تعرف على العقلية الفارقة مع د. علي جمعة #9 | درجات المعرفة
- •العقلية الفارقة هي منهج يميز بين المتشابهات، ويفرق بين الدين والتدين، والعلم والمعلومات، والقطعي والظني.
- •العلم ليس مجرد معلومات مكدسة، بل هو منهج وشبكة من القواعد وتدريب وتربية ينتقل عبر المعلم.
- •المعلومات مثل أجزاء سيارة مفككة في صندوق، أما العلم فهو السيارة المركبة القادرة على أداء وظيفتها.
- •العقلية الفارقة تتطلب وجود شيخ أو مرشد ينقل المعارف ويراكمها، فالعلم لا يُنال إلا بشروط ستة منها إرشاد الأستاذ.
- •الفرق بين المعنى اللغوي والاصطلاحي مهم، فالخلط بينهما يؤدي إلى ضياع المفاهيم.
- •العقلية الفارقة تقتضي عدم الاعتراض على ما لا نعلمه، بل السؤال والاستفسار.
- •لكل تخصص مرجعية (أثورتي) هي الجهة المختصة بالعلم والخبيرة ببواطنه.
- •العقلية الفارقة ليست حكرًا على أحد لكنها تكون بدرجات متفاوتة، أقلها إدراك ضرورة سؤال أهل الذكر.
مقدمة البرنامج والترحيب بالدكتور علي جمعة للحديث عن العقلية الفارقة
[المذيع]: تحيةً لكم مشاهدينا الكرام، وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج درجات المعرفة. تحدثنا مع فضيلة الدكتور في حلقات سابقة عن أنماط وأنواع للتفكير، وتحدثنا عن شكل من أشكال العقلية أو نمط من أنماط العقلية، ألا وهو العقلية الهشة.
اليوم نتحدث عن عقلية أخرى، والعكس تمامًا، ربما تكون هي العقلية الفارقة؛ مصطلح في الحقيقة الدكتور علي جمعة دائمًا ما يردده في أوقات معينة أو في مناسبات معينة. لعل هذه فرصة طيبة بأن نتوقف في وقت ربما يكون كافيًا بإذن الله لكي نتعرف على هذا المصطلح.
اسمحوا لي أن أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بحضرتك.
العقلية الفارقة نقيض الهشة والفرق بين العلم والمعرفة العامة
[المذيع]: أعتقد على العكس تمامًا من العقلية الهشّة تأتي العقلية الفارقة التي دائمًا ما ينادي بها مولانا أن يكون عليها الشخص المسلم أو العقلية المسلمة، أليس كذلك؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذا الذي تربينا عليه في أروقة الأزهر الشريف على يد الأساتذة الكبار الكرام.
الفرق بين العلم وبين المعرفة العامة [أي الثقافة]؛ كانوا يسمونها لغة الجرائد. اليازجي عندما ألف كتابه وسماها لغة الجرائد السيارة التي تدخل كل البيوت فيقرأها كل الناس؛ هذه ثقافة لا بأس بها ولا بد منها أيضًا، ولكنها تقف عند الوصف السطحي للأمور وليس العميق ولا المستنير في كثير منها، حتى ما يتعلق فيها بالدين.
العلم بالقطارة وليس بالكومة ومنهج التعلم عند المشايخ
ولكن كان مشايخنا يقولون لنا عبارة هكذا تعبر عما نحن نخوض فيه الآن، يقول لك: العلم بالقطارة وليس بالكومة؛ فهو ليس كومة هكذا تأخذها وتنتهي وأنت لا تعرف مكونات هذه الكومة.
نعم، العلم بالقطارة يا أبناء وليس بالجملة؛ لأن العلم بالقطارة، كنا نقف عند كل حرف وليس كل كلمة، فالكلمة تعتبر كثيرة، بل نقف عند كل حرف لندرس علاقة ذلك الحرف بما بعده.
تلك العلاقات التي ليست مذكورة أمامي، وإنما نشأت من وجود ذلك الحرف مع تلك الكلمة، مع هذا الاسم مثلًا، أو هذا الحرف مع هذا الفعل مثلًا، أو هذا الاسم مع هذا الفعل أو كذا. نشأت علاقة: أين هذه العلاقة وماذا تقول وما يترتب عليها، ثم البحث في شبكة تلك العلاقات.
العقلية الفارقة منهج يفرق بين الفعل الماضي والمصدر والحدث
الحقيقة أن هذا المنهج هو العقلية الفارقة؛ إنه منهج يأتي ليفرق. لماذا ما بين ضَرَبَ، يَضرِبُ، ضَربًا؟ ليس الكل واحدًا، لا، ليس واحدًا. هذه "ضَرَبَ" هذا فعل ماضٍ، والفعل الماضي هو حدث وقع في الزمن السابق.
حدثُ [الضرب] الذي هو الضرب، فما علاقة "ضَرَبَ" بـ"ضَرْب"؟ إن هذا الحدث وقع في الزمن الماضي. فكلمة "ضَرَبَ" تحتاج إلى ضارب (فاعل) ومضروب (مفعول به) وحدث بينهما وهو الضرب، وأن يكون كل ذلك في الزمن الماضي.
إذن أربعة عناصر بدلًا مما كانت "ضَرَبَ" هذه كلمة واحدة أقرأها هكذا كيفما اتفق. وأوقفني [الأستاذ] عندها وأخرج لي منها الزمان، وأخرج لي منها الفاعل، وأخرج لي منها المفعول، وأخرج لي منها الحدث.
التفريق بين الحدث في الخارج وصورته في الذهن وأصل الاشتقاق
ويجلس [الأستاذ] الآن يُعيشني في حكاية الحدث هذه ويقول لي: هذا الحدث في الخارج أم في الذهن؟ لا، هذا الذي في الذهن صورته. فبقي هناك حدث في الخارج الذي هو الضرب؛ هذا الذي هو يدٌ أتت على جسم شخص آخر، ضارب ومضروب، فحدث ضرب.
وبعد ذلك توجد صورة في الذهن، والصورة التي في الذهن هذه هي الأساس أم الحدث هو الأساس في الاشتقاق؟ في اشتقاق "ضَرَبَ" هذه. فيقول: هذا البصريون قالوا هكذا والكوفيون قالوا هكذا.
فالكوفيون يقولون أصل الاشتقاق الفعل، والبصريون يقولون لك أصل الاشتقاق الحدث فسموه مصدرًا. هل هناك فرق بين المصدر وبين الفعل؟ قال لي: نعم. إذن ما هو الفرق؟ ويُدرِّسوننا هذه القضية.
تأسيس العقلية الفارقة للتمييز بين الظني والقطعي والدين والتدين
وبعد ذلك يقولون: لماذا نخبرهم بهذا؟ يقول: لأجل العقلية الفارقة. كل هذا يؤسس للعقلية الفارقة. العقلية الفارقة لكي عندما أقرأ القرآن أميز بين الفعل الماضي وبين الفعل المضارع "يضرب" وبين المصدر "ضرب"، وبين علاقة ذلك بما هنالك.
وكيف يبني هذا فهمًا عميقًا ننطلق منه لاستنباط الأحكام. جميل، ننطلق منه لاستنباط نظام للأخلاق، ننطلق منه لاستنباط نظام للتوثيق، ننطلق منه لتقسيم الدنيا إلى ظني وقطعي.
وبدأ الذهن يعمل على أن هناك فارقًا كبيرًا بين الظن والقطع، وأن هناك فارقًا كبيرًا بين الدين والتدين، وأن هناك فارقًا كبيرًا بين العلم والمعلومات.
الفرق بين العلم والمعلومات ونمط المثقف الذي يدّعي المعرفة في كل شيء
وهكذا فانظر إلى الفرق بين العلم والمعلومات؛ تجد أن أحدهم قرأ لك مائة كتاب ولكن ما تعلّم العلم وهو قد قرأ مائة كتاب. أرى الآن نمطًا من المثقفين أو من الأشخاص يقول: أنا قارئ في كل الموضوعات، فأعلم شيئًا عن كل شيء، وأنا بالتالي مثقف، من حقي أن أدلي برأيي في أي موضوع، حتى في الدين، حتى فيما أنا غير متخصص فيه.
كان لدينا قديمًا في مجال الطب مجلة تصدر هنا في مصر كان اسمها مجلة الدكتور، وبعد ذلك بعدما أُغلقت مجلة الدكتور - توفي أصحابها أو ما شابه ذلك وأُغلقت - فقاموا بافتتاح مجلة أخرى اسمها طبيبك الخاص، وأظن أن جريدة الأخبار أو الجمهورية أصدرت الكتاب الطبي.
حفظ المعلومات الطبية لا يصنع طبيبًا والعلم منهج وتدريب وتربية
وذهبت أنا وحفظت كل هذا، هل أصبحت طبيبًا؟ إنني أحفظه حفظًا. أنا أعرف أن فيتامين ب يدخل الجسم عند الأصيل، أنا أعرف، ولا أعرف ماذا يفعل كذا عندما يحدث كذا. عندما تعرف هذه معلومات وليست علمًا.
العلم منهج، العلم قواعد، العلم تدريب، العلم تربية. العلم يجب أن تذهب إلى يد الطبيب لكي تعرف كيف يشخص؛ أول شيء التشخيص. لن تعرف هذه العلوم في هذه المجلات، ولا إذا حفظتها، ولا إذا استرجعتها، ولن تعرف كيف تجمع بينها.
هل العقلية الفارقة حكر على أهل العلم أم يمكن لكل مسلم امتلاكها
[المذيع]: إذن هل العقلية الفارقة هي عقلية فقط لأهل العلم ولأهل الاختصاص؟ هل هي حكر عليهم أم أنها من الممكن أن تكون عقلية تميز أي شخص مسلم على اختلاف مستواه التعليمي أو الثقافي؟
[الشيخ]: هم درجات عند ربهم، هم درجات المعرفة، درجات المعرفة؛ لأن هناك من يفهم أن العقلية فارقة فيقول لك: أعطِ الخبز لخبازيه. طبعًا، ويقول: أهل التخصص، فاذهب إلى الطبيب، تريد هندسة اذهب إلى مهندس، وهكذا.
بالرغم من أنني أعرف جسمي جيدًا جدًا من ناحية الوقاية من الجراثيم والنظافة وما إلى ذلك، لكن هذه قضية أخرى غير قضية التطبيب؛ فالتطبيب له ترتيب ونظام وشبكة معلومات وهكذا.
العقلية الفارقة موجودة بدرجات مختلفة وأولها سؤال أهل الذكر
فالعقلية الفارقة، نعم، يمكن أن تكون موجودة عند كل شخص بدرجات مختلفة. أولها أنه يفهم أنه يجب أن يذهب ويسأل أهل الذكر إذا كان لا يعلم.
أسباب تحول بعض الشخصيات إلى هشة رغم تعرضها لنفس المدخلات المعرفية
[المذيع]: حسنًا، المفترض أن العقلية المسلمة أو الشخص المسلم ابتداءً من الصغر وحتى الكبر يتعرض تقريبًا لنفس المدخلات العقلية ونفس المؤثرات المعرفية من الكتاب ومن السنة ومن حتى طريقة التنشئة أو التربية والتعاليم، ولكن نجد في مرحلة من المراحل أن هذا يتمتع بشخصية فارقة وهذا يتحول إلى شخصية هشة. ما السبب في ذلك مولانا؟
[الشيخ]: نحن لدينا منظومة التعليم وهي: الطالب، والأستاذ، والمنهج، والكتاب، والجو العلمي المحيط به. ودرجاتها: التربية والتعليم والتدريب. ولا بد أن تتم هذه الأمور بهذه الكيفية.
ولو حصل خلل في عنصر من العناصر؛ كما لو كان الطالب لا يريد أن يكون طالبًا، أو صفاته ليست هي صفات الطالب المحترم المعتبر، أو كان الأستاذ كذلك كان جاهلًا مثلًا بمادته، أو كان غير محيط بطرق تربيته، أو كان الكتاب مختلًا، أو المنهج مختلًّا، أو كذا؛ أي عنصر من هذه العناصر أو أي درجة من هذه الدرجات الثلاث يحدث هذا الخلل على الفور.
مشكلة التعليم وأثرها في إضعاف العقلية الفارقة ولا نهضة إلا بالتعليم
فمشكلتنا في التعليم، سواءً كانت هذه المشكلة في الأزهر مثلًا، أو في التعليم العالي، أو في التعليم ما قبل الجامعي، أو في التعليم العام كله؛ فيه مشكلة أن هذه الأنظمة قد تضررت وتوالى عليها الزمن في إضعافها.
ولذلك نحن نقول: لا نهضة لنا ولا قوة لنا ولا حراك لنا إلا بالتعليم. وأمم كثيرة مثل شيلي وكوريا وجنوب أفريقيا وإسبانيا اهتموا بالتعليم وانتهى الأمر تمامًا.
إذن أنا رتبت هذه المراتب وعرفت، وكل شخص سيعرف حقه وسيرفض أن يتدخل في غير تخصصه، ولا يدعي المعرفة مثل ذلك المتطفل.
كيف يطور الإنسان العادي عقليته ليصبح من أصحاب العقلية الفارقة
[المذيع]: حسنًا، بالنسبة للمسألة التي ذكرتها أن البشر درجات أو العقليات درجات، كيف يمكن للإنسان العادي الذي لم يتعرض منذ نعومة أظافره لفكرة الارتقاء أو التأسيس حتى يكون عقلية فارقة ويريد أن يتطور أو يطور من عقليته؟ كيف مولانا يمكن للإنسان أن يطور من عقليته لكي يصبح من أصحاب هذه النوعية من العقليات الفارقة؟
[الشيخ]: لا بد أن يكون له شيخ، لا بد أن يكون الذي نسميه الأستاذ. نعم، الذي نسميه المربي المرشد، سمِّه كما تشاء، ولكن لا بد أن تنتقل المعارف وتتراكم.
صحيح لو أن شخصًا أراد أن ينظر كما رأى أديسون إبريق الشاي وهو كذلك، فعرف أن للبخار قوة، سنبدأ من جديد ونحن نسير القطارات بالطاقة الذرية والطاقة الشمسية وهكذا وكذلك.
ضرورة الانطلاق من الحالة الراهنة للعلم وأركان تحصيل العلم الستة
لا بد أن أرى العلم ما نهايته، وما هي الحالة الراهنة [التي وصل إليها العلم]، وأنطلق من هذه الحالة الراهنة. لكن لو بدأت من البداية فلن أصل إلى شيء.
نعم، فلا بد علينا أن نتخذ [ما قاله الشاعر]: أخي لن تنال العلم إلا بستة، سأخبرك عن تفسيرها ببيان: ذكاء وحرص واجتهاد وبُلغة وإرشاد أستاذ وطول زمان.
انظر، ها هو الإرشاد والأستاذ ركنٌ من أركان هذا البناء للعقلية. وبدون هذا لا يمكن أن يتخرج طبيب، لا يمكن. وعلى فكرة، لو ادّعى الطب سيقبضون عليه بموجب القانون المعتبر في العالم كله؛ لأنك تمارس مهنة لم تُجَز فيها وليس لك فيها حق.
من يدّعي علمًا لم يتأهل له يستحق العقوبة لا المدح
حتى لو، حتى لو نجح [في علاج مريض مثلًا]، سيكون ذلك حقه في العقوبة وليس حقه في المدح أو الإطراء.
[المذيع]: نعم، بارك الله فيكم مولانا. أستأذنك لنخرج لفاصل ونستكمل إن شاء الله معكم بعد الفاصل.
هل تُبنى العقلية الفارقة على المعلومات أم على العلم وتعريف العقلية الفارقة
[المذيع]: أهلًا بكم مرة أخرى مولانا. قبل الفاصل تحدثتَ مشكورًا عن العقلية الفارقة وتأسيس العقلية الفارقة. هل تُبنى العقلية الفارقة فقط على المعلومات أم على العلم، وما الفرق بينهما؟
[الشيخ]: العقلية الفارقة هي حالة منهجية يستطيع بها الإنسان أن يميز بين المتشابهات. هذه المتشابهات ضربنا مثالًا فيها ونعود إليه مرة أخرى: بين العلم والمعلومات.
العلم شبكة، العلم منهج، العلم قواعد، العلم كتب معتمدة، العلم له جماعة علمية تُعَدُّ مرجعًا. يقولون بالإنجليزية "أُثوريتي" تعني المرجع. يقول لك: أنت لديك مرجعية في هذه المسألة أم لا؟
المرجعية العلمية وعدم التكلم فيما لا يعنيك والفرق بين العلم والثقافة
فإذا كنت مرجعًا في هذه المسألة، فينبغي أن يُسألك؛ لأنك ستكون خبيرًا ببواطن الأمور فيها وبمسار طريقها. إذا لم تكن مرجعًا (أُثوريتي)، فلماذا تتكلم إذن؟ أنت تتكلم فيما لا يعنيك، لماذا؟
فالقضية هنا أن هذا هو العلم. أما الثقافة والمعلومات والآراء وعرضها، لا، هذا فيه حرية القول؛ قل ما تريده فيها. وهم يعرفون هذه المسألة، وسيرتبون عليها قبولًا أو ردًّا أو عدم اعتبار، أو أنه يستمع إلى رأي جديد لعله أن يكون فيه خير، ويُعرض على المختصين فيعمل كذا وكذا، فتاركين هذا.
لكن هذا [الرأي غير المتخصص] ليس عمدة، ليس معتمدًا، إنما هو موجود غير معتمد. أما هذا [العلم] فموجود ومعتمد.
قصة الصحفي وعلبة الدواء والفرق بين الاعتراض الجاهل والسؤال العلمي
لا يمكن أبدًا للطبيب، يعني مثلًا مرة أحد الصحفيين غضب جدًا: لماذا تصنعون علبة الدواء فيها ثلاثون حبة مثلًا، ثم المريض يأخذ منها خمس عشرة فقط؟ أليس هذا هدرًا؟
فردوا عليه أن هذا إلى أن وصلنا إلى أن هذه تكون ثلاثين، هذه قصة طويلة أنت لا تعرفها. قال: حسنًا، لِمَ لم تخبرونا؟ أتدرك؟
انظر إلى الفرق بين الثقافة أو المعلومات وبين العلم. هم الذين يقولون: تعال وادرس في كلية الصيدلة علم الأدوية وأسس علم الأدوية وتقسيمات علم الأدوية، وأنت تعرف هذه الحكاية، وأنت هكذا، وأنت تتحدث؟ هذا ليس هدرًا.
أدب السؤال وسؤال أهل الذكر بدلًا من الاستنكار والاستهجان
إنه إذا تحدثنا [أهل العلم]، فلا تتكلم معترضًا، وإنما تكلم سائلًا. هذا صحيح:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
لا تجعل نفسك تعرف كل شيء، ثم تأتي وتستنكر وتستهجن هكذا. اسأل أولًا قبل أن تستهجن، نعم، اسأل أولًا.
العلم يؤدي إلى بروتوكول وقواعد منضبطة في الممارسة المهنية
فانظر، العلم يؤدي إلى ما يسمونه بـالبروتوكول؛ فلا تصلح الفظاظة. تُؤاخَذ قانونًا إذا أجريت هذه العملية، تخسر ماديًّا، وتؤدي إلى أذية طبية.
لكن بناءً على القواعد المرسومة بالطريقة المحددة، أصبح هناك علم يُسمى علم الصيدلة. وهذا العلم هو الذي بمقتضاه نضع في العلبة كمية معينة أو لا نضع فيها كمية معينة، أو نستعملها بعد فتحها لمدة كذا، أو متى تاريخ الانتهاء؟
وقد تكون الفعالية لا تزال موجودة، لكن تاريخ الانتهاء هذا وُضِع وفقًا لماذا؟ أليس خسارة أن نرميه؟ لا، ليس خسارة، بل يجب عليك رميه بعد أن يتجاوز تاريخ الانتهاء.
كل تفاصيل الدواء محسوبة علميًا ومن يعترض بلا علم يفتقر للعقلية الفارقة
والعرض وكيفية التخزين وكيفية النقل وكيفية الاستعمال؛ كل هذه الأمور محسوبة وكلها علم ولها علماء. فعندما تأتي لتعترض على معلومة، فأنت ليس لديك عقلية فارقة تفرق بين العلوم والعلم والمعلومات.
كذلك، العقلية الفارقة تفرق ما بين العام والخاص، وتفرق بين القطعي والظني، وتفرق بين الدين والتدين، وتفرق ما بين النص ومفهوم النص.
الفرق بين النص ومفهوم النص وضرورة سؤال أهل الذكر قبل الاعتراض
هناك فرق كبير بين النص وبين مفهوم النص. أحيانًا الناس يعترضون على النصوص، نعم، [لكن في الحقيقة] فهمهم هو الذي فيه الاعتراض. أو يعرف النص ولا يعرف مآله، ولا يعرف الغرض منه، ولا يعرف علاقته مع النصوص الأخرى، فينكره أو لا يدخل عقله كما يقول.
صحيح، لكن لو أنه سأل أهل الذكر عن هذا الأمر، فإنهم سيوضحون له. وبذلك أكون أنا ينبغي بالعقلية الفارقة ألا أعترض وألا أهدم العلوم، بقدر ما يجب عليّ أن أسأل وأستفسر عن كل ما يُشكِل عندي وكل ما يثور في ذهني.
حتى تزول هذه الصورة القاصرة أو الصورة المشوهة أو الصورة الخاطئة التي قامت في ذهني. هذه هي العقلية الفارقة، وتأسيسها في النهاية يؤدي فعلًا [إلى التمييز بين] الفرق بين العلم والمعلومات.
هل يمكن للتراكم المعلوماتي أن يحل محل العلم والتخصص الأكاديمي
[المذيع]: حسنًا، يوجد بعض الأشخاص يا مولانا يحاولون أن يبنوا عقليتهم أو يبنوا ثقافتهم على التراكم المعلوماتي فقط، دون أن يحصلوا على علم واحد بشكله الأكاديمي أو بشكله المتعارف عليه. فهل من الممكن أن هذا التراكم المعلوماتي يمكن في النهاية أن يحل محل العلم ومحل التخصص والدراسة والدراية التامة بكل التفاصيل؟
[الشيخ]: لا يمكن إطلاقًا أن تكون السيارة المفككة على صورة أجزاء موضوعة في صندوق تؤدي مثل السيارة المركبة الجاهزة للاستعمال. هذه هي القضية، هذا هو العلم والمعلومات.
مثال السيارة المفككة والمركبة للتفريق بين المعلومات المتناثرة والعلم المنظم
فنحن مثلًا في بلاد تستورد السيارات، فتأتي السيارة مفككة من الخارج على صورة صندوق. ماذا أفعل بهذه السيارة؟ كيف أصل إلى مشواري؟ لن ينفع أن تُجمع [بطريقة عشوائية]، بل لا بد أن تُجمع [بطريقة علمية صحيحة]. هذا التجميع هو الذي يُنشئ هذه السيارة، هذا أصبح العلم هنا، أصبحنا قد وصلنا إلى العلم.
فإذا كنا سنستطيع بما في الصناديق أن نصل، أو أنه في يوم من الأيام سيُكتفى بالصناديق، فإذن سنجلس نبكي بجوارها ولن نصل إلى هدفنا ولا إلى مكاننا الذي نريده.
المعلومات المتناثرة قد تكون مفيدة لكنها ليست علمًا ولا توصل للهدف
صحيح أن السيارة مصنوعة للنقل؛ لنقل الإنسان ولنقل البضائع ولنقل الحاجة من مكان إلى مكان بحركة منتظمة آمنة سريعة. لكن ما في الصناديق هذا لا يصلح؛ لأنه وإن كان ذا فائدة أنه يمكن أن يكون مهيئًا لهذا، وإن كان ذا فائدة أنه يمكن استعماله كقطع غيار.
لكن مع هذه الفائدة إلا أنه ليس علمًا، ليس سيارة، ليس موصلًا للهدف. الذي يوصل للهدف هو العلم، هو السيارة، هو الصورة الكاملة وليس الصورة المفرطة [المفككة] لذات نفس المادة.
مفهوم العلم اصطلاحًا والفرق بين الدلالة اللغوية والاصطلاحية للعلم
[المذيع]: طيب، إذن مولانا أرجوك أن توضح لي مفهوم العلم، إذ إنه إذن ليس مجرد مكون معرفي أو مجموعة معرفية من المعلومات. ليست مجرد كل المعلومات التي أجمعها في شأن من الأمور فإذن أنا عالم في هذا الأمر أو لدي علم في هذا الموضوع.
[الشيخ]: هناك حاجة تسمى الاصطلاح، هو الذي سيفك هذه المسألة. فنحن لدينا دلالات للألفاظ. فما هو العلم في اللغة؟ هو المعرفة وهو الإدراك. هذا في اللغة.
حسنًا، عندما ننتقل إلى الفنون والآداب والعلوم المختلفة؛ أصبحنا في الطب، أصبحنا في المحاسبة، أصبحنا في الهندسة، أصبحنا في علم النفس، أصبحنا في كذا إلى آخره. ما معنى العلم هنا؟
العلم اصطلاحًا هيكل من القواعد والمناهج والخلط بين اللغوي والاصطلاحي يُضيع الحقائق
فالعلم يمكن في اللغة أن يكون على المفردات هذه، لا يوجد مانع لغةً. لكن اصطلاحًا لا بد أن يكون هيكلًا وشبكة من القواعد والمناهج والمقالات والمصطلحات والكتب المعتمدة والجماعة العلمية إلى آخره.
فالعلم هنا [في الاصطلاح] غير العلم هناك [في اللغة]. فعندما آتي وألعب هذه اللعبة وأتحدث بالكلام اللغوي في الكلام الاصطلاحي، يصبح الأمر مخلوطًا.
مثلًا كلمة الصلاة، ماذا تعني في اللغة؟ تعني أن الصلاة هي الصلة، العلاقة بين اثنين. والعلاقة بين اثنين هذه غير أنه أُكبِّر واقرأ واركع وأقوم وأسجد وأعبد ربنا هكذا.
﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [العنكبوت: 45]
فيأتي شخص يتغابى ويقول: عملت هكذا. الباطنية قال لك: الصلاة هي ماذا؟ هي شيء، صلة بين اثنين. حسنًا، أنا بيني وبين ربي عمار، ولا يصلي الظهر ولا العصر. يتلاعب فيما بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؛ سيضيع الدين ويضيع الدنيا معًا.
دلالة الألفاظ والتلاعب بالمصطلحات ناتج عن التفلت من العلم الحقيقي
هناك معانٍ كهذه، هناك شيء يسمى دلالة الألفاظ. المعنى اللغوي شيء، لكن المعنى الاصطلاحي شيء آخر، وإن كانت بينهما صلة كالصلة بين المعلومات والعلم. لكن مع وجود هذه الصلة إلا أن هذا ليس هذا.
وهذا هو التلاعب الذي هم طوال النهار يجلسون يتلاعبون بقضية المصطلحات. وهي في الحقيقة ناتجة عن التفلت؛ فهو يريد أن يتفلت ويريد أن يتكلم ويعتبر نفسه قادرًا على القول في كل شيء، ويعتبر نفسه أن هذا ليس من قبيل العلم بل هو من قبيل العلم [أي يخلط بين المعنيين].
وكل جانب من هذه الجوانب فيها علم. وربنا يشير إلى ذلك بقوله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
العلم المستنير في القرآن يؤول إلى ضراعة القلب لله سبحانه وتعالى
ربنا في القرآن يتحدث عن العلم المستنير؛ العلم الذي يؤول في النهاية إلى ضراعة القلب لله سبحانه وتعالى.
[المذيع]: نعم، بارك الله فيكم مولانا، شكرًا جزيلًا لحضرتك، والشكر موصول لحضراتكم إلى [لقاء آخر بإذن الله].
