تعرف على التفكير العاطفي مع د. علي جمعة #7 | درجات المعرفة
- •تناقش الحلقة أنماط التفكير المختلفة، حيث أشار الدكتور علي جمعة إلى أن الشخصية تتكون من عقلية ونفسية.
- •العقلية مبنية على قوة ربط المعلومات (الذكاء)، وتنقسم إلى قدرة الفهم وقدرة الحفظ.
- •أوضح أن الأفراد يتفاوتون في نسب امتلاكهم لقدرات الفهم والحفظ، مستشهداً بأئمة الإسلام كالإمام أحمد والإمام الشافعي.
- •التفكير العاطفي يرتبط بمعدل الذكاء العاطفي (EQ) بينما التفكير العقلاني يرتبط بمعدل الذكاء العقلي (IQ).
- •المدارس التربوية الحديثة تختبر النوعين معاً للوصول إلى شخصية متزنة.
- •ينتقل التفكير العاطفي من السطحي إلى العميق عندما يراعي المآلات وليس الظاهر فقط.
- •يصل التفكير العاطفي إلى مرحلة الاستنارة عندما يكون مرتبطاً بالله وغايته التقرب إليه.
- •التفكير الإبداعي هو الإنشاء على غير مثال سابق، وليس مجرد تقليد أو محاكاة.
مقدمة الحلقة والترحيب بالضيف للحديث عن أنماط التفكير المختلفة
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى مشاهدينا الكرام، وحلقة جديدة من درجات المعرفة. نستكمل إن شاء الله الحديث مع فضيلة الدكتور حول أنماط أخرى وأشكال أخرى جديدة من التفكير. استفدنا وتعلمنا كثيرًا في محطات سابقة من أنماط قد دلّنا عليها فضيلة الدكتور، ونرحب به وبكل تأكيد سعداء بأن جمعنا به لقاء جديد، الأستاذ الدكتور علي جمعة.
[الشيخ]: أهلًا بكم.
[المذيع]: أهلًا وسهلًا بفضيلتكم مولانا. هناك أنماط أخرى، يعني نجد أنه يُقال بأن هذا الشخص صاحب تفكير عاطفي، وهذا الشخص صاحب تفكير إبداعي، نود أن نتوقف مع فضيلتكم على بعض من هذه الأنماط؟
ضرورة الفهم قبل الحكم على التعبيرات البشرية المختلفة في التفكير
[الشيخ]: كما قلنا في حلقة سابقة أنه قد ظهرت تعبيرات مختلفة من جوانب مختلفة تعبر أيضًا عن تجربة البشر وعن مداخل ارتآها كثير من الناس في العالم، ونحن ليس لدينا أي مانع من الاستفادة من كل ما توصل إليه الذهن البشري وبما فتح الله سبحانه وتعالى عليهم.
ولكن يجب علينا أن نفهم قبل أن نتعامل، قبل أن نرفض، قبل أن نقبل، قبل ما ننقد، قبل أن ننقض، واحدة بالدال وواحدة بالضاد. وهكذا يعني لا بد علينا من الفهم أولًا.
التفكير العاطفي وقياس الشخصية المكونة من العقلية والنفسية
[الشيخ]: فالتفكير العاطفي والعاطفة أيضًا هذا كلام جديد، تعبير حادث، وجاء ابتداءً مما يُسمى بـقياس الشخصية. الشخصية هي عبارة عن مكون من العقلية والنفسية.
العقلية هي القدرة على الإدراك والتفكير والقدرة على الربط والتوليد. وقد ذكرنا المراحل السابقة وأنها سبعة: أن أتلقى، ثم أتصور، ثم أفهم، وبعد الفهم أحفظ، وبعد الحفظ أسترجع، ثم أربط، ثم بعد ذلك وهكذا إلى أن نصل إلى الأداء.
وقد حللوا الإنسان ووجدوا أن الشخصية مكونة من العقلية، وهذه العقلية مبنية على قوة ربط المعلومات، وسموا هذا بـالذكاء.
تعريف الذكاء بأنه قوة ربط المعلومات وعلاقته بالفهم والحفظ
[الشيخ]: فالذكاء ما تعريفه في أبسط معانيه؟ طبعًا ضع في اعتبارك أن كل واحدة من هذه فيها مدارس وفيها كلام وفيها هكذا. هنا نحن نذكر الخلاصة في هذا الشأن.
الذكاء هو قوة ربط المعلومات. عندما تأتي وتقول لي: عرّف الذكاء، أقول: قوة ربط المعلومات. تعني أن الشخص ذكي، وأنه لمّاح، أي أن لديه قدرة على الربط بين المعلومات بسرعة.
الذهن يتعلق بقضيتين: قضية الفهم وقضية الحفظ. في الزمن البعيد، عندما كانوا يريدون وضع مصطلحات، لم يكونوا يقولون حقائق فيزيائية للدماغ أو للعقل، بل كانت مصطلحات أخرى، فيقولون لك: اليبوسة والرطوبة.
مصطلحا اليبوسة والرطوبة ودلالتهما على قوة الحفظ وقوة الفهم
[المذيع]: اليبوسة والرطوبة!
[الشيخ]: ما هذه اليبوسة؟ قوة الحفظ التي تجعل الشخص يحفظ ما يسمعه من أول مرة هي يبوسة، هذا يعني أن عقله صلب كالحجر، أتفهم؟
[المذيع]: تُنقش المعلومات في دماغه مباشرة.
[الشيخ]: تُنقش في دماغه فورًا، وهناك روايات في التاريخ وعجائب من هذا النوع. وماذا عن الرطوبة؟ تعني قوة الفهم.
وأنهما لا يجتمعان بكمالهما، يعني إما أن تجد شخصًا شديد الفهم فتجد أن حفظه ضعيف نسبيًا، يمتلك ثلاثين في المائة من القدرة على الحفظ وسبعين في المائة في الفهم. وإما أن تجد شخصًا شديد الحفظ فتجد أن فهمه ليس بمستوى حفظه، أي أن الحفظ لديه سبعون في المائة والفهم ثلاثون بالمائة. لا أقصد أنه لا يفهم، ولكن معناه أن الفهم العميق الذي لدى الرطوبة أقوى من حفظه، والحفظ العميق الواسع الضخم بهذا الشكل يكون من يبوسة أو حفظ.
توضيح أن اليبوسة والرطوبة مصطلحات اصطلاحية وليست وصفًا حسيًا للعقل
[الشيخ]: إذا كان العقل فيه رطوبة ويبوسة، فهذه مصطلحات وليست وصفًا بأن العقل طري أو العقل ناشف أو العقل فيه ماء والآخر ليس فيه ماء. لا، هذه مصطلحات تُسمى هكذا.
دعنا نستخدم الفهم والحفظ، هذا أفضل لنتجنب اليبوسة والرطوبة حتى لا تُحدث إشكالات لدى المستمع. دعنا نقول الفهم والحفظ.
تطبيق مفهوم الفهم والحفظ على الإمام أحمد وأبي حنيفة والشافعي ومالك
[الشيخ]: لو تأملنا هكذا ورأينا مثلًا أننا نطبق [مفهوم الفهم والحفظ على] شخصًا مثل الإمام أحمد، إمام أهل السنة، الذي حفظ حفظًا بديعًا - يا أخي - إمام الأئمة، أمير المؤمنين في الحديث، شيخ البخاري، والبخاري جاء ليتعلم عليه. عندما نأتي في الفقه نجده ليس مثل أبي حنيفة، فأبو حنيفة فقهه واسع جدًا. وعندما نأتي في الرواية لا نجده [أبا حنيفة] مثل أحمد.
[المذيع]: فالحفظ والفهم، كل واحدة منهما تكون على درجات متباينة تزيد هذه وتنقص تلك والعكس صحيح.
[الشيخ]: هكذا بالضبط. عندما أذهب إلى الإمام الشافعي أجد أنه فهّامة ويحفظ، لكنه لا يؤدي [في الرواية] مثل الإمام مالك. فالإمام مالك قام بتأليف كتاب في الحديث وهو الموطأ.
ولذلك تجد المنح الربانية والمواهب الصمدانية تختلف، فهي ليست كمال اليبوسة وكمال الرطوبة وكمال الحفظ وكمال الفهم في شخص واحد. لا.
[المذيع]: هذا التنوع كله.
[الشيخ]: كل شيء له جوانبه.
الشخصية عقلية ونفسية والذكاء العقلي والعاطفي وأثرهما في التفكير
[الشيخ]: فيأتي في العقلية يدرسها لكي يدرس النفسية، لكي يدرس الشخصية؛ إذ إن الشخصية عبارة عن عقلية ونفسية. وأساس العقلية هو قضية ربط المعلومات التي قد تكون في جانب الفهم أو في جانب الحفظ. ربط المعلومات هذا هو الذكاء.
حسنًا، والنفسية هذه تحتاج إلى اتزان، تحتاج إلى شخص تربى على الحنان والأمان، تحتاج إلى شخص نشأ وهو مشبع بالحنان.
فأخذ يقول لك: ما هو الذكاء (IQ)؟ هذا الذكاء (IQ) يقيس النضج العقلي (Intelligent Quotient). والذكاء العاطفي (EQ) (Emotional Quotient) أي الذكاء العاطفي.
إذا كان معدل الذكاء العاطفي أعلى عند شخص ما، فإن تفكيره يكون عاطفيًا. وإذا كان معدل الذكاء العقلي أعلى عند شخص ما، فإن تفكيره يكون عقلانيًا. أتفهم ذلك؟
المدارس التربوية الحديثة تختبر الذكاء العقلي والعاطفي معًا لبناء شخصية متزنة
[الشيخ]: وكلا النوعين يشكلان الشخصية، ولذلك فإن المدارس التربوية الحديثة تختبر كلا النوعين وليس نوعًا واحدًا. في الماضي كان اختبار معدل الذكاء العقلي [فقط]، لكن الآن هناك الذكاء العقلي والذكاء العاطفي؛ لأنه لكي توجد شخصية متزنة عقليًا وعاطفيًا فهذه أمور حديثة ودخلت حديثًا في الحديث.
التفكير العاطفي الذي فيه أحيانًا ينجح الاجتماع البشري بالتفكير العاطفي أكثر من التفكير العقلاني. بالعاطفي يلاحظ هذه المسألة.
المتفوقون دراسيًا لا ينجحون دائمًا في الحياة وشعر أحمد شوقي يؤكد ذلك
[الشيخ]: كم شخص متفوقًا كان الأول على المدرسة لا على الجمهورية، وبعد ذلك هو نجح في حياته؟ وليس شرطًا أن نذهب إليه في حياته، التي هي ماذا؟ في العمل، حياته في الأسرة، حياته في الجيرة وهكذا. هل هو ناجح أيضًا؟ هو المتفوق الأول على هذا أم لا؟
فيلاحظ أحمد شوقي هذا الكلام ويؤلف قصيدة لطيفة جدًا، يا ليت أنها تُقرر على المدارس اسمها "كتابي". البيت الذي قبل الأخير يقول فيه ماذا أحمد شوقي؟
{وكم مِن نابغٍ في تلقي الدروس يتلقى الحياة فلم ينجب}
كم مِن شخص حصل على المركز الأول وحصل على درجة الامتياز في فصله وكان الأول على مدرسته.
[المذيع]: لكنه في حياته الإنسانية لم ينجح.
[الشيخ]: لم ينجح.
سبب فشل المتفوقين عقليًا هو انخفاض الذكاء العاطفي والحاجة إلى النضج النفسي
[الشيخ]: ماذا يعني هذا الذي ظهر [من فشل المتفوقين دراسيًا في الحياة] وذاك ما سببه؟ أن معدل ذكائه مرتفع جدًا، ولكن الذكاء العاطفي منخفض. فهو يحتاج إلى النضج العاطفي، يحتاج إلى كلام.
مرة أجرى شخص بحثًا لطيفًا جدًا، لكن لا أعرف أين ذهب هذا البحث. أخذ عينة منذ سنة ألف وتسعمائة وخمسة وثلاثين، الذي حصل أوائل الجمهورية في الثانوية العامة، وتتبعهم وأين ذهبوا بعد ذلك؟
لماذا لا نجدهم؟ لماذا لا نجد بعضهم؟ يعني مثلًا المتفوقين في الفنون، والآخرين المتفوقين في الآداب، والمتفوقين في الدين، أو علماء الدين، أو المتفوقين في السياسة، أو المتفوقين في مجالات أخرى. كم واحد منهم استمر بتميزه هذا؟ ومن هم؟ وإلى أين ذهبوا ولماذا لم يتصدروا المشهد؟
هل تنتبه أننا دائمًا نتذكر كلام شوقي: وكم من متفوق في تلقي الدروس لا يتفوق في الحياة.
سؤال المذيع عن مستويات التفكير العاطفي بين السطحية والعمق والاستنارة
[المذيع]: أستأذن حضرتك يا مولانا، وبعد الفاصل نعود لنعرف من فضيلتك هل أيضًا التفكير العاطفي يمكن أن يكون في نفس الوقت تفكيرًا سطحيًا أو عميقًا أو مستنيرًا؟ وهل الإنسان حينما تكون في داخله عاطفة ويتحرك ويحقق من خلالها موقفًا ما أو فعلًا ما، هل هنا ينتقل بها من السطحية إلى العمق؟ وكيف يمكن أن تصبح مستنيرًا؟ إن شاء الله بعد الفاصل ابقوا معنا.
أهلًا بحضراتكم مرة أخرى مشاهدينا، ونستكمل هذا الحديث الطيب مع فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة. مولانا أهلًا بحضرتك مرة أخرى. والتفكير العاطفي والبعد العاطفي وكيف يمكن أن يتحول من المستوى السطحي والتفكير السطحي إلى المستوى العميق، من مجرد شعور بالفرحة أو بالظلم أو بالانكسار، كيف يتحول إلى فعل، وبالتالي هذا الفعل يصبح مرحلة أخرى أعمق؟
الحكمة الإلهية هي ضابط التفكير العاطفي وتحوله من السطحي إلى المستنير
[الشيخ]: هذا يضبطه في قمة الضبط الخاص به، وكيف يتحول إلى المستنير بعد أن يمر إلى العميق، يضبطه قوله تعالى:
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 269]
فهذه الحكمة هي وضع الشيء المناسب في المكان المناسب، هي التي تحتاج في مسألة التفكير العاطفي إلى توازن. الحكمة هذه هي التوازن.
فنفسيته ليس لديها دافع للانتقام، وليس لديها دافع للغيرة، وليس لديها دافع للإفساد، ليس لديه دافع للهروب أو الانزواء إلى هذا أو ذاك. كانوا يقولون عندنا في البلد هكذا، يقولون إنه شبعان نفسيًا.
فهذا الشبعان، الذي هو الرجل الطيب، الرجل أو الإنسان الطيب، سواء كان رجلًا أو [امرأة] متزنًا.
التفكير العاطفي المستنير يسلم الأمر لله ويراعي المآلات لا الظواهر فقط
[المذيع]: ليس لديه ضغائن ولا مشاكل ولا حقد ولا كره.
[الشيخ]: ولا أي شيء، ولديه حكمة.
[المذيع]: حكمة.
[الشيخ]:
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 269]
فمتى نصل بالتفكير العاطفي؟ التفكير العاطفي إذا كان ظاهره الرحمة ويترتب عليه في مآله الفساد، مثل عطف الأم على أولادها دون النظر إلى عاقبة الأمور، وأن الأبناء هكذا سيسقطون في الامتحان أو الأطفال هكذا سيمرضون من هذا الحنان، فيكون حنانًا كاذبًا أو عاطفة كاذبة، وتكون متعلقة بالظاهر كما قال تعالى:
﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
لكن العميق هو الذي يجعل هذه العاطفة مراعية للمآلات. أنا سأرحمه لكن لكي أشعره بالحنان والأمان فتستقيم أموره، أنا سأعطف عليه لكن أريد من هذه العاطفة، ماذا سيحدث غدًا؟ لا أعطف عليه اليوم فيضيع في خضم الحياة غدًا. هذا يكون سطحيًا، لكن الذي يراعي المآلات هو الذي يكون عميقًا.
أما الذي يُسلّم الأمر لصاحبه ويؤدي الأمانة فهذا هو المستنير. من صاحبها؟ صاحبها الله.
حكمة شكسبير في تسليم الأمر لله وتوافقها مع حكمة علماء المسلمين
[المذيع]: ماذا يعني يا مولانا؟
[الشيخ]: شكسبير ورواياته فيها حكمة عالية في أمور غريبة جدًا، لدرجة أنهم قالوا: ما هذا؟ أهذا مسلم أم ماذا؟ ويقول لك الشيخ زبير: الأصل أنه كان مسلمًا وأشياء من هذا القبيل، هي لطيفة ومضحكة.
ما هي ميزة شكسبير في رواياته؟ مرة في مشهد من المشاهد التي عند شكسبير، الأم تشتكي، ذهبت للحكيم الذي في القرية أو شيء من هذا القبيل، تشتكي من ابنها. فقال لها: الكلب عندما ينبح أو يحدث ضجة أو ما شابه ذلك، نسلمه لصاحبه.
قالت له: لست أفهم، ابني كذا وكذا. قال لها: أقول لك إنه هكذا، سلّميه لصاحبه. قالت له: من صاحبه؟ قال لها: ربنا.
هل تنتبه؟ سلّمي، لا تقلقي عليه وسلّمي أمرك لله، اجعليه دائمًا مرتبطًا بالله، وليخف الله في السر والعلن لا أن يخافك أنت.
التفكير العاطفي يصبح مستنيرًا حين تُسلَّم العاطفة لله وتكون غايتها الله
[الشيخ]: فهذه الكلمة التي وردت عند شكسبير تعبر عما نريد قوله الآن، وهو أنه يا جماعة دعوا الأمر لصاحبه.
[المذيع]: أي اتركوه على الله.
[الشيخ]: اتركها على الله. حسنٌ جدًا، ولكننا لا نقول دعها على الله مباشرةً، بل نقول ماذا؟ اتركوا الأمر لصاحبه. ومن هو صاحبه؟ من صاحبه؟ ربنا. صاحبه ربنا، هو مالك الملك، وهو الذي بيده هذا الأمر.
انظر إلى كلام شكسبير وانظر إلى حكمة علماء المسلمين، إنها تقول نفس الحكاية. وهذه هي علامة صحة الحكمة.
فالتفكير العاطفي يكون مستنيرًا إذا سلمناها لله، إذا كانت هذه العاطفة تسلم الأمر لله.
[المذيع]: وفي النهاية نقول بأن هذه العاطفة مرهونة مثلًا بمشيئة الله أو برضا الله عن هذا الأمر.
[الشيخ]: إنها تريد أن تدفع الإنسان إلى ربه، هي تريد أن تدفع الإنسان حتى يدخل النطاق الإلهي الرباني فيكون عبدًا ربانيًا يقول للشيء كن فيكون. عندئذٍ نحن نريد هذا، نريد أن تكون غاية العاطفة هي الله، فإذا كانت كذلك فقد دخلت في نطاق مستنير.
التفكير الإبداعي يعني الإنشاء على غير مثال والفرق بين المبدع والسارق
[المذيع]: حسنًا يا مولانا، أشكر حضرتك حقيقةً على هذا الشرح في مسألة التفكير العاطفي، ولكن على الناحية الأخرى نقول والله إن هذا الرجل مبدع لديه تفكير خلاق وتفكير إبداعي. أيضًا كيف نستطيع أن نُخضع هذا النمط من أنماط التفكير ليكون متى سطحيًا ومتى عميقًا ومتى يصبح مستنيرًا، وله صلة مع الله؟
[الشيخ]: قضية التفكير الإبداعي هذه تحتاج إلى حلقة مستقلة؛ لأن ما الإبداع؟ الإبداع يعني الإنشاء على غير مثال، أي أنني سأصنع شيئًا لم يُصنع من قبل.
فيأتي شخص يسب الله ويقول لي هذا إبداع. لا، هذا ليس إبداعًا. شخص يسب المقدسات ويقول لي هذا إبداع، أو يسرق فكرة من غيره والسرقات لها أنواع كثيرة ويقول لي إنه مبدع.
من ضمن أنواع السرقات التي اكتشفناها ونحن نراجع أشياءً كثيرة في النتاج الفني والنتاج الأدبي والنتاج العلمي لبعض الناس: أن يرى شخص ما فكر فيه عمرو وقال شيئًا ما، فيأتي هو متأملًا إياها ويعرف بالضبط محورها، ثم يأتي بعكسها. انتبه، فهو يُعد سارقًا أيضًا؛ لأنه لم تأته هذه الفكرة، وإنما الذي قال ليس ما قاله عمرو.
[المذيع]: هو قال عكسه.
[الشيخ]: لكنه قال عكسه، هل تفهم؟ فكل هذا الهراء ليس إبداعًا.
الفرق بين المبدع الحقيقي والحرفي الذي ينسخ ويحاكي دون ابتكار
[الشيخ]: الإبداع هو ما يكون على غير مثال سابق. الإبداع يحتاج إلى معاناة، ولذلك المبدع هذا قليل، والمبدع هذا غير الصانع الذي أتقن صنعته.
فالذي ابتكر الخط العربي ابن مقلة، هذا مبدع. لكن الذي [يكتب] الخط العربي وخطاط جيد جدًا، ونجيب يصنع اللوحات وما شابه ذلك، هذا حرفي. هذا لم يبدع الخط العربي.
الذي صمم الزخرفة هو مبدع، والذي صنع المشربية هو مبدع. أما النجار الذي يصنعها الآن فهو حرفي فقط، مجرد ينسخ ويحاكي شيئًا.
التفكير الإبداعي مدخل كبير للتدليس ويحتاج حلقة مستقلة للتفصيل فيه
[الشيخ]: إذن، هذا التفكير الإبداعي هو ما سنتحدث عنه بالتفصيل إن الله هكذا يسمح لنا ببرنامج، يعني حلقة بحلقة عن التفكير؛ لأنه هذا مدخل كبير جدًا للتدليس والتلبيس. يقول لك على كل شيء أن هذا مبدع وهو جالس يقلل أدبه والتجاوزات التي ليس لها نهاية، ثم يقول لك أنا مبدع.
[المذيع]: هذه حرية إبداع في النهاية.
[الشيخ]: الحرية شيء والإبداع شيء آخر. قضية أن الإنسان يفعل ما يشاء هكذا وهو مضبوط بضوابط اجتماعية. فحتى الآن في أمريكا المخدرات محرمة، بينما أجازوها في السويد والنرويج والدنمارك وهولندا وبلجيكا، لكنهم لم يجيزوها في أمريكا. وما زال ممنوعًا أن يمشي أحد عاريًا في الشارع في أمريكا، ممنوع. هذه ليست حرية.
فنحن يجب أن نفهم ما يقوله ديننا وما تريده طبيعتنا، وما هي الأشياء الشائعة والمفاهيم قبل أن نتعامل معها؟ يجب أن نفهم.
درجات المعرفة لا نهاية لها والإبداع يحتاج حلقة خاصة للتفصيل
[الشيخ]: هل أنت منتبه؟ وهذا ربما ما يشير إليه برنامجك هذا، وهو درجات المعرفة. نعم توجد درجات، وكلما ترتفع تصل إلى السماء في الدرجات.
ولكن الحقيقة أنه لا نهاية لهذه الدرجات، لا نهاية لها. وإنما لا نريد أبدًا ونحن في درجاتنا العُليا أن ننزل دركات حتى نصل إلى الدرك الأسفل من النار والعياذ بالله تعالى.
لا، هذه سنخصص لها حلقة للإبداع ونرى أصله من فصله ونتحدث فيه بتوسع.
[المذيع]: إن شاء الله بإذن الله، أشكر فضيلتك شكرًا جزيلًا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: شكرًا لحضرتك.
