تعرف على معنى اليقين لا يزول بالشك مع د. علي جمعة #14 | درجات المعرفة
- •اليقين هو التأكد مائة في المائة، والظن هو ما كان أقل من مائة في المائة، والشك هو خمسون في المائة، والوهم أقل من خمسين في المائة.
- •القاعدة الفقهية "اليقين لا يزول بالشك" تعني أن ما كان متيقنًا لا يمكن إزالته بمجرد الشك.
- •تطبيقات القاعدة تشمل: الوضوء والديون والزواج، فالمتيقن من الوضوء والشاك في نقضه يبقى متوضئًا، والمتيقن من الدين والشاك في قدره يلزمه الأقل.
- •للمتخصصين في العلم الشرعي دور مهم، إذ ينبغي الرجوع إليهم للفتوى والتعلم كما جاء في قوله تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون".
- •اليقين له شروط يجب الانتباه إليها، فقد يعتقد الإنسان شيئًا بيقين مع وجود استثناءات كصلاة المسافر.
- •اليقين قد يكون مطابقًا للواقع فيكون اعتقادًا صحيحًا، أو مخالفًا فيكون اعتقادًا فاسدًا.
- •المطلق والنسبي مفهومان متلازمان، وإنكار المطلق يقع في تناقض لأنه يجعل الإنكار مطلقًا.
مقدمة الحلقة واستكمال الحديث عن قاعدة اليقين لا يزول بالشك
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مشاهدينا الكرام، اليوم نستكمل ما بدأناه في حلقات سابقة مع فضيلة الدكتور حول القاعدة الفقهية التي تقول بأن اليقين لا يزول بالشك. فضيلة الدكتور علي جمعة تكرّم في الحلقة السابقة بتأصيل هذا المفهوم ومن أين جاءت هذه القاعدة.
اليوم نستكمل مع حضراتكم في هذا العلم وهذه المعرفة، نرى تجليات أو تطبيقات لهذه القاعدة على المعرفة أو الأمور التي تحيط بنا في مكوناتنا المعرفية أو الثقافة الإسلامية أو ثقافتنا العامة حتى في هذه الفترة.
أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
انتشار الشك بين الناس بسبب التلبيس والمعلومات المغلوطة
[المذيع]: أهلًا وسهلًا مولانا، لقد أصبحنا ندور في هذه [الدائرة] خصوصًا في السنوات الأخيرة، وقعنا في دائرة من الشك، للأسف أصبح الناس يشكون في كل شيء نتيجة لما قامت به بعض الفرق أو الجماعات في الحقيقة من تلبيس على الناس وإدخال معلومات مغلوطة في أذهانها أو في أذهان الناس.
الأمر الذي أدى إلى أن الناس أصبحوا يشكون في كل شيء، حتى الناس كثيرون يا مولانا. فمن الممكن في هذا الإطار أن نرى تجليات هذه القاعدة "اليقين لا يزول بالشك" على معرفتنا هذه الأيام ومعرفة الناس هذه الأيام؟
تعريف اليقين والشك والظن والوهم في القاعدة الفقهية
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ابتداءً يجب علينا أن ندرك ما معنى اليقين وما معنى الشك حتى نفهم هذه القاعدة.
اليقين معناه التأكد مائة في المائة، ببساطة هكذا، يعني أنني متأكد مائة في المائة. لا تسعين؛ إذا كنت متأكدًا تسعين فهذا يسمى ظنًا وليس يقينًا، [وهو] الظن الغالب أو الراجح. عندي أن هذا هو الذي حدث، لكنني لست متأكدًا مائة في المائة.
بل إنني أشك أو أظن، عندما يكون خمسين وخمسين متساويان ويُمكن أن ينفع وينفع، لستُ أعرف أهو هذا أم ذاك، فأكون في حالة من الشك.
تقسيم درجات الإدراك بين اليقين والظن والشك والوهم
ولكن لو كنت في ثلاثين في المائة أنه حدث وسبعين في المائة أنه لم يحدث، فإن هذه الثلاثين في المائة يسميها الوهم. فأصبح لديّ أربع كلمات:
- مائة في المائة يعني يقين.
- أقل من مائة في المائة يعني ظن.
- خمسون في المائة يكون شكًا.
- أقل من خمسين في المائة يكون وهمًا.
إذن معنا أربع كلمات نعمل عليها، أربع كلمات نعمل عليها. فيقول: اليقين لا يزول بالشك، عندما أكون متأكدًا مائة في المائة ويأتيني احتمال خمسين وخمسين، فالخمسون وهذه الخمسون لا تستطيع أن تهدم المائة في المائة.
تطبيق قاعدة اليقين لا يزول بالشك على الطهارة والوضوء
كمثال، نبدأ من أول كتاب في الفقه وهو الطهارة. أتذكر؟ أنا متيقن أنني كنت واقفًا على الحوض وكنت أتوضأ، فأنا إذن توضأت قبل أن أخرج وأمشي، ولكن هل نقضت وضوئي بعد ذلك أم لا؟
يعني إذا كنت أشك، فإنني أبقى متوضئًا؛ لا يزول اليقين بالشك. تمامًا، هل انتبهت جيدًا؟
هل أنت متأكد يا أخي مائة في المائة أنني نقضت وضوئي؟ أتذكر جيدًا أنني نقضت وضوئي، هذا يقين، إنه يقين! وأنت تشك هكذا إذا كنت توضأت بعد ذلك أم لا، فأنت لست متوضئًا. اليقين هو عدم الوضوء، فالأصل أن اليقين هو عدم [الوضوء]، هكذا دائمًا في الفقه. تمامًا، هل انتبهت؟ كيف؟
تطبيق القاعدة على الدَّين والشك في مقداره ومطل الغني ظلم
طيب، يأتي فيقول لك: هل لي عندك دَين أم ليس لي عندك دَين؟ فقال: في ذمتك ألف أم ألفان؟ قال له: يعني أنت متأكد أن في ذمتك شيء؟ قال له: نعم، لكن الشك في أي شيء؟ أهما ألفان أم ألفٌ؟
إذن تدفع ألفًا الآن، ونتناقش لاحقًا على الألف الزائدة؛ لأن اليقين أنت اعترفت به دَينًا، هذا دَينٌ وأنت معترف به، لكنك شككت في الكمية وليس في الألف، أنت شككت في الزيادة.
فيأتي التاجر المماطل ويقول لك: لا، نحن نريد أن نتأكد. نعم، أنت متأكد أنهم كانوا ألفًا وتشك، إنّ بعضهم يوافق قائلًا: نعم، ولكن لن أدفع لك الآن حتى أتأكد، حتى يتأكد. هذا مطلٌ، هذا مطلٌ!
قال رسول الله ﷺ: «مطل الغني ظلم، يحل عقوبته وماله وعرضه»
فمطل الغني ظلم، أي أن الشخص الذي يقدر على الدفع ويماطل في حقوق الناس، فإننا هنا نستفيد في هذا [الباب من] القاعدة أن اليقين لا يزول بالشك، وهذا يتماشى معنا في هذا الأمر.
تطبيق القاعدة على الطلاق والشك في وقوعه لا يُسقط العلاقة الزوجية
فيأتي في باب الزواج ويقول لي: أنا لا أعرف إن كنت قد قلت لزوجتي أنت طالق أم لا. قلت له: ما الذي حصل؟ قال: حدث شجار هكذا، وبعد ذلك كنت قلت لها - لا أعرف تحديدًا - أنت كنت غاضبًا وكنت متعبًا وكان الجو هكذا ولا أعرف هل قلت لها أنت طالق أم قلت لها عليها الطلاق.
لا يقع الطلاق؛ لأن الأصل هو اليقين في العلاقة الزوجية والشك جاء في انتهائها، فينبغي إلقاء الشك في البحر واليقين هو الذي يعمل.
لا يأتي أحد ليقول لك: لا، هو احتياطًا طلقها إذن من أجل الاحتياط. قال لك: لا، يوجد شيء أحسن من أن يكون طلقها ويصبحان يعيشان في الحرام، في الحرام، طلاقها أحوط. يعني هذا الكلام كله لا يصلح، لا يصلح؛ لأن اليقين لا يزول بالشك.
الفرق بين من درس العلم الشرعي ومن أدخل الشك على نفسه بسماع غير المتخصصين
انظر إذن الفرق بين الذي درس واستوعب وعرف وبين الذي لم يدرس واستوعب وعرف. الحالة التي تتحدث عنها سيادتك الآن تقول لي إن الناس بدأوا من كثرة الكلام الفارغ الذي يسمعونه من المتخصص وغير المتخصص أن يُدخلوا على أنفسهم الشك. هل تنتبه؟
إنهم لا يعرفون! نعم، هم الذين فعلوا بأنفسهم هكذا، هم الذين جعلوا أنفسهم يستمعون ويعطون آذانهم لشخص لم يدرس كل هذا، إنما عنده شهوة لأن يخطب في مسجد أو لأنه يُخرج بعض الأوراق ويكتب اسمه عليها، معتقدًا أن الدين إنما هو التدين.
الدين ليس سلوكيات، هذا التدين هو الذي يمثل سلوكيات. الدين هذا علم له علماء وله مصطلحاته وقواعده وكتبه وجمعياته العلمية وله طرقه ومناهجه وله علومه المساعدة وله طرق تدريسه، فهذا علم كسائر العلوم.
وجوب التخصص في العلم الشرعي وقصة الشيخ رشيد رضا مع آية التفقه في الدين
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 122]
ربنا سبحانه وتعالى أقر أهل العلم هؤلاء. يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله.
فمرة كان الشيخ رشيد رضا يدرس في قلمون، البلدة التي هناك في الشام، وبعد ذلك وبينما هو يدرس، جاء الرجل المحافظ الذي كانوا يسمونه المختار فأحضره وقال له: هل هناك ما يعفي أهل العلم من العسكرية والتجنيد في كتاب الله؟
فيقول: فألهمني ربنا بهذه الآية، فقال له: هاتها. قال له: إنها موجودة:
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 122]
من الجهاد. وانتبه كيف أنها موجودة في سورة التوبة، وسورة التوبة هذه تنظم شأن الدفاع والقتال في سبيل الله وصد العدوان ورفع الطغيان.
التفرغ للعلم ضرورة وقصة سيدنا خالد بن الوليد مع حفظ القرآن
فيقول: لا، إن هناك أناسًا يجلسون للإدارة وللعلم وللقضاء ولهذا الأمر، والمجاهدون يذهبون ويأتون أهلًا وسهلًا ويرجعون فيعرفون الأحكام من هؤلاء [العلماء]. حسنًا، وهل المجاهدون متفرغون للتعلم؟ لا، ليسوا متفرغين، ليسوا متفرغين.
كان سيدنا خالد [بن الوليد] يقرأ بالناس
﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]
في الصلوات كلها. فقالوا له: يعني صوتك حلو وأداؤك حلو وجميل، عربي أصيل، ألا تقرأ لنا شيئًا من آل عمران، من البقرة، من هنا، من هنا؟ فقال لهم: شغلني الجهاد عن كتاب الله، أنا لست حافظًا له ولا للأمور الصغيرة هذه؛ لأن الجهاد أخذ كل وقتي.
فحقًا التخصص، وحقًا التفرغ، وحقًا المداومة على العمل، وهي الستة التي ذكرها الإمام الشافعي عندما قال: أخي لن تنال العلم إلا بستة، سأنبئك عن تأويلها ببيان: ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة، التفرغ وإرشاد أستاذ وطول زمان.
هل يُعدّ اهتزاز اليقين بسبب معلومات جديدة عيباً وكيف يعود الإنسان لليقين
[المذيع]: طيب مولانا، في مواقف أخرى مثلًا يكون هناك يقين عند الإنسان ثم تطرأ معلومات على هذا اليقين تدخله في مرحلة الشك، هل هذا الأمر تراه عيبًا أو نقيصة؟ وهل من الممكن أن يعود مرة أخرى إلى مرحلة اليقين؟
[الشيخ]: يمكن أننا أجبنا على هذا السؤال في حلقة ماضية إن كنت أنا أتذكر. الذي يحدث أن هذا اليقين له شروطه، والناس أحيانًا تغفل عن هذه المسألة.
وقلنا حينها - أو يمكن أن نستغلها ونستفيد منها في الإجابة على هذا السؤال - هو أن زوايا المثلث مائة وثمانون درجة أو قيمة قائمتين. وإننا عندما رسمنا المثلثات العظمى الدائرية على كرة الأرض، اتضح جدًا في الكرة الأرضية الموجودة على مكتبي هنا خطان بالطول والعرض متعامدان، وهنا متعامد، وهنا متعامد، أي تسعون وتسعون وتسعون تساوي مئتين وسبعين. هذه حقيقة حسية ماثلة أمامنا.
اهتزاز اليقين بسبب فقدان شرط من شروطه ومثال المثلثات الكروية
فعندما تأتيني هذه المعلومة ارتبك [الإنسان]. مائة وثمانون، هذا هو اليقين الأول: كل مثلث لا بد أن يكون مائة وثمانين درجة. حسنًا، ما رأيك أيها الجميل عندما يصبح مئتين وسبعين درجة؟ حينها يحدث الارتباك ويهتز اليقين الأول.
وما الذي يهتز؟ ليس أن المثلث الأول مائة وثمانون درجة، بل إن هذه العبارة "كل مثلث لا بد أن يكون مائة وثمانين" قد اهتزت. وأريد أن أعرف السبب، فأنا فقدت شرطًا وهو المستقيم؛ لأن هذا منحنى وليس مستقيمًا.
ولذلك ففي علم المثلثات الكروي غير علم الاستقامة الخاص بإقليدس، الذي هو الهندسة التقليدية الخاصة بإقليدس؛ لأن هذه على مستوى وهذا على كرة.
أثر فقدان الشروط على اليقين ومثال المرايا المحدبة والمقعرة وصلاة المسافر
وهذا ما يحدث عندما يكون لدينا شيء اسمه المرآة المحدبة والمرآة المقعرة، عكس بعض، المقعب والمحدب. إذا رسمنا بالمقعرات يخرج أصغر، وإذا رسمنا بالمحدبات فسيخرج هكذا، إذا كان بالمحدبات أصغر وبالمقعر يخرج أكبر من مائة وثمانين.
إذن أنت فقدت الشرط. فلا بد للإنسان ليس فقط ألا يهتز يقينه، بل عليه أن ينتبه إلى شروط هذا اليقين. هذا اليقين له شروط.
شخص تعلّم أن صلاة الظهر أربع ركعات يقينًا، وبعد ذلك رآني أصلي ركعتين فقال: ما هذا؟ لدي يقين أنها أربع ركعات. فقلت له: إنني مسافر. شيئًا فشيئًا؛ لأن هناك شرطًا نسيته، هل انتبهت؟
مثال الخمر والاضطرار وأهمية إدراك شروط اليقين لمعالجة الاهتزاز
نعم، الخمر حرام بلا شك، وبعد ذلك وجد شخصًا مسكينًا يشرب خمرٌ هكذا، فيقول: لماذا تفعل هكذا؟ فيقول له:
﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]
هذا أنا مضطرٌ. إذن، إذا لم أنتبه للشرط [وهو الاضطرار]، فالذي تحدث له هذه الحالة، يحدث له، ولكن نعالجه بماذا؟ نعالجه بإدراكه للشرط.
[المذيع]: نعم، بارك الله فيكم مولانا. حسنًا، سنخرج لفاصل وبعد ذلك الفاصل نعرف هل هذا اليقين فيه ما هو مطلق وفيه ما هو نسبي، والفارق ما بين المطلق والنسبي إن شاء الله بعد الفاصل. ابقوا معنا.
هل يمكن أن يكون اليقين نسبياً وتقسيم الإدراك الجازم وغير الجازم
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى. مولانا، المطلق والنسبي في التعامل مع اليقين، المفترض أن اليقين يمكن للمرء أن يعتقد أنه مطلق، يعني انتهى الأمر ولا يوجد بعده. لكن هل يمكن أن يكون اليقين نسبيًا؟
[الشيخ]: نعم بالطبع، فاليقين هو أصلًا تحت الجزم. ما معنى اليقين؟ قلنا إنه مائة في المائة. هل تتذكر عندما قمنا بتقسيم الإدراك وقلنا إن منه ما هو جازم بنسبة مائة في المائة وما هو غير جازم؟
ما رأيك؟ هذا الإدراك الجازم منه ما وفي إدراك جازم مئة في المئة لكنه مخالف للواقع.
مثال البدوي ورؤية الشمس تجري كيقين مخالف للواقع
نأخذ مثالًا، أي ضربنا في حينها مثالًا برؤية البدوي للشمس كل صباح. تطلع من الشرق هنا، وتسير أمامه، أمام عينيه، تتحرك في السماء متجهة إلى الغروب. هل تستطيع أن تهز يقينه هذا بأنها هي التي تجري؟ أبدًا!
فعندما تأتي مثلًا ممثلة تغني أو ما شابه ذلك، يقول لك: والشمس تجري حافية. وقد درسنا في الجغرافيا أن الشمس تجري حافية.
حسنًا، هذه ليست معلومات صحيحة، لكن بعض الناس يقولون لك: لقد شاهدتها بعيني وهي تدور! رؤوسهم هي التي تدور! الأرض لا تدور، بل الشمس هي التي تجري - هذا ما يعتقده - يقين مائة في المائة، غير راضٍ أن يتزحزح على أن الشمس تتحرك.
مثال القطار والتمسك باليقين الخاطئ والاستدلال بآية والشمس تجري
لو ركب هذا [البدوي] القطار وجلس بجانب النافذة ورأى أعمدة النور وهي تجري والشجر وهو يجري، فسيصدق بالله أن هذا الشجر ثابت وأنه هو الذي يجري. سيصدق بالله أن الأرض هي التي تدور تمامًا وأن الشمس لا تدور ولا شيء.
يأتي من زيادة التمسك باليقين [الخاطئ]، يقول لك: حسنًا، أنا أتعامل مع أناس مجانين ويقولون إن الذي يسير في السماء ليس سائرًا، والذي يجري في السماء هكذا ليس جاريًا، سأتحملكم حتى آخر نفس لدي.
قلنا له: حسنًا، ماذا ستفعل؟ قال: قال تعالى، دخلنا الآن في كتاب الله المسطور:
﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى﴾ [يس: 38]
ويفعل لك هكذا؟ إلى أين سنذهب بهذه الكلمة "تجري"؟ إلى أين سنذهب؟
﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى﴾ [يس: 38]
ويفعلها لك هكذا؟
الشمس تجري في الفضاء نحو نجم فيجا والفرق بين اليقين المطابق والمخالف للواقع
وماذا عنه وهو فرحان جدًا لأنه وجد ما يؤكد يقينه الأول الذي يعتقد أنه مطابق للواقع، هو يعتقد ذلك اعتقادًا فاسدًا.
قلنا له: حسنًا، هذه الشمس فعلًا تجري، لكن ليست تجري إلينا نحن ولا حولنا، إنما تجري في الفضاء نحو نجم فيجا بسرعة اثني عشر كيلومترًا في الثانية. هل انتبهت؟
قال: انظر، انظر! يتركون كتاب الله ويتمسكون بنجم فيجا! مسكين هو، مسكين.
ولكن أنت تسأل: هل يمكن أن يكون اليقين مخالفًا للواقع؟ طبعًا، فنحن نعيش فيه مع أنه يقين، أي أصبح يقينًا أنه واقع بالضبط. نعم، يقين ليس معناه مائة في المائة، ليس معناه الحق. يقين بل معناه أن إدراكي له إدراك كامل مائة في المائة.
ضلال الدواعش كمثال على اليقين الجازم المخالف للواقع
لم يكن أحد غريبًا عن ضلال الدواعش، فالشاب يضع الحزام الناسف ويقول بسم الله ويفجر نفسه، قال لأجل أن يدخل الجنة. نعم، هذا لديه يقين أنه كذلك، ولكنه في النار! هل تنتبه؟
كيف يكون إذن؟ إن القضية أن اليقين - لا - اليقين من الممكن جدًا أن يكون مطابقًا للواقع فيكون اعتقادًا صحيحًا، أو يكون مخالفًا للواقع فيكون اعتقادًا فاسدًا.
وضربنا مثلًا - لو كنت تتذكر - بأهل الأوثان، إنه مقتنع مائة في المائة أنه على حق. أتفهم؟ فإذن هذا هو الذي جعل نيتشه ينكر المُطلق.
فلسفة هيجل في الإيمان بإله غير مفارق وحلول الله في الكون
نيتشه أنكر المُطلق على مستويات، قبله لم يرها هو، لكن كان قبله هيجل. فهيجل جاء وقال: أنا مؤمن بالله. فقلنا له: والله يا هيجل، فعلت خيرًا، أنت رجل طيب وجيد.
قال: لكن الله الذي أنا مؤمن به ليس مفارقًا. قلنا له: لا نفهم، ماذا تعني بأنه ليس مفارقًا؟ قال: يعني ليس خارج الأكوان، والله موجود لكنه داخل الكون معنا، في الكون معنا هكذا، بداخله هكذا.
قلنا له: تقصد أنه معنا بقدرته وعلمه كما في قوله تعالى:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4]
قال: لا، بذاته! قلنا له: أعوذ بالله، معناه ربنا الآن متخلل فينا وحالٌّ فينا؟ يعني أنا الآن ربنا وأنت ربنا وهذه الطاولة فيها ربنا؟ فلسفة هيجل في النهاية ستؤول إلى هذا.
نيتشه يبني على فلسفة هيجل ويصل إلى إنكار وجود الإله وموته
جاء نيتشه ودرس فلسفة هيجل هذه، حسنة جدًا، لكنه قرأها وهو ألماني مثله. فقال: تائهة ووجدناها يا أبنائي، تائهة ووجدناها يا أبناء.
قلنا له: يا أستاذ، نيتشه هذا قبل أن يُجن - لقد جُن في عام ألف وثمان مئة وثمانية وثمانين - آخر كتاب ألفه، وبعد ذلك جُن ومات في عام ألف وتسع مئة، مسكين وهو في الشوارع يضرب الخيل أو ما شابه.
قلنا له: يا أخ نيتشه، هل أنت منتبه؟ أنت تقول تائهة ووجدناها، ما الذي وجدته؟ قال: أليس أستاذنا الكبير [هيجل] يقول أن الله داخل الكل؟ قلنا له: نعم، كلامه في النهاية يقول هذا.
قال: حسنًا، إذن لا يوجد إله! أليس هو يقول أن الله في داخل الكون؟ إذن لا يوجد إله مفارق، غير موجود، أي ليس هو الرب. ربٌ والعبد عبد وهناك فارق بين المخلوق والخالق. لا، هذا أن ربنا أصبح في الكون.
نيتشه يعلن موت الإله ويبني على إنكار المطلق هدم القيم كلها
يا له من جمال! ربنا توزع وتفرق، يعني هذا خلاص لم يعد موجودًا في الأعلى، إذن لا يوجد إله، لا يوجد إله.
قلنا له: حسنًا، إذن:
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الجاثية: 24]
هكذا. قال: نعم، صحيح، خرجتُ إلى الغابة فوجدتُ أنَّ الإله مات. هيا انتهينا!
هذا من أين أتى؟ الذي وجدها هذه التي تائهة ووجدها الأستاذ نيتشه، هذا جاء من أنه أنكر المطلق. ما هو المطلق؟ الله هو المطلق.
ولذلك أول ما أنكر نيتشه الإله وجعله أنه مات، وألَّف هكذا "تكلَّم زرادشت" إلى آخر الكلام الذي هو هذا الهراء. فذهب وقال ماذا؟ قال: ما دمنا أنكرنا [الإله]، فيجب علينا أن نهدم القيم.
إنكار المطلق يؤدي إلى نسبية القيم والتناقض الفلسفي العميق عند نيتشه
نعم، هذه هي المرحلة الثانية. نعم، لماذا؟ قال: لأنه لا يوجد صواب مطلق. من الذي أخبرك إذن أن الكذب حرام؟ من الذي قال لك أن الصدق واجب وأنه منجاة؟
أصبح علينا أن نجعل الصدق نسبيًا أشكالًا وكل شيء أشكالًا وانتهى الأمر، ونجعل كل شيء نسبيًا. فأنكر المطلق إنكارًا تامًا، أنكر المطلق إنكارًا تامًا.
فوقع في مشكلة فلسفية عميقة جدًا. ما هي؟ أن إنكار النسبي بشكل مطلق يجعل ذلك الإنكار مطلقًا!
أنت يا نيتشه، ألست أنت الذي لديك الآن شيء لا تتخلى عنها أبدًا؟ قال لي: نعم. قلت له: ما الذي أنت ثابت فيه؟ قال: إنكار المطلق. قلت له: حسنًا، هذا هو المطلق! فإنكار المطلق هو مطلق. أنت لديك شيء ثابت فيه، فلماذا تلومني أنا لأنني ثابت في الإيمان بربنا؟
رد الإلهيين الإنجليز على نيتشه وكل فكرة تحتوي على ما ينقضها
تمام. فبعض الناس الذين ردوا عليه من الإنجليز الإلهيون قائلين: الله يا نيتشه، أنت عجب عجاب وأمر مستراب! أنت الآن تريد أن نتركك تدخل النار بإرادتك، ولا تريدنا نحن أيضًا أن تتركنا ندخل الجنة بإرادتنا يا أخي!
الله، أنت ستفرض علينا أنه يجب أن ندخل النار معك! يا لها من عناد! أنا الآن مؤمن بالله والإيمان إطلاق، وأنت مؤمنٌ بالإنكار والإيمان، وهذا إطلاق أيضًا.
وهذا ما نبَّه عليه ماركس فيما بعد في مجال آخر في الديالكتيك، أن كل فكرة أتى بها هؤلاء الناس سواء كان هيجل أو نيتشه أو غيرهما تحتوي على ما ينقضها.
فكرة إنكار المطلق تشتمل على مطلق في ذاتها وثبات الإيمان بالله كأساس
ما هي إذن فكرة الإيمان بالنسبي وإنكار المطلق؟ إنها تشتمل على مطلق في شيء فيها، كما نحن ثابتون هكذا في الإيمان بالله في أساس، أو هناك أساس.
ما دام في أساس يكون هناك مطلق. أنت إذا لم يكن لديك أساس آخر فسيكون لديك مطلق، إذن أنت قد حكمت على نفسك بالبطلان.
خاتمة الحلقة والتمهيد لموضوع محاسبة صاحب اليقين الخاطئ في الحلقة القادمة
[المذيع]: حسنًا مولانا، الحقيقة أن الحديث جميل، لكنني لست قادرًا على إنهائه فالوقت قد انتهى. إن شاء الله في المرة القادمة، الحلقة القادمة، سنبدأ من هذا الإطار: فكرة أنه هل سأُحاسب، أو هذا الشخص الذي كان يعتقد أن لديه يقينًا جازمًا في شيء وهذا الشيء أصبح على خطأ، هل سيحاسب على يقينه هذا؟
إن شاء الله ستكون هذه بدايتنا في الحلقة القادمة إن شاء الله. شكرًا بفضيلتكم، جزاكم الله خيرًا، شكرًا موصولٌ لحضراتكم، إلى اللقاء.
