تعرف على التفكيرالبدهي والتفكير العلمي مع د. علي جمعة #6 | درجات المعرفة - التفكير المستقيم, درجات المعرفة

تعرف على التفكيرالبدهي والتفكير العلمي مع د. علي جمعة #6 | درجات المعرفة

27 دقيقة
  • تناقش الحلقة أنماط التفكير المختلفة، حيث سبق الحديث عن التفكير السطحي والعميق والمستنير.
  • يوضح د. علي جمعة أن هذه الأنماط تهدف لتغيير السلوك الذي يرتبط بالفكرة والمفهوم وشعور الأعماق.
  • يشير إلى أن القلب يعلو العقل، والعقل يعلو السلوك، وأن هذه المنظومة متكاملة لتحقيق العمل الصالح.
  • يشرح التفكير البدهي بأنه التفكير الذي يوصل إلى البديهيات التي لا خلاف عليها بشروطها.
  • يوضح أن البديهيات مثل "واحد زائد واحد يساوي اثنين" لا تحتاج إلى إثبات.
  • يبين أن التفكير البدهي يسري في الأنواع الثلاثة (السطحي والعميق والمستنير).
  • يناقش التفكير العلمي المرتبط بالتجريب والملاحظة، موضحاً أنه لا يؤدي بذاته إلى الفكر المستنير.
  • يشير إلى إشكالية المصطلحات المترجمة مثل "العلم" وما أحدثته من اختلال واحتلال للمفاهيم في الثقافة العربية.
محتويات الفيديو(30 أقسام)

مقدمة الحلقة واستكمال أنماط التفكير مع الدكتور علي جمعة

[المذيع]: تحية لكم مشاهدينا الكرام، ونستكمل هذه الحلقات واللقاءات الطيبة مع فضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، لكي نتعلم من فضيلته كيف نفكر، وكيف أن للمعرفة درجات، وكيف يمكن للإنسان أن يتمتع بعقلية فارقة وعقلية تستطيع أن تستوعب أمور الدين وأمور الدنيا في آنٍ واحد.

في الحلقة السابقة توقف فضيلته عند عدد من أنماط التفكير: هناك التفكير السطحي، والتفكير العميق، ثم التفكير المستنير. واليوم نستكمل مع فضيلته باقي الأنواع أو أنماط التفكير.

في البداية أرحب بفضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بمولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: أهلًا وسهلًا بحضرتك مولانا، بعد أنماط التفكير الثلاثة الأولى التي تحدثت فيها فضيلتك سابقًا، هل هناك أنماط أخرى للتفكير تود أن تبينها لنا أو توضحها لنا؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. تكلمنا عن قضية الفكرة فالمفهوم فشعور الأعماق، وتكلمنا عن التفكير السطحي والتفكير العميق والتفكير المستنير، وكل ذلك من أجل أن نتحدث عن كيفية تغيير السلوك.

العلاقة بين القلب والعقل والسلوك وأنماط التفكير في تغيير السلوك

فنحن أمامنا كما ذكرنا أيضًا في حلقة سابقة أن القلب يعلو العقل، والعقل يعلو السلوك، والقضية هي: كيف نغير هذا السلوك؟

السلوك مبني إما على فكرة، وإما على مفهوم، وإما على شعور في أعماق [النفس]. السلوك نستطيع أن نغير هذه الأشياء بواسطة التفكير السطحي الذي يعرف الظاهر دون البحث عن واقع نفس الأشياء ونفس الأمر، وإما أن يتم عن طريق التفكير العميق، وإما أن يتم عن طريق التفكير المستنير.

ولكلٍّ درجاته، ولكلٍّ أوضاعه التي تؤدي في النهاية إلى تصحيح الفكرة أو تصحيح المفهوم أو تصحيح شعور الأعماق، الذي سيؤدي إلى تصحيح السلوك.

الشبكة المتكاملة بين القلب والعقل والسلوك وتجلياتها في العبادة وعمارة الأرض

إذن نحن نتعامل مع شبكة متكاملة: فيها القلب، فيها العقل، فيها السلوك، فيها التفكير السطحي والعميق والمستنير، فيها الفكرة والمفهوم وشعور الأعماق. وكل ذلك في النهاية من أجل العمل.

هذا السلوك سوف نراه يتجلى في العبادة، ويتجلى في عمارة الأرض، ويتجلى في تزكية النفس. والسلوك هو فعل البشر، وقد يكون هذا الفعل بالأبدان، وقد يكون بالجنان، وقد يكون بالأذهان.

فالذي هو بالأذهان هي مجموعة من الأفكار والعقائد، والذي هو بالجنان هو مجموعة من العلوم المستقرة، والذي هو بالأبدان هو حركات مثل هذه الحركات [الظاهرة]؛ يقول: العمل بالأركان مثل الصلاة والصيام والحج وهكذا، يعني الجسم نفسه معتاد على أن يعمل هذا [العمل].

خريطة التكليف الإلهي وضرورة رسمها قبل استيعاب أنواع التفكير

في النهاية سنرى أنفسنا أمام قضية التكليف، هذا التكليف الذي كلفنا الله به: افعل ولا تفعل. فمثل هذه الخريطة كان لا بد من رسمها أولًا، حتى إذا ما جاءت أنواع التفكير الأخرى أو أنواع ودرجات التفكير الأخرى استطعنا أن نُسكنها في هذه الخريطة ونعرف مبتغاها في نهاية الأمر.

أمامنا أنواع من التفكير، مثلًا واحد يقول: هناك تفكير بَدَهي.

التفكير البَدَهي وأصل كلمة بديهة في اللغة العربية والنسبة إليها

كلمة البديهة في اللغة العربية على وزن فَعيلة، والنسبة إليها فَعْلي. فتقول مثلًا: مدينة - مَدَني، بديهة - بَدَهي، وليس بديهي.

شاع استخدامه [أي لفظ بديهي] منذ القرن الثاني والثالث من الهجرة، وبعد عصور الاحتجاج اللغوي [قيل] بَدَهي. ولذلك عندما نشأ مجمع اللغة العربية في القاهرة، وكان أحد أعضائه أنستاس ماري الكرملي العراقي، عمل بحثًا في هذه القصة وجمع من كلام الأولين أكثر من مائة وستة عشر موضعًا استُعمل فيه [لفظ بديهي].

أمثال الجاحظ - لكن هذا الجاحظ من القرن الثالث الهجري - استعملوا فيه: بديهي، طبيعي، وما إلى ذلك. فهي مستعملة منذ قديم الزمان: بديهي وطبيعي وغريزي، أتفهم؟

الفرق بين بَدَهي وبديهي في القياس اللغوي وشيوع الاستخدام

ولكنها ليست على قياس اللغة: بَدَهي. بَدَهي، بديهي، مَدَني - تظنها بمدينة - مَدَني، بديهة - بديهي، طبيعة - طبيعي، غريزة - غريزي، وقِس على هذا.

طبعًا هذا قد يكون غريبًا على بعض الناس أنه تعوّد على حكاية الطبيعي، الأمر الطبيعي أو الأمر وهكذا. يعني ماذا [نعني بـ] تفكير بَدَهي أو بديهي؟ لأن بديهي هذه لا، هو بَدَهي.

حسنًا، ما معنى تفكير بَدَهي؟ التفكير البَدَهي يرجعنا إلى البَدَهيات.

تعريف البَدَهيات وأمثلتها من المعلومات التي لا يختلف عليها اثنان

حسنًا، ما هي البَدَهيات؟ هي المعلومات الأولى التي لا يختلف عليها اثنان ولا يتناطح فيها كبشان. يقولون هكذا: لا يختلف عليها اثنان ولا يتناطح فيها كبشان، أي أنه لا يوجد فيها خلاف.

مثل ماذا هذه البَدَهيات؟ واحد زائد واحد يساوي اثنين، هل هناك أحد سيجادل في ذلك؟ هل واحد زائد واحد يساوي اثنين أم لا؟ هذه من البَدَهيات.

السماء فوقنا والأرض تحتنا من البَدَهيات. الكل أكبر من الجزء بالطبع؛ حتى يلج الجمل في سمّ الخياط، فالجمل أكبر من ثقب الإبرة. يعني هناك أشياء بَدَهيات هكذا.

البَدَهيات لا يختلف عليها العقلاء إلا على سبيل المزاح أو المجاز

وهذه البَدَهيات لا يختلف عليها اثنان، ليس هناك اثنان من العقلاء سيأتيان ليبحثا لك في أن واحدًا زائد واحد سيساوي اثنين وليس غير ذلك، إلا بنوع من أنواع المزاح، بنوع من أنواع الفكرة.

يعني يقول لك: لا، ما هو الرجل والمرأة عندما يتزوجان يصبحان ثلاثة لأنهما سينجبان! نعم، هذه قضية أخرى، لكن دائمًا البرتقالة زائد البرتقالة تساوي برتقالتين، وبرتقالتان زائد برتقالة أخرى يساوي ثلاثة، وهكذا.

فهذه البَدَهيات التي يعني ما معناها أنه لا اختلاف عليها، حتى أن هذه البَدَهيات قد يكون لها أحوال لكنها ما زالت بَدَهيات. فالتفكير البَدَهي هو التفكير الذي يوصلني إلى البَدَهيات.

البَدَهيات مشروطة بشروطها ومثال مجموع زوايا المثلث على السطح المستوي والكروي

بعد ذلك لا أستطيع أن أقول لشخص: حسنًا، أثبت لي أن واحدًا زائد واحد يساوي اثنين. من ضمن هذه البَدَهيات أن مجموع زوايا المثلث مائة وثمانون درجة، وأحيانًا يُقال لك إنها تساوي قائمتين.

هذا الكلام صحيح عندما يكون في مستقيمات وليس في منحنيات، يعني إذا كان في مستقيمات وليس على سطح كروي متكور مثل كرة الأرض، فنعم تكون مائة وثمانين درجة. هذه من البَدَهيات التي لا تحتاج إلى إثبات.

حسنًا، ولكن سبحان الله عندما جاؤوا ليروا كرة الأرض وهي كرة، قسموها إلى ثلاثمائة وستين خطًا بالطول يُسمونها خطوط الطول، المرجع الخاص بها يقع في قرية بجوار لندن اسمها جرينتش.

خطوط الطول والعرض على كرة الأرض وتقاطعاتها وتكوين المثلثات الكروية

القاهرة تقع على خط الطول رقم ثلاثين، والرياض على خط ستة وأربعين، وهكذا تستمر حتى تكمل الثلاثمائة وستون درجة التي حول الأرض.

وقاموا برسم خط الاستواء - خط عرض صفر - واستمروا يرتفعون يرتفعون يرتفعون هكذا حتى أصبح هناك درجة تسعين، ومن تحت تسعين تصبح هذه مائة وثمانين، والناحية الأخرى ستأتي بمائة وثمانين أيضًا. هذه خطوط العرض.

لكن إذا كانت خطوط الطول فلدينا ثلاثمائة وستون درجة، وخطوط العرض عندنا مائة وثمانون درجة، مائة وثمانون دائرة لخطوط العرض. عندما وُجِدَت هذه الخطوط، ماذا تفعل؟ تقوم بعمل تقاطعات بينها؛ خطوط الطول وخطوط العرض ستعمل تقاطعات.

مثلث على سطح الكرة الأرضية زواياه مائتان وسبعون درجة وليس مائة وثمانين

فتأتي بمدينة هنا في أوروبا، وتنزل هكذا على إفريقيا، وتنزل هكذا وتعمل لك مثلثًا. فتجد أن هنا قائمة، هذا المثلث هناك قائمة تعادل تسعين درجة، والقائمة الثانية أيضًا تساوي تسعين درجة، والثالثة نجدها تسعين درجة أيضًا.

فتسعين وتسعين وتسعين كم تساوي؟ مائتان وسبعون! كيف ذلك؟ لقد اعتبرنا هذا من البَدَهيات [أن مجموع زوايا المثلث مائة وثمانون درجة].

قال: إن ذلك لأنه مرسوم على السطح [المستوي] وليس على الكرة، وبما أنه مرسوم على الكرة فلم يعد هناك خط مستقيم، هناك منحنى. فيذهبون ويقولون: نعم، إذن يجب أن يكون لكل شيء شروطه لكي يصبح من البَدَهيات.

التفكير البَدَهي يوصل إلى ما لا نزاع فيه بشروطه الخاصة

فالتفكير البديهي معناه أنك تصل إلى ما لا نزاع فيه بشروطه. ها قد أضفنا كلمة "بشروطه" هنا من أجل هذه المسألة؛ لأن ليس كل مثلث يا عزيزي زواياه مائة وثمانون درجة، فهناك مثلثات بمائتي درجة وسبعين درجة تمامًا.

فيكون البديهي بشروطه، بشروطه، بالشروط الخاصة به، بشروطه. هل انتبهت؟

كيف؟ أقول لك: حتى يلج الجمل في سمّ الخياط، مستحيل. قال: إذا تحول الجمل إلى فتلة، نعم، الفتلة تدخل في سمّ الخياط. أو يتحول ثقب الإبرة إلى بوابة زويلة هكذا، بوابة كبيرة؛ لأن هناك إبرة كبيرة جدًا.

شرط استحالة دخول الجمل في ثقب الإبرة والبَدَهيات مشروطة بشروطها

نعم، عندما يدخل الجمل في ثقب الإبرة، ولكن متى يستحيل دخول الجمل في ثقب الإبرة؟ عندما يكون الجمل على حاله. انظر، عندما - وهذه تعني الشرط - أي بشرط أن يكون الجمل على حاله والثقب على حاله، بشرط أن يكون الجمل جملًا والإبرة إبرة، والإبرة إبرة تمامًا.

هذا هو الشرط. فالبَدَهيات مشروطة، مشروطة بشروطها، بشروطها.

يعني إذا كان التفكير البَدَهي هو تفكير معتبر وتفكير يؤدي لنا في سلسلة الأسئلة الممتدة - لماذا، لماذا، لماذا، لماذا - إلى البَدَهيات دائمًا.

اهتمام الفقهاء بالوصول إلى البَدَهيات بالدليل والبرهان لإقناع الخصم

كان الفقهاء مهتمين بهذه المسألة وأن يصلوا بالدليل والبرهان إلى البَدَهيات، ليس لأنتصر، بل لأقنع الخصم ولكي يصل كلامي إليه من غير نزاع.

إلى هذا الحد من إرادة الهداية أو الإخلاص في التبليغ، الحاجة [إلى ذلك] ينبغي علينا أن نتخذه تنفيذًا لقوله تعالى:

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]

التفكير البَدَهي يُعدّ عميقاً وقد يصبح مستنيراً إذا تعلق بفهم الشريعة والإيمان

التفكير البَدَهي الذي هو التفكير الذي يوصلني إلى البَدَهيات، هل سأعتبره سطحيًا أم سأعتبره عميقًا؟ سيكون عميقًا، سيكون تفكيرًا عميقًا، سيكون تفكيرًا عميقًا.

نعم، فإن كان الأمر متعلقًا بفهم الشريعة أو بالله سبحانه وتعالى والإيمان به وتوحيده ومعرفته والقلوب الضارعة، يكون مستنيرًا، يكون حينئذٍ سيكون هذا التفكير مستنيرًا.

حسنًا، وإذا كانت هذه البَدَهيات - ونحن نشرح بَدَهيات الصف الأول الابتدائي - ماذا تعني أن تكون تفكيرًا سطحيًا؟ فإذن التفكير البَدَهي سوف يسري في أنواع التفكير التي استقرت عندنا [السطحي والعميق والمستنير] سريان الماء في الورد.

تشبيه سريان التفكير البَدَهي في أنواع التفكير بسريان الماء في الورد

انظر إلى كلامهم القديم هكذا، يقولون لك: سريان الماء في الورد، شيء يجلب لك شيئًا جميلًا هكذا، وشيئًا تشمه فتجده جميلًا.

حسنًا، أين المياه التي في الورد؟ في كل مكان، في كل أنسجته، في نفس الغصن، في نفس الأوراق، كلها فيها مياه.

حسنًا، والدليل على أن هذه الوردة تحتوي على ماء هو أنني لو عصرتها بطريقة معينة سينزل ماء الورد. أليس هذا ما يسمونه ماء الورد؟ ماء الورد هذا عبارة عن عصير الورد، وكانوا قديمًا يصنعون منه المربى والشراب وأشياء أخرى لا أعرفها من ماء الورد هذا.

معنى المورد وبائع ماء الورد وخلاصة التفكير البَدَهي بشروطه

وهناك شيء يسمى مورد، وواحد يقول: الموردي، حارة الموردي. ما هذا الموردي؟ يعني يبيع ماء الورد لكي يضعوه في القلل التي كانوا يشربون فيها قديمًا، هذه! يقوم بجعل المياه لها طعم ولها شيء آخر [من الرائحة الطيبة].

إذن إذا كان التفكير البَدَهي هو التفكير الذي يصل بي وبك إلى البَدَهيات بشروطها، سواء كان سطحيًا أو عميقًا أو مستنيرًا.

التقسيم الأساسي لأنماط التفكير وسريان البَدَهي فيها والانتقال للتفكير العلمي

[المذيع]: نعم، بارك الله فيكم مولانا، وأستأذن حضرتك وأستأذن حضراتكم أن نخرج لفاصل، وبعد الفاصل سنذهب لنرى نمطًا آخر ونوعًا آخر من أنواع وأنماط التفكير، ابقوا معنا.

أهلًا بحضراتكم مرة أخرى مشاهدينا. مولانا، لقد توقفنا عند أربعة أنواع من أنماط التفكير: السطحي، والعميق، والمستنير، ثم التفكير البَدَهي.

[الشيخ]: أريد أن نقول أنهم ثلاثة وأن التفكير البَدَهي هذا سيكون ساريًا فيها، لكن في الثلاثة هو وغيره.

[المذيع]: نعم، سيكون كأننا...

[الشيخ]: آه، التقسيم الأساسي لدينا هو السطحي والعميق والمستنير، ثم سنرى أنواعًا مختلفة من جهات مختلفة من أنواع التفكير.

مفهوم التفكير العلمي ونشأته من مصطلح Science عند الإنجليز

يعني مثلًا، لأضرب لك مثالًا آخر، الذي هو يقول لك: التفكير العلمي. التفكير العلمي هذه كلمة حديثة وصلتنا بعدما كان لدى الإنجليز شيء أسموه هناك العلم (Science).

هذا المصطلح Science أطلقوه على التجريب والتجارب، وقالوا إن التفكير العلمي منذ عهد روجر بيكون يعني: الملاحظة فالتجربة فالملاحظة فالاستنتاج.

وأنه لا بد حتى يدخل الأمر في نطاق العلم يُشترط في العلم أن يكون قابلًا للتجريب. حسنًا، لنفترض أنه غير قابل للتجريب، فلن يكون علميًا، لن يكون علمًا، إنه ليس علميًا، فسيكون شيئًا آخر، أليس كذلك؟

إشكالية ترجمة مصطلح Science إلى العربية والفرق بين مفهوم العلم عند المسلمين والغرب

وهنا بدأوا [يفرّقون]، ولذلك عندما أردنا الترجمة للأسف لم يكن لدينا الوعي الكافي في الترجمة بحيث نختار أو نبحث عن المقابل الدقيق لكلمة ساينس. ترجمناها علم، وفات من هذا القبيل علينا مفاهيم كثيرة في الفلسفة وفي الطبيعة وفي التعامل مع الحياة.

لدرجة أننا أصبحنا نتكلم لغتين مختلفتين؛ الذي تعلم في الأزهر عنده العلم هو القدر اليقيني من المعرفة وليس التجريب فقط؛ لأن كل مجال له قواعده وله منهجه.

ولذلك الثاني [المتأثر بالثقافة الغربية] يقول له: هو، أنت هذا علم؟ فيقول له: نعم، هذا علم. فيقول: لا، هذا ليس علمًا!

الخلاف حول علمية الدين ونشأته مع ترجمات القرن التاسع عشر واحتلال المفاهيم

وهذه هي القضية السارية في المجتمع حاليًا: هل الدين علم أم ليس علمًا؟ مثلًا، وقد تحدثنا فيها قبل ذلك. طبعًا الدين والتدين، وأنه لا، هذا التدين هو سلوك، لكن الدين هذا علم.

خلاف بدأ يحدث في هذا، نشأ مع ترجمة القرن التاسع عشر عندما جاء أولادنا في البعثات العلمية وأرادوا أن يصنعوا هذا الجسر ما بين ثقافتنا والثقافة الغربية.

فدخلت بعض المصطلحات وحدث ما يسمى باختلال واحتلال المفاهيم. مفهوم المصطلح احتُلّ، وأصبحت كلمة العلم التي هي الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل - هذا في كتبي القديمة التي تربيت عليها - أصبح هو القدر المجرَّب الملاحَظ المستنتَج منه.

أزمة اعتبار مسألة الألوهية غير علمية بسبب مفهوم التجريب الغربي

حسنًا، ولكن هذا [المفهوم الغربي للعلم] لا يعطي يقينًا. فمثلًا، مسألة مثل مسألة الألوهية هي مسألة غير علمية [بهذا المعنى]؛ لأن الله ليس تحت التجريب.

نعم، وهكذا يحدث أزمة، وقد فعل هذا بالفعل. هذا عندما جاءته كلمة التفكير العلمي جاءت بمعنى التجريب وانتشرت بمعنى التجريب.

فإذا كان بهذا الذي هو ساينس - وأنا أريد دائمًا أن أقول ساينس حتى لا نقول علوم كي لا نخلط مع المعنى الذي تحدث به المسلمون في حضارتهم وأقروه - فما هو من بين أنواع التفكير الثلاثة المستقرة؟

التفكير العلمي التجريبي بين السطحية والعمق وإمكانية تحويله إلى طريق للاستنارة

نعم، هو كذلك ما بين السطحي في الفيزياء التي تبدو سطحية في كثير من الأحيان، أو ستتطور قليلًا لتصبح عميقة. والكيمياء التي ستصبح عميقة - هل تلاحظ؟ - فالطب عندما يتضمن مجهرًا وتحاليل وأشعة وغيرها، سيصبح عميقًا.

وكل هذا العلم لن يوصلني إلى الاستنارة، لكن يمكنني تحويله إلى طريق للاستنارة عندما أعمل عليه، مثل الطب الذي يكون محرابه الإيمان الذي تحدثنا عنه مرة من قبل.

مثل أن العلم يدعو إلى الإيمان، هذا العلم (ساينس) يدعو إلى الإيمان. هل تدرك كيف؟ ليس العلم بالمعنى العربي الموروث في التراث الإسلامي، بل إن العلم الحديث نفسه سيجعلني، فقط باستخدام الرياضيات العليا وباستخدام قضية الاحتمالات، أرى بوضوح شديد أنه لا بد أن يكون لهذا الكون إله وأن يكون متصفًا بالصفات العُلى والأسماء الحسنى سبحانه وتعالى.

العلم التجريبي لا يؤدي بذاته إلى الفكر المستنير لكنه يهيئ له

داخل [هنا] لمرحلة الفكر المستنير، المستنير سيدخل هكذا بقدر المستنير، فيصبح إذن - لا يفهمني أحد وأنا أقول - أن العلم [التجريبي] لا يؤدي في ذاته إلى الفكر المستنير، بل إنه يهيئ للفكر المستنير.

يعني يحتاج درجة [إضافية]، لكنه في ذاته لا يوصل إليها. ليس بالضرورة أن يصل، ليس بالضرورة أن يصل.

ولذلك ستجد رجلًا كبيرًا جدًا في هذا المجال وذاك المجال وفي مجالات أخرى، وليس لديه الفكر المستنير، وهو حجة في طب التجريب أو حجة في الكيمياء أو حجة في كيمياء الكم أو ميكانيكا الكم، ولكن في نفس الوقت لم يستعمل عقله من أجل الاستنباط، ولم يُرسل هذه المعلومات من العقل إلى القلب حتى يشتغل [القلب بالإيمان]، توقف عند هذا الحد.

التفكير العلمي كلمة حديثة شاعت منذ القرن التاسع عشر وملاحظة الشيخ المرصفي

أهلًا وسهلًا، وهذا يكون تفكيرًا إما سطحيًا في بعض الأحيان في الملاحظات العادية، وإما أنه هو التفكير العلمي، وهي كلمة شاعت في ثقافتنا وفي أدبنا منذ القرن التاسع عشر.

كان لدينا شخص شيخ عظيم اسمه الشيخ المرصفي، وقد لاحظ هذه المسألة، لاحظ أن هناك كلمات احتلت مكانة [كلمات أخرى].

كلمة حرية طوال عمرها، بغض النظر عن الليبرالية، وبغض النظر عن الفريدوم، لكن الحرية في اللغة العربية كانت تُقال أي ضد العبودية، يعني ضد الرق، وضد أن يكون المعنى أن يصبح رجلًا حرًا أو امرأة حرة، أنه لم يقع عليه الرقّ أو أنه تحرر.

احتلال مصطلح الحرية والحكومة وكتاب الكلم الثمان للشيخ المرصفي

فذهبوا يأتون بهذه الكلمة ووضعوها أمام كلمة فريدوم. حسنًا، ألا يعني فريدوم تحديدًا هنا هكذا أي أنها حرية؟ وما معنى هذه الحرية؟ أو إلى ماذا تُترجم كلمة فريدوم هذه؟

مسألة الحكومة، الحكومة هذا لفظ فقهي عندنا لا علاقة له بالإدارة ولا دعوة بأن هناك حاجة للدولة وما إلى ذلك. هذه غرامة يدفعها الذي تسبب في الضرر؛ شخص جرح شخصًا آخر، وهذا الجرح لا نعرف كيف نقوّمه، فإما أن ندفع فيه مالًا أو ندفع فيه حكومة [أي تقدير الغرامة].

تصوروا أن هذه الحكومة قد استنبطوها من الحُكم، فجعلوها أمام الحكومة (الجوفرمنت)، ما هذا؟

كتاب الكلم الثمان للمرصفي وتحوّل ثماني كلمات إلى خمسمائة كلمة محتلة المفاهيم

فتعجب الشيخ المرصفي من ذلك وألّف كتابًا ممتعًا في هذا الشأن أسماه الكلم الثمان، ثماني كلمات أقلقته وسببت له قلقًا، وقال: ما هذا؟ لقد بدأنا هكذا، ستحدث فجوة. ثماني كلمات تغيرت.

هذا الكلام كان في أواخر القرن التاسع عشر. أين الكلمات الثماني بعد ذلك؟ في سنة ثمانين أو شيء من هذا القبيل أو سبعين طُبِعَت مرةً ثانيةً باعتبارها تُراثًا، لكننا انتبهنا إلى هذا وبدأنا نبحث.

حسنًا، هؤلاء كانوا ثماني كلمات في أواخر القرن التاسع عشر، فهل توجد كلمات أخرى؟ فوجدنا خمسمائة كلمة، خمسمائة كلمة لها نفس الموقف مع الحكومة وإدارة الحكم.

دراسة خمسمائة مصطلح محتل المفاهيم بين الاحتلال والاختلال والتلبيس

نعم، يعني فيها عندما نستخدمها بوضعية معينة لم تكن هي التي استُعملت في الزمن الماضي. القضية أنه يجب أن نعرف، وليس ضروريًا [أن نرفضها]، أي يمكن [أن نقبل بعضها].

ووجدنا أن جزءًا منها احتلال، وجزءًا منها اختلال، وجزءًا منها تلبيس، وهكذا. وبدأنا نبحث فيما وراء هذه المصطلحات إزاء تلك المفاهيم، ومتى حدثت هذه المسائل.

جلسنا حوالي ثلاث أو أربع أو خمس سنوات ندرس في هذا، أنهينا حوالي عشرين مصطلحًا من الخمسمائة. فإذا كان هذا ما أنجزناه هنا، فهناك علامة استفهام تستدعي التوقف.

أمثلة على الكلمات المحتلة كالمذهب والطريقة وخطر القطيعة المعرفية مع التراث

حسنًا، الخمسمائة تشمل أيضًا الثقافة والفكر والحضارة والعلم وهكذا، أي أن كلمات كثيرة بدأت تدخل.

كانت من ضمن الكلمات الثماني: المذهب، اختلف [معناه]؛ مذهب الشافعي، مذهب... لا أعرف أي طريقة، يقول لك: طريقتي خلوتية أو طريقتي شاذلية. أصبح هذا الكلام لا، لقد انسحب وأصبحت الطريقة معناها الأسلوب، يعني إلى آخر ما هنالك من احتلال أو اختلال أو تلبيس للمفاهيم.

بإزاء [ذلك] نتحدث عن كل هذا لماذا؟ حتى لا تكون هناك قطيعة معرفية بيننا وبين تراثنا، نقرأه ولا نقف عند مسائله، نستفيد منه ومناهجه الذي نستطيع أن نطبقه عليها أو نزيد فيها أو نحو ذلك.

خلاصة التفكير العلمي ككلمة حديثة تُضم إلى التفكير البَدَهي وختام الحلقة

يكون هو العلم. فكلمة التفكير العلمي كلمة حديثة، منها ما هو سطحي ومنها ما هو عميق، وتُضم إلى كلمة التفكير البَدَهي مثلًا.

[المذيع]: نعم، بارك الله فيكم مولانا، شكرًا جزيلًا لحضرتك.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: شكرًا جزيلًا، وشكرًا لكم مشاهدينا، واللقاء موصول في حلقة جديدة، إلى اللقاء.