#حديث_الجمعة | أحداث مابعد غزوة أحد | أبتداءامن موقعة "حمراء الأسد" ومقتل المسلمين
- •كان النبي صلى الله عليه وسلم الإنسان الكامل ومثالاً يحتذى، وبذكره تتنزل الرحمات على قلوب المؤمنين.
- •بعد غزوة أحد خرج النبي إلى حمراء الأسد قوياً مرهوب الجانب دون أن ينسى مبادئه.
- •التزم النبي بدفع دية من قُتل خطأً من ذوي العهد، وذهب لليهود ليسهموا في الدية وفق صحيفة المدينة.
- •حاول اليهود قتل النبي وسخروا منه، لأنهم يقدمون المصالح على المبادئ عكس النبي الذي تمسك بالمبادئ.
- •دبر اليهود المطرودون مؤامرة مع قريش وقبائل العرب لمحاربة المسلمين، فاجتمع عشرة آلاف محارب.
- •شكّل النبي مجلساً أعلى للحرب ضم كبار الصحابة لمواجهة الخطر القادم.
- •اقترح سلمان الفارسي حفر الخندق كتقنية جديدة استقاها من خبرته في فارس.
- •وافق النبي والصحابة على الاستفادة من هذه التقنية الجديدة غير المعروفة للعرب كعنصر مفاجأة.
- •علّمنا النبي ضرورة الأخذ بالأسباب والخبرات العلمية والتقنية في المعارك بالإضافة للتوكل على الله.
مقدمة الدرس وفضل العيش مع سيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع سيرة المصطفى الحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم، نعيش هذه اللحظات نلتمس من أنواره وأفضاله عليه الصلاة والسلام، حتى نعيش بها في حياتنا.
فقد كان صلى الله عليه وسلم الإنسان الكامل الذي أراده الله سبحانه وتعالى؛ جعل نبيه بابًا إليه ومثالًا يُحتذى وأسوةً حسنةً للعالمين.
وبذكر النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته تتنزل الرحمات والسكينة على قلوب المؤمنين، وينشرح الصدر وتنفتح الروح على عالمٍ من الأنوار، ومن كشف الأسرار، ومن رفع الأستار؛ فيسير المؤمن بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم على هداية وعلى هدىً.
ما حدث بعد غزوة أحد واستئساد الأعداء وثبات النبي على مبادئه
وصلنا إلى ما حدث بعد غزوة أحد، ابتداءً من حمراء الأسد وما استأسد به أعداء الإسلام على المسلمين؛ فقتلوا واغتالوا وخانوا وحاصروا.
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بجماعة المسلمين ومن هذا البلاء كله قويًا مرهوب الجانب؛ لأنه لم يدعهم يحطمون الإسلام ولا المسلمين.
ولم ينسَ في ظل هذه المصلحة من الحماية والرعاية والعناية، لم ينسَ مبادئه التي يأمر الناس بها، والتي ينهى عن تركها، ولم يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه، فلم يفعل شيئًا من ذلك [أي مخالفة المبادئ لأجل المصلحة].
ذهاب النبي إلى اليهود لجمع الدية وفقاً لصحيفة المدينة
وعرفنا أنه لما قتل أحد أصحابه الكرام على سبيل الخطأ اثنين من ذوي العهد، كان عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأمان، أنه وادَّهم وأراد جمع الدية.
ولأن صحيفة المدينة والتي كانت تمثل دستور المدينة حينئذ والقانون الأعلى الذي يجب على الكافة أن يرجعوا إليه، ذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليهود من أجل أن يأخذ منهم جزءًا من الدية.
هكذا تنص صحيفة المدينة على أن احتياجات المدينة تؤخذ من الكافة؛ فجمع النبي قدر ما جمع من المسلمين، وأيضًا من كبار المشركين، والمدينة في حالة تعدد حينئذ، ولم يبقَ إلا اليهود؛ فذهب إليهم يطلب أن يسددوا شيئًا من هذه الدية باعتبارهم مواطنين في بلد تحتاج وتمر بأزمة.
محاولة اليهود قتل النبي وسخريتهم منه وتقديمهم المصالح على المبادئ
وهنا حاول اليهود أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وسخروا منه: أنت ماذا يحدث أو ماذا يجري؟ أأنت في هزيمة مُنيت بها أم في اثنتين ستأخذ ديتهما؟ ليحترقوا في نار جهنم هؤلاء الاثنان! إننا في حالة هيجان، كيف تفكر؟
لأنهم إذا تعارضت المصالح والمبادئ عندهم قدّموا المصالح ونسوا المبادئ. والناس إلى يوم الناس هذا هكذا: إذا تعارضت المصلحة مع المبدأ، انسَ المبدأ! نحن نهتم بالمصلحة.
المبادئ مبنية على الأخلاق، والمصالح مبنية على المنافع، وقد يتعارضان وقد يتوافقان. ففي السياسة المعلومة عند الآخرين: الغاية تبرر الوسيلة، يعني أن المصلحة مقدمة على المبادئ.
الفرق بين صاحب المبدأ المتعلق بالله وصاحب المصلحة المتعلق بالمنفعة
وصاحب هذه المصلحة يرى أن صاحب المبدأ ليس عاقلًا؛ لأنه يتمسك بمثاليات ويترك المنافع. ونحن لا نعلم إلا المنافع.
﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
صاحب المثل والأخلاق تعلّق قلبه بالله، وتعلّق قلبه باليوم الآخر الذي هو يوم الدين، وتعلّق قلبه بالمبادئ، وتعلّق قلبه بالدين وبالأحكام.
أما صاحب المصلحة فقد تعلّق بالمنفعة، والمنفعة هي جلب الملذات وردّ وصدّ الآلام؛ هذه هي المنفعة وهذه هي المصلحة في غايتها وفي وظيفتها.
تدبير اليهود لقتل النبي ونزول الوحي وطردهم ثم تحريضهم قريشاً
وحدث هذا ورأينا اليهود قد دبّروا قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وأوحى الله إليه كما ذكرنا من قبل بهذا؛ فقام هو وعمر وعلي وذهبوا إلى المدينة.
وقالوا: لماذا تفعل هذا يا رسول الله؟ قال: جاءني جبريل وأخبرني أنهم يدبرون قتلي. وغزاهم وطردهم من المدينة.
ولما طردهم من المدينة فذهبوا إلى مكة يستحثون أهلها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤلّبون زعماء قريش عليه، ويقولون لهم: أما آن لنا أن ننتهي من هذا البلاء ومن هذا الشخص الذي فعل فينا كل هذا؟
اقتناع قريش بالحرب وجمع الأحزاب عشرة آلاف مقاتل ضد المسلمين
واقتنعت قريش وحضرت أربعة آلاف، وألقى الله في قلوبهم الوهن والخوف، وقالوا: إن أربعة آلاف لا تكفي؛ فقد انتشر الإسلام وازداد عدد المسلمين.
وأصبحوا في المدينة ثلاثة آلاف؛ عندما دخل النبي في أول سنة كانوا تسعين، واليوم ونحن في السنة الخامسة أصبحوا ثلاثة آلاف ومائة، بزيادة ثلاثين ضعفًا، غير الذين قُتلوا وغير الذين لا يسكنون المدينة.
فهؤلاء الأربعة آلاف سيغلبون الثلاثة آلاف الذين في المدينة؟ تأكلنا إذن! وماذا نفعل؟ قالوا: نحن نجمع الأحزاب. ما هذه الأحزاب؟ قالوا: القبائل التي من هنا إلى المدينة.
تفاصيل جمع الأحزاب من القبائل وبلوغ عددهم عشرة آلاف مقاتل
وذهبوا إلى القبائل التي بين مكة وجنوب مكة والمدينة حتى يثيروهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فاجتمع لهم من غطفان ومن هذيل ومن كنانة ومن كذا وكذا من الأحزاب التي هي القبائل، اجتمع لهم عشرة آلاف. ماذا تعني عشرة؟ أمعقول!
أخذوا العهد والميثاق، وجاء أحد اليهود المطرودين وهو حُيَيّ [بن أخطب] وكلّم كعبًا [بن أسد]، لا يزال البقية [من يهود بني قريظة] الذين في المدينة.
بعد الفاصل نرى ما الذي حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصبر على المبادئ ويحاول أن يحصّل المصالح.
علم النبي بمؤامرة الأحزاب وخطورة الموقف بعشرة آلاف مقاتل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم سمع وعرف وأُوحي إليه بشأن الأحزاب، ووجد العدد الذي وصلت إليه المؤامرة عددًا كبيرًا: عشرة آلاف إنسان، عدد ضخم، عشرة آلاف، وهم أهل حرب وأهل قتال.
والقتال هنا سيكون له أولًا مصالح، وثانيًا ثأر، يعني قادمون في حقدٍ في قلوبهم يريدون أن يُظهروه، وثالثًا قوة، ورابعًا عقيدة؛ فهم يتمسكون بالعقيدة الشركية عندما يريدون أن يثيروا عموم الناس، يقول لهم: دينك يا أخي! وهو لا علاقة له بالدين ولا لديه دين أصلًا، وإنما يثيرون الناس بهذا العنوان.
فكل ذلك معناه أن الأمر جَلَل.
عصمة النبي من القتل ودوره كمعلم ومشرع في مواجهة الأخطار
هل قال رسول الله [إنني معصوم فلا أحتاج للاستعداد]؟ علم النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ أن الله ناصره، والله في السماء لا يستطيعون أن يمدوا أيديهم عليه أبدًا.
وهو كذلك لأنه كان معصومًا من الخلق:
﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [المائدة: 67]
ولن يستطيع أحد أن يمد يده عليه عليه الصلاة والسلام.
لكنه معلم ومشرع وقدوة؛ ولذلك علّمنا كيف نواجه هذه الأخطار، وأنه يجب علينا أن نتعامل معها بكل جدية وبالعلم وبالخبرة وبالنصيحة وبالإدارة وبالإرادة.
تكوين النبي مجلساً أعلى لشؤون الحرب وشواهد ذلك من كتب السيرة
فكوّن النبي صلى الله عليه وسلم مجلسًا أعلى لشؤون الحرب. وبعد ذلك سيأتي أحدهم إلينا ويقول لك: هل كان النبي عليه الصلاة والسلام لديه مجلس أعلى لشؤون الحرب؟ وهكذا فلا تلتفت إليه.
لأنه حتى أهل السنة من كتّاب السيرة والمحدثين [يعرفون ذلك] يفعلون هكذا. يقول: فكوّن مجلسًا أعلى لشؤون الحرب.
هكذا تجد المرحوم محمود شيت خطاب، وكان رجلًا عسكريًا من العراق، وكان يكتب في السيرة وفي الأحوال، يكتب هكذا. تجد أهل الهند كالمباركفوري والعظيم فوري وغيرهم يكتبون هكذا. تجد هذا الكلام فلا تلتفت.
وجود الشرطة في عهد النبي والتحذير من الجهل بالسيرة النبوية
عندما نقول مثلًا: وكان على شرطة رسول الله [فلان]، ويقول لك: هل كان النبي لديه شرطة؟ نعم، كان لديه شيء يحميه ويحمي الأمن الداخلي الذي يُسمى الشرطة حاليًا.
حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام جعل من علامات الساعة كثرة الشُّرَط، وهذا موجود في الحديث. هل أنت منتبه؟
فلا تلتفتوا إلى الجهل والجهلاء وهذه المتراكمات؛ لأننا مللنا بما فيه الكفاية من الجهل والجهالة.
أعضاء مجلس الحرب واقتراح سلمان الفارسي حفر الخندق
أن نكوّن مجلسًا أعلى لشؤون الحرب، ماذا نفعل في هذا المجلس؟ أبو بكر وعمر وعلي في هذا المجلس، سلمان الفارسي في هذا المجلس، أكابر الصحابة في هذا المجلس.
ماذا نفعل؟ فقال سلمان رافعًا يده: يا رسول الله، أنا عندي خبرة في هذا الأمر. كنا في فارس إذا داهمنا العدو احتمينا بالجبل وحفرنا خندقًا لا يستطيع الفرس أن يقفز إليه.
إذن يجب أن أكون عارفًا كم مترًا تبلغ قفزة الفرس لكي أحفر خندقًا لا يستطيع الفرس أن يقفز فوقه، وعندما يحاول القفز سيقع، وعندما يقع تحت سأتمكن من ضربه بالنبل، وسأتمكن من فعل هذا وذاك إلى آخره.
أهمية العلم والتدريس في التخطيط العسكري وتنفيذ الأفكار الجيدة
فإذا لم يمت من السقوط فسيكون هناك الخندق. كم يجب أن يكون عرضه؟ وكم يجب أن يكون عمقه؟ وكم يجب أن يكون طوله؟
إنه يوجد علم هنا؛ لذا يجب عليكم يا جماعة أن يكون لديكم علم، وهذا العلم يجب أن يكون له قواعد وتدريس، وإلا فلن نعرف المعلومات، وبالتالي لن نتمكن من تنفيذ حتى الأفكار الجيدة.
استشارة النبي أصحابه وعنصر المفاجأة ونقل التكنولوجيا من فارس
استشر [النبي صلى الله عليه وسلم] الجماعة: ما رأيكم في هذه الفكرة الجديدة؟ قالوا له: يا رسول الله، هذه الفكرة غير معتادة عند العرب.
فأصبحت عنصر المفاجأة والمباغتة، وفيها عنصر استيراد التكنولوجيا ونقل التقنية. توجد تكنولوجيا في فارس لم تصلنا بعد، سنحضرها.
فماذا سيفعل العرب؟ سيفتحون أفواههم ولن يعرفوا كيف تعمل هذه التكنولوجيا الجديدة! ماذا يفعلون؟ كيف يكون ما يحدث هكذا؟
دروس مستفادة من اقتراح سلمان الفارسي في نقل الخبرة والتكنولوجيا
لماذا يكون هذا الموقف مثلما فعل سلمان الفارسي في نقل الخبرة؟
- ثانيًا: لا بد أن يكون مبنيًا على العلم.
- ثالثًا: هناك نقل للتكنولوجيا.
لم يقولوا: أعوذ بالله! سنتخذ من الكفار الفرس، سنأخذ منهم هكذا، بل إن هذا حتى لا يبارك الله لنا فيه! لا مشكلة، فهذه أمور كونية.
هذه الحرب مسألة كونية، مسألة تحتاج إلى تدريب، وتحتاج إلى سلاح، وتحتاج إلى خطط، وتحتاج إلى ترتيب معين تسير عليه لتنجح، وإن لم تسر عليه فلن تنجح.
نموذج محمد علي في نقل العلوم العسكرية وبناء الجيش المصري الحديث
ولذلك رأينا المسلمين عندما شعروا بأن العلوم العسكرية ليست معهم، فماذا فعل محمد علي؟ ذهب وأحضر سليمان باشا الفرنسي لكي يعمل له جيشًا.
مَن سليمان الفرنسي هذا؟ رجل فرنسي، فهو يقول لك الفرنسي، يعني الفرنسي، أيكون إنجليزيًا؟ إنه فرنسي!
ولماذا أحضره؟ لأن له علاقة جيدة مع فرنسا أيام محمد علي. وجاء ليعلمني، جاء ليعلمني وينشئ الجيش.
فأنشأ الجيش وأخلص له، وأصبح الجيش المصري منذ ذلك الحين ذا تدريب حديث. واستطاع الجيش المصري هذا أنه يضرب حتى الآستانة! استطاع هذا الجيش أن يساهم في حروب المكسيك. نعم، إنه جيش قوي، أصبح جيشًا منظمًا، جيشًا نظاميًا، جيشًا يدرس.
إرادة النبي أن نتعلم وإرسال الملوك أبناءهم لدراسة فنون الحرب
نعم، هكذا النبي عليه الصلاة والسلام يريد منا أن نتعلم.
بعد ذلك وجدنا الملوك والرؤساء يرسلون أبناءهم إلى إنجلترا لكي يدرسوا فنون الحرب. آه، لابد أن نعرف ما يجري في الدنيا وكيف تسير، وما الذي نستطيع أن نقوم به في هذا المجال.
موافقة مجلس الحرب على حفر الخندق لمواجهة الأحزاب والختام
فالنبي صلى الله عليه وسلم سمع كلام سلمان، فقال له: حسنًا، هل نفعلها يا أبناء أم لا نفعل؟ فقالوا له: لا، إنها فكرة جيدة لأنها شيء جديد علينا.
حسنًا، الخبير الذي مَن سيفعلها لنا؟ سلمان هو الخبير. كان سلمان كبيرًا في السن.
وافق مجلس الحرب الأعلى على حفر الخندق حتى يكون في مواجهة العدد غير المقدور عليه بالوسائل التقليدية من القبائل والأحزاب إذا ما تهورت وجاءت إلى المدينة.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، لنكمل مسيرة غزوة الأحزاب وما فعل الله فيها من كرامات ومعجزات، لنرى تأييد الله سبحانه وتعالى لنبيه بعدما اتخذ الأسباب المناسبة التي اتخذها هو وصحابته الكرام.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
