ثقافة الإختلاف | برنامج الرد الجميل | أ.د علي جمعة
- •الاختلاف لغويًا يدل على التنوع والتعدد وهو محمود، بينما الخلاف يدل على النزاع والخصام وهو مذموم.
- •سنة الله في خلقه قائمة على الاختلاف، وقد أقر الإسلام التنوع باعتباره سببًا للتكامل وليس للصراع.
- •ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في فقه الاختلاف، كما في قصة بني قريظة وعدم اعتراضه على من صلى العصر ومن أخرها.
- •أئمة الفقه كان اختلافهم رحمة وعامل بناء، وله أسباب علمية مثل اختلافهم في مصادر التشريع، وثبوت الحديث، ودلالات الألفاظ، وحروف المعاني.
- •صنف العلماء كتبًا في أسباب الاختلاف، منها "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة" للعثماني، و"الميزان الكبرى" للشعراني.
- •تصدُّر غير المتخصصين للفتوى سبب رئيسي لتحول الاختلاف إلى خلاف.
- •الخلط بين علم الدين والتدين من المصائب التي أدت إلى الصراعات بين المسلمين.
- •دور الأزهر ودار الإفتاء يتمثل في نشر العلم الصحيح وتدريب العلماء المتخصصين للتصدي للفتوى.
مقدمة الحلقة حول ثقافة الاختلاف وأثرها على الأمة الإسلامية
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، إخوتي أخواتي في كل مكان، تحية من عند الله مباركة طيبة نقدمها لحضراتكم في مستهل هذه الحلقة الجديدة من برنامج الرد الجميل.
أيها الإخوة والأخوات، إذا كان الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، فإن الاختلاف لدى البعض منا يتحول في كثير من الأمور إلى خلافات وصراعات واتهامات ومزايدات، والمستفيد الأول هم أعداؤنا الذين يتربصون بنا ليلًا ونهارًا، ويعملون على تأليب الصراعات الداخلية وبث روح الفتنة والفرقة بيننا.
ولولا الاختلاف في أنماط التفكير وطرح الآراء لما تطور الإنسان، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ضرب لنا المثل الأعلى في فقه الاختلاف وثقافة الاختلاف، فقد كان يستشير أصحابه ويأخذ بآرائهم، والأمثلة على ذلك كثيرة.
حتى الأئمة كان اختلافهم في الفروع وليس في الأصول، كان اختلافهم عامل بناء لا عامل هدم، كل منهم كان ينشد الصواب والأفضل حتى ولو ظهر على يد غيره، فكانت آراءهم ثمرات متعددة كشجرة واحدة هي شجرة الكتاب والسنة.
فأين نحن من ثقافة الاختلاف؟ ولماذا ابتعدنا عن بعضنا البعض ويتهم بعضنا بعضًا بالبدعة والهلاك والخروج عن ملة الإسلام لمجرد الاختلاف حول ثقافة الاختلاف؟
نعيش هذه الحلقة في لقاء مخلص وتصادق وتذاكر وذكر،
﴿فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]
إخوتي وأخواتي، يسعدنا ويشرفنا بالحضور عالمنا الجليل فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي جمهورية مصر العربية، مرحبًا وأهلًا ومرحبًا أستاذنا.
الفرق بين الاختلاف والخلاف من الناحية اللغوية والشرعية
[المذيع]: نود بالذات أن نتعرف على مفهوم الاختلاف وما الفرق بينه وبين الخلاف؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من الناحية اللغوية فإن الاختلاف والخلاف من مادة واحدة، ولكن جرى الاستعمال على أن يكون الاختلاف إنما هو في التنوع والتعدد، وهذا أمر محمود. فيجوز لنا حينئذ أن نقول إن الاختلاف لا يفسد للود قضية؛ لأن البشر جُبلت على هذا التعدد وجُبلت على هذا التنوع.
وهذا نوع من أنواع التدافع، والتدافع سنة من سنن الله في كونه. لا بد أن تختلف الأنظار ولكل عين نظرة، ولا بد أن تختلف الآراء، ولا بد أن تتلاقح وتتلاقى هذه الأفكار، ولذلك تتم عملية التدافع والتقدم والمسيرة في كل مناحي الحياة.
أما الخلاف فهو يُستعمل للدلالة على النزاع والخصام، وجاءت الشريعة الإسلامية فسدّت موارد النزاع والخصام. إذ يمكن أن نقول بصورة عامة إن الاختلاف ممدوح وأن الخلاف مذموم.
الشريعة الإسلامية سدّت موارد النزاع والخصام بين الناس
جاءت الشريعة مثلًا ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته حتى يَذَر»
منعًا للخلاف والنزاع والشقاق. ولما أخذنا منه هذا المعنى قسنا على حرمة البيع على بيع الأخ وحرمة الخطبة على خطبة الأخ: الإيجار على إيجار الأخ، أو النزاع على أي شيء يكون في عقود أخرى.
إذن جاءت الشريعة من أجل أن تُصفّي ما بين الناس، وأقرّت الشريعة الإسلامية القضاء من أجل رفع الخصومة والنزاع بين الناس، وينتهي هذا حتى نستأنس في حياتنا.
أسباب غياب ثقافة الاختلاف عن الأمة: الأنانية وحب الذات
[المذيع]: فإذا كان الاختلاف ممدوحًا والخلاف مذمومًا أستاذنا، يعني إذا كانت سنة الحياة قائمة على الاختلاف، فبالنظر إلى واقع الأمة الآن نجد أننا بعيدون تمامًا عن ثقافة الاختلاف. لماذا غُيّبت عنا ثقافة الاختلاف؟ لماذا غُيّبت عن الأمة بوصفة عامة حكامًا أو محكومين؟
[الشيخ]: هو عندما تغيب عنا قيمة مثل قيمة ثقافة الاختلاف، السبب في ذلك أولًا هو الأنانية وحب الذات. الأنانية تزداد في الإنسان حتى تصل إلى أنه يرى نفسه الحق، كلمة الحق في مقابلها الباطل.
فأنا إذا رأيت نفسي أنني الحق وغيري من المسلمين هو الباطل، فأصبح هناك صراع، أصبح هناك صراع بين الحق والباطل. ومن طبيعة الحق والباطل أن يتصارعا، والخير والشر أن يتصارعا.
ولذلك إذا اعتقدت أنني أنا الخير وغيري الشر، أو أنا الحق وغيري الباطل، فهناك صراع وهناك نزاع وخصام.
الجهل بحقيقة الإسلام وسنة الله في الكون سبب للخلاف
أنا عندما ازدادت في نفسي [الأنانية] هي أحدثت هذا السبب الآخر وهو الجهل؛ بأن هذا الذي دخل في الخلاف وعظّمه أصبح جاهلًا بحقيقة الإسلام من ناحية، وبحقيقة سنة الله في كونه من ناحية أخرى.
الله سبحانه وتعالى لما خلق الخلق جعل هناك مساحة قطعية: السماء فوقنا، الأرض تحتنا، واحد زائد واحد يساوي اثنين. وجعل هناك مساحة ظنية تختلف فيها الآراء، وتختلف فيها التحليل، وتختلف فيها المصالح، وتختلف فيها الرغبات والانطباعات.
وهذه هي المساحة الأكثر؛ لأن المُجمَع عليه قليل. فيجب عليّ أن أفهم هذه الحقيقة، وأن أدرك أن رأيي صواب لكنه قابل للخطأ، كما كان المجتهدون العظام يقولون، وأن رأي غيري أنا عندي الآن أنه خطأ لأنه مخالف لرأيي واختياري، لكنه يحتمل أن يكون صوابًا.
حديث أجر المجتهد المخطئ والمصيب وأساس ثقافة الاختلاف
من هذا المنحى علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بد أن الناس تتعلم ما علّمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «إذا اجتهد المجتهد فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران»
وذلك عندما كان يتكلم عن القاضي، أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران.
هناك حديث أخرجه الدارقطني يمكن أنا أقدّمه على حديث البخاري الذي ذكرناه، وهو أن المجتهد إذا اجتهد فأخطأ فله أجران، يعني الآخر [في حديث البخاري] له أجر وهذا له أجران، وإذا اجتهد فأصاب فله عشرة من الأجر والثواب.
إذن هذا الحديث يبيّن لنا أن المجتهد المخطئ مأجور عند الله، إذن فهو قد قام بواجبه، قام بما كلّفه الله به. يجب أن يفهم الناس هذا، هذه هي أساس ثقافة الاختلاف.
احترام المجتهد المخالف والتنوع في تفسير قوله تعالى ولذلك خلقهم
إذا أنا عرفت أن المجتهد هذا رضي الله عنه وليس غضب الله عليه، وأنه عندما أخطأ - يعني دعونا من أصاب - عندما يخطئ فإن الله سيعطيه أجرين، أي احترمه، وليكن الذي بيني وبينه هو الود الذي صدرت به كلامك: الاختلاف لا يفسد للود القضية.
وهذا التنوع وهذا التعدد فُهم في أحد أقوال التفسير:
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]
قال: ولذلك خلقهم، أي لهذا الاختلاف، أي التنوع، أي التكامل.
علاقة التكامل في الإسلام بين المختلفين لا علاقة الصراع
ونحن لدينا في الإسلام أساس أن العلاقة بين المختلفين هي علاقة التكامل وليست علاقة الصراع. فبين الإنسان والكون علاقة التكامل، في ثقافات أخرى ترى أنها علاقة الصراع. بين الرجل والمرأة علاقة التكامل، بين الحاكم والمحكوم علاقة التكامل، بين الأستاذ والتلميذ علاقة التكامل، بين صاحب العمل والعمال علاقة التكامل.
هذه العلاقة معناها أن هناك أطرافًا مختلفة لكنها تعمل في نسق وفي دائرة واحدة. ولذلك من عبقرية اللغة العربية ألّا تجد فيها كلمة "إنسانة" بل إنسان على الذكر والأنثى؛ لأن الرجل والمرأة، الذكر والأنثى، هما شيء واحد من نفس واحدة، نفس واحدة وهم متكاملان.
التكامل بين الرجل والمرأة ورفض ثقافة الصراع في الإسلام
حسنًا، كيف يأتي النسل والأولاد؟ من الرجل وحده أو من المرأة وحدها؟ أبدًا، خلق الله هذا التكامل، هذه الدائرة المتكاملة وليست نصف دائرة كما يقول أفلاطون أن كل ذلك نصف دائرة تبحث عن الأخرى، إلى أن يأتي الحبيب لحبيبته فيتكوّن إنسان واحد.
هذا تكامل، هذا صراع؟ لا يوجد صراع. لكن هناك مذاهب يا أخي تقول إنه لا، في صراع بين الرجل والمرأة والحاكم والمحكوم وصاحب العمل وموظفه، ويجعلونها مشتعلة: هيا انطلق في هذا الصراع بصدام.
الإسلام لا ينظر إلى هذه الحقيقة - وهي حقيقة الاختلاف - ويريد أن يُشيع أدب الاختلاف.
ثقافة الاختلاف يجب أن تُبنى على أدب الاختلاف لا على الصراع
ثقافة الاختلاف ينبغي أن تُبنى على أدب الاختلاف. ثقافة الاختلاف عندنا الآن مبنية على الصراع وعلى الخلاف، وليست مبنية على أدب الاختلاف.
أدب الاختلاف هذا له أسس في الإسلام ينبغي علينا أن نُشيعها في أوساط الناس.
نماذج نبوية في أدب الاختلاف: تعليم الإيمان بجميع الأنبياء
[المذيع]: أستاذنا الجليل، يعني سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لنا المثل الأعلى في أدب الاختلاف. نود أن نذكّر المشاهدين ببعض هذه النماذج.
[الشيخ]: أول شيء، لما أتانا سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم وعلّمنا، علّمنا الحقائق. نعم، إذا كانت الحقيقة هكذا فتكون انتهت، تكون هي هكذا.
فعلّمنا الإيمان بجميع الأنبياء، أي أنه كان قادرًا أن يقول أنا فريد وحيد، لكن الأمر ليس من عنده، ولأن الحقيقة غير ذلك. فجعل من لدن آدم إلى خاتمهم نبينا صلى الله عليه وسلم إنما هو رَتَل واحد ووصف واحد ودعوة واحدة.
وكلهم أشعرنا الإسلام أنه مع هذا التنوع والاختلاف في الزمان والمكان والشريعة:
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]
إلا أن الكل من عند الله.
اختلاف الشرائع السماوية مع وحدة المصدر الإلهي
تخيّل أن أم موسى تكون عمة عمران، فكانت في شريعتهم أن الرجل يتزوج عمته، لا يحدث شيئًا، ثم بعد ذلك جاء التحريم.
تصوّر أن الشريعة مختلفة في قضايا كثيرة جدًا، ولكن مع اختلاف الشرائع هذه إلا أن الكل واحد.
إذن هذا أول ما علّمنا في العقيدة أن التعدد آل إلى الوحدة.
الكعبة مثال عجيب على التعدد والوحدة في ثقافة الاختلاف
عندما فرض الإسلام علينا التوجه إلى الكعبة أنشأ تعددًا ووحدة. تصوّر أن الناس حول الكعبة كيف يتوجهون إليها، يلتفون حولها: فأحدهم مولٍّ وجهه شرقًا وواحدهم مولٍّ وجهه غربًا، وكلاهما صلاته صحيحة، جميعهم.
ولكن الجميع في اتجاه الكعبة، ولكن الجميع في اتجاه الكعبة على دائرة. تخيّل أن الجميع مختلفون بأجناس وألوان وطوائف ولغة، لا، وتوجّه. نعم، الجميع مختلفون في توجههم.
أقول لك: واحد وجهه قِبَل المشرق، الذي أمامه في الدائرة من الناحية الأخرى قِبَل المغرب، وواحد قِبَل الشمال والذي أمامه الناحية الأخرى قِبَل الجنوب، لكن القبلة واحدة والكعبة واحدة، سبحان الله!
فعلّمنا أن شيئًا واحدًا يمكن أن تتعدد حوله الآراء. فالكعبة مثال عجيب لثقافة الاختلاف ولأدب الاختلاف، وأنه لا يُنكر أحدكم على أخاه لأنه قد نفّذ المطلوب منه وهو التوجه إلى الكعبة، ولكن التوجه إلى الكعبة يختلف من موقع إلى موقع ومن مكان إلى مكان.
قصة بني قريظة واحترام المجتهدين بعضهم بعضًا في عهد النبي
يعني النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلّمهم كيف يحترم المجتهدون بعضهم بعضًا، وكيف يحترم المختلفون بعضهم بعضًا، في قصة بني النضير لما أرسلهم فقال لهم في بني قريظة، فقال للصحابة:
قال النبي ﷺ: «لا تُصلّينّ العصر إلا في بني قريظة»
فلما جاءوا لم يصلوا إلى بني قريظة والمغرب كاد أن يؤذّن، فاختلفوا: هل يمتثلون لظاهر اللفظ فلا يصلّين العصر إلا في بني قريظة؟ أم أن النبي كان يقصد السرعة وأنكم تدركون العصر في بني قريظة؟
aختلفوا، فصلّى منهم أناس في مكانهم، وآخرون قالوا: لا نصلي العصر أبدًا إلا في بني قريظة. فلما ذهبوا إلى بني قريظة صلّوا العصر هناك امتثالًا لأمر النبي في ظاهر كلامه.
فلما عرضوا الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم لم يعترض على أحد منهما.
الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية عند الصحابة
هذا يبيّن لنا أن هذا يحدث عند الصحابة، أن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية؛ حيث إن كل واحد منهم يعتمد على قاعدة صحيحة.
الأول حمل الحديث على المجاز وجعله يحثّ على السرعة. والثاني أخذ بلفظه ونصّه وقال إن هذا لعله يتضمن أمرًا تعبديًا آخر يقصده النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بد أن نمتثل حتى لظاهر الأمر.
قصة الصحابي الذي لطم اليهودي وتعليم النبي لأدب الاختلاف
هذه تعني مواقف الرجل الذي سمع اليهودي وهو يقول إن أفضل الخلق موسى، فلطمه وضربه وقال له: لا، بل أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.
وبعد ذلك جاء اليهودي باكيًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: يا رسول الله، هذا أخونا هذا المسلم ضربني لأنني قلت أفضل الخلق موسى. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا التجاوز.
وعلى فكرة، أفضل الخلق هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقال:
قال النبي ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»
أنا لا أفتخر. فالحقيقة أنه أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم، ولكن عندما يقول اليهودي إن موسى أفضل الخلق فأنا أصمت؛ فهذا نبيّه صلى عليه وسلم، ما هو ليس له إلا سيدنا موسى، ما هو غير مؤمن إلا بسيدنا موسى، فسيدنا موسى أفضل الخلق طبعًا عنده، يعني بالنسبة له.
حسنًا، عندما لا يكون موسى أفضل الخلق فسيكون من؟ يعني أفضل الخلق بالنسبة لليهودي، فيجب أن أتركه.
النبي يعلّم ثقافة الاختلاف بقوله لا تفضلوني على يونس بن متى
إذن فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:
قال النبي ﷺ: «لا والله، إني عندما أُبعث يوم القيامة أجد موسى متعلقًا بقوائم العرش»
الله يريد أن يبيّن لأخينا هذا ما هو مكانة سيدنا موسى، مكانة سيدنا موسى. نعم، فلا أعرف أاكتفى الله بصعقته الأولى أم أنه قام قبلي، الله.
إذن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال النبي ﷺ: «لا تفضّلوني على يونس بن متّى»
لكن تعليمًا لثقافة الاختلاف.
ثقافة الاختلاف منهج حياة وسلوك علّمه النبي لأصحابه
ثقافة الاختلاف ليست مجرد موقف ولا كلمة ولا رأي ولا حكم، لا. هذا كل هذا مبني على سلوك وأسلوب حياة، سلوك ومنهج حياة، منهج حياة وأسلوب لهذا السلوك علّمه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه.
من ضمن ما ركّز عليه هذا المفهوم القرآن الكريم في قصة سيدنا موسى مع هارون.
الانتقال إلى قصة سيدنا موسى وهارون وعودة بعد الفاصل
[المذيع]: إذا أذنت لي يا فضيلة المفتي أن نتوقف عند قصة سيدنا موسى عليه السلام بعد هذا الفاصل القصير. ثقافة الاختلاف ولماذا غُيّبت عنا، هذا هو موضوعنا وتلك حلقتنا من برنامج الرد الجميل.
نعود إلى فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي جمهورية مصر العربية. أستاذنا الجليل، توقفنا مع فضيلتكم عند نماذج ضربها أدب الاختلاف وثقافة الاختلاف.
قصة سيدنا موسى وهارون ودرء الخلاف مقدم على النقاش في العقيدة
[الشيخ]: نعم، كنا تحدثنا عن قصة سيدنا موسى مع سيدنا هارون، وقد غاب عنه فاتخذ بنو إسرائيل العجل. نعم، فرأينا شيئًا عجيبًا في هذه القصة، وهو أن ربنا سبحانه وتعالى ضرب لنا هذه القصة لتكون عبرة وهدى:
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف: 111]
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
يعني هؤلاء أناس مرضيّ عنهم من الله، هؤلاء الأنبياء، ولذلك فأفعالهم يعني أمثلة تُتّخذ في مثل هذه المواقف التي وقعوا فيها أو خالطوها.
بنو إسرائيل اتخذوا العجل، تركهم هارون إلى أن يأتي موسى حتى يرى هذه البلوى والمصيبة واتخاذ العجل، هذا نوع من أنواع الشرك، أي شيء في العقيدة:
﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [طه: 94]
وبعد ذلك يقول:
﴿إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى﴾ [طه: 94]
أي سكت من أجل الوحدة وعدم الخلاف وآخر العقيدة.
وحدة الأمة مقدمة على النقاش في العقيدة حتى في اتخاذ العجل
وهذا معناه أن درء الخلاف في صفوف المؤمنين مقدّم على حتى النقاش في العقيدة، حتى كان الأمر ظاهرًا، حتى لو وصل الأمر إلى اتخاذهم العجل وهو أمر يعني شديد النكارة وشديد الفجاجة.
ولكن بالرغم من ذلك فإن وحدة الأمة مقدّمة على هذا. انظر هنا في مقابل ما هو هذا: إشاعة لأدب الاختلاف وقضاء على حالة الخلاف.
لقد قلنا الاختلاف ممدوح والخلاف مذموم، فتصوّر أنه في ترتيب الأولويات أن يُقدَّم وحدة الأمة ويُقدَّم درء الخلاف على مسائل عقدية وصلت إلى اتخاذ العجل، وهو أمر شديد النكارة وشديد المعصية وهو نوع من أنواع الشرك.
ثقافة الاختلاف منهج حياة عند الأئمة واختلافهم كان رحمة وبناء
إذن فهذه أمثلة يعني كان تركها لنا النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن وفي السنة، وكما قلنا أن ثقافة الاختلاف كانت تمثل منهج حياة.
[المذيع]: استأذن، نعود إلى أئمة الفقه، يعني كان اختلافهم رحمة وكان اختلافهم عامل بناء لا عامل هدم، وكان حول الفروع وليس الأصول. إذن ما سبب اختلافهم في بعض المسائل؟
[الشيخ]: ألّف في سبب الاختلاف كثير من العلماء، وأوصل بعضهم أسباب الاختلاف إلى نحو أربعين سببًا.
السبب الأول لاختلاف الفقهاء: الأخذ بالقراءة الشاذة من عدمه
من هذه الأسباب أولًا: مصادر التشريع عندهم. فمثلًا هل نأخذ بالقراءة الشاذة أم لا نعتبر القراءة الشاذة؟
ففي بعض الناس من يُهدر القراءة الشاذة تمامًا، وما دامت شاذة فلا تكون قرآنًا، وما دام أنها ليست قرآنًا فهي ليست بحجة، وعلى ذلك فهي مُنحّاة.
وبعضهم يقول: لا، القراءة الشاذة عبارة عن قراءة بسند وردت لم يرقَ إلى أن نتلوه في الصلاة، ولا أن نعتبره من أبضاع القرآن وأبعاض القرآن، ولكن نحن نعتبره مفسّرًا للقرآن أو نحو ذلك.
لهذا السبب يبدأ الخلاف. فمثلًا هناك قراءة شاذة: خمس رضعات، وفيه كانت عشر رضعات في الآية نفسها، وبعد ذلك يقولون إنها نُسخت أو كانت تُتلى أو كذلك. وواحد يقول: لا، هذا تفسير. فواحد تمسّك بها وقال: لا، نحن نأخذ بخمس رضعات هذه، ولذلك الرضاع المحرّم يكون خمس رضعات. وواحد قال: أبدًا، مصّة واحدة تكفي لكي يتم التحريم.
هذا الخلاف مبني على أساس اعتماد هذه القراءة الشاذة من عدم اعتمادها.
السبب الثاني لاختلاف الفقهاء: الاختلاف في ثبوت الحديث
السبب الثاني مثلًا: اختلافهم في ثبوت الحديث. فواحد يقول هذا حديث ثابت أنا آخذ به، والآخر يقول: لا، هذا حديث غير ثابت، فإذن هو كالعدم، ولذلك لا آخذ به أبدًا.
ويختلفون في هذا الحديث: بيع الكالئ بالكالئ [أي بيع الدَّين المؤجّل بدَين أشد تأجيلًا]، واحد يقول نأخذ بهذا الحديث، الآخر يقول: لا، هذا حديث ضعيف.
[المذيع]: اعذرني يا سيدنا، نوضّح للسادة المشاهدين معنى الكالئ.
[الشيخ]: الآجل بالآجل، يعني شخص عليه دَين في ذمته، يعني مثل الفوائد المركبة في عصرنا الحاضر. يجب أن أسدّد في الأول من يناير، فإن لم أسدّد فيزيد على الفائدة ويزيد على الزمن.
فبيع الكالئ بالكالئ يعني الآجل بالآجل: باع الدَّين المؤجّل بدَين أشد منه تأجيلًا، وتبقى البالون تتضخم حتى يخرب البيت ويحترق الغيط كما يقول المصريون.
فبيع الكالئ بالكالئ بعضهم يأخذ به وبعضهم يقول: لا، هذا فيه حديث ضعيف مثلًا لا نأخذ به.
السبب الثالث: اختلاف دلالات الألفاظ اللغوية مثل القرء واللمس
مثلًا قضية اللغة ودلالات الألفاظ: القُرء، ما هو القُرء؟
﴿ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ﴾ [البقرة: 228]
فما القُرء؟ أهو الطهر أم الحيض؟ اختلاف.
اللمس:
﴿أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ [النساء: 43]
يعني ماذا؟ لمس في الدلالة اللغوية، فبعضهم يقول: لا، لمس هذه معناها البشرة على البشرة هكذا. والآخر يقول: لا، هذا هو اجتماع الرجل والمرأة.
السبب الرابع: اختلاف الفقهاء في حروف المعاني ودلالاتها
﴿وَٱمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]
هذه نقطة رقم أربعة وهو اختلافهم في حروف المعاني. حروف المعاني لدينا نوعان من الحروف: مباني وهذه ثمانية وعشرون حرفًا، ومعاني وهذه حوالي ثمانون حرفًا، يمكن أن تكون تسعين حرفًا.
تكلّم القرآن في ستة وثلاثين منها. ما يتضمن من هذه الحروف حروفًا على حرف واحد مثل الباء ومثل التاء: وتالله وبالله، ومثل الواو: ووالله. ومن ضمنها حرفان مثل "في" و"من"، ضمنها ثلاثة مثل "على" و"إلى"، ومن ضمنها أربعة مثل "لعلّ"، ومن ضمنها خمسة ولا يكون أكثر من خمسة.
لكن عندما نأتي إلى هذه الحروف، اسمها حروف المعاني، كل حرف له معنى. المعاني التي قامت بها هذه الحروف، عدد هذه الحروف في العربية وتسعون حرفًا، ستة وخمسون معنى. كل حرف يمكن أن يكون له معنى أو اثنان أو ثلاثة أو حتى خمسة عشر معنى. كل حرف بعض هذه المعاني حقيقي وبعضها مجازي.
أي يمكننا أن نعمل جدولًا بهذه الحروف ولم يعمله أحد حتى الآن.
مثال الباء في آية المسح واختلاف الأئمة في مسح الرأس في الوضوء
الباء مثلًا التي ضربت بها حضرتك المثال [في آية فامسحوا برؤوسكم]، واحد يقول هذه الباء هنا زائدة، يعني لا عمل لها ولا معنى لها هنا، فيصبح: امسحوا رؤوسكم، احذف الباء فيصبح امسحوا رؤوسكم، فيصبح لازمًا الرأس كله.
وآخر يقول: أبدًا، الباء هنا للتبعيض، والمعنى هو معنى من الست وخمسين، الباء فاعلة هنا وهي للتبعيض، عاملة أقصد. نعم، والباء هنا للتبعيض: بعض الرأس.
طيب، أي بعض رأس؟ إذن فواحد قال الربع. لماذا الربع؟ قال: لأن الواحد وهو يلبس العمامة هكذا يصبح كاشفًا ربع رأسه، فيعمل من غير أن يخلع العمامة؛ لأن حديث المغيرة بن شعبة: مسح على ناصيته، والناصية هذه التي هي الربع، وأكمل على العمامة.
وآخر يقول: لا، هذه الباء هنا يبقى في... نعم، ليس البعض هكذا، هذا البعض ولو شعرة واحدة.
وهذا مثل الإمام الشافعي [الذي قال بالبعض]، هذا الإمام أبو حنيفة [الذي قال بالربع]، الذي يقول إنها زادت عن الربع مثل هذا الإمام مالك [الذي قال بمسح الرأس كله].
فإذن من أسباب اختلاف الفقهاء فهمهم وتعاملهم مع حروف المعاني.
حروف المعاني مرتكز من مرتكزات دراسة اللغة العربية وفهم المعنى
حروف المعاني هذه إذا درستها فقد درست العربية كلها، فهي مرتكز من مرتكزات دراسة اللغة العربية؛ لأنها متعلقة مباشرة بفهم المعنى.
اختلاف الفقهاء في الناسخ والمنسوخ والعام والخاص
هناك أشياء أيضًا تأتي باختلافهم في الناسخ والمنسوخ، أحدهم يقول لك هذا نُسخ، والآخر يقول: لا.
تأتي باختلافهم في تقديم العام والخاص. فمثلًا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة واستدبارها [عند قضاء الحاجة]، وبعد ذلك ابن عمر شاهده وهو مستقبل القبلة في البنيان أثناء قضاء الحاجة.
فأي حديث مقدّم؟ يعني هل حصل نسخ أم حصل تخصيص؟ ما النسخ؟ أن حديث النهي نُسخ. فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم [نسخ النهي]. ولا يزال حديث النهي باقيًا ولكنه مختص بالصحراء وليس بالبنيان.
فإذا كنا في البنيان فإن هذه المسألة غير موجودة، إذا كنا في الصحراء نحرص على ألّا نكون في اتجاه القبلة لا استقبالًا ولا استدبارًا. وبذلك نجمع بين الحديثين.
فتجد أحدهم يقدّم النسخ وآخر يقدّم الخصوص والعموم. فأصبح من ذلك أربعون سببًا، وكلها أسباب علمية ليس فيها هوى عندهم.
اختلاف الأئمة رحمة بالأمة وكتاب رحمة الأمة في اختلاف الأئمة
ليس إلا أنهم وضعوا قواعد واختاروها وقوّوها وانطلقوا بها، فإذا بهم يختلفون. فيبقى إذن هذا محل نظر، فيبقى هذا من عند الله أراد أن نختلف في هذه المساحة رحمة بالأمة كما قلت.
ولذلك لما جاء الإمام العثماني ليؤلف كتابًا يبيّن فيه مواطن الخلاف بين الأئمة الأربعة سمّاه "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة". يا للروعة! انظر إلى الاسم، عنوان جميل، عنوان جميل.
الإمام الشعراني وميزان العزيمة والرخصة في اختلاف الأئمة
جاء الإمام الشعراني فأخذ كتابه، هذا الكتاب الذي هو لعبد الوهاب الشعراني، الذي هو عبد الوهاب الشعراني توفي سنة تسعمائة وخمسة وسبعين هجريًا، العثماني قبله.
فأخذ "رحمة الأمة" وتأمّل فيه هكذا وقال: أنا أريد أن أخرج بميزان يضبط هذا الاختلاف. فأخرج لنا ميزانًا لطيفًا جدًا جميلًا جدًا، الله فتح عليه به.
وهو ماذا يقول لكم؟ يا جماعة، الناس هؤلاء ما اختلفوا! كيف ما هو اختلاف كله؟ هاهو هذا يقول لمس المرأة ينقض والآخر يقول لا ينقض، وهذا يقول حيض وهذا يقول طهر، وهذا يقول هذا نسخ وهذا يقول لا.
هذا قال: أبدًا، هؤلاء الناس أتخيّل أن هؤلاء الناس لم يختلفوا، بل جميعهم هو هذا شعور ثقافة الاختلاف: أن هؤلاء الناس كما قلنا إنهم حول الكعبة.
ميزان العزيمة والرخصة: الأئمة اختاروا بين التشديد والتيسير
نعم، حقيقة مختلفون في أماكنهم، لكن جميعهم قبلتهم واحدة ومتجهون إلى قبلة واحدة، قبلة واحدة، وجميعهم دائرة واحدة، وجميعهم على قلب واحد، وجميعهم صلاتهم صحيحة.
فهؤلاء الناس لم يختلفوا، هؤلاء الناس اختاروا ما بين العزيمة والرخصة. يا سبحان الله! الذي يشدّد هذا ويقول الوضوء انتقض، هذا أخذ بالعزيمة. والذي يقول الوضوء لم ينتقض، هذا أخذ بالرخصة.
الذي يقول إن هذا يصلح، وخُذ الذي يقول هذا لا يصلح، فيكون قد أخذ بالعزيمة وهذا أخذ بالرخصة.
وعمل ميزانًا وسمّى كتابه "الميزان الكبرى"، والميزان الكبرى سكّن فيه "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة" للعثماني. أي ما هو التطور؟ التطور أنه اكتشف منهجًا يجعل هذا التعدد والتنوع إيجابيًا وليس سلبيًا، ومطمئنًا للقلوب وليس مسببًا للحيرة، ومكان مرونة وقوة وليس محل جمود وغموض وصدام وخصام.
الأزهر الشريف يدرّس المذاهب الأربعة وغيرها ويرسّخ التعددية
وهكذا هذا الجو هو الذي سيطر على الأزهر الشريف. تجد أنه يدرّس المذاهب الأربعة، بل ويدرّس أيضًا في الدراسات العليا الجعفرية والزيدية والإباضية والظاهرية، ويُعدّ فيها رسائل الدكتوراه وهكذا.
ونحن سائرون في دراستنا في الأزهر هكذا، يقوم فيقول له: هذا نحن عندنا في الشافعية أن لمس المرأة ينقض الوضوء، فيقول له: لماذا؟ هذا نحن عندنا لا ينقض، ونحن ذاهبون نحن الاثنان نفطر معًا.
فالتعددية أصبحت ثقافة سائدة. عندما تصدّر الناس لما لم يتقنوه من غير تعلّم على المشايخ، حدث ذلك النزاع والخصام.
سبب الفوضى الدينية: تصدّر غير المتخصصين للفتوى والعلم الشرعي
[المذيع]: تقول لي ما سبب هذه الفوضى الحاصلة؟
[الشيخ]: سببها أن المتصدرين أصبحوا غير علماء. واحد منهم مهندس مع احترامنا للهندسة، الهندسة هذه شيء جميل جدًا، وواحد منهم طبيب، وواحد منهم ما شاء الله يعني معه دبلوم تجارة، وواحد منهم كان سائق حافلة صغيرة. فماذا بعد ذلك؟
هذه مهن لا نحتقرها، هذه مهن قلّت أو كثرت هي في ميزان الإسلام عمل يعمّر الأرض. ولكن يا أخي لا علاقة، يعني الطبيب لا يتدخل في الهندسة كما أنه لا يتدخل في الفتوى.
ما السبب في هذا البلاء الذي حدث؟ من أسبابه تصدّر غير المتخصصين.
الفرق بين علم الدين والتدين وخطورة الخلط بينهما
[المذيع]: أستاذنا الجليل، الكلام كثير حول الذين يتصدون للفتوى وللعلم الشرعي بصفة خاصة وهم ليس لهم من بضاعة الفقه شيء. ولكن سنعود لهذه النقطة بعد هذا الفاصل القصير فابقوا معنا.
إخوتي أخواتي، مازلنا مع ثقافة الاختلاف ولماذا غُيّبت عنا. نعود إلى محور ونقطة مهمة جدًا مع فضيلة مفتي الديار المصرية.
أستاذنا، فهمنا من كلام فضيلتكم أن اختلاف العلماء كان اختلاف رحمة وكلهم من رسول الله ملتمس، فكان كل واحد منهم من ينشد الصواب والأفضل حتى ولو ظهر على يد غيره. الآن كما تفضلتم فضيلتكم الساحة تعجّ بالكثير من الذين ليس لهم من بضاعة الفقه شيء يتصدون للفتوى، وليس هذا فحسب بل الطامة الكبرى أن منهم من يتطاول ومن يحوّل الاختلاف إلى خلاف وصدام ومزايدات. ماذا يقول فضيلة مفتي الديار المصرية لهؤلاء؟ وما السبب في ذلك؟ هل وسائل الإعلام؟ هل للفضائيات والزخم الذي نعاني منه في الفضائيات أم ماذا من وجهة نظر فضيلتكم؟
[الشيخ]: أنا أتعجب كثيرًا أنه يعني كل مجال له تخصص وله علم وله منهج، فلماذا يعني أمور الدين أصبحت شائعة وتتبع الهوى.
أظن أنهم يعتقدون أن الدين ليس علمًا، وأن أمر الدين إنما هو مبني على الثقافة العامة، ويخلطون بين مفهومين وهو علم الدين والتدين.
هناك فرق كبير جدًا بين علم الدين الذي له منهجه، وله علوم مساعدة، وله كتبه، وله أركانه من شيخ وطالب وكتاب ومنهج وجو علمي، وله مساره، وله مؤسساته ومعاهده وأدواته، وبين التدين.
التدين كالتطبب: كل إنسان يحافظ على صحته لكنه ليس طبيبًا
وهذا مثل الطب: علم الطب والتطبّب. معناه أن أحافظ على صحتي، وهذا مطلوب من كل إنسان، ويستطيع كل إنسان أن يراعي نظافته ويراعي طعامه ويراعي دواءه عندما يمرض ويراعي ذهابه إلى الطبيب، ولكنه ليس عالمًا في الطب.
حتى لو كان مرضه مزمنًا، حتى لو أتقن بعض الأمور، يعني الذين لديهم أمراض مزمنة ومن كثرة ترددهم على الأطباء وسماعهم لتفاصيل ما لديهم قد يستوعبون مرضهم أكثر من أحد الأطباء المبتدئين مثلًا.
فيذهب إلى الطبيب المبتدئ ويناقشه مناقشة زميله لأنه مستوعب لحالته التي لازمته. جميعنا على دراية بعلمه. نعم، ولكنه ليس طبيبًا ولا يمكن أن يكون طبيبًا.
هذا الطبيب المبتدئ هو الطبيب؛ لأنه درس ودرس علم وظائف الأعضاء ودرس علم التشريح ودرس مجموعة ضخمة من العلوم حتى عرف هذا العلم الذي هو عليه، ويستطيع أن يفهم مباشرة وأن يكتب مباشرة الوصفة الطبية وأن يعرف مباشرة التشخيص.
وهذا صاحبنا هو يعرف حالته فقط. هذا الحال الذي هو الخلط بين علم الدين والتدين أحد المصائب التي ابتُلي بها المتصدرون.
من تصدّر قبل أن يتعلم كمن تزبّب قبل أن يتحصرم
أن يتعلموا، وقديمًا قالوا: من تصدّر قبل أن يتعلم كمن تزبّب قبل أن يتحصرم، يعني من الخارج رخام ومن الداخل سخام، يعني من الخارج لا إله إلا الله ومن الداخل يعلم الله، لا يوجد.
وهذا جرأة على الدين وجرأة على الفتوى. ما هذا الكلام يا أخي! القضية متاحة: تدرس الطب وتعمل بالطب، اذهب إلى كلية الطب وخذ الكلية.
وفي الكلية لن يقولوا لك أنت أسود أم أبيض، أنت ذكر أم أنثى، أنت مصري أم أجنبي، أبدًا. فهم يعلّمون الجميع. وفي الدين كذلك نعلّم الجميع، نعلّم الجميع.
ولذلك يا أخي اذهب ادرس، بعد الدراسة ستتغير؛ لأنك ستعرف مجموعة من العلوم تقيك مثل هذا الشطط الذي تشطّون فيه.
قراءة الكتب وحدها لا تصنع عالمًا والعلم يحتاج إلى شيخ وزمن
أخونا لا يقول لي: لا، أنا لن أترك مكاني. لماذا؟ لأن أنا في الأصل أنا قرأت المغني لابن قدامة. من قرأ المغني لابن قدامة عشر مرات لا يكون عالمًا.
وبعد ذلك أنت قرأته في كم مدة؟ يقول لي: في شهرين قرأته، الحمد لله. سبحان الله! خمسة عشر مجلدات تقريبًا، والله يعني هو خمسة عشر مجلدًا مع الفهارس، مع الفهارس خمسة عشر في طبعة المرحوم عبد الفتاح الحلو، هجر.
لكن يعني هكذا هو قرأته أنت هذا في شهرين وتريد أن تصبح به عالمًا علّامة وبحرًا فهّامة! وهو من أدق الكتب، وهو ليس صعبًا لكنه دقيق، يحتاج إلى أن تجلس في الصفحة يومين أو ثلاثة تتدبر اللفظ والمعنى.
نعم، مع أستاذك وتتداول مع زميلك وتتداول مع نفسك وتصرّح في هذه الصفحة هكذا. يعني أمر يحتاج إلى خمسة أو ستة أشهر.
فالحمد لله، اختزلوا العلم اختزالًا وتصدّروا بوقاحة عجيبة.
التشبع بما لم يُعطَ والاعتداء على العلماء من صفات المتصدرين بغير علم
ثم بعد ذلك أضافوا إلى ذلك سوء الخلق، فإنهم يعتدون على العلماء ويتكلمون بالكلام القبيح، ويجمعون من هنا وهناك ويتشبّعون بما لم يُعطوا.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال:
قال النبي ﷺ: «المتشبّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبَي زور»
فيبقى هذا مزوّرًا وحالته لا يعلم بها إلا الله، وهذا يغشّ، ومن غشّنا فليس منا.
أنا أدعو الناس إلى أن يبدؤوا يحاسبوا أنفسهم مرة أخرى، أن المهن الكريمة الشريفة التي تعمّر الأرض لا علاقة لها بالعلم، وأنه لا بد علينا هذا. في واحد بقّال والآخر يبيع سيراميك، فأنا لست أعرف ما الحكاية! يعني وصل الحال بنا إلى هذه الأحوال المزرية.
الفرق بين الدعوة إلى الله وبين التصدر للعلم والفتوى بغير أهلية
[المذيع]: طيب، أنا لو أذنت لي فضيلتك أنقل لفضيلتك رأي بعض هؤلاء. يقول لك: أنا يعني لو وقفت أمام ما قاله الحق تبارك وتعالى في القرآن الكريم:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]
الدعوة ليست مقصورة على أحد.
[الشيخ]: ولكن العلم له أهله:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
أما الدعوة، عندما يجلس أمام الشاشة ويقول: يا أيها الناس صلّوا واذكروا الله وزكّوا، ويا جماعة أحبّوا بعضكم، لا مانع من ذلك. هذه موعظة ودعوة. يا جماعة يجب أن يكون لكل واحد منكم نصيب من القرآن كل يوم وورد، يا جماعة صلّوا رحمكم الله، لا مانع من ذلك.
لكن أن يتصدر لقضايا ويصدّ وهكذا إلى آخره، فيبقى قد خرج من مجال الدعوة إلى مجال العلم. يفعل هذا إن كانت معه الأدوات، وهو يظن أن معه الأدوات لأنه قرأ كتابًا وكتابين.
شروط نيل العلم عند الإمام الشافعي وضلال من تصدّر بغير تعلّم
ولكن الشافعي يقول أخي:
لن تنال العلم إلا بستة
سأنبئك عن تأويلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبُلغة
وإرشاد أستاذ وطول زمان
يعني الآن يوجد إرشاد أستاذ، وبعد ذلك نقول له: أنت تعلّمت على يد من؟ فيذكر لنا من لم يتعلم أصلًا! يعني هم يضلّلون بعضهم البعض.
فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وموعدنا يوم القيامة، موعدنا يوم القيامة؛ لأن هذا لا يرضي الله.
دور الأزهر ودار الإفتاء في مواجهة الفوضى الدينية وتوسعهما الكبير
[المذيع]: حسنًا أستاذي الأستاذ الكريم، إذا نحن طمنا لكل صغيرة لا بد يومًا أن تُساغ الكبائر كما يُقال. أين دور الأزهر ومؤسسة الأزهر ودار الإفتاء وفضيلتكم على رأسها؟
[الشيخ]: فتح الأزهر أبوابه. نحن الآن في عام ألف وتسعمائة وخمسين كان لدينا خمسة عشر معهدًا أزهريًا، اليوم لدينا سبعة آلاف وسبعمائة معهد أزهري.
عندما كنا في عام ألف وتسعمائة وخمسين كنا أربعة عشر مليونًا، اليوم نحن ثمانون مليونًا أو خمسة وسبعون مليونًا، أي مضروبون في خمسة. اضرب خمسة عشر معهدًا في خمسة فيصبحون خمسة وسبعين، ونحن لدينا سبعة آلاف وسبعمائة.
لكي تقارن بين خمسة وسبعين ومثلًا سبعة آلاف وخمسمائة، أي تعرف أننا ازددنا عن عدد السكان مائة مرة.
الخمسة عشر معهد دولة سنة خمسين كان فيها ما لا يزيد عن ثمانية آلاف طالب، اليوم طلاب المعاهد مليون ونصف. لو ضربت أيضًا الثمانية في خمسة التي هي زيادة السكان يخرج أربعون ألفًا، لكن تقارن بين الأربعين ألفًا وبين مليون ونصف تعرف أن الأزهر يقوم بدوره.
الأزهر ودار الإفتاء يفتحان أبوابهما والخلل من سوء الإدارة لا من قصور المؤسسات
الأزهر ما هو يعلّم، والأزهر يفتح صدره للتعليم. دار الإفتاء المصرية نحن الآن نرد على ثلاثة آلاف سؤال يوميًا، ولدينا التعليم الإلكتروني، التعليم عن بعد، ولدينا تدريب، ولدينا... لكن لأهل الشريعة للعلماء.
لكن يا أخي، كون أن تدّعي أن الشعب انفصل عن الأزهر أو عن كذا، هذا غير حقيقة. إن الأزهر جامعته فيها نصف مليون طالب، وكانت من قبل ثلاث كليات فأصبحت أربعًا وستين كلية.
فإذا كان الأزهر موجودًا ودار الإفتاء موجودة، فهؤلاء هم الذين لا يريدون ذلك، هؤلاء يضلّون بعضهم البعض ضلالًا ذاتيًا، ولذلك حسيبهم ربهم.
[المذيع]: عفوًا يا أستاذنا، حتى لو قيل إن الأزهر لم يعد يقوم بدوره الريادي من حيث المناهج ومن حيث كل هذا...
[الشيخ]: كذب. وضعف الخطباء الذين يتخرجون في الأزهر وضعف العلماء، بعض العلماء، هيا بنا نرى ما الحكاية.
نحن لدينا الآن مائة ألف مسجد في أرض مصر، منها خمسون ألفًا تابعة للأوقاف، يعني الخطيب يكون تابعًا للأوقاف، وخمسون ألفًا ليست تابعة للأوقاف. والضعف يأتي من هنا [من المساجد غير التابعة للأوقاف].
والأوقاف لا تريد أن تعيّن إلا الكفء وإلا الذي على درجة كبيرة من هذه الكفاءة. تخيّل إذن أن في خمسين ألفًا لكثرة هذه الزوايا التي نصحنا مرارًا، فإن الزوايا عند الأئمة الأربعة تُغلق يوم الجمعة، ولكن هنا لا يغلقونها.
فيأتي الخلل من سوء الإدارة وليس من قصور شيء شامخ مثل الأزهر. هذا صحيح أستاذنا.
نصيحة المفتي للمستفتي عند تضارب الفتاوى: اللجوء إلى دار الإفتاء والعلماء
[المذيع]: دقيقة أمامنا في عجلة، يعني ماذا يفعل المستفتي إذا تضاربت أمامه الفتاوى؟
[الشيخ]: يذهب إلى دار الإفتاء. جميل.
دار الإفتاء هذه مؤسسة وليس شخصًا. نعم، دار الإفتاء لديها موقع على الإنترنت، ودار الإفتاء لديها مركز اتصال يجيب على الناس برقم مائة وسبعة، دار الإفتاء فيها [علماء متخصصون]، ودار الإفتاء موجودة في جميع البلدان.
نعم، يذهب إلى العلماء يسألهم، وليتجنب أن يأخذ من غير العلماء.
كلمة ختامية حول ترسيخ ثقافة الاختلاف واحترامها بين الجميع
[المذيع]: بما أننا بدأنا الحلقة بمقولة عربية: الاختلاف في الرأي لا يفسد للود القضية، كيف نرد ردًا جميلًا؟ وكلمة من فضيلة المفتي لهؤلاء الدعاة أو العلماء أو الذين يُطلق عليهم العلماء حتى يصدّقنا الآخر في دعوتنا أو فيما نقول.
[الشيخ]:
قال النبي ﷺ: «اتّقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»
[المذيع]: سؤال آخر: كيف نعمل على ترسيخ ثقافة الاختلاف بيننا جميعًا حكامًا ومحكومين وعلماء وأفرادًا؟
[الشيخ]: بل الدعوة إليها كما في هذا البرنامج وفي المقالات، حتى ننشئ رأيًا عامًا يحترم الاختلاف ويتأكد من هشاشة الخلاف.
ختام الحلقة وشكر فضيلة الدكتور علي جمعة مفتي جمهورية مصر العربية
[المذيع]: إخوتي وأخواتي، لم يبقَ لنا إلا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى ضيفنا وعالمنا الجليل الفقيه الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي جمهورية مصر العربية.
نشكر فضيلتكم وجزاكم الله خيرًا، وأعتذر عن الإطالة وأرجو أن أكون بأسئلتي خفيفًا على فضيلتكم.
[الشيخ]: شكرًا لكم فجُزيتم خيرًا وأهلًا وسهلًا.
[المذيع]: أخواتي، نلقاكم على خير. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
