حان أوان فتح ملفات مع الغرب | خطبة جمعة بتاريخ 2004 01 02 | أ.د علي جمعة
- •الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، والإقرار بوحدانية الله وشهادة أن محمداً عبده ورسوله.
- •يعيش المسلمون واقعاً صعباً حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "توشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الآكلة إلى قصعتها".
- •بشّر النبي بعودة الإسلام غريباً كما بدأ، وأخبر عن زمان يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر.
- •الصراع بين الحضارة الإسلامية والغربية بدأ بقضية الحجاب وسيتسع ليشمل كل شعائر المسلمين وهويتهم.
- •واجب المسلمين فتح حوار مع الغرب لتوضيح حقيقة الإسلام وشعائره ومنع التدخل في عقائدهم.
- •يجب اتباع منهج النبي في الحكمة والصبر والتعقل، مع التمسك بالدين دون تنازل.
- •ضرورة التمسك بالإسلام في زمن الفتن، مع مد اليد للسماء طلباً للعون الإلهي والنصر.
- •الدعاء بتوحيد صفوف المسلمين ونصرة دينهم وحماية أعراضهم وأرضهم.
خطبة الحاجة والثناء على الله تعالى والصلاة على النبي المصطفى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.
اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في العالمين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه الأبرار إلى يوم الدين.
الآيات القرآنية في الأمر بتقوى الله والتمسك بالقول السديد
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن شر الأمور محدثاتها، فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
المسلمون يعيشون وقت محنة بشّر بها النبي وأرشدهم إلى الطريق السليم
وبعد، فيعيش المسلمون في عصرنا هذا وقت محنة بشّرهم بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأرشدهم إلى الطريق السوي السليم الذي يجب على جميع المسلمين في الأرض أن يتبعوه؛ تأسيًا بالنبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم، وعملًا بسنته، وإقامةً لشريعته، واحترامًا لشعائره التي جاء بها من عند الله سبحانه وتعالى.
حديث تداعي الأمم على المسلمين كالأكلة على القصعة وبيان سبب الوهن
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«توشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعة طعام، قالوا: أمِن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ينزع الله المهابة من قلوب أعدائكم منكم، ويقذف الوهن في قلوبكم، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت»
فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن سبب ضعف المسلمين ليس قلة العدد، وإنما هو حب الدنيا وكراهية الموت.
أحاديث غربة الإسلام والقبض على الدين والأمر بلزوم الخاصة عند الفتن
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
«سيعود الإسلام غريبًا كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء»
وقال:
«سيأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر»
وقال:
«إذا رأيت هوًى متَّبعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه وشحًّا مطاعًا ودنيا مؤثرة، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة»
وقال:
«فالزم بيتك ولو أن تعضّ على جذع نخلة مؤمنًا بالله واليوم الآخر حتى يأتيك الموت»
أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبلاغ فقال:
«بلّغوا عني ولو آية»
وأمرنا بحفظ ديننا على أنفسنا، حتى لو أدّى هذا إلى أن نعتزل أهل السوء.
آية الردة وصفات القوم الذين يأتي بهم الله لنصرة دينه
وقال ربنا سبحانه وتعالى، والنبي يفسّر عن ربنا ما يريد:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 54]
فربنا سبحانه وتعالى يبيّن أن من ارتدّ عن دينه فلن يضرّ الله شيئًا، بل سيأتي الله بقوم يحملون هذا الدين بصدق وإخلاص.
تحذير القرآن من حسد أهل الكتاب وعدم رضاهم عن المسلمين
ربنا سبحانه وتعالى وهو ينبّهنا إلى [موقف] الأمم من حولنا قال:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109]
﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120]
دعوة أهل الكتاب إلى كلمة سواء والتمسك بالدين في أوقات الأزمات
ربنا سبحانه وتعالى قال:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 64]
علّمنا ربنا أن نتمسك بديننا في أوقات الأزمات، وفي هجوم غيرنا علينا، وفي تشويههم لدعوتنا. أمرنا ربنا سبحانه وتعالى أن نجعل دينه ظاهرًا على الدين كله ولو كره الكافرون ولو كره المشركون في آفاق الأرض هنا أو هناك.
أمر الله بالقيام بالحق ودفاعه عن المؤمنين وضرورة فتح الحوار مع الغرب
أمرنا ربنا سبحانه وتعالى بالقيام بالحق؛ لأن اسمه الحق، ولأنه هو الحق، ولأنه ينصر الحق حتى ولو ضعف المدافعون عنه.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا﴾ [الحج: 38]
إذا تقرر ذلك فلا بد على المسلمين في كافة أنحاء الأرض أن يفتحوا مع الغرب ملفهم [ملف العلاقة بين الحضارتين]، وأن يقفوا معهم حتى لا تكون بين حين وآخر مسألة هنا ومسألة هناك.
إجماع الأمة على فرضية حجاب المرأة المسلمة والأدلة من الكتاب والسنة
تبدأ [هذه المسائل] بحجاب المرأة المسلمة التي أجمعت الأمة على فرضيته على كل أنثى قد بلغت المحيض. قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأحزاب: 59]
وقال [تعالى]:
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31]
فأمر الله بستر النساء. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«يا أسماء، إذا بلغت المرأة المحيض لا يظهر منها إلا هذا وهذان» [يعني الوجه والكفين]
وأجمعت الأمة شرقًا وغربًا، سلفًا وخلفًا على هذا [الحكم].
إجماع الأمة على المحرمات الكبرى كحرمة الخمر والخنزير والزنا والسرقة
كما أجمعوا [أي العلماء] على حرمة الخمر للمسلم أن يشربها، وكما أجمعوا على حرمة الخنزير أن يأكله، وكما أجمعوا على حرمة الزنا والخنا والفاحشة، وكما أجمعوا على أن السرقة والاغتصاب وأن القتل والبهتان وشهادة الزور من الكبائر، وكما أجمعوا على أن عقوق الوالدين بعد الشرك بالله [من أعظم الذنوب]، وكما أجمعوا وأجمعوا.
وكل ذلك يبدو أنه صار محل نظر عند الناس في أقطار الأرض؛ يتدخلون في شعائر المسلمين.
تدخل الغرب في شعائر المسلمين بدءًا من رفض أكل الخنزير في المدارس
وأول ما تدخلوا [في شعائر المسلمين] أنهم نظروا إلى الأطفال في المدارس فوجدوهم لا يأكلون الخنزير، فقامت القيامة ولم تقعد! واعتُبر عدم أكل الخنزير مما يناقض العلمانية وإن كانت محايدة، ومما يستوجب طرد المسلمين من تلك المجتمعات.
فأتوا بأولياء الأمور، لما امتنع الأطفال عن الخنزير قالوا: هكذا شعيرتنا وشرائعنا تحرّم علينا الخنزير. ففتحوا الملف ولم يغلقوه على المسلمين.
الحجاب أول الطريق وليس نهايته والأمر صدام بين حضارتين
وقد تعوّدوا [أي المسلمون] أن يحاوروا الأمم وأن يبلّغوا دين الله وأن يفتحوا الملف كله؛ لأن أمر الحجاب هو أول الطريق وليس نهايته. فالحجاب أول الأمر، ثم بعد ذلك سيعيبون على المسلمين أنهم يخالفونهم في نظراتهم أو في مأكلهم أو في انحرافهم إلى رذيلة الزنا أو غير ذلك من الأمور التي هي هوية الإسلام ولا يقبل المسلم لأحد أن يتدخل فيها.
عباد الله، الأمر ليس أمر حجاب، الأمر هو صدام بين حضارتين: حضارة غربية وحضارة إسلامية.
دعوة الغرب إلى الحوار على أساس كلمة سواء وتحرير الإنسان
مددنا أيدينا للحوار وفتحنا صدورنا له، ودعوناهم إلى الله طبقًا لما أمرنا به الله:
﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 64]
أليس هذا فيه تحرير للإنسان؟ أليس هذا فيه إعلان لحقوقه؟ أليس هذا فيه إعلاء لكلمة كرامة الإنسان؟
ثم بعد ذلك تكون [هذه الدعوة] حلالًا لغيرنا وتكون حرامًا علينا!
وجوب فتح ملف الحوار الكامل بين حكماء المسلمين وعقلاء الغرب
يجب علينا أن نفتح الملف كله وأن ننظر، وأن يجلس حكماء المسلمين مع حكمائهم وعقلائهم حتى لا يتكرر ذلك [التدخل في شعائر المسلمين] أبدًا.
ليست المسألة بين المسلمين وبين مؤسسة من المؤسسات ولا مع شخص من الأشخاص، إنما هي حضارة تعيش في هذه الحياة الدنيا تدعو الناس إلى الخير وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وتسالمهم ما سالموها، ولا تعادي أحدًا من البشر.
ليس لدى المسلمين ما يعتذرون عنه عبر التاريخ ولم تغزُ دولة إسلامية أراضيهم
وليس لدينا شيء نعتذر عنه عبر التاريخ، ولم تقم حكومة من الحكومات ولا دولة من الدول [الإسلامية] تغزو أراضيهم ولا تنتهك حرماتهم، ولا تضطهد كما يضطهدون به الناس في الشرق والغرب. لم تقم حكومة [إسلامية] بهذا أبدًا.
فما الخبر وما وجهة النظر وما الذي يحدث الآن؟
لا بد لنا أن نفتح كل هذا، وأن ندعو إليه، وأن نبيّن حقيقة الإسلام في الحجاب وفي غير الحجاب، وأن نعود إلى رشدنا، وألا تشغلنا هذه القضايا الجزئية عن المآلات التي ستصير إليها.
التحذير من أن التدخل في عقائد المسلمين سيؤدي إلى صدام خطير
نحن نحذّر العالم ونحن نريد السلام الاجتماعي ونريد السلام العالمي، أن هذا التدخل السافر في عقائد المسلمين سيؤدي بلا شك إلى تهوّر الحمقى في الصدام.
ونحن قد مُنعنا من الصدام؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة ولم تكن دولة تحمي الإسلام، جاءه عبد الله بن مسعود [فقال]: يا رسول الله، استعرض بنا هذا الوادي [أي لنقاتلهم]، فاحمرّ وجهه غضبًا وقال:
«ألا إني رسول الله، سينصرني الله حتى تسافر الظعينة من مكة إلى صنعاء لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها»
أي أن الأمر سيمتد وأن الأمر سيصل إلى مرحلة الأمن والأمان.
النهي عن قتال الناس في دولهم والأمر بالتبليغ والحوار والمجادلة بالحسنى
نُهينا أن نقاتل الناس ونحن في دولهم وتحت رعايتهم وعنايتهم، وإنما أُمرنا بالتبليغ وأُمرنا بالحوار وأُمرنا بأن نجادلهم بالتي هي أحسن.
فهلمّ بنا ندعوهم إلى أن نجلس إليهم وأن يجلسوا إلينا، حتى [نحلّ] كل هذه المشاكل، حتى يفهموا عنا دين الله، وحتى يعرفوا ما هوية الإسلام التي لا ينبغي أن تُمسّ بشيء من القوانين.
وإلا كان ذلك تدخلًا سافرًا في عقائدنا وشعائرنا وشرائعنا، وكان تدخلًا سافرًا في حقوق الإنسان، وكان إبطالًا للعلمانية المدّعاة.
الدعوة لفتح الملفات عبر الإعلام وبيان جذور التعصب الغربي ضد الإسلام
هلمّ بنا ندعوهم عبر الإنترنت وعبر الصحافة والإعلام وعبر كل شيء يوصل الكلمة إليهم، إلى أن نفتح الملفات وأن نجلس معًا.
ونحن نعلم أن أحدهم عندما يرى الحجاب يراه عدوانًا عليه وعلى نفسه. من أين هذا؟ من سبّ المسلمين في المناهج الدراسية في كل الدول الغربية.
من تاريخ أسود من التعصب الذميم بدأ بتحريف ترجمة القرآن الكريم في أواسط القرن الرابع عشر. من تاريخ أسود من الحروب التي رفعت رمز الصليب، والصليب منها براء، والمسيح منها براء.
مراجعة الغرب لأنفسهم والدعوة للجلوس والاستماع وإعداد الردع المناسب
من تاريخ أسود أصبحوا فيه هم المتعصبين، وأصبحوا فيه هم المعتدين، وأصبحوا فيه هم الذين ينبغي أن يراجعوا أنفسهم.
هلمّ بنا نفتح الملفات، وليجلس ويستمع بعضنا إلى بعض؛ فإننا في حالة قد تركنا فيها أمر الله بإعداد الردع المناسب لأولئك من أن يعتدوا على المسلمين، فاعتدوا.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]
ولكن هذا لم يكن تقصيرنا وإنما كان تقصير آبائنا، فهيا نعود إلى الله.
﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 249]
افتتاح الخطبة الثانية بالحمد والشهادة والثناء على رسول الله
ادعوا ربكم يا عباد الله. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة، فجزاه الله عنا خير ما جازى عن أمته.
الكسل والحماس بلا حكمة أصابا المسلمين وأمر الله بالعفو والصفح والصبر
عباد الله، إن الكسل قد لفّ المسلمين في أركان الأرض، وفقدوا طريق الحكمة، ودخل كثير منهم في طريق الحماس دون التأني ودون التعقل ودون الصبر ودون العفو ودون الصفح على الكافرين.
والله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نعفو وأن نصفح وأن نقول لهم:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
وأن نصبر لله رب العالمين. ولكن أمرنا أيضًا بألا نتخلى عن ديننا، وأن نعلنها قوية دائمة مستمرة:
﴿ٱشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64]
وأن نبقى على الحق وألا نتزحزح عنه.
صلح الحديبية نموذج للتفاوض بحكمة وتقديم مصلحة الأمة على مصلحة الأفراد
حتى لو أدّى بنا الحال إلى أن نتفاوض معهم كما تفاوض نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مع المشركين في الحديبية. وقبل أن يوقّع [المعاهدة] جاء ابن سهيل بن عمرو، الذي هو الطرف الآخر في المفاوضة، مؤمنًا بالله.
وكان من المعاهدة أنه من لحق بالمؤمنين من قريش بسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم يعيده إليهم. وليس بعد ذلك من تجرّع جرعة الغيظ أن نعيد المؤمن للكافر وأن نجعل الكافر سلطانًا عليه مبينًا.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم بما أوتي من حكمة، وارتكابًا لأخف الضررين، ودفعًا لأعظم المفسدتين، تجرّع ذلك وقبل.
تقديم مصلحة الأمة على مصلحة الأفراد في صلح الحديبية والدعوة لقراءة السيرة
وردّ [النبي صلى الله عليه وسلم] ابن سهيل إليه [إلى أبيه]، بعد أن قال له: لم نوقّع بعد، فأراد أن ينقذ هذا [الرجل المؤمن] من تلك المعاهدة، فأبى سهيل وغضب غضبًا شديدًا.
ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أن مصلحة الأمة إن تعارضت مع مصلحة الأفراد قُدّمت على مصلحة الأمة [أي قُدّمت مصلحة الأمة الكلية].
اقرؤوا السيرة، اقرؤوا سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واتخذوا منها مناهج للعيش في هذا العالم الغريب، شديد التدهور، شديد التطور، شديد التغيير، شديد التعقيد.
اتخاذ حكمة النبي منهجًا وتوحيد القلوب وإعلان الإسلام في مواجهة العالم
ينبغي علينا أن نتخذ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن حكمته البليغة منهجًا لنا. قلوب متوحدة تسعى إلى ذكر الله، ليس فيها حقد ولا حسد لأحد من المسلمين.
لكننا نعلن إسلامنا ونتمسك به ونواجه به العالمين، حتى ولو اضطررنا إلى قول: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى لو قلنا: إنا لله وإنا إليه راجعون، حتى لو تجرّعنا مرارة قولنا ونحن ضعفاء: لا حول لنا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فكما أن للضعف مرارة، فإن لحلاوة هذه الكلمة التي هي كنز من كنوز العرش لها حلاوة في القلوب لا يعدلها حلاوة. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وصية المسلمين بالتمسك بالإسلام في عصر الفتن ورفع الأيدي بالدعاء
أيها المسلمون، نحن في عصر فتن، يجب عليكم أن تتمسكوا فيما بينكم وبين ربكم بإسلامكم، وأن لا يختلط عليك الطريق، وأن تكون دائمًا وأبدًا عابدًا لله رب العالمين، مؤمنًا بما أنزل، مصدقًا بما أرسل.
ثم تمدّ يدك إلى السماء: يا رب المعونة، يا رب المدد.
فاللهم يا ربنا أمددنا بمدد من عندك، ووحّد قلوب المسلمين، واخذل عنهم المشركين. اللهم اجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة. اللهم يا رب العالمين جنّبنا الزلل والخطأ والخطيئة.
الدعاء بنصرة الإسلام وحماية المسلمين وردّ أراضيهم وتوحيد صفوفهم
اللهم يا رب العالمين انصر الإسلام والمسلمين وأخذل أهل الشرك أجمعين، وارفع أيدي الأمم عنا. احمِ عرضنا وردّ أرضنا وردّ علينا قدسنا، ووحّد قلوبنا وصفوفنا وأقمنا حيث ترضى.
اللهم يا رب العالمين، هذا حالنا لا يخفى عليك، وعلمٌ بكل ذلك بين يديك، فانصرنا واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وأظهر آياتك في العالمين، وأمدد بعونك أهل الدين.
اللهم احمِ العلماء من قول السوء ومن الخطأ يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم.
الدعاء بالحسنة في الدنيا والآخرة وجعل القرآن ربيع القلوب وحجة لنا
نعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق. آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار.
واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا. ذكّرنا منه ما نسينا وعلّمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا.
وانصرنا بالحق وانصر الحق بنا، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، فافهمنا عنك مرادك واسلك بنا طريقك وافتح علينا فتوح العارفين بك.
الدعاء بالسكينة والحشر تحت لواء النبي والشرب من يده الشريفة يوم القيامة
وأنزل السكينة على قلوب المؤمنين ووفّقهم إلى ما تحب وترضى.
اللهم يا ربنا احشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا. ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، ومتّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم.
حبّب الإيمان في قلوبنا وزيّنه لنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومن المتقين ومع القوم الصادقين، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم يا ربنا صلِّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين.
الإعلان عن صلاة الجنازة والأمر بإقامة الصلاة وذكر الله
احضروا جنازة نصلي عليها بعد صلاة الجمعة، والميت رجل.
أقم الصلاة؛ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]
فاذكروه يذكركم، واشكروا له يمدكم بمدد من عنده.
