تفعيل المقاصد لمواجهة التغييرات الناتجة من جائحة كورونا | أ.د علي جمعة
- •المقاصد الشرعية نوعان: مقاصد الخلق وهي ثلاثة: عبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس.
- •مقاصد المكلفين خمسة: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، مع اختلاف العلماء في ترتيبها.
- •يرى المتحدث ترتيباً جديداً يبدأ بحفظ النفس أولاً، فالعقل، فالدين، فكرامة الإنسان، فالملك.
- •حفظ النفس مقدم على كل شيء، وهذا يوجب اتخاذ الإجراءات الاحترازية في مواجهة الأوبئة والطواعين كفيروس كورونا.
- •الطواعين عبر التاريخ لا تستمر أكثر من ثلاث سنوات.
- •المقاصد الشرعية تقتضي ألا يضر الإنسان نفسه ولا غيره.
- •عطل الحج عبر التاريخ أكثر من عشرين مرة لأسباب متعددة منها الأوبئة.
- •نعيش في عصر جديد بدأ سنة 1830م، تميز بتطور الاتصالات والمواصلات والتقنيات.
- •يحتاج هذا العصر إلى فقه جديد يدرس الواقع بأبعاده الأربعة: الأشياء، والأشخاص، والأحداث، والأفكار.
- •ضرورة تجديد الخطاب الديني بالاهتمام بالمعرفية والمنهجية وإدراك الواقع مع الاستفادة من التراث.
افتتاح المحاضرة بالتحية والشكر على الدعوة المباركة للمؤتمر
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ومن القاهرة إليكم حيث ما كنتم، أرسل شكرًا عميمًا ودائمًا وعالي القدر إليكم من أجل هذه الدعوة المباركة التي شرفتموني بالحضور معكم، وإن كان عبر هذا التسجيل، إلا أن الأرواح تلتقي وإن لم تلتقِ الأشباح.
وهكذا مكّننا الله سبحانه وتعالى في ذلك العصر لذلك التواصل الذي أغنى عن السفر وأغنى عن اللقاء، إلا أنه في نفس الوقت حرمنا من المثول بين أيديكم والجلوس إليكم، وكان في هذا المعنى كثير من الحميمية وكثير جدًا من الإنسانية.
الشكر لمؤتمر الشريعة الإسلامية والمجتمع المعاصر وموضوع تفعيل المقاصد
نشكر الله سبحانه وتعالى على ما علمنا وعلم البشرية، ونستغل هذا الطريق من أجل أن نستمر في التواصل وأن نستمر في الاستفادة وتبادل المعرفة.
الشكر موصول لهذا المؤتمر تحت عنوان حول الشريعة الإسلامية والمجتمع المعاصر، والذي تقوم به جامعة زين العابدين، فشكرًا لكل من ساهم في هذه الدعوة.
والمطلوب هو أن يكون لقاؤنا نحو تفعيل المقاصد الشرعية لمواجهة التغيرات الناتجة من هذه الأزمة العالمية التي اكتنفت العالم من ذلك المرض الخطير المسمى بكوفيد تسعة عشر أو كورونا.
تعريف المقاصد الشرعية ومقاصد الخلق الثلاثة: العبادة والعمارة والتزكية
ونبدأ لنذكر ما معنى المقاصد الشرعية. المقاصد الشرعية على نوعين:
النوع الأول: مقصد هو مقصد الخلق، أي أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق من أجله، وهذه ثلاثة مقاصد:
المقصد الأول: عبادة الله:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
والمقصد الثاني: عمارة الأرض:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
والمقصد الثالث: هو تزكية النفس:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]
ملخص مقاصد الخلق الثلاثة وانتقال إلى مقاصد المكلفين الخمسة
هذه المقاصد الثلاثة مقاصد خلق الله سبحانه وتعالى من أجلها هذا الخلق: وجعل غايته عبادة الله، وجعل غايته عمارة الأرض، وجعل غايته تزكية النفس، ثلاثة.
إلا أن الله سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل وأنزل الكتب وجعل هناك مقاصد للمكلفين. فمقاصد الخلق - يعني الهدف الذي من أجله تمت الخليقة - ثلاثة، لكن مقاصد المكلفين تتبعها العلماء في الكتاب والسنة، بل تتبعوها في الأديان السماوية المنسوبة إلى الوحي والتي منّ الله سبحانه وتعالى على البشرية بها، فوجدوها خمسة.
ترتيب المقاصد الخمسة عند الشاطبي والزركشي واختلاف العلماء فيه
الترتيب المشهور لها: حفظ الدين، حفظ العقل، حفظ النفس، حفظ الملك، حفظ العرض. رتبها الإمام الشاطبي في كتبه: حفظ الدين، حفظ النفس، ثم حفظ العقل، ثم حفظ العرض أو كرامة الإنسان، ثم في الأخير حفظ المال.
على هذا الترتيب، إلا أن هذا الترتيب ليس متفقًا عليه، فقد أورد الإمام الزركشي تراتيب أخرى غير الترتيب الذي ذهب إليه الشاطبي، فدل ذلك على أنه يمكن لنا أن نرتبها طبقًا لثقافة العصر واحتياجات الناس في ذلك العصر.
ولقد ألفت في ذلك مؤلفًا في ترتيب المقاصد الشرعية من أجل أن أُصِّل أن تلك المقاصد التي وردت في كل دين إنما هي تمثل ذلك النظام العام الذي يذكره القانونيون في كل الدنيا، والذي ما زال يسيطر على العقلية القانونية في العالم كله.
الترتيب المقترح للمقاصد الخمسة بدءًا بحفظ النفس ثم العقل ثم الدين
وبدأت بحفظ النفس؛ لأن الإنسان في منطق العقل يجب أن يحافظ على نفسه. ثم بعد ما يحافظ على نفسه ينظر للحفاظ على عقله الذي به سيدرك الأمور.
ثم بعد أن يحافظ على عقله فإنه يحافظ على دينه حتى تستقيم له الحياة، سواء في الدنيا أو في الآخرة. ثم إنه يحافظ على العرض، وهذا لفظ قديم قد يصلح أن نذكر اللفظ الحديث الذي شاع عند كثير من الناس: كرامة الإنسان أو حقوق الإنسان، يعني يعيش الإنسان حتى يشعر بالحرية، يشعر بالأمن، يشعر بالسلامة.
وهكذا القضية هنا هي في الخامس: حفظ الملك، حفظ المال الذي به قوام الحياة والذي به جريان الأمور.
اتساق ترتيب المقاصد الخمسة مع النظام العام والقانون الطبيعي
إذن المقاصد الخمسة هي هي، لكن في ترتيبنا نحافظ على النفس أولًا، ثم على العقل ثانيًا، ثم الدين، ثم كرامة الإنسان، ثم الملك.
وبهذا يتسق تمامًا هذا النظام مع النظام العام والآداب الذي هو يسمى عند بعض القانونيين بالقانون الطبيعي؛ لأنه هو الذي يحفظ للإنسان إنصافه وعدالته وأمنه وسلامه الاجتماعي إلى آخر ما هنالك من هذا الترتيب.
فالمقاصد الشرعية سواء كانت مقاصد الخلق أو كانت مقاصد المكلفين تقوم بمهمة عظيمة في سريان الحياة.
تقديم حفظ النفس على سائر المقاصد وإجازة النطق بكلمة الكفر عند الإكراه
وبهذا الترتيب فإننا نرى أن الحفاظ على النفس البشرية أمر مقدم على كل شيء. ومن هنا أجاز الإسلام أن ينطق الإنسان - والعياذ بالله - بكلمة الكفر حتى يتخلص من القتل من الظالمين، حتى يتخلص من الاعتداء.
يا عمار إن عادوا فعُد:
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾ [النحل: 106]
والإنسان عندما يذهب للجهاد في سبيل الله هو يذهب على أمل الرجوع وليس من أجل أن يستشهد، بل الشهادة تأتي له كجائزة كمكافأة له إذا ما هو جاد بنفسه وروحه في سبيل الله ولأجل قضيته والمسلمين.
وجوب اتخاذ الإجراءات الاحترازية لحفظ النفس عند الأوبئة
إذن فنحن الآن أمام مقصد عظيم وهو حفظ النفس وهو أول المقاصد. وعليه، فكل أنواع المقاصد ستؤخر عندما تتعارض أو تتصادم مع حفظ النفس.
ومن هنا سيجوز لولي الأمر أن يتخذ كل الإجراءات الاحترازية والاستباقية من أجل أن يحافظ على النفس البشرية، من أجل أن يحافظ على الحياة الإنسانية.
من أجل ذلك فإنه لا بد عليه أن يفعل كل ما هو ممكن وجائز تحت يديه. هذا له أثر في مقاومة الطواعين والأمراض والأوبئة التي منها كورونا.
معنى الطاعون في لغة العرب وشموله لكل الأوبئة كالكوليرا وكوفيد
لو تأملنا في الطواعين التي جاءت في الأمة، وكلمة طاعون في لغة العرب تعني الوباء، سواء كان ذلك المرض المعروف الذي ينتشر باسم الطاعون، أو كان مثل الكوليرا أو الإيبولا أو هذا الكوفيد وما شابه.
فكلها تسمى في لغة العرب بالمعنى الأعم طواعين جمع طاعون؛ لأنه كأنه له خصوص بحسب الوضع ثم عرض له عموم بحسب الاستعمال.
الطواعين عبر التاريخ لا تستمر فوق ثلاث سنوات وتوقع انتهاء كوفيد
هذه الطواعين، المتتبع لها عبر التاريخ مثل الطاعون الأسود أو الوباء الأسود العظيم الذي حدث في سنة سبعمائة وتسعة وأربعين في حوض البحر المتوسط، وكان أساسًا قد أتى عن طريق السفن من الهند.
نجد بعد التتبع لكتب التاريخ وكتب تراجم الرجال وكتب تاريخ مثل هذه الأوبئة كما ألف المقريزي، فإننا نرى أن الطواعين لا تستمر فوق الثلاث سنوات، ثلاث سنوات فقط تستمر الطواعين.
وبعد السنوات الثلاث ينتهي [الوباء]. فإذا كان كوفيد هذا ظهر في أوائل سنة عشرين، فعندنا سنة عشرين وواحد وعشرين واثنين وعشرين، وقد يكون محلًّا له، ثم بعد ذلك يأخذ في الانتهاء شيئًا فشيئًا وفي الضعف شيئًا فشيئًا حتى يزيل الله سبحانه وتعالى الغمة من على الأمة بهذا الشأن.
المقاصد الشرعية توجب عدم الإضرار بالنفس وبالغير وتحريم الانتحار
لكن المقاصد الشرعية تفرض على المسلم ألا يضر نفسه وألا يضر غيره. المقاصد الشرعية تحتم علينا مثل هذا الأمر؛ لأن الحفاظ على النفس في حد ذاتها مأمور به.
ولذلك حرم الله قتل النفس، وحرم الله الانتحار، وحرم الله سبحانه وتعالى الإضرار بالنفس:
قال رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»
بمعنى لا تضر نفسك ولا تضر غيرك.
حفظ النفس يوجب الابتعاد عن الوباء والحجر الصحي كما أمر النبي ﷺ
فحفظ النفس الذي هو أول مقصد في الترتيب عندنا يجعلك يجب عليك أن تبتعد بنفسك [عن مواطن الوباء]. ولذلك أمر رسول الله ﷺ أنه إذا كنت بأرض وهذه الأرض قد حل بها الطاعون - يعني الوباء - فلا تخرج منها، وإن سمعت به بها فلا تدخل إليها.
وهذا هو الذي فعله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حتى قيل له: أتفر من قضاء الله؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قضاء الله. يعني نحن نمتثل للأمر النبوي ولسنا نعتمد على أنفسنا ولا على حولنا وقوتنا، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وهنا قضاء الله وهناك قضاء الله.
نفي العدوى المستقلة ووجوب سد الذريعة والحجر الصحي والتطعيم
ولكن لا عدوى ولا صفر ولا هامة، وفر من المجذوم فرارك من الأسد؛ فإن الله سبحانه وتعالى يخلق المرض حين تلك الملامسة. إذن فيجب علينا أن نسد الذريعة.
ومن هنا قام الفكر الفقهي مستعملًا للمقاصد آمرًا للمسلمين بمثل هذا الحجر الصحي من ناحية، وبمثل هذا التباعد، وبمثل هذا اتخاذ الإجراءات والتطعيم، وكل تلك الوسائل التي تصل عند الوباء إلى درجة الوجوب.
فيجب علينا ألا نتعامل مع الأمر بطريقة فيها تصديق للإشاعات أو تصديق للأفكار المغلوطة؛ لأننا نريد أن نحقق مقصد الشرع الأول وهو الحفظ، حفظ النفس سواء كانت هذه النفس هي الإنسان في حد ذاته، أو كانت هذه النفس هي نفوس الآخرين.
وجوب القيام بالإجراءات الوقائية لمحاصرة الوباء وتعطيل الحج عبر التاريخ
فإننا بذلك [إذا لم نلتزم بالإجراءات] نكون قد وقعنا في الضرر والضرار معًا. يجب علينا أن نقوم بمثل هذه الإجراءات في كل مكان حتى نحاصر هذا الوباء كما أمرنا الله سبحانه وتعالى.
الأوبئة عبر التاريخ أدت بنا إلى تعطيل الحج. الحج عُطِّل نحو أكثر من عشرين مرة عبر التاريخ؛ كان بعضها بسبب عدم أمن الطريق، وبعضها كان بسبب الأوبئة، وبعضها كان لأسباب أخرى، منها السياسي ومنها الاجتماعي ومنها الاقتصادي.
ولكن يصل الأمر إلى أن يتم تعطيل ركن من أركان الإسلام. هذا أمر يدل على خطورة ما هنالك، ويدل على وجوب عدم الاستهانة بأمثال هذه النوازل التي يجب علينا أن نعيشها [بوعي ومسؤولية].
سنة ألف وثمانمائة وثلاثين السنة الفارقة وبداية عصر الهيمنة الغربية
القضية أيضًا تتمثل في العصر الذي نعيش فيه. العصر الذي نعيش فيه هو بدأ من سنة ألف وثمانمائة وثلاثين من الميلاد، ويسمي علماء الحضارة هذه السنة بالسنة الفارقة؛ لأنها فرقت بين ما قبلها وما بعدها.
ويريدون أن يلتمسوا في هذه السنة شيئًا يحيلون عليه بداية هذا العصر، فكان دخول الحديد في السفينة الذي اكتشفه الإنجليز علامة فارقة؛ لأنه فعلًا نقل الإنجليز نقلة نوعية من حالة المساواة إلى حالة القوة المفرطة التي بموجبها هيمنوا وسيطروا على العالم تقريبًا.
أحداث سنة ألف وثمانمائة وثلاثين: موت آخر سكان تسمانيا وإغلاق محاكم التفتيش
في هذه السنة [ألف وثمانمائة وثلاثين] ماتت آخر امرأة في تسمانيا بأستراليا، كانت آخر امرأة من السكان الأصليين، وهذا يدل على ما فعله الرجل الأبيض في المستعمرات الجديدة.
في هذه السنة أيضًا أُغلقت آخر محاكم التفتيش في العالم، وهي كانت تابعة للكنيسة الكاثوليكية وآخرها إغلاقًا ألف وثمانمائة وثلاثين، فلم يعد هناك الفكر الذي غزاه توماس أكوينوس بإنشاء المحاكم [محاكم التفتيش].
وانتهى هذا العصر وأصبح هناك عصر جديد يسميه بعضهم [عصر التنوير]، ويسميه بعضهم [عصر الحريات]، ويسميه بعضهم [عصر المساواة]، ويسميه بعضهم [عصر الإخوة]، ويسميه بعضهم [عصر الثورة الفرنسية].
العصر الجديد المتميز بالاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة واختراعاته
ولكن الثورة الفرنسية كانت ألف وسبعمائة تسعة وثمانين، يعني الآن نحن نتكلم بعد واحد وأربعين سنة من الثورة الفرنسية. كل هذا حدث في العالم وبدأ عصر جديد، تميز بالاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة بهذه الثلاثة.
وهذه الثلاثة غيرت البرنامج اليومي للإنسان، فدخلنا في عصر لم يره عمر بن الخطاب [رضي الله عنه]، في المواصلات وفي الاتصالات وفي التقنيات الحديثة.
وأخذ الإنسان يكتشف ويخترع خلال مائة سنة وحتى سنة ألف وتسعمائة وثلاثين كل شيء: اخترع كيف يغادر الأرض في صورة الطيران، واخترع كيف يشيع الآلة، واخترع كيف يتواصل عن بعد في صورة التليفون والراديو والتلفزيون والسينما والتصوير والكهرباء. كل ذلك اخترعه واكتشفه الإنسان.
الحاجة الماسة لفقه جديد يدرس الواقع المعاصر واكتشاف الفيمتوثانية
فقامت مجموعة من العلوم الاجتماعية والإنسانية لدراسة الواقع الجديد. ونحن في حاجة ماسة في مجال الفقه لأن ندرس ما يحدث الآن؛ لأنه منذ عام ألف وتسعمائة وثلاثين إلى يومنا هذا لم يفعل الإنسان شيئًا أو لم يكتشف شيئًا ذا أهمية إلا الفيمتوثانية التي اكتشفها أحمد زويل وفريقه.
في الفيمتوثانية سنرى بأعيننا التفاعلات الكيميائية، وحينئذ نستطيع القضاء والتعامل مع أمراض كثيرة، ونستطيع أن نفهم ما الذي يحدث حولنا بدقة متناهية تصل إلى الفيمتوثانية.
ضرورة فقه جديد يراعي تغير العلاقات الإنسانية والعقلية المعاصرة
هذا العصر يحتاج إذن منا إلى فقه جديد، ننظر فيه إلى العلاقات الإنسانية وكيف تغيرت، وننظر فيه إلى العقلية القائمة وكيف تغيرت، وننظر فيه في ترتيب العلوم وكيف تغير.
لأن كل ذلك بدأ يجعل الإنسان يعيش في جزر منعزلة، وهذا سيؤثر تأثيرًا فعالًا في الواقع. والفقه يبحث دائمًا عن الواقع ودراسته، وعن النص ودراسته، وعن كيفية الوصل بينهما.
ولذلك فإنه يجب علينا إنشاء علوم تدرس هذا الواقع الجديد، وتستطيع مع دراسة النص ودراسة ذلك الواقع الجديد أن تصل إلى المقاصد الشرعية، وهو الهدف لكل مسلم: أن يحافظ على النفس البشرية، وأن يحافظ على العقل، وأن يحافظ على الدين، وأن يحافظ على الكرامة وعرض الإنسان، وأن يحافظ على الملك.
إدراك الواقع من خلال أربعة عوالم: الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار
إذن فهذه إطلالة سريعة في إتاحة الوقت الذي نحن فيه. نتكلم عن إدراك الواقع. الواقع حتى ندركه من خلال المقاصد يجب علينا أن نعلم أنه أربعة عوالم: عالم الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم الأفكار، وعالم الأحداث.
وترتيبها: الأشياء، فالأشخاص، فالأحداث، فالأفكار. وتتكون النظم من هذه الأربعة.
وحتى نصل إلى إدراك عميق للواقع يجب علينا أن ندرك منهجية التعامل مع عالم الأشياء، ومنهجية التعامل مع عالم الأشخاص الذي أصبح الآن هناك شخص اعتباري وشخص طبيعي في مجال الاقتصاد، وما يترتب على الفرق بينهما من تغير الأحكام.
تحليل عالم الأحداث والأفكار وخطورتها على الدين والنظام الأخلاقي
وكذلك عالم الأحداث وكيف نحلل مضمون هذه الأحداث، وكيف نتحكم في جريانها وفيما يحدث باتخاذ القرارات الصائبة عن طريق مجموعة كبيرة من العلوم، منها علم الإدارة، ومنها علم تحليل المضمون، ومنها علم المستقبليات.
وكذلك الأفكار كيف نقيسها وقد أصبحت في صورة خطيرة على الدين، وعلى النظام الأخلاقي، بل وعلى الإنسان في نفسه، حتى ادعى بعضهم أن الإنسان قد مات، وأن التاريخ قد انتهى، وأن الصدامات آتية لا محالة فيه، إلى آخر هذه الأفكار التي يُروَّج إليها، والتي ينقذنا منها إدراك الواقع.
خاتمة المحاضرة والدعوة للاهتمام بالمعرفية والمنهجية والنظام الأخلاقي
هذا هو إطلالة سريعة أرجو أن أكون قد بلغت شيئًا، ولكنه يحتاج إلى جهد كبير ويحتاج إلى دراسات مستمرة وإلى تعمق في كل كلمة موجودة في هذا المجال.
نريد أن نهتم بالمعرفية، وبالمنهجية، وبإدراك الواقع، وبطريقة التعامل مع التراث حتى نأخذ منه مناهجه ولا نقف عند مسائله.
ويجب علينا أن نهتم اهتمامًا بليغًا بالنظام الأخلاقي المبني على أسماء الله الحسنى. بهذه الأركان وبهذا التكوين نستطيع أن نجدد في أمر ديننا بما يرضي ربنا وبما يحقق أهدافنا.
وختامًا أكرر شكري لهذه الدعوة الكريمة وأستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
