة إذا كان ابن المسيَّب — ابن المسيَّب هذا من كبار التابعين — لو كان ابن شبيب مريضًا فلا شأن لنا به.

[المذيع]: حسنًا، سنأخذ هذه التفاصيل يا مولانا؛ لأن الوقت قد مضى مع فضيلتكم، ونتحدث عنها في الحلقة القادمة إن شاء الله من مفاهيم إفتائية.

[الشيخ]: إن شاء الله.

[المذيع]: إن شاء الله. اسمحوا لي باسم حضراتكم ونشكر الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على العلم وعلى ساعة صدره، وإن شاء الله على وعد باللقاء في الحلقة القادمة من مفاهيم إفتائية. نستودعكم الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله.