تعرف على وسائل إدراك الحقيقة مع د. علي جمعة #12 | درجات المعرفة - التفكير المستقيم, درجات المعرفة

تعرف على وسائل إدراك الحقيقة مع د. علي جمعة #12 | درجات المعرفة

26 دقيقة
  • العقل ليس الوسيلة الوحيدة لإدراك الحقائق، بل هو أحد الوسائل الأكثر شيوعاً.
  • العقل هو الدماغ مع سلامة الحواس والمعلومات السابقة والواقع المحيط، وهو مناط التكليف والإدراك.
  • القلب يعلو العقل، والعقل يعلو السلوك، وتغيير السلوك يتطلب تغيير المفاهيم والأفكار.
  • قسم العلماء الناس إلى عوام وخواص وخواص الخواص، فالعوام يعتمدون على العقل، بينما الخواص لديهم طرق أخرى للمعرفة.
  • توجد طرق متعددة للوصول إلى الحقائق: العقل، والقلب، والوحي، والنقل.
  • الدين ليس بكثافة واحدة، بل يشمل مساحة ظنية وأخرى قطعية، وينقسم إلى إسلام وإيمان وإحسان.
  • علم العقيدة يتضمن الإلهيات والنبوات والسمعيات، ويحتاج إلى فلترة عقلية مختلفة لكل منها.
  • علم الفقه يتضمن ملايين المسائل في العبادات والمعاملات، ويمثل نسبة قليلة من الدين.
  • التصوف يهتم بمقام الإحسان وتزكية النفس وأعمال القلوب التي تمثل النسبة الأكبر من الدين.
محتويات الفيديو(27 أقسام)

مقدمة الحلقة الأولى من برنامج درجات المعرفة حول العقل والإدراك

[المذيع]: أهلًا بكم في الحلقة الأولى لهذا البرنامج درجات المعرفة مع فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، ونحن توقفنا معه في الحلقات السابقة حول الفكر والتفكير والعقلية المسلمة وكيفية إعمال العقل، وأمور أخرى كثيرة حقيقةً تتعلق بالعلم كي تنهض هذه الأمة العربية والأمة الإسلامية.

اليوم نتحدث عن العقل والإدراك، هل يمكن اعتبار العقل هو الوسيلة الوحيدة لإدراك الحقائق؟ هل يمكن أن يكون هناك شك في هذه الأمور المبنية على الاستنتاجات العقلية؟ أمور الحقيقة كثيرة، لها أبعاد علمية ولها أبعاد الحقيقة في الأمور الشرعية والأمور الفقهية.

أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: أهلًا بفضيلتك مولانا، هل العقل هو الوسيلة الوحيدة لإدراك الحقائق الثابتة التي تصل لمرحلة اليقين؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. سبق أن عرفنا العقل بأنه ذلك الدماغ مع سلامة الحواس مع المعلومات السابقة مع الواقع المحيط.

تعريف العقل كمناط التكليف وعلاقته بالقلب والسلوك

وبذلك وبهذا التعريف عرفنا كيف أنه هو مناط التكليف، وأنه به الإدراك، وأنه يستطيع الربط بين المعلومات، وأنه يستطيع أن ينفذ ويطبق ما قد أُمر به أو ما توصل إليه استنباطًا وبناءً مما حدث من ترتيب فكري فيه. وعرفنا كل هذا في حلقات سابقة.

وعرفنا أيضًا أن هناك ما يسمى بالقلب، وأن هذا القلب هو الذي يعني هو محل الفكر المستنير الذي في نهايته يؤمن بالله. وأن هذا القلب يعلو العقل، وأن العقل يعلو السلوك.

وأننا إذا أردنا أن نغير السلوك فعلينا أن نغير المفاهيم أو الأفكار أو شعور الأعماق بدرجات مختلفة وبأساليب مختلفة، وللوصول إلى تغيير السلوك. وأن هذا السلوك منضبط بأنه يصب في جانب عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس.

العقل أحد وسائل الوصول إلى الحقيقة وليس الوسيلة الوحيدة

كل هذه الخريطة عندما رسمناها نستطيع أن نستخرج منها الإجابة على هذا السؤال وهو: هل بالعقل وحده يصل الإنسان إلى الحقيقة؟

والحقيقة أن العقل أحد الوسائل التي يمكن أن يصل بها إلى الحقيقة، أحد الوسائل وليس الوسيلة الأمثل أو الأقوى للوصول إلى [الحقيقة]، [بل هو] الوسيلة الأكثر شيوعًا.

نعم، ولذلك قسّم العلماء الناس من أجل هذا الشيوع إلى عوام وخواص. الخواص العوام يصلون فعلًا بالعقل فهو الأكثر شيوعًا. الخواص هم طائفة نخبوية من العوام، فليس كل الناس بهذا القدر من الخصوصية.

خواص الخواص ومواهبهم الربانية والقلب كتجربة تتجاوز العقل

ولكن خواص الخواص هم الذين يمثلون نخبة النخبة، وهم الخلاصة وهم قادة البشرية والعظماء فيها، مما وهبهم الله سبحانه وتعالى من مواهب خاصة، مواهب ربانية ومنح صمدانية.

فإذا كان العوام يعتمدون على الأسلوب الأشيع وهو العقل، ولكن هناك ما هو غير ذلك وهو القلب. وهذا القلب يعني تجربة تتجاوز العقل.

والقلب تجربة يأخذها العلماء المسلمون عبر التاريخ ويكتبونها بالتفصيل. تصدى لذلك وكتبه بالتفصيل في كتبه الإمام الغزالي.

الإمام الغزالي وقواعد العقل واستفادة المسلمين من منطق أرسطو

فجاء [الإمام الغزالي] إلى العقل وقال: يا جماعة، لا يستقيم الأمر إلا بمجموعة من القواعد استقر عليها البشر وليس المسلمون فقط. وبدأ المسلمون في الاستفادة مما توصل إليه أرسطو وجماعته من المشائين في اليونان، أجيال سابقة نحو ألف سنة قبل مجيء النبي ﷺ، فبعد أرسطو سنة [تقريبًا].

ولكن الحكمة ضالة المؤمن فأينما وجدها فهو أحق بها. درسته [أي درسوا ما عند أرسطو]، له كتاب الأرغانون العظيم، وفي الأرغانون يتحدث عن المنطق الذي هو بهذه اللغة "لوجيك".

ولكن اللوجيك ترجمناها نحن إلى العربية منطق، يعني له علاقة بالنطق. فدللنا بذلك أن اللغة لها دخل في هذه المسألة.

اللغة العربية وسرها الإلهي ودلالتها على الحقائق

واللغة كما ذكرنا أن الواضع في الراجح هو الله سبحانه وتعالى، وعلى ذلك فكان فيها خلفية أو عمق إلهي رباني.

اللغة ودلالتها على الألفاظ فيها سر إلهي، وفيها هداية يهتدي بها الإنسان إلى الحقيقة، ثم إلى الحق. والحقيقة نسبية والحق مطلق.

مؤلفات الغزالي في المنطق وتطوير المنطق العربي عن منطق أرسطو

الإمام الغزالي وقف عند العقل وبدأ يؤلف مثل كتاب معيار العلم. عندما ألف كتابه في الأصول وهو كتاب كبير اسمه المستصفى، جعل المقدمة الخاصة به في المنطق الخاص بأرسطو.

كان [منطق أرسطو] تسعة أجزاء: التصور والتصديق والشعر والجدل وما إلى ذلك. وعندما أرادوا تحويله إلى العربية جعلوه جزأين فقط: التصور والتصديق، ثم أضافوا إليه دلالات الألفاظ، ومن هنا جاءت كلمة المنطق.

وأضافوا إليه التوجهات، وأصبح المنطق العربي مستفيدًا مما ذكره أرسطو، إلا أنه ليس هو نفسه. ليس المنطق العربي هو منطق أرسطو بالضبط، لكنه استفاد منه في التصورات والتصديقات؛ في التصور الإدراك، والتصديق لهذا الإدراك.

القياس الاقتراني والشكل الأول وإبداع القياس الاستثنائي عند علماء الإسلام

أرسطو عرض قضية القياس الاقتراني وله أشكال أربعة، فاختاروا منها الشكل الأول وتعمقوا فيه جدًا وتركوا الأشكال الأربعة الخاصة. لم يأخذ [علماء الإسلام عن] أرسطو الأشكال الأربعة، بل أخذ الشكل الأول فقط عندما يبحثون في الأشكال الأربعة.

لكن الشكل الأول هو الذي اعتمد عليه علماء الإسلام؛ لأنه يؤدي إلى اليقين أو لا خلاف عليه بين العقلاء من البشر. فركّزوا على الشكل الأول وأوجدوا بعد ذلك القياس الاستثنائي الذي هو من إبداعهم.

إذن [هم] لا يقفون عنده [أي عند ما أخذوه] ويطورون طبقًا لقواعد منضبطة محكومة، يصلون بها إلى جعل هذا المنطق أداة مثل النحو الذي يضبط اللسان من الوقوع في الخطأ.

المنطق آلة قانونية تعصم الذهن عن الخطأ كما يعصم النحو اللسان

ونسبة المنطق للجنان كنسبة النحو إلى اللسان. هل انتبهت كيف يقول [الغزالي] إنه آلة قانونية يعصم مراعاته الذهن عن الخطأ، كما أن النحو يعصم مراعاته اللسان عن الخطأ؟ فهذا أيضًا يجعل ذهنك لا يخطئ.

جميل، وبدأوا يتحدثون في هذا الكلام. ووقف الغزالي عند العقل موقفًا كبيرًا جدًا، وبدأ يؤلف القسطاس المستقيم، ويؤلف معيار العلم، ويؤلف المنقذ من الضلال، ويؤلف الاقتصاد في الاعتقاد، ويؤلف وهكذا.

مكاشفة القلوب والبصيرة كوسيلة إدراك تتجاوز العقل عند الغزالي

إلا أنه [الغزالي] لم يقصر المسألة على هذا [أي على العقل وحده]، بل أضاف إليها، وهذا إجابة لسؤالك [عن وسائل إدراك الحقائق]. أصبحت مكاشفة القلوب لعلام الغيوب، وجعل القلب في إدراكاته بالبصيرة.

يعني أن هنا بصرًا وحواسًا سليمة وترتيب أدلة، ولكن هنا أيضًا إلهامات وتلقيات وواردات وعالم آخر يستطيع أيضًا أن يصل إلى ذات الشيء الذي وصل إليه العقل.

الوحي وسيلة قطعية للوصول إلى الحقيقة والرد على منكريه

فهناك طبعًا وسيلة قطعية أخرى ولكنها خاصة وقد انقطعت وهي وسيلة الوحي. فالوحي عندنا راقٍ.

بعض المفكرين الأوروبيين يقول: أبدًا، هذا الوحي منحط، أي درجة منحطة، والإلهامات وهذه الأشياء تأتي للحيوانات المنحطة وليس للإنسان، وأن هذه أمراض. هذا الكلام الفارغ لم نسمعه، لماذا؟ لأننا أخذنا نتاج الوحي وجربناه.

أخذنا نتاج الوحي وسبرناه، وسبرنا تعني ماذا؟ تعني تتبعناه، تعمقنا فيه. وكلما نتعمق فيه نجد العجب العجاب، ونجد من العلوم والمعارف والحقائق ما الله به عليم.

فننظر إليهم [أي إلى المنكرين] بشفقة ونقول: ما بك؟ أأنت مجنون أم ماذا؟ كيف لا تدرك أن هذا الوحي قد ثبت صدقه؟ وأنه موافق لخلق الله؟ وأنه من أعظم النعم من الموحى إليه الذي هو النبي ﷺ؟ هذا أكبر منه [أي أكبر مما يتصورون].

نيتشه ومحاولته هدم القيم في كتابه نقيض المسيح

نعم، فإذا كان هذا النبي ﷺ محدودًا في زمان ومكان وهو شخص له أحوال مختلفة، نعم، عما حدث بعد ذلك، فكيف تقولون هذا؟

المهم أننا أمام حقائق وأمام خرافات. الخرافات فيها دعوة: اقرأ لـنيتشه مثلًا. نيتشه وهو يؤلف قمة تأليفه، وقمة تأليفه كانت هذه سنة ألف وثمانمئة وثمانية وثمانين، قبل أن يموت باثني عشر سنة.

فذهب ليؤلف ماذا يؤلف؟ يا للأسف! قال: أنا ماذا؟ أنا سأؤلف لكم مؤلفًا خطيرًا جدًا، سأهدم فيه القيم. قالوا له: حسنًا، ألِّف. فعمل بعض قصاصات الورق.

فذهب وكتب هكذا باسمه: نقيض المسيح (أنتي كريست) لكن بحرف i وليس بحرف E حتى لا يكون المسيح الدجال، بل هو نقيضه تمامًا. وكان يقول: أنا الأنتي كريست، أي أنا نقيض المسيح.

تفسيرات مقصد نيتشه بالمسيح وموته مجنوناً واستحالة المقارنة مع الوحي

وهنا يُقصد بالمسيح مَن؟ نعم، هناك مفسرون كثيرون يقولون إنه يقصد بها المسيحية، ويقصد بها كذا، إلى أن قال بعض المفسرين إنه يقصد بها يسوع الناصري، إنه يسوع الناصري ضد المسيحية، يعني ضد المسيحية التي جاءت بعد ذلك.

لا يهم، هو يقول ما يريد ويفعل ما يشاء، هذا شأنه. لقد مات مجنونًا سنة ألف وتسعمائة، وأصيب بالجنون لمدة اثني عشر سنة. هذا نيتشه، آخر ما أنتجه.

يا للأسف، تقرأ الكتاب يعني مع نحن نقرأه في الوحي وتتابعات الوحي، الحقيقة مسألة مضحكة للمقارنة، صعبة، يعني ليست صعبة، بل المقارنة مستحيلة.

يوجد تعظيم كبير جدًا لما فعله، حيث قال إنه سيهدم القيم. ما أجمل ذلك! ماذا يعني أنك ستهدم القيم؟ وماذا يعني هذا الكلام؟

وسائل الوصول إلى الحقيقة الأربع: العقل والقلب والوحي والنقل

أنا أريد أن أقول لحضرتك إننا في ورطة المفاخمة وما إلى آخره، ولكن الذي نحن فيه هذا لا [علاقة له بذلك].

فهناك وسائل أخرى: العقل يصل، القلب يصل، بالوحي نصل. جيدًا، هل تنتبه كيف؟ بالنقل نصل أيضًا.

لأن هذا النقل يشمل ماذا؟ يشمل اللغة التي نقول إنها من عند الله، فيها كلام وفيها اختلاف. قلنا أربعة مذاهب [في أصل اللغة]، لكننا نختار أن هذا من عند الله، فنصل بها إلى الحقائق.

نعم، وأنت عندما تجلس تقرأ هكذا وتحلل لغويًا، تصل إلى حقائق عجيبة غريبة لم تكن موجودة من قبل. من الذي يملك هذه الطاقة التي يهديها للإنسان؟ الله، هو الهادي.

هل يجب عرض الأمور العقدية والشرعية على العقل أولاً قبل قبولها؟

[المذيع]: حسنًا، أستأذن فضيلتك بعد الفاصل. فكرة أن الأمور العقدية أو العقائدية والفقهية والشرعية يجب أن تُعرض على العقل أولًا، يرى البعض هذا: أنها يجب أن تُعرض على العقل أولًا، فإن قبلها العقل تتحول بالتالي إلى يقين. هل هذا المبدأ جائز أم لا؟ إن شاء الله بعد الفاصل، ابقوا معنا.

أهلًا بكم مرة أخرى مولانا، من يقول بأنه يؤمن بالله سبحانه وتعالى وملائكته وكتبه ورسله، ولكن في بعض الأمور في العقيدة أو في العبادات أو في أمور أخرى، الحقيقة يجب أن أعرضها على عقلي أولًا، لتمر عبر مصفاة عقلي حتى تصل معي في أعماق شعوري إلى مرحلة اليقين. هل هذا يمكن أن يكون جائزًا في الأمور المعملية الكونية؟ هل هذا جائز في الأمور الشرعية والخاصة بالعقيدة؟

[الشيخ]: عندما جاءنا الدين، لم يأتنا بكثافة واحدة وليس بنسيج واحد، بل جاءنا بمسائل لها درجات مختلفة وليست درجة واحدة.

التقسيم الأساسي لمسائل الدين بين الظني والقطعي وكيفية التعامل معها

التقسيم الأساسي لما جاء به الدين أن هناك مساحة ضخمة جدًا فيه ظنية، ومساحة فيه قطعية، والتناول مختلف.

فليس هو كل شيء في الدين أستطيع أن أقول عنه إنه دخل الفلاتر، أو كل شيء في الدين عندما يدخل الفلاتر ماذا يخرج، أو كل شيء في الدين لا يدخل الفلاتر أصلًا. لا دخول ولا كيفية دخول ولا كيفية خروج شيء واحد.

عندما نذهب لكي نفهم هذا الكلام الذي نقوله، هو الدين أحضر لنا واحد اثنين ثلاثة أربعة مليون اثنين مليون ثلاثة مليون مسألة. نريد أن نرى ما هو دور الثلاثة مليون مسألة التي أحضرها لنا الدين، وماذا نفعل بها، وكيف نقوم بتصفيتها.

هل تنتبه؟ نقوم بالتصفية أم لا نصفي؟ حتى يقبلها العقل كما يقولون، أو يطالبون، أي يقولون: نعم، حتى يهدأ. هيا بنا نفعل ذلك.

حديث جبريل وتقسيم الدين إلى إسلام وإيمان وإحسان

ولنعُد مرة أخرى لنقسم هذين الثلاثة ملايين. فقد أتانا جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي، وعمر رضي الله عنه يقول:

«دخل علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه أحد منا»

أي أنه ليس من أهل المدينة. جميل جدًا وهو داخل، وليس عليه أثر السفر. يكون المرء عندما يسافر ويعود ويصل، متعبًا ومرهقًا هكذا وعليه غبار مثلًا أو رمل ويكون شعره متلبدًا وما شابه ذلك ومجهدًا وهكذا.

لكن لا، إنه كالقمر داخلًا علينا هكذا. في النهاية تبيّن أنه جبريل عليه السلام، والنبي ﷺ قال لهم:

«أتدرون من هذا؟ هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم»

الصحابة سمعوه أن هو في هيئة بشرية. قال له ماذا؟ سأله ثلاثة أسئلة، فأصبحت المسائل التي أخبرك عنها الآن مقسمة إلى ثلاثة أسئلة: ما الإسلام؟ ما الإيمان؟ ما الإحسان؟

أركان الإيمان والإسلام والإحسان ومستويات البشر في العلاقة مع الله

فقال له [النبي ﷺ عن] الإيمان، وذكر له ستة أركان فيها:

«أن تؤمن بالله واليوم الآخر وكتبه ورسله والقدر خيره وشره»

أي بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر واليوم الآخر، ستة.

حسنًا، والإسلام؟ قالوا: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم تقيم الصلاة وتصوم وتؤدي الزكاة وتحج، وهي أركان الإسلام الخمسة.

قال له: حسنًا، فما الإحسان؟ قال له:

«الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»

إذن يوجد مستويان من البشر وهما عوام وخواص وخواص الخواص في حكاية العلاقة بيني وبين الله هذه. فأصبح الذي جاء لي به الدين هو الثلاثة هؤلاء: إسلام، وإيمان، وإحسان.

تأسيس علم العقيدة وتقسيمه إلى إلهيات ونبوات وسمعيات

لننتقل إلى الإيمان الآن يا جماعة. نريد أحدًا منكم أن يقف هكذا ويقرأ القرآن كله والسنة كلها وما ورد عن الصحابة كلها ويفكر لنا، ويستخلص لنا المسائل التي أحضرها لنا، من فضلكم، نريد أن نُدخلها في العقل لتُنقّى.

قالوا لنا: حاضر، وذهبوا وأسسوا علمًا اسمه علم العقيدة أو التوحيد أو أصول الدين؛ ليجيبوا على سؤالنا هذا.

وقسّموه إلى ثلاثة أقسام، وجعلوا له مقدمات وخاتمة، فتجد خمسة أجزاء في ثلاثة: الإلهيات والنبوات والسمعيات.

تفصيل أقسام علم العقيدة: الإلهيات والنبوات والسمعيات وطبيعة كل منها

ما هي؟ الإلهيات ماذا تعمل فيها؟ قال: ما يجب وما يجوز وما يستحيل في حق الله تعالى.

حسنًا، والنبوات: ما يجب وما يجوز وما يستحيل في حق الأنبياء.

حسنًا، والسمعيات: الأمور التي لم نستنتجها بعقولنا بل جاءتنا بالسمع، مثل الجنة والنار والعرش ويوم القيامة والصراط والحساب وما شابه ذلك. لا يدركها [العقل] تمامًا ولا يتخيلها، إنما تأتي إليّ عن طريق ماذا؟ السمع.

فتكون هناك طبيعة مختلفة من الإلهيات إلى النبوات إلى السمعيات. الإلهيات والنبوات سأستعمل فيها الفلتر [أي العقل]، لكن السمعيات كيف ستستعمل فيها الفلتر؟

ترتيب دراسة أقسام العقيدة وعدد مسائلها ألف وخمسمائة مسألة

أنت يجب عليك أولًا أن تنهي لي قضية الإلهيات وتنهي لي قضية [النبوات] في ذهنك، لكي تضع شريحة ذهنك حتى عندما تدخل السمعيات تستطيع أن تفلترها. هل تفهم جيدًا؟

ولذلك يجب أن تبدأ بالإلهيات ثم النبوات ثم السمعيات.

حسنًا يا جماعة، ألا تخبروننا كم جملة استطعتم التوصل إليها؟ فتوصلوا إلى حوالي ألف وخمسمائة جملة، ألف وخمسمائة مسألة في الثلاثة [أقسام]. ألف وخمسمائة مسألة.

قلنا لهم حسنًا، تصبح هذه ألف وخمسمائة، فإياكم أن تزيدوا. ألف وخمسمائة، جيدون هم.

مسائل الإسلام في العبادات والمعاملات بلغت مليوناً ومائتي ألف مسألة

ذهبنا إلى الإسلام، فدرسوا العبادات والمعاملات والقضايا والشهادات والبيع والشراء والزواج والطلاق وكل العقود. كم مسألة؟ مليون ومائتا ألف مسألة.

كل هذه أمور أمعنوا العقل فيها، أمعنوا العقل فيها وكل شيء. لكن هناك أشياء تدخل قبل أشياء لكي تُرشَّح بشكل صحيح.

تمامًا، هل تنتبه؟ كيف توجد أشياء تدخل قبل أشياء لكي تُرشَّح بشكل صحيح، لكي تُفهم، ولكي تُرشَّح بشكل صحيح ودقيق.

تأسيس علم التصوف لمقام الإحسان والتخلي عن الصفات المذمومة والتحلي بالمحمودة

حسنًا، والنقطة الثانية هي أن تعبد الله كأنك تراه. ذهبوا وأسسوا لها علمًا أسموه التصوف: التخلية والتحلية، والذكر والفكر، وكيف توصل الإنسان إلى هذا ما نسميه مقام الإحسان.

يا مولانا، مقام الإحسان كم قبيح سنجعله [حسنًا]؟ كم سنرتقي؟ قالوا حوالي خمس وعشرين صفة مذمومة: الكبر، الحقد، الحسد، الضغينة، الكراهية.

وبماذا ستتحلى؟ قال: بخمس وعشرين صفة مضادة. الكراهية يقابلها الحب، والحقد يقابله الرضا والغبطة، وهكذا. يعني: التسليم، التوكل، كل ذلك بدلًا من هذا القلق الذي في القلب.

توزيع مسائل الدين بين العقيدة والأخلاق والعبادات ونسبة كل منها

قال له: طيب، كم مسألة هكذا عندكم؟ قال له: لا يزيد عن ألفين. فيكون هنا ألف وخمسمائة [في العقيدة]، وهنا ألف وخمسمائة [في الأخلاق والتصوف]، والذي في الوسط [العبادات والمعاملات] هو الذي كثير جدًا.

قال له: حسنًا، هذه المسائل التي أنتم أوجدتموها، هل هذه الأخلاق تسير وحدها هكذا أم متصلة بالعقيدة؟ قال: كلها متصلة بالعقيدة.

والله لا يؤمن، انظر كيف دخل الإيمان هنا:

قال النبي ﷺ: «من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم»

هل انتبهت؟ وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، وهكذا.

نسبة أعمال القلوب سبعة وتسعون بالمائة من الدين وأهمية الانتباه لها

أنت الآن أحضرت هذه الألف وخمسمائة [عقيدة]، وهذه الألفان مسألة [أخلاق]، فيكون المجموع ثلاثة آلاف وخمسمائة أخلاق مع عقيدة. كم أخذت في المائة من الكتاب والسنة؟ سبعة وتسعين في المائة.

طيب، وهؤلاء المليون [مسائل العبادات والمعاملات] أخذوا ثلاثة في المائة، ثلاثة في المائة. نعم، أي العبادات والمعاملات وما إلى آخره.

قلنا طيب كيف هذا؟ قال يعني: انتبه، أنت أكثرت من عمارة الدنيا، ها، لا مانع، أكثر وقل ما تريده، لكن في النهاية أعلم أنك هكذا تطبق ثلاثة في المائة فقط، لكنني لا أمنعك.

إنما أنبهك أن نظامنا لكي يرضى ربنا عنك هو أن تنتبه للسبعة والتسعين التي هي أعمال القلوب. هذه هي الحكاية.

كيفية تصفية مسائل الدين بالعلم والمعرفة لا بالهوى والشهوات

وبعد ذلك سنعرف كيف نقوم بتصفيتها وكيف ندخل أي شيء قبل أي شيء؛ لأن هذا المصفي هو أنا، لا ليس لدي مانع منه.

جميل، ولكن بالعلوم، يعني بالمعرفة هكذا، يعني بالشجاعة، يعني بأصوله، بأصولها، بشروطها تمامًا. ليس هكذا بالهوى والرغبات والشهوات.

هذا ما مشى عليه علماء المسلمين عبر التاريخ.

هل ما يتوصل إليه العقل أقوى مما يتوصل إليه القلب وكلاهما على الصواب

[المذيع]: نعم، بارك الله فيكم مولانا. يعني قبل - إن شاء الله - نحن متشوقون للحقيقة لهذه الحلقة، اليقين والله وكيف نُخضع العقل، نُخضع هذه الأمور للعقل. ولكن هل ما يتوصل إليه الإنسان عن طريق العقل أقوى مما يتوصل إليه من خلال القلب؟ وهذا إن شاء الله سيكون سؤالًا ختاميًا.

[الشيخ]: حسب حالة الإنسان، فهناك أناس تعوّدوا على تدريب العقل بحيث يطمئنون إليه، وهناك أناس تعوّدوا على تدريب القلب بحيث إنها تطمئن إليه.

ولذلك - يعني - وأنت خارج عن هذا وذاك وتقول لي: طيب، اختر أيَّ واحدٍ حسبما يفتح الله عليك به، فهذه مواهب ربانية ومنح صمدانية؛ لأن كليهما على الصواب. ولذلك ليس عندي أن تكون واحدًا من أيٍّ منهما.

[المذيع]: نعم، بارك الله فيكم. أهلًا وسهلًا، جزاكم الله خيرًا، شكرًا جزيلًا لك. الشكر موصول لكم، إلى اللقاء.