تعرف على اهتمام المسلمين بالعلم مع د. علي جمعة #10 | درجات المعرفة
- •تناول الدكتور علي جمعة مفهوم العلم من زوايا متعددة، مميزاً بين معانيه المختلفة في اللغة والشرع والاصطلاح والعرف.
- •العلم في اللغة هو حدوث صورة الشيء في الذهن، وفي الشرع هو ما يوصل إلى معرفة الله تعالى.
- •في الاصطلاح العلمي، العلم هو الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل.
- •شرح واضع اللغة بذكر أربعة أقوال، رجح منها أن الله هو واضع اللغة.
- •أوضح علم الوضع الذي ميز بين مدلولات الألفاظ في الملفات المختلفة: اللغة والشرع والاصطلاح والعرف العام والعرف الخاص.
- •ناقش تراجع الإنتاج العلمي للمسلمين بسبب الصدمة مع الحضارة الغربية والاستعمار.
- •أشار إلى دور العلماء كالشيخ حسن العطار ورفاعة الطهطاوي في محاولة إدراك سر تقدم الغرب.
- •أكد أن الحملة الفرنسية قضت على النهضة الشرقية بقتل العلماء.
- •دعا إلى وضع نقطة وبداية جديدة للعودة إلى الحضارة المادية عبر التأسيس العلمي والعقلي.
مقدمة الحلقة واستكمال الحديث عن الفارق بين العلم والمعلومات
[المذيع]: تحيةٌ لكم مشاهدينا الكرام، في حلقةٍ جديدةٍ من برنامج درجات المعرفة. اليوم نستكمل ما كنا بدأناه في حلقةٍ سابقةٍ مع فضيلة الدكتور حول العلم، الفارق ما بين العلم والمعلومات. تحدَّث فضيلته عن هذا الفارق وكذلك معايير العلم.
اليوم نتحدث عن العلم واهتمام المسلمين بالعلم وتحصيل العلوم عبر القرون والأزمنة المختلفة. أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بفضيلتكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: أهلًا وسهلًا بحضرتك مولانا، بناءً على ما سبق، كيف ثمَّن وكيف أعطى المسلمون للعلم قدره؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أشرنا في حلقة سابقة إلى أن هناك فارقًا في مدلول الألفاظ ما بين الجانب اللغوي والجانب الفني والاصطلاحي.
علم الوضع عند المسلمين وجعل اللفظ بإزاء المعنى
[الشيخ]: وفي الحقيقة، هذا [الفارق بين المدلولات اللغوية والاصطلاحية] أسماه المسلمون بـعلم الوضع. وعلم الوضع معناه عندهم جعل اللفظ بإزاء المعنى.
وهذه الأوضاع، لأنها ليست وضعًا واحدًا، فهناك وضع في اللغة؛ لغة العرب التي كان يتكلم بها سيدنا النبي ﷺ، التي كان يتكلم بها الصحابة الكرام فمن بعدهم إلى يوم الناس هذا، تُسمى باللغة العربية، وفيها ألفاظ بإزاء معانٍ.
الأقوال الأربعة في أصول الفقه حول واضع اللغة العربية
[الشيخ]: فمن الواضع لهذه اللغة العربية؟ يوجد عندنا أربعة أقوال في أصول الفقه حول من الذي وضع هذه اللغة:
القول الأول: أنه الله، وهو الراجح؛ لقوله تعالى:
﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]
القول الثاني: أن البشر هم الذين وضعوا قواعد اللغة، مثل أن كلمة "أسد" تعني الحيوان المفترس هذا، وأن كلمة "سماء" هي التي فوقنا هذه، وأن "أرض" هي التي تحتنا هذه. من الذي وضع هذا وميَّز هذا؟ الأول يقول: الله، كما قال المفسرون: الله هو الذي علَّم آدم القصعة والقصيعة، أي الطبق والطبيق الصغير.
والثاني قال: بل البشر هم من وضعوا قواعد اللغة العربية.
القول الثالث في واضع اللغة: الأصول من عند الله والتفريعات من البشر
[الشيخ]: والثالث قال: الأصول من عند ربنا، بمعنى أن ربنا هو الذي وضع الأصول والقواعد؛ القواعد التي تجعلك تقول "طبق"، وعندما تريد التصغير تقول "طُبَيق". فأنا وجدت كلمة "حصان"، فبدأت أستخدم عقلي بالمعلومات السابقة، فأصبح "حُصَيْن"؛ لأن "حصان" في تصغيره يصبح "حُصَيْن".
أي أنه [الله] هو الذي وضع القواعد وعلَّمها لآدم، وآدم اجتهد في الباقي. هذا يعني أنه لم يضع اللغة كلها له، بل وضع أصولها وتفريعاتها. وضع الفعل "ضَرَبَ"، أما "يَضْرِبُ"، و"ضَرَّابٌ"، و"ضَرْبٌ"، و"ضارِبٌ"، ثم "مَضْروبٌ"، وكذلك "مِضْرَبٌ"، كلُّ هذه الأشياء نحن الذين صنعناها وفقًا للقواعد.
المذهب الرابع في واضع اللغة: التوقف وترجيح مذهب الأشعرية
[الشيخ]: المذهب الرابع هو مذهب التوقف، ويعني أننا لا شأن لنا بهذه المسألة، فلا نعرفها، أي لا نعرف من أنشأ علم اللغة العربية. أننا لا نعرف، وليس من الضروري أن نعرف هذه المسألة.
إذن، من واضع اللغة؟ أربعة أقوال، وأنا أختار أن واضعها الله. لماذا؟ كان مشايخنا يقولون لنا ويسألوننا: إذن من الذي وضع وكتب "الله"؟ هل هم البشر؟ وهل البشر عرف أن هناك إلهًا؟
الله هو الذي وضع هذا وعلَّمه للبشر. لم يخطر في بال البشر أن هناك إلهًا إلا بتعليم الله له، وهذا مذهب الأشعرية. وهذه نقطة لافتة للنظر: من أين أتيتم بلفظ "الله" هذا يا بشر؟ إذن الله هو الذي قال لكم عنها وهو الذي أوحى إلى آدم بها، فآدم علَّمها لأولاده.
إذن، واضع اللغة هو الله وذلك في مذهبنا الأشعري، ولكن فيها أربعة أقوال.
الفرق بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي للألفاظ كالزكاة والوضوء
[الشيخ]: هذا مجال، أي مجال اللغة. وهناك أيضًا مجال الشرع. "زكاة" تعني طهارة في اللغة، وما معنى "زكاة" في الشريعة؟ معناها تعني اثنين ونصف في المائة من المبلغ المدخر لمدة عام كامل. هذا معنى آخر.
ولماذا أسموها زكاة؟ لأنك تطهر أموالك بأن تخرج جزءًا منها لله. على سبيل السنة أم على سبيل الفرض؟ على سبيل الفرض، وهي ركن من أركان الإسلام. وهذا المعنى مختلف تمامًا عن المقصود بمعنى الطهارة الموجودة في اللغة.
ماذا يعني وضوء؟ الشيء الوضيء هو الذي يخرج منه ضوء هكذا، أي نور. ولدينا [في الشرع] أن تغسل وجهك ثم يديك ثم تمسح رأسك ثم تغسل رجليك، وهذا معناها في الشرع.
إذن الكلمة لها معنى في مجال اللغة ولها معنى آخر في مجال الشرع.
المعنى الاصطلاحي للمسلسل في علم الحديث وتعدد ملفات المعاني
[الشيخ]: فهذا هو المعنى الشرعي. عندما أُلِّفت الفنون كان منها فن الحديث، وبعد ذلك "مسلسل". ماذا يعني مسلسل؟ بمعنى حديث يأتي على وصف معين هكذا، فتسلسل في سلساله وسلسلته.
وما معنى "مسلسل" في اللغة؟ يعني شيء وراء شيء. لكن معنى مسلسل في الحديث: قُل ما على وصف أتى، مثل: "أما والله أنباني الفتى، كذاك قد حدثنيه قائمًا، أو بعد أن حدثني تبسَّما". فهذا مسلسل بالتبسم، وذاك مسلسل بالقيام، والآخر مسلسلًا وهكذا. كلام آخر لا علاقة له باللغة.
إذن نحن لدينا ثلاثة ملفات: اللغة، والشرع، والعلوم المختلفة.
العرف العام والخاص وتعدد معاني كلمة دبوس في السياقات المختلفة
[الشيخ]: ثم أضفنا إليها ملفًا رابعًا اسمه العُرف. ما معنى "دبوس"؟ "دبوس" هذا آلة حرب، تجد كتلة هكذا وفيها:
[المذيع]: مثل مسامير هكذا وأشياء حادة.
[الشيخ]: أشياء حادة هكذا، ولها يد، يمسك الدبوس هذا ويضرب الذي أمامه بها، والعياذ بالله، يكسر رأسه. إنها آلة حرب مهلكة قاتلة.
وما معنى كلمة "الدبوس" في العُرف؟ إنه دبوس الإبرة هذا. يقول لك: هل معك دبوس؟ الفتاة المحجبة تقول لك: أليس معك دبوس لأشبك به وشاحي؟
[المذيع]: وتحولت من آلة قتل إلى وخزة دبوس.
[الشيخ]: وخزة الدبوس في العرف.
[المذيع]: في العكس.
[الشيخ]: أما المرأة في المطبخ فتسمي الدبوس شيئًا آخر، فماذا يعني الدبوس عندها؟ يعني فخذ الدجاجة.
[المذيع]: نعم، صحيح.
[الشيخ]: يقول لك: أريد الدبوس الذي هو فخذ الدجاجة. ما هذا؟ هذا معنى في اللغة وذاك معناه في العُرف.
تقسيم الأوضاع الخمسة وعلم الوضع عند الإمام عضد الدين الإيجي
[الشيخ]: إذن لدينا اللغة ولدينا الشرع ولدينا الاصطلاح العلمي الخاص بالعلوم والفنون المختلفة، فلدينا أيضًا العُرف. وهذا العُرف قد يكون عُرفًا عامًّا مثل "دبوس"، فهذه كلمة في العُرف العام، وأنت في المكتب تقول "دبوس" وهو يقول كذا وكذا إلى آخره.
لكن هناك أيضًا عُرف خاص بالمطبخ وعند النساء وهو المتعلق بالدجاجة. هذا عرف خاص. فأصبحنا خمسة أجزاء.
من الذي ألَّف فيها؟ إنه الإمام العضد، عضد الدين الإيجي، وينشئ علمًا بذاته اسمه علم الوضع، ويقول: انتبه، هناك فرق بين اللغة والشرع والاصطلاح والعرف العام والعرف الخاص. هذا هو الوضع.
[المذيع]: هذا شيء رائع يا مولانا.
[الشيخ]: حقًّا، وإلا لماذا ظلَّ الناس مسلمين؟ لأنه يوجد تأسيس صحيح معمول لهم.
تعدد معاني كلمة العلم في الملفات الخمسة وسؤال ما معنى علم
[الشيخ]: وبهذا الشكل تصبح الكلمة لها معانٍ مختلفة في الملفات المختلفة. فلنعد إلى مرجوعنا لكي نجيب على سؤالك الأصلي: ما معنى علم؟
عندما تقول لي "علم"، ماذا تعني؟ أقول لك: أين؟ أنت أتقصد في اللغة، أم تقصد في الشرع؟
[المذيع]: نعم، أم تقصد في الاصطلاح، أم تقصد في العرف العام، أم تقصد في العرف الخاص؟
[المذيع]: تمام، حسنًا.
[الشيخ]: دعنا نتناولهم واحدة واحدة.
[المذيع]: لم يكن قصدي أيًّا منها، أنا أقصد العلم، ما قصدت أيًّا منها.
[الشيخ]: فدعنا نتناولها الآن واحدة واحدة.
[المذيع]: تفضل يا مولانا.
معنى العلم في اللغة: حدوث صورة الشيء في الذهن والوجودات الأربعة
[الشيخ]: ما هو العلم؟ عندما نرجع إلى اللغة، العلم يعني عَرَفَ، أي أن العلم هو المعرفة. شخص عرف شيئًا، والذي أسمَّوه بعد ذلك بـالتصوُّر.
وماذا يعني هذا التصوُّر؟ معناه الإدراك. وما هو الإدراك؟ إنه حدوث صورة الشيء في الذهن.
ماذا يعني أيضًا؟ فبدأوا يتكلمون عن الوجودات الأربعة، ولكي يفهموا بعمق ما هي هذه الوجودات الأربعة، قال:
- وجود في الأذهان.
- ووجود على اللسان.
- ووجود في البنان الذي هو الإصبع.
- ووجود في الأعيان [الوجود الخارجي].
شرح الوجودات الأربعة بمثال الشجرة وتعريف العلم لغةً
[الشيخ]: إن لم تفهم [الوجودات الأربعة]: الشجرة، الشجرة موجودة هنا، مزروعة هنا، وتنتج مانجو، شجرة مانجو، فهذا هو وجود في الأعيان.
أغمض عيني هكذا وأتخيلها، يصبح وجودًا في الأذهان. أسميتها "شجرة"، يصبح وجودًا على اللسان. كتبت "شجرة" (ش ج ر)، يصبح وجودًا في البنان.
إذن هناك وجودات، كم عددها؟ أربعة وجودات. الذي حدث في الذهن عندما أغمضت عيني وصورتها أصبحت في مخي، فيسمونه علمًا.
إذن، العلم هو حدوث صورة الشيء في الذهن. هذا هو معنى "علم" في اللغة.
هل أكمل لك الكلام؟ بقية الخريطة؟
[المذيع]: يمكنني أن آخذ واحدة أخرى.
[الشيخ]: يمكنك أن تأخذ واحدة أخرى، أقول لك هكذا، حسنًا.
معنى العلم في لغة القرآن الكريم: ما يوصل إلى الله تعالى
[الشيخ]: والعلم في لغة القرآن الكريم الذي هو الشرع الشريف، معناه هو الموصل إلى الله.
[المذيع]: العلم في لغة القرآن الكريم.
[الشيخ]: نعم، هو الموصل إلى الله.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
[المذيع]: حضرتك كنت قد ذكرت سابقًا أن "العلماء" ليست جمع "عالِم"، أي أن العلماء هنا تعود إلى "عليم" وليس "عالِم".
[الشيخ]: إن "علماء" هي جمع عليم، و"فقهاء" جمع فقيه، و"خبراء" جمع خبير، وقِس عليها أي شيء آخر. صيغة فُعَلاء هي جمع فَعيل وليست جمع فاعِل.
[المذيع]: فاعِل، صحيح.
[الشيخ]: "عالِم" يُجمع على "عالِمون"، و"فاقه" تصبح "فقهون"، و"خبيرًا" تصبح "خابرون".
العلم في لغة القرآن هو ما يوصل إلى الله وما لا يوصل فهو جهل
[المذيع]: إذن هنا: العلم في لغة القرآن الكريم هو معرفة الله.
[الشيخ]: ما يوصل إلى الله. حسنًا، والذي لا يوصل إلى الله؟ فهو جهل، أي إنه جهل مركب.
قال حمار الحكيم توما - كان هناك حكيم بغطاء رأس أسموه توما، فالحمار الخاص به نطق قائلًا: "قال حمار الحكيم توما، لو أنصف الدهر كنت أركب"، أي كان قد جعل الحكيم توما حمارًا ثم ركب هو عليه.
فأنا جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب؛ لأنه يعرف كلامًا فارغًا عن الواقع، مخالفًا للواقع وما فيه. فهذا هو الجهل البسيط والجهل المركب.
دائمًا كنت أقول لك هذين الوصفين: العبط البسيط والعبط المشلتت.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: (ضاحكًا) فهذا هو تعريف العبط المشتت.
العودة بعد الفاصل وتلخيص معنى العلم في اللغة والشرع
[المذيع]: حسنًا، أستأذن حضرتك بعد الفاصل نتعرف على نماذج أخرى وربما مفهوم آخر للعلم، بعد الفاصل إن شاء الله. ابقوا معي.
أهلًا بحضراتكم مرة أخرى مشاهدينا الكرام، وأجدد الترحيب بفضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بفضيلتك مرة أخرى.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: أهلًا وسهلًا بحضرتك. العلم أصبح له أكثر من تعريف.
[الشيخ]: العلم في اللغة هو حدوث صورة الشيء في الذهن. شيء بسيط جدًّا؛ أن تغمض عينيك وتتخيل شيئًا ما؛ القلم، الشجرة، البقرة، الحجرة، المدرة، القمر، أي شيء تتخيله في ذهنك. إن حصول صورة الشيء في الذهن هو الذي سمَّوه فيما بعد في المنطق بـالتصور. هذا هو العلم.
العلم في لغة الشرع هو الوصول إلى الله، أي الشيء الذي يوصلك إلى الله. هذا هو العلم في لغة الشرع، الذي قلنا عنه أن الإنسان يتعلم بعمق ثم ينقل هذا العلم إلى القلب، فيستنير القلب، وهذا هو العلم المستنير. هذا هو العلم في لغة الشرع.
العلم في الاصطلاح: المعنى العام والخاص وتقسيم الإدراك إلى جازم وغير جازم
[الشيخ]: وبالنسبة للعلم فإنهم عندما أرادوا أن يرسموا له خريطة في الاصطلاح، وقد قلنا إن الأمر الثالث هو الاصطلاح؛ اصطلاح الفقهاء، اصطلاح المحدثين، اصطلاح المتكلمين، اصطلاح المفسرين، اصطلاح اللغويين، اصطلاح كل العلوم. وأحيانًا تختلف المصطلحات من علم إلى آخر.
أما العلم فقد قالوا له معنى عام ومعنى خاص. العلم له معنى عام ومعنى خاص. ما هو المعنى العام؟ قالوا في اللغة: إن العلم هو إدراك الشيء؛ إدراك صورة الشيء في الذهن هو المعنى العام.
هذا الإدراك الذي يسمونه أحيانًا علمًا من أجل اللغة، ومن أجل اللغة ينقسم إلى قسمين. ارسم الخريطة في ذهنك: الإدراك ينقسم إلى كم قسم؟ قسمين: جازم وغير جازم.
شرح الإدراك الجازم والعلم الضروري بأمثلة عملية
[الشيخ]: ما معنى الجازم؟ أي أنك متأكد مائة في المائة. ولماذا أنت متأكد مائة في المائة؟ قال لي: أراها بعيني وألمسها بيدي.
لقد رأيت رؤيا، أنت الآن لم تكن معي ولم ترَ الرؤيا، ماذا أفعل لأثبت لك؟ أنا متأكد مائة في المائة. أنا جائع وأنت لا تعرف إذا كنت أنا جائعًا أم شبعان، فأقول لك: أنا جائع. هذا علم ضروري عندي، ربما لا تشعر به وربما لا تصدقه أيضًا، لكن هذا جازم بالنسبة لي.
وغير الجازم، معنى غير المؤكد: أنني لست متأكدًا مائة في المائة. هل رأيته؟ لا، لم أره. هل سافرت معه؟ لا. هل داينته؟ قال: لا. قال: إذن لم تعرفه، فلماذا تقول جزمًا رأيك مائة في المائة في شخص؟ أإنك لم تتأكد من شيء على الإطلاق.
إذن يكون الإدراك إما جازمًا أو غير جازم.
الإدراك الجازم المطابق وغير المطابق للواقع وأمثلة على ذلك
[الشيخ]: حسنًا، الإدراك الجازم هذا قد يكون مطابقًا للواقع وقد يكون مخالفًا للواقع. إما أن يكون مطابقًا للواقع وإما أن يكون مخالفًا للواقع، وهو إدراك جازم.
مثل اعتقادات الناس: شخص ما يعتقد اعتقادًا تامًّا أن هذا الوثن ينفع ويضر، فهذا مخالف للواقع لكنه جازم فيه مائة في المائة، إن دينه هكذا.
[المذيع]: هذا من وجهة نظره.
[الشيخ]: من وجهة نظره هو.
[المذيع]: إدراكه هيَّأ له هذا الجزم.
[الشيخ]: نعم، هو يراه هكذا. والآخر يقول: لا إله إلا الله، هذا مطابق للواقع، مطابق للواقع.
تعريف العلم في الاصطلاح: الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل
[الشيخ]: المطابق للواقع هذا قد يكون نشأ عندي عن دليل وقد يكون نشأ عندي عن تقليد وعن غير دليل. ما هو ناشئ عن دليل يُسمى العلم.
إذن، ما هو العلم - وهو السؤال الأول حتى لا نتشتت - العلم هو الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل.
أرأيت كيف نعرِّفه؟ ها هي مرسومة: ما هو العلم؟ العلم هو الإدراك، أهو جازم أم غير جازم؟ الجازم. أهو مطابق أم غير مطابق؟ المطابق للواقع. عن دليل أم لا؟ عن دليل. الناشئ عن دليل. وهذا تعريف العلم في الاصطلاح، صحيح.
أقسام الإدراك غير الجازم: الظن والشك والوهم وخريطة العلم الكاملة
[الشيخ]: ثم افترض أنه غير ناشئ عن دليل فيكون اسمه تقليدًا. افترض أنه غير مطابق فيكون اسمه اعتقادًا فاسدًا. افترض أنه ليس جازمًا فيكون إما راجحًا:
- •خمسة وخمسون في المائة؟ أم خمسة وأربعون في المائة؟ أم خمسون وخمسون؟
- •الخمسون وخمسون نسميه شكًّا.
- •والخمسة والخمسون نسميه ظنًّا.
- •والخمسة وأربعون نسميه وهمًا.
فيكونون ثلاثة أقسام هنا. هذه هي الحكاية، وقد رسموا هذه المعرفة بتقسيم العلم إلى جازم وغير جازم، والإدراك إلى جازم وغير جازم، والجازم منه مطابق وغير مطابق، والمطابق منه ناشئ عن دليل أو غير ناشئ عن دليل، ويكون هذا هو العلم بالمصطلح الأخص.
لماذا اهتم العلماء الأوائل بالتأسيس العقلي وتعمقوا في العلوم
[المذيع]: أحيانًا يا مولانا عندما تفسر لي حضرتك كل هذه المفاهيم أو تذكر علينا كل هذه المفاهيم، المرء يتوقف متسائلًا: كيف كان يفكر الأولون؟ لماذا اهتموا بالعلم كل هذا الاهتمام؟ لماذا أفنوا حياتهم؟ وماذا كان الهدف؟ حتى نصل اليوم إلى هذا التأسيس العقلي لكل مصطلح يُقال.
[الشيخ]: أولًا، فَهِموا عن البشرية مُرادَهم. عندما كانوا يدخلون الهند أو الأندلس أو أنطاكية أو مصر أو مدرسة الإسكندرية، فَهِموا ماذا يقول أهلها، فَهِموا ماذا يقولون. هذه أولًا.
ثانيًا، أحسنوا التعبير؛ عرفوا كيف يردون عليهم وماذا يقولون.
ثالثًا، لم تأخذهم الفلسفات المختلفة والآراء المختلفة، لم يكونوا سُذَّجًا. لا، هذا تفكير عميق مستنير، يعني وصَلَ إلى الاستنارة.
تدريس أدوات التفكير المنضبط منذ المرحلة الابتدائية وأثره في نشر الإسلام
[الشيخ]: إذن، هذا هو الذي دفعهم إلى هذا التعمق وهذه الأمور. أتعلم متى كانوا يدرسونها؟ وهم ما زالوا في المرحلة الابتدائية. كل هذا الكلام لكي عندما تفكر تستطيع أن تفكر بأدوات منضبطة، فتُبدع إبداعًا حقيقيًّا.
فلا تكون عقليتك عقلية هشة، بل تكون عقلية علمية ناضجة منطقية. وهكذا فتكون بذلك نافعًا في المستوى السطحي والمستوى العميق والمستوى المستنير، وتغير بذلك سلوكك فتنفع بذلك دينك وصورته في الأرض.
ولذلك انتشر الإسلام عن طريق التجار وعن طريق غير ذلك إلى آخره، ليس فقط بالدرس انتشر، بل بالممارسة وبالسلوك العملي كل يوم.
فهذا تفسير لماذا فعلوا ذلك: هم فعلوا ذلك ابتغاءً لوجه الله وحتى يؤسسوا أن يقفوا بأقدامهم على أرض صلبة يستطيعون بها الفهم والأدب.
صدمة العلماء المصريين من الحملة الفرنسية وبداية الوعي بالحضارة المادية
[المذيع]: حسنًا مولانا، إذا انتقلنا عبر الزمن للعصر الحالي، لماذا - لا أعرف إن كنت حضرتك تتفق معي أم لا - قلَّ إنتاج المسلمين علميًّا؟ المنتوج العلمي للمسلمين إذا ما قارناه بالقرون الأولى فقد قلَّ. هل هذا طبيعي نتيجة لاختلاف الأزمنة ولأشياء أصبحت معروفة فبالتالي ماذا يمكن أن يتم اكتشافه أو الوصول إليه لأنه قد سبقنا إليه الأولون؟ هل هذا هو السبب فقط؟
[الشيخ]: لا، لا، لا، إطلاقًا. هذا لاحظه، فلنذكر الصدمة عندما حدثت للعلماء المصريين من المحتل الفرنسي وقد جاء يحتل بلادنا. حدثت هذه الصدمة للشيخ عبد الرحمن الجبرتي، كذلك هذه الصدمة حدثت للشيخ حسن العطار، أيضًا كانت هذه صدمة للعلماء في هذا الوقت.
عندما رأوا تنظيم الجيوش الفرنسية مختلفًا عن هرجلة جيش المماليك. حسن الرماح الكيميائي العربي هو أول من صنع البارود، لكنهم وجدوا أن تطور البندقية تطور هائل بحيث أن هذا التطور تجاوز الزمان.
الشيخ حسن العطار وإرسال رفاعة الطهطاوي لاكتشاف سر الحضارة الغربية
[الشيخ]: أدرك ذلك الشيخ حسن العطار ورآه، وكذلك حسن وعبد الرحمن بن حسن، وكانوا من كبار العلماء. كان حسن الجبرتي والده من كبار علماء الرياضيات، وكان الفرنسيون يأتون ليدرسوا عنده الرياضيات العليا.
رأوا ذلك، فحسن العطار عندما جاء كان شيخًا للأزهر، وكان محمد علي قد بدأ بإرسال الشباب إلى إيطاليا أولًا ثم فرنسا ثانيًا، ثم أرسلهم ابنه (حفيده) عباس إلى ألمانيا بعد ذلك في البعثات العلمية.
فالشيخ حسن العطار أحضر رفاعة [الطهطاوي]، وكان رفاعة شابًّا متميزًا وممتازًا جدًّا، وحافظًا وجيدًا، وأزهريًّا. قال له: اذهب مع هؤلاء الشباب لتراقب سلوكياتهم، وما إذا كان أحدهم سيضل أو سيذهب ليشرب الخمر أو سيخرج مع فتيات أو ما شابه ذلك. فأنت شاب معهم تمنعهم من هذا وتكون مرشدًا لهم.
وصية حسن العطار لرفاعة باكتشاف سر تقدم الغرب في الحضارة المادية
[الشيخ]: لكن أنا أريدك أن تهتم بشيء آخر. قال له: ماذا؟ قال له: أريدك أن تهتم بهؤلاء الناس، إن معهم مفتاحًا، معهم سر. هؤلاء الناس معهم سر، أريدك أن ترى ما هو هذا السر وتبحث عنه: كيف أصبحوا هكذا؟ ولماذا أصبحوا هكذا؟
كيف ولماذا؟ هذه عملية معقدة للغاية تُسمى الآن في دراسات الحضارة بـالحضارة المادية. لها علاقة برأس المال، أيضًا لها علاقة بالاقتصاد، كذلك علاقة بالدين، وترتبط بحياة الإنسان والحضارة المادية.
فطلب الشيخ حسن من رفاعة الطهطاوي وقال له: راقب هؤلاء الناس، كيف أصبحوا في هذه الحضارة المادية. هناك شيء لديهم وأريد اكتشافه، مفتاح يشبه المعادلة الرياضية التي تحل بها المسألة، أريد أن أكتشف ذلك.
رسائل رفاعة الطهطاوي وكتاب تلخيص الإبريز في تلخيص باريز
[الشيخ]: قال له: حسنًا. قال له: فصِف لي كل شيء: متى يستيقظون، متى ينامون، كيف يأكلون، كيف يشربون، كيف يمشون، ماذا يقولون.
قال له: حاضر. وأخذ يرسل إليه رسائل يصف فيها كل هذا. فلما أرسل إليه هذه الرسائل - وكان عنده صورة منها - وألَّف بها كتاب "الإبريز في تلخيص باريز".
هي عبارة عن الرسائل التي أرسلها رفاعة الطهطاوي إلى شيخه حسن العطار. كان حسن العطار مدركًا أننا لا بد من أن ننهض وأن نعمل مشروعًا لهذه النهضة.
مشروع النهضة الشرقية وجهود العلماء قبل الحملة الفرنسية
[الشيخ]: سنتحدث عن مشروع النهضة في حلقة خاصة، نتحدث فيها عن عبد القادر البغدادي ونتحدث فيها عن الشيخ المرتضى الزبيدي. كل هؤلاء ماتوا قبل الحملة [الفرنسية] بكثير؛ في واحد توفي قبلها بمائة سنة وواحد مات قبل الحملة بثمان سنوات.
حسن العطار الذي بدأ في الحوزة الأزهرية يحاول إرجاع النهضة هذه. لكن نابليون عندما جاء، جاء بناءً على معلومات من الطلبة الفرنسيين أنه الحقوا، هناك شيء يحدث في مصر. وهذا الشيء تأسس على اللغة العربية وعلى قضية التوثيق وعلى النظام الأخلاقي.
فأوقفوهم من قبل أن يدخلوا في الحضارة المادية.
نابليون يقتل العلماء يوميًّا ويقضي على النهضة الشرقية الحقيقية
[الشيخ]: فكان نابليون يقتل خمسة علماء كل يوم. وهذا ما ذُكِر في مذكراته، وذكرته السيدة الدكتورة ليلى عنان في كتابها عن الحملة الفرنسية مترجمًا من مذكراته، أن هذا الرجل قتل خمسة. وأشار إليها عبد الرحمن الجبرتي في نصف سطر: "وكان ساري عسكر يقتل خمسة كل يوم".
خمسة علماء لمدة ثلاثمائة خمسة وستين يومًا، فيكون مجموع من قُتلوا ألف وثمانمائة عالم. كان هؤلاء هم ثمرة مرتضى الزبيدي، ثمرة مدرسة عبد القادر البغدادي لإحياء ما هنالك من أجل الدخول إلى الحضارة المادية. ضُرِبنا، نعم.
أثر الاستعمار في تراجع المسلمين وضرورة البدء من جديد
[الشيخ]: ولذلك عندما اطلع المفكرون على هذا بدأوا يقولون أشياء حتى مللنا منها: يقول لك وسبب ذلك الاستعمار. هم صادقون.
[المذيع]: هذا ما نسميه شماعة فقط.
[الشيخ]: نعم، الآن هذا الكلام من مللنا، حسنًا، لكن الاستعمار انتهى، لماذا مازلتم تتباكون؟ لأننا أُصبنا ضربة سيئة جدًّا؛ أُصبنا بأنه تمت تصفية أجسادنا بالقتل.
وقال نابليون في مذكراته أنه يقتل خمسة كل يوم ولا يصلح معهم إلا هذا، وقضى على النهضة الشرقية الحقيقية التي كانت تقوم على أسس للدخول إلى الحضارة المادية.
العثرات المتتالية للأمة الإسلامية والدعوة للنهوض من جديد
[الشيخ]: بعد ذلك دخلنا في - أتعلم عندما يتعثر المرء، يتعثر عثرات متتالية - جاءتنا بعد ذلك حرب محمد علي التي لم يكن لها داعٍ، ثم جاءنا بعد ذلك الإنجليز واحتلونا، ثم عثرة الدخول مع الصهاينة الذين احتلوا بلادنا في فلسطين.
جاءتنا بعد ذلك الهزيمة النكراء في سنة سبعة وستين، ثم جاءنا بعد ذلك شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" ونحن نحاول أن نحرر أراضينا ونستقل بإرادتنا.
وهكذا يبقى الحال أننا مكثنا مائتين أو ثلاثمائة أو أربعمائة سنة ونحن جالسون نجادل الجدلية هذه السخيفة. ولكن حان الأوان أن نضع نقطة ونبدأ من أول السطر.
لدينا كل المعلومات التي يمكن بها أن نعود مرة أخرى إلى الحضارة المادية عن طريق التأسيس العقلي والعلمي في هذه البلاد ولهؤلاء العباد.
ختام الحلقة والشكر لفضيلة الشيخ علي جمعة
[المذيع]: أشكرك شكرًا جزيلًا على إنارتك لعقولنا بهذه المعلومات القيمة، شكرًا جزيلًا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: شكرًا، بارك الله فيك، شكرًا جزيلًا، والشكر موصول لحضراتكم، نراكم غدًا.
