حدود العقل في التفكير- درجات المعرفة  #3 |  د. علي جمعة - التفكير المستقيم, درجات المعرفة

حدود العقل في التفكير- درجات المعرفة #3 | د. علي جمعة

32 دقيقة
  • العقل ليس له حدود في التفكير، بل له توجه نحو الحق والخير، وليس نحو الشر والضرر.
  • القرآن دعا للتدبر والتفكر، ولا يمكن للإنسان أن يصل إلى نهاية التفكر لمحدودية عمره وكثرة المعلومات.
  • يجب توجيه العقل نحو عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس ونفع الناس.
  • هناك فرق بين الشك المنهجي المقبول الذي يسعى للفهم والتشكيك المرفوض الذي يهدف للإنكار فقط.
  • القلب يعلو العقل، والعقل يعلو السلوك، وسلامة القلب تؤدي إلى سلامة العقل.
  • سلامة القلب تتحقق بالتخلية (التخلص من الصفات الذميمة) والتحلية (التحلي بالصفات الحميدة) ثم يحدث التجلي.
  • الشريعة اهتمت بالأخلاق حيث تمثل 97% من تعاليمها، والباقي للعبادات والمعاملات.
  • العلماء الذين يخشون الله هم من يستخدمون العقل ثم يسلمون للقلب فتنفتح بصيرتهم.
محتويات الفيديو(30 أقسام)

مقدمة الحلقة وسؤال حول حدود العقل في التفكير وإطاره

[المذيع]: أهلًا بكم، في الحلقات السابقة تحدثنا مع فضيلة الدكتور حول العقل، وأن هناك شروطًا لكي يتصف العقل بالصحة، وبالتالي يكون هناك التكليف. هناك أمور كثيرة يجب أن تكون أو تتوافر بدايةً كي نصل إلى مرحلة التكليف.

اليوم نتحدث مع فضيلة الدكتور حول وظيفة العقل، هل للعقل حدود في التفكير؟ هل هناك حدود؟ هل هناك ربما تكون أدوات أخرى أو عوامل أخرى قد تشوش الأمور على العقل أو تتداخل مع العقل في أداء هذه الوظيفة أو هذه المهمة؟

اسمحوا لي أن أرحب بفضيلة الإمام العليم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: أهلًا وسهلًا مولانا، هل هناك حدود للعقل في التفكير؟ حينما أتأمل في الكون أو أتفكر في أمر من الأمور الدنيوية أو حتى المتعلقة بالدين، هل هناك إطار لا يجب أن أخرج عنه؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بصورة عامة وقبل الدخول في التفاصيل، لا يوجد أي عائق ولا أي حد للتفكر؛ لا في كتاب الله المسطور، ولا في كتاب الله المنظور، ولا في الجمع بينهما. ليس هناك حدود لهذا التفكر، وهذا هو الذي عاشه المسلمون.

درجات المعرفة وخطوات التفكر المنطقية المتسلسلة

ولكن هناك خطوات منطقية بعضها يؤدي إلى بعض ويُسلم إلى بعض، وهذا الذي أسميناه بدرجات المعرفة؛ كل درجة تسلم إلى الدرجة التي بعدها وفوقها.

في نفس الوقت لن تستطيع أبدًا أن تصل إلى قمة الهرم فجأةً، ولن تستطيع أيضًا عندما تقف عند درجة معينة أن تدَّعي الكمال أو أن تدَّعي المعرفة.

ولذلك حدود التفكر لا نهاية لها. الله سبحانه وتعالى أمر بالتدبر وأمر بالبرهان وأمر بالتفكر:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]

ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أنني سأقرأ الآيات، وهذه الآيات عددها ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية، وسأعمل مقارنة بين كل آية وبقية الآيات لأعرف إذا كان فيها اختلاف أم لا.

ضخامة احتمالات المقارنة بين آيات القرآن الكريم وقصر عمر الإنسان

وماذا يعني هذا؟ يعني كل آية مع بقية الآيات، كنا نسميها ونحن في الإعدادي التباديل والتوافيق، وهذه يعني مليارات لا نهائية من الاحتمالات؛ أن كل آية تبحثها مع ستة آلاف آية، وكل آية من ستة آلاف تبحثها مع ستة آلاف آية. هذا ليس ضرب ستة آلاف في ستة آلاف، هذا ستة آلاف في ستة آلاف إلا واحد في ستة آلاف إلا اثنين في ستة آلاف إلا ثلاثة في ستة آلاف إلا أربعة إلى نهاية ستة آلاف، هذا مبلغ ضخم جدًا ليس له رقم.

حسنًا، إذا عاش الإنسان مائة سنة في حياته، فالمائة سنة هذه في ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا تصبح ستة وثلاثين ألف يوم. الستة وثلاثين ألف يوم هذه تحتوي على أربع وعشرين ساعة، سينام أربع ساعات ويتفكر عشرين ساعة، فتصبح الستة والثلاثون ألفًا اثنين وسبعين ألف ساعة.

وهذه الاثنان والسبعون ألف ساعة تحتوي على ستين دقيقة. هل تسمح لي بأن أقول إن الرقم الستين في اثنين وسبعين، هذه تُضرب معنا هنا ستة في سبعة أصبحت بأربعمائة وعشرين ألف ساعة وانتهى الأمر، أربعة ملايين ساعة.

لكن الثانية الواحدة تساوي أربعة، لست أعلم كم، أربعة يعني رقم لا نهاية له، فمن أين سأجد الوقت؟ إنني سأفكر، نعم، لأن التفكر لا حدود له.

عجز الإنسان الزمني أمام لا نهائية المعرفة ووكالات الأنباء

أتعلم لماذا؟ لأنني عاجز، لأن زمني قليل، عمري قصير. الجماعة المسؤولون عن وكالات الأنباء الستة يذيعون مائة وعشرين مليون معلومة في اليوم، لكي أقرأها سأحتاج إلى مائتي سنة.

فإذا كان العقل لا نهاية لتفكيره ولا لتوليده ولا لاطلاعه وما إلى ذلك، فلا بد أن يسعى هذا العقل إلى الحقيقة، ولا بد أن يسعى إلى الخير، ولا بد أن يسعى هذا العقل إلى النفع وليس إلى الفساد ولا إلى الضرر ولا كذا إلى آخره.

وهذا هو الذي قلنا عنه العبادة والعمارة والتزكية.

توجيه العقل نحو الخير والنفع لا تقييده في التفكر

إذن العقل ليس له حدود في التفكر، لكن له توجه في التفكر. فلو توجه لنفع الناس، ولو توجه لعمارة الأرض، ولو توجه لعبادة الله، ولو توجه لتزكية النفس، ولو توجه أنه يفكر في ذلك ولا يفكر في الشر.

لا يفكر [في الشر] لأنه لو فكر في الشر سيصل إليه لأنه عقل. ولكن إذا لم نستطع أن نقول إن هذا يقيد العقل، فهو توجيه للعقل ليتأمل في ماذا.

فربنا ضرب لذلك مثلًا وقال لنا:

﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]

لكي أصلي، قم واتجه نحو الكعبة. لماذا الكعبة بالذات؟ أراد الله ذلك، هذا محل نظر الله، بيت الله العتيق، بيت الله الذي أمر أن يكون أول بيت وُضع للناس.

مثال الصلاة بغير اتجاه القبلة وتوجيه نشاط العقل نحو الحق

فهذه الأولية تجعلني أتجه إليه. لنفترض أنني عرفت أن الكعبة هكذا، فذهبت وأعطيتها ظهري وصليت، صلاة غير مقبولة. لكن على فكرة، حدث قيام وقراءة الفاتحة وركوعٍ وسجودٍ وما إلى ذلك، وفي النهاية تكون غير مقبولة.

فالعقل نشاطه غير محدود عندما ينشط، ولكن توجيه هذا النشاط ينبغي أن يكون نحو الحق والخير، وليس أن يكون مغضوبًا عليه بأن يعرف الحق ويحيد عنه، ولا أن يسعى إلى الشر وإلى تدمير هذا الكون وإلى مخالفة هذا التيار الذي خلقه الله.

حكم إخضاع كل شيء للعقل ومنهج الشك المعتبر عند العلماء

[المذيع]: ما رأي فضيلتكم فيما يفعله بعض الأشخاص الذين دائمًا ما يعرضون أي أمور مبدئيًا على العقل، حتى ما يتعلق بأمور الدين أو الشريعة أو السنن الإلهية أو الأوامر الإلهية، حيث يُخضعون كل شيء للعقل لكي يقبلوه؟ هل هذا مباح، أم أنه مباح بحدود، أم أنه مرفوض؟

[الشيخ]: تمامًا، لدينا منهج، وهذا المنهج معتبر ومحترم اسمه منهج الشك. ومنهج الشك يبيح للإنسان أن يفعل هذا.

لكن ربنا سبحانه وتعالى علّمنا أمورًا يجب علينا أن نلتفت إليها في منهج الشك حتى لا يتحول إلى تشكيك. فهناك فارق كبير جدًا بين الشك وبين التشكيك.

الفرق بين الشك المنهجي والتشكيك والسؤال مفتاح العلم

في الشك اسأل يا أخي، فالسؤال مفتاح العلم. اقرأ وتعلم:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، إياك أن تخدع نفسك بأنك قد عرفت كل شيء:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

العلم دائمًا، ولا بارك الله في يوم لم أزدد فيه إلا علمًا. وقل في الدعاء أيضًا:

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

متى يكون هذا دائمًا؟ عندما أطلب زيادة العلم، وهذا أمر جميل مع التواضع؛ حيث أنني أعلم أنه كلما حصلت على علم فهناك من هو أعلم مني، كلما حصلت على علم فهناك من هو أعلم مني.

قصة الخضر مع موسى عليه السلام ودلالتها على أن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة

ولذلك هذه هي قصة الخضر مع موسى؛ إذ إن موسى كليم الله موحى إليه، يعني له انكشفت له من الأسرار ومن العلوم ما الله به عليم، عرف كل شيء.

وبالرغم من هذه المعرفة إلا أن الله سبحانه وتعالى أرسل له عبدًا من عباده يفعل أشياء بتلك التجارب الثلاث التي فعلها معه، ويبين له أنه ما زال مبكرًا عليه:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

إذن فالعلم لا يعرف الكلمة الأخيرة ولا بد من المزيد. وهنا ينزل قوله تعالى الذي يدل بدلالة استقلالية على نفسه:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]

منهج الشك المنهجي المعتبر وخطواته في طلب المعرفة

إذن لا يوجد مانع من منهج الشك. أنا أريد أن أفهم معنى هذه الكلمة، وإذا كان معناها كذا، فسيتولد سؤال ثانٍ وسؤال ثالث وسؤال آخر رابعًا.

إما أن تقرأ أو تسأل أو تتعلم أو تصبر على تحصيل العلم إلى آخره، فهذا منهج الشك، ومنهج الشك معتبر.

[المذيع]: الإمام الغزالي، هذا في الأمور الدينية يا مولانا؟

[الشيخ]: نعم، فنحن عندنا الأوامر الدينية، يعني لا يوجد فرق بين الدين والدنيا.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: لا يوجد فرق بين الدين والدنيا، هذا كتاب الله المسطور وهذا كتاب الله المنظور، لا يوجد فرق بين الدين والدنيا لأنني أريد أن يطمئن قلبي بالإيمان.

منهج الشك المنهجي في قصة إبراهيم وموسى عليهما السلام واطمئنان القلب

تمامًا، منهج الشك ذكره ربنا لنا في قصة إبراهيم.

[المذيع]: نعم، هل انتبهت؟

[الشيخ]: وفي قصة موسى: أرني أنظر إليك. كيف تنظر إليه؟ كيف؟ يريد أن يطمئن قلبه.

فالشك هكذا، الشك هذا هو الشك المنهجي، شك منهجي.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: ليس له علاقة بالإيمان. أنا مؤمن لكن أريد أن أفهم، أنا مؤمن ولكن أريد أن يزداد إيماني، أنا مؤمن ولكن أريد أن يستقر إيماني.

ولذلك هذا نسميه ماذا؟ الأسئلة التحضيرية. يأتي في ذهني هكذا، حسنًا، افترض أن شخصًا ملحدًا قال لك يا هذا كذا وكذا. سؤال معناه أنني متشكك في وجود الله مثل هذا الملحد؟ أبدًا، إنني أستحضر هذا السؤال.

الأسئلة التحضيرية والبحث عن الإجابات حتى يطمئن القلب

ولذلك سموه التحضيرية، لأعرف إجابته. أحيانًا أعرف الجواب فورًا وأقول: حسنًا، الإجابة كذا. وأحيانًا لا أعرف، فيكون هذا سؤالًا معلقًا يجب أن أبحث عنه ويجب أن أصل إلى إجابته.

ولابد أن يطمئن قلبي في أنه فعلًا المنهج يؤدي إلى معرفة أين الحق في هذه المسألة، وبذلك لا يكون ظني بل قطعي، ولا يكون كذا إلى آخره.

الفرق بين التشكيك المرفوض والشك المنهجي المقبول

أما التشكيك، وهذا ما نراه ليلًا ونهارًا عند هذه الطائفة التي لا تمتثل لهذا المنهج، فهو يريد أن يشكك العوام لأنه يريد أن يحملهم حملًا على رأيه. فهذا إرهاب فكري، وهذا ليس تفكيرًا مستقيمًا.

إنه يحاول أن يضحك على الناس وأن يخادعهم، وليس أنه يدعو الناس للتفكير، بل هو يدعو الناس لمجرد الإنكار.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: أنكر المعلومة، أنكر الثوابت، أنكر ما تعرفه، وحينئذٍ تصبح شجاعًا. لا، ليست هذه شجاعتنا. هذا تشكيك، وهناك فارق بين التشكيك كما بين السماء والأرض، ما بين التشكيك وبين الشك. فالشك مقبول والتشكيك غير مقبول.

هل العقل سلاح ذو حدين وماذا يفعل الإنسان إذا استعصى عليه أمر

[المذيع]: طيب، بعيدًا عن التشكيك يا مولانا، هل نستطيع أن نقول أو نعتبر أن العقل بمثابة سلاح ذي حدين؟ بمعنى أنه إما أن يؤدي بالإنسان إلى الحقيقة فتنكشف له الأمور، أو للأسف يعني قد تكون قدراته العقلية لا تؤهله للوصول إلى الحقيقة، وبالتالي قد يضل الطريق. يعني هل يمكن أن نعتبر العقل بهذا الشكل؟ وفي حال أن الإنسان فكر في أمر من الأمور واستعصى عليه، ماذا عليه أن يفعل في هذه الحالة؟

[الشيخ]: عندما اعتزل الإمام الغزالي جلس مدة يفكر في هذا الذي تذكره، تقول ذلك وتبين له شيئًا غريبًا جدًا في الإنسان، وتجيب على بعض الأسئلة الأخرى.

وهو أن الإنسان خُلق فيه قلب وخُلق فيه عقل وخُلق فيه سلوك، وأن القلب يعلو فوق العقل، وأن العقل يعلو السلوك.

سبب تسمية العقل عقلاً ووظيفته في منع السلوك الضال

وأن من سبب تسميته عقلًا أنه يعقِل، أي يمنع، أي يربط ويفرمل بالكلام الذي يشبه الفرملة. يمنع الإنسان من السلوك الضال أو المؤذي أو السلوك المهلك سواء في الدنيا أو الآخرة.

فهناك قلب يعلو العقل، وهناك عقل يعلو السلوك. وبدأ [الإمام الغزالي] يتكلم: حسنًا، نحن عرفنا العقل وعرفنا مكوناته وعرفنا حدوده وعرفنا أدواته، وعرفنا حسنًا، فما هو هذا القلب إذن؟

سبب تسمية القلب قلباً وتسمية الناس ناساً من النسيان

هذا هو سؤال الأمس في موضوع القلب، ماذا يقول لك؟ ولماذا سُمِّي هكذا؟ يعني اللغة لأنها من عند الله، من وضع الله، فهو الذي علَّم آدم الأسماء كلها. فوضْع اللغة من عند الله.

لماذا سمَّى هذا قلبًا؟ قال: وما القلب إلا لأنه يتقلب. وأول الناس، وما أول الناس إلا أول الناس، أول إنسان نسي هو سيدنا آدم، فسموا أبناءه ناسًا، ناس يعني ناسيين أي ينسون.

فالنسيان هذه خصيصة من خصائص الإنسان لكي يتأقلم ويتكيف مع الظروف المحيطة به. النسيان هذا نعمة، فربنا سبحانه وتعالى منَّ على الإنسان بأنه ينسى، حتى إذا وقع في الذنب ينسى الذنب.

كتاب مكاشفة القلوب للغزالي والقلب بوصفه مرجعية للعقل

فيصبح لدي الآن ترتيب حيث القلب يعلو على العقل، والعقل يعلو على السلوك. فجاء الإمام الغزالي وألّف كتابًا عن القلب وحده، ذلك الذي يعلو على العقل، والذي سيكون بمثابة مرجعية للعقل.

فألّف كتابًا لطيفًا اسمه مكاشفة القلوب، وقال: يا جماعة، إن هذا القلب كما أن العقل جزء منه ماذا؟ سلامة الحواس التي منها سلامة البصر، والقلب فيه بصيرة.

وتحدث عن هذه البصيرة وعن تعلقها بالروح الإنسانية وبالنفس المدركة، وتحدث عن أن هذا القلب الذي هو من شأنه أن يتقلب هو موضع هداية الله سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

وأنه ما دام القلب سليمًا:

﴿إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 89]

فالقلب أحيانًا يكون سليمًا وأحيانًا لا يكون سليمًا. وإن سبب ضلال العقل إن ضلَّ أو هدايته إن اهتدى هو سلامة القلب من عدم سلامته.

كيف نصل بالقلب إلى السلامة وسؤال ما قبل الفاصل

[المذيع]: دعونا نتحدث عن غذاء هذه السلامة، وكيف نصل بالقلب إلى السلامة، كيف نصل بالقلب إلى السلامة؟

[الشيخ]: طيب.

[المذيع]: هذا سؤال مهم جدًا يا مولانا.

[الشيخ]: نعم.

[المذيع]: سنأخذ إجابتك كاملة مكملة إن شاء الله بعد الفاصل، إن شاء الله ابقوا معنا.

إن ما يميز صاحب هذه العقلية هو أنه ممنوع أن تدخل هنا الإعجاز العلمي، هو أنك عندما تصل إلى الحقائق المسلمة في الكون لا تجد نصًا مخالفًا له.

برنامج درجات المعرفة مع فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة، يحاوره الإعلامي عمرو خليل، يأتيكم بإذن الله يوميًا عند الساعة الثالثة عصرًا بتوقيت مكة المكرمة، ويعاد في الأوقات التالية.

كيف نصل بالقلب إلى السلامة بالتخلية والتحلية والتجلي

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرةً أخرى مشاهدينا، الحقيقة قبل الفاصل مولانا طرح سؤالًا مهمًا جدًا: كيف نصل بالقلب إلى السلامة؟ بما أن القلب هو الذي يوجه العقل، ولو كان القلب سليمًا سيكون العقل سليمًا. فبالتالي يا مولانا، كيف نصل بالقلب وبالتالي العقل إلى هذه السلامة؟

[الشيخ]: يلخص أهل الله الإجابة على هذا بثلاثة أشياء وبثلاث كلمات، كلمتان مهمتان جدًا وهما اللتان نعمل بهما: التخلية والتحلية.

لا بد لهذا أن نجعله ننزع منه كل قبيح، ولابد حينئذ، والعالم لا يعرف الفراغ، أن يُحلى بكل صحيح. فبضدها تتميز الأشياء؛ فنخليه من القبيح فيتحلى بالصحيح.

فإذا حدث التخلي والتحلي يحدث التجلي. تصبح ثلاثة أمور: تخلٍّ، تحلٍّ، تجلٍّ.

كتاب إحياء علوم الدين وتقسيمه إلى أرباع التخلية والتحلية

ونريد أن نعرف معنى هذا الكلام، ما معنى التخلية؟ قم يأتي [الإمام الغزالي] ليؤلف كتابًا كبيرًا اسمه إحياء علوم الدين، يقول لك إنه مُقسّم إلى أربعة أرباع:

  1. الربع الأول عن العبادات.
  2. الربع الثاني عن المعاملات.
  3. الربع الثالث عن الصفات الذميمة التي نريد أن نتخلص منها.
  4. الربع الرابع عن الصفات الطيبة الجميلة التي نريد أن نتحلى بها.

فيكون قد تحدث عن التخلية والتحلية في نصف الكتاب، والنصف الآخر للكتاب عن عبادة وفيها معاملة.

التخلية والتحلية في السنة النبوية والنظام الأخلاقي في الإسلام

التخلية والتحلية، يجب على الإنسان أن ينتبه جيدًا إلى التخلية والتحلية. وعندما نعود إلى سيدنا صلى الله عليه وسلم لنرى هذه الأمور، وأين موقعها في هذه الشريعة الغراء التي تركنا عليها، كما قال عن المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

دعونا نرى أن السنة ستين ألف أمر، منها ألفان في كل الشريعة من أولها إلى آخرها، والباقي في الأخلاق ما بين افعل ولا تفعل في جانب الأخلاق.

في القلب نهانا عن الحقد والحسد والغل والكبر وهكذا، وأمرنا بالرحمة والحب والتسامح وهكذا.

فنحن إذن أمام نظام أخلاقي:

قال النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

وربنا يصف ويقول:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

نسبة الأخلاق في الشريعة سبعة وتسعون بالمائة وسيطرة القلب على العقل

اثنان على ستين فيها واحد على ثلاثين يعني ثلاثة في المائة. هذه الثلاثة في المائة ماذا تعني؟ تعني سبعة وتسعون في المائة في الأخلاق، وثلاثة في المائة في الصلاة والصيام والبيع والزواج والطلاق والقضاء والشهادات والمعاملات، والباقي سبعة وتسعون في المائة.

عندما تذهب إلى القرآن فتجد ثلاثمائة آية في كل هذا، والباقي ستة آلاف آية عن الأخلاق، أخلاق مرتبطة بالعقيدة.

إذن نحن أمام عملية واضحة جدًا أن القلب أصله يسيطر على العقل.

[المذيع]: لا، لا يسيطر على العقل.

[الشيخ]: فلا بد أن يكون هذا القلب سليمًا، هل انتبهت؟

وهذه هي الإجابة على قوله تعالى:

﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: 179]

إن الفقه هو الفهم وهو الإدراك الواعي وما إلى ذلك. فالقلوب عندما تكون سليمة فإنها توجه العقل التوجيه السليم الذي يستطيع - بموجب سلامة الحواس وسلامة الدماغ والمعلومات السابقة والواقع المحيط - أن يتخذ القرار السليم ويتبنى السلوك السليم الذي هو تحت العقل الذي هو تحت القلب.

التجلي ثمرة التخلي والتحلي ومعرفة الحقيقة واستقرار القلب بالإيمان

[المذيع]: نعم صحيح.

[الشيخ]: فالإمام الغزالي عمل هذه الأشياء كلها وتبعه الناس بعد ذلك، وألَّف مؤلفات رائعة متميزة في التخلية والتحلية.

والتخلي والتحلي يحدث التجلي. تجلي ماذا؟ عرفت الحقيقة، شعرت بها، أيقنت بها.

أنت لا تريد ترتيب أمور شغبية، ترتيب أمور شغبية، لا ليست هي، ليست هي شغبًا. إنما هذا قلبك مستقر، أتدرك كيف؟

﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾ [النحل: 106]

هكذا بالإيمان، وهكذا قلبه لا يوجد فيه شك ولا ريب ولا ما شابه ذلك إلى آخره.

دور العقل والقلب في إدراك المحسوس وغير المحسوس والأمور الغيبية

[المذيع]: صحيح، طيب مولانا، العقل وإدراكه للأمور، فكرة المحسوس وغير المحسوس، هنا يكون دور العقل أم دور القلب؟ بشكل أنا قادر على تمييز هذه طاولة أو هذه مياه وهذه نار، ولكن في غير المحسوس والأمور الغيبية، هنا دور العقل أم دور القلب؟

[الشيخ]: الاثنان: العقل يقوم بعمل الأدلة وترتيب الأدلة الظاهرة؛ لأن العقل يقوم بعملية تسمى التفكر.

ما هي الفكرة؟ هي حركة النفس في المعقولات. هذه النفس لها حركة، لها بداية ولها نهاية، يمسك الشيء من أوله ويؤدي به إلى نهايته.

هذا التفكر الذي يقوم به العقل يقول لك: من المبادئ إلى المطالب، يعني من بداية الطريق لنهاية الطريق. فالعقل يقوم بعملية التفكر التي هي ترتيب أمور معلومة للتوصل بها إلى مجهول.

لقد قلت لك مرة أن من عمل العقل أنه يربط المعلومات ويصل منها إلى شيء لم يسمعه من قبل، لكن هذا الشيء واقعي وحقيقي.

قصة إيمان فيثاغورس بالله من خلال نظرية حساب المثلثات

وهذا هو ما جعل فيثاغورس يؤمن بالله. كيف آمن فيثاغورس بالله؟

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فيثاغورس صاحب حساب المثلثات، فيثاغورس صاحب حساب المثلثات.

[المذيع]: المثلثات.

[الشيخ]: هل تلاحظ كيف أن عالم حساب المثلثات هذا كان فيلسوفًا ورياضيًا، وكان جماعة الفيثاغوريين هؤلاء يجلسون في القبو تحت الأرض هكذا في السرداب، ولكنه اكتشف شيئًا غريبًا جدًا جعله مندهشًا فآمن بالله.

بعض المترجمين يخطئون ويقولون إن فيثاغورس عبد الرياضة. لا، هو لم يعبد الرياضة، هو عبد ذلك الرب الذي بنى هذا الكون بهذا النظام العجيب الغريب الذي اكتشفه فيثاغورس. كان يعبد الله.

نظرية فيثاغورس وتطابق العقل مع الواقع كدليل على وجود الله

فماذا فعل فيثاغورس؟ يعني كيف فكر فيها؟ أي أن النظرية التي تشير إليها، نظرية فيثاغورس، تقول أن مساحة المربع القائم على الوتر تساوي مساحة المربع القائم على الضلعين الآخرين.

عندما نحسب هذا ونحسب ذاك نجد أنه مساوٍ لهذا. فلو مثلًا هذا الضلع ثلاثة، في ثلاثة تساوي تسعة، وهذا الضلع أربعة، في أربعة تساوي ستة عشر، تسعة وستة عشر كم؟ خمسة وعشرون. تقيس الوتر فتجده خمسة.

[المذيع]: الله!

[الشيخ]: حسنًا، أنا الآن استنبطت هذه العلاقة بعقلي، كيف عند القياس أجدها صحيحة؟ فيثاغورس تعجب! هذا الكلام من داخل عقولنا، وأنا لم أخلق هذا الكون.

إذن من الذي جعل ما في عقلي يطابق ما هو خارجه؟ من الذي جعله يتطابق مع الواقع؟ لا بد أنه كائن غيرنا، فهو غير الكون وغير الإنسان.

فيثاغورس يصل إلى الإيمان بالله الذي وفّق بين العقل والكون

وهو ما نطلق عليه في كتاب الله المنظور وكتاب الله المقدور، ليس هذا ولا ذاك، إنه شخص آخر خارجي. قال: هذا هو الله سبحانه، هو الذي خلق هذا الإنسان المقدور، وجعل عقله يعمل بهذه الكيفية، والذي خلق الكون المنظور وجعله يسير بهذه القواعد.

إذن لا بد أن هناك أحدًا هو الذي وفّق ما بين هذا العقل والواقع، هذا هو الله.

وذهب الأستاذ فيثاغورس هذا، هو آمن بالله من ماذا؟ من هذه الملاحظة. إنه عمل القلب، يعني لم تمر عليه المسألة ووقف عند هذا.

كان من الممكن أن يقف عند هذه الحقائق: هذا المربع يساوي هذين المربعين في المساحة وانتهى الأمر. يعني بعد ما وصل لها بالعقل، لابد أن يصدرها القلب.

العليم هو من انفتح قلبه بعد تسليم العقل وآية إنما يخشى الله من عباده العلماء

أجل، صدّرها، هكذا يكون إذا كان العقل لا بد منه، فها هو قد صدرها القلب تمامًا. فقلبه أصبح يرى، والبصيرة عملت، والبصيرة التي في القلب انكشف عنها الحجاب.

[المذيع]: لذلك يا مولانا، الآية الكريمة:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

على الدوام.

[الشيخ]: لكن، لكن انتبه! العلماء هذا جمع ماذا؟ هذا جمع عليم وليس جمع عالم. جمع عالم أنا أعرف أنها جمع عالم فتكون عالمون.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: علماء جمع عليم.

[المذيع]: جمع عليم.

[الشيخ]:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

فالعليم هذا هو الذي عمل مثل فيثاغورس هكذا، العقل سلّم للقلب فالقلب انفتح. هذا هو العليم، هذا عليم، هذا الذي يخشى الله، هذا الذي يخشى الله، لأنه دائمًا سيرى الله.

الطب محراب الإيمان وكيف يرسل العقل المعلومات إلى القلب فتعمل البصيرة

شخص ما قام بتأليف ثلاث مجلدات أسماه الطب محراب الإيمان. رأى الله وهو طبيب جراح.

كيف رأى الله؟ رأى الله في الدورة الدموية. من الذي صنع هذا؟ إنه شيء غريب جدًا. ما هذه الدقة في رسم الشريان الأورطي؟ ما هذه الدقة في أجزاء القلب الأربعة الأذين والبطين، ما هذا؟

فالرجل حدث له انبهار بخلق الله سبحانه وتعالى، فقال: الطب محراب الإيمان.

انظر كيف أنه أرسل المعلومات من العقل إلى القلب، فما إن وصلت إلى القلب حتى بدأت البصيرة تعمل، فأصبح عليمًا.

لكن قبل ذلك كان مجرد عالِم، كان يعرف بعض المعلومات. نعم، معلوماتي يعني يعرف مئة معلومة ألف معلومة مليون معلومة، لكن لم ترتقِ للعلم الذي هو نسق، والعلم الذي هو فتح لأبواب القلب الذي هو مسيطر على هذه العملية، فيفقه ويرى الله.

وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. إذن من الذي يرى؟ الذي يملك العلم، والعلم هنا المقصود به الوصول إلى الله حتى يبقى في كل شيء له آية تدل على أنه واحد.

ترتيب القلب والعقل والسلوك في الشريعة والقرآن والسنة وختام الحلقة

[المذيع]: هل تنتبه؟ نعم.

[الشيخ]: إذن القلب تحته العقل، والعقل تحته السلوك، وهذا الترتيب موجود في الشريعة، موجود في القرآن، موجود في السنة، موجود في كتابات المسلمين. فهمه الأكابر منهم وساروا على هذا النهج.

[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا، أهلًا وسهلًا، جزاكم الله خيرًا كالعادة، أنت تنير لنا عقولنا وقلوبنا، شكرًا جزيلًا لحضرتك، حفظك الله. شكر موصول لحضراتكم، نراكم على خير إن شاء الله، إلى اللقاء.