#حديث_الجمعة | السنة الثالثة من الهجرة | يوم أحد ومعصية الرماه للنبي | الجزء الثالث

#حديث_الجمعة | السنة الثالثة من الهجرة | يوم أحد ومعصية الرماه للنبي | الجزء الثالث - السيرة, سيدنا محمد
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع أنوار النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم وما أجراه الله عليه وعلى يديه من بركات ونزول رحمات وسكينة، نعيش هذه اللحظات، نتعلم منه صلى الله عليه وسلم وهو الأسوة الحسنة. الذي جعله الله مثالاً للعالمين "لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ
اللَّهَ كَثِيرًا" [الأحزاب: ٢١]. وكنا قد وصلنا إلى السنة الثالثة من الهجرة النبوية المشرفة وإلى يوم هو يوم أحد، ووصلنا فيه إلى معصية الرماة -رحمهم الله تعالى- وكانوا مع عبد الله بن جبير جبير قائدًا لهم، وكان عددهم خمسين راميًا وقفوا على جبل الرماة وهو معروف لمن زار منطقة أحد ويسمى إلى الآن بجبل الرماة، وذلك لحماية ظهر الجيش الإسلامي، وكان ذلك في
السابع من شوال في السنة الثالثة، وهو يوم أحد، وكان النصر أولًا للمسلمين، ويسميها بعض أهل السير بالصفحة الأولى؛ لأن هناك صفحة أولى وصفحة ثانية وصفحة ثالثة، ففي الصفحة الأولى انتصر المسلمون وكانوا نحو سبعمائة، والنبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا مرّ بكتيبة من اليهود حسنة التسليح فرفض أن تقاتل معه حيث إنهم لم يُسلموا، وعبد الله بن أبي بن سلول لما وصل إلى أرض المعركة انسحب بنحو ثلاثمائة ممن معه، وأصبح مع النبي سبعمائة خمسون
منهم على جبل الرماة. وجرت المعركة وانتصر المسلمون وولّى المشركون. وحاول خالد بن الوليد -ولم يكن قد أسلم بعد- أن يهاجم جبل الرماة لأنه عرف أنه النقطة الاستراتيجية التي بها النصر والهزيمة، ثلاث مرات، ولكن الرماة صدّوه، وسقط من المشركين نحو سبعة وثلاثين رجلاً، كان قد سقط كان قد سقط منهم هناك في بدر حوالي سبعون، وهنا سقط سبعة وثلاثون، وتفرقوا وذهبوا حتى إن بعض المسلمين بدأ في جمع الغنائم، "وانصرفوا انصرافاً تاماً قافلين" [أي: عائدين من غزوهم] -وأُحُد
في شمال المدينة- إلى جهة الجنوب (جهة مكة من الطريق المعتاد)، أما الذين كانوا على جبل الرماة [من المسلمين] وعددهم خمسون فرأوا إخوانهم قد انتصروا، فأرادوا أن ينزلوا حتى لا تفوتهم الغنيمة، وهذا عصيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعطينا درسًا كبيرًا أن ظاهر الأمور ليس كباطنها، ويعطينا درسًا كبيرًا وهو أن الأمور بمآلاتها، فلا يصح قول "أحييني اليوم وأمتني غدًا" [أي: اعطني ما أريد اليوم ولا يهم ما يحدث غدًا]، احذر أن تنظر إلى ما تحت قدميك فقط، فالصورة الظاهرة تتمثل في الانتصار وجمع الغنيمة وانتهاء المعركة، انتهاء
المعركة، والوصية التي هي وصية عسكرية واجبة التنفيذ بحذافيرها، ولا دخل لنا أن نفكر وأن نُعمل عقولنا فنفسد كل شيء في هذا المقام -الطاعة حيث حذّرهم عبد الله بن جبير من النزول فأبى الأكثرية، وهذا درس ثالث أنه ليست الأكثرية دومًا على حق، بل قد تكون على أبطل الباطل إذا خالفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، "وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ" [يوسف: ١٠٦]، "وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ" [الأنعام: ١١٦]، إذاً هناك دروس في كل حركة من حركات أُحد، نزل
أربعون رجلاً، وتركوا عبد الله بن جبير مع تسعة استشهدوا جميعاً في سبيل الله وهم يدافعون عن جبل الرماة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وبدأت الصفحة (المرحلة) الثانية حيث تمكَّن خالد من الإحاطة بجبل الرماة واقتحامه واقتحام ما بعده، وفاجأ المسلمين بأنه من ورائهم، ونادى المشركين فجاؤوا من أمامهم، ووقع المسلمون في مصيدة. الشعور بانتهاء المعركة يُذهب الهمة، الشعور بانتهاء المعركة يؤدي إلى الفرقة، الشعور بانتهاء المعركة خاصةً إذا
كان هناك نصر يؤدي إلى شيء من السرور والحبور وجمع الغنائم، فالارتباك يحدث عندما يتبين لهم أنه لم تنته بعد، وحوصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معه تسعة، كان معه سبعة من الأنصار واثنان من المهاجرين، ودافع الأنصار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وعدوه وماتوا جميعاً (السبعة ماتوا). وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيته في الحرب رأيت أسداً، وقالوا: "كنا إذا حمي الوطيس احتمينا برسول
الله صلى الله عليه وسلم". بالإضافة إلى أنه كان مؤيداً. فواحد من المشركين قال: أبحث عن محمد، لا نجا إن نجوت، "خيبه الله" [دعاء من الشيخ على هذا المشرك]، فعاتبه صفوان بن أمية قال: "محمد كان بجوارك فلماذا لم تقتله وكان وحده؟" فلم يرَ [هذا المشرك] سيدنا محمد، فقال: "والله ما رأيته"، قال: "دعك من الكذب، أنت خفت منه، لقد أدرت وجهك إلى الناحية الأخرى، كلما يأتي هكذا تدير وجهك إلى الناحية الأخرى هكذا، كفاك
كذبًا"، فصفوان بن أمية يرى الحادثة من بعيد، يرى النبي صلى الله عليه وسلم ويرى هذا الرجل [المشرك] وهو بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرخ بشدة هكذا وهو في الحقيقة لا يراه، لا يرى النبي أصلاً، وليس معنى ذلك أنه يراه في صورة شخص آخر، "وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ" [النساء: ١٥٧]، أبداً، فهو لا يراه أصلاً، إذن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤيداً، وبعضهم قال: رأينا رجلين لا نعرفهما عليهما البياض يدافعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثير من هذه المواقف واللحظات السريعة عاشها المشركون مع رسول الله. فقال أهل السير عن هذين الرجلين أنهما جبريل وميكائيل، فهو مؤيد، بالإضافة إلى أنه [عليه الصلاة والسلام] فارس، وبالإضافة إلى كل
هذه الفدائية والفروسية، وبالإضافة إلى أنه نبي، إلا أنه أيضًا كان مؤيدًا. من كان يدافع عن سيدنا النبي؟ مصعب بن عمير فقد كان شبيهاً بالنبي، بمعنى أنك عندما تراه من بعيد تقول: "نعم، هذا هو سيدنا محمد"، ثم تقترب منه فتقول: "لا، إنه مصعب"، فقد كان شبيهاً بالنبي. مَن الذي اختلط عليه الأمر؟ ابن قمئة. اختلط الأمر على ابن قمئة في مصعب بن عمير، فظن أنه النبي. وبعد الفاصل سنرى ماذا حدث لابن قمئة وماذا حدث لمصعب بن عمير وماذا حدث في أُحد في الصفحة الثانية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله و الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله و آله ومن والاه. ما زلنا في ساحة أُحُد وفي الصفحة (المرحلة) الثانية حيث تمكن المشركون من المسلمين، وعندما رأى النبي هذا كان بين أحد أمرين: إما أن يختبئ وإما أن يجمع الجيش حوله، لكن بينه وبين جيشه -المشركون قطعوا الطريق هكذا، فاختار
الثانية وقال: "إليَّ عباد الله"، أي: يا عباد الله، فسمعوا صوته وسمع المشركون صوته، فجاء ابن القمئة ومن معه (سرية ابن القمئة)، وكان الغرض ليس القتال بل قتل محمدًا فقط وهذا يكفي، فجاء ابن القمئة ورأى مصعب بن عمير وكان شبيهاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فارساً وهو أول من جمَّع بالمسلمين في المدينة؛ كان عالِم المدينة والنبي عليه الصلاة والسلام أرسله من مكة إلى المدينة لكي يُعلِّم أهل العقبة الأولى وأهل العقبة الثانية، فكان عزيزاً على أهل
المدينة جداً. فمصعب بن عمير قاتل ابن القمئة وجماعته، والشيء القميء: أي القبيح وأيضاً الممزق، فهو قبيح لأنه ممزق، فالشيء الممزق هو ما يكون قبيح المظهر، وهذا سمّى نفسه "ابن القَمِئة" أي مَن يمزق. فابن القَمِئة وجماعته التفوا حول مصعب بن عمير وهم يعتقدون اعتقاداً جازماً أنه سيدنا الرسول، ولأنه [مصعب بن عمير] كان بطلاً يقاتلهم بشدة، فقد التفوا حوله وتكاثروا عليه وقتلوه، وكان في جسده سبع وثلاثون طعنة
بسيف ورمح وكذا. مصعب بن عمير في شهداء أُحد مع حمزة. وفرح ابن القمئة وظن -من جهله- أنه نفذ ما يريد وقتل محمداً، فنادى أن محمداً قد قُتل، فانتشرت الشائعة بين المسلمين والمشركين أن محمداً قد قُتل. من الذي أطلق هذا الكذب؟ ابن القمئة، وهل كان متعمدًا؟ لا، فهو ظن أنه قد قتل محمداً بقتله لسيدنا مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه. فلما سمع المسلمون أن محمدًا قد قُتل، قالوا: فما فائدة وجودنا هنا الآن؟ فرجع بعضهم إلى المدينة
لكنهم قليلون؛ فالمسلمون حينئدٍ سبعمائة شخص قُتل منهم سبعون، وقُتل من المشركين كما قيل أربعة وعشرون وبالتحقيق أنهم سبعة وثلاثون، فعندما تأتي لتحقق وترى الأسماء وما إلى ذلك يظهرون سبعة وثلاثين، إذن مائة وسبعة أشخاص ماتوا في هذه المعركة، سبعون من عندنا وسبعة وثلاثون من عند المشركين. فعاد هؤلاء المحاربون إلى ديارهم (في المدينة) لأنهم انتابتهم الحيرة وظنوا أن الأمر قد انتهى، لأن القائد [رسول الله صلى الله عليه وسلم] لم يعد موجودًا (في ظنهم). وهذا الدرس يعلمنا أن الراية مهمة لأنه إذا سقطت الراية يحدث ارتباك وتضاربات، ويبدأ كل فرد
في أن يفكر بمفرده (مستقلًا عن الجماعة) فتحدث الهزيمة. كان مصعب بن عمير هو الذي يحمل الراية، فقطعوا يده اليمنى فأمسكها باليسرى، فقطعوا له يده الثانية، فاحتضن اللواء كي لا يسقط، حتى أتت أم عمارة وأخذت اللواء منه وهم [المشركون] يظنون أنه محمد صلى الله عليه وسلم. مات مصعب بن عمير، فعاد بعض الناس إلى المدينة، وأثناء عودتهم وصل خبر إلى المدينة أن المسلمين يتعرضون للضرب، فخرج بعض الناس، ومن بين الذين خرجوا أم أيمن، ومن بينهم أيضاً عائشة، وكذلك أم سلمة وهكذا، علماً أن زوجها أبا سلمة
كان ما يزال حياً في ذلك الوقت، وبعد ذلك توفي أبو سلمة في إحدى المعارك، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انتهاء عدتها، فأصبحت أماً من أمهات المؤمنين، لكن في غزوة أحد كان أبو سلمة لا يزال حياً، وهو من المجاهدين في أحد، وهو صاحب الهجرتين إلى الحبشة، فأبو وأم سلمة من عظماء الصحابة إذن. وأثناء عودة هؤلاء القلة من المسلمين الهاربين قابلتهم من؟ أم أيمن، ومن هي أم أيمن؟ مرضعة النبي كما قلنا، من هي أم أيمن؟ كانت جارية وعبدة عند من؟ عند عبد الله بن عبد المطلب (عند أبيه صلى الله عليه وسلم)،
ولذلك تركها له في الهبة، الجارية، وهي أمه في الرضاعة. سيدنا النبي عزيز جدًا على أم أيمن فهي أم من أمهاته فخرجت لتقتل وتشعل النار في المشركين، وهناك قابلت المسلمين العائدين من المعركة ووجدتهم حائرين مساكين، وهؤلاء ليسوا منافقين بل هم حائرون لأنهم ليس لديهم قيادة وكأنهم يقولون: ماذا سنفعل الآن؟ أسنقاتل أم نرجع أم ماذا نفعل؟ أي أنهم كانوا مضطربين. هؤلاء الهاربين من الأبطال أيضاً، لكن أم أيمن وجدتهم هكذا فأوقفتهم وقالت لهم: هلموا فلأقترح عليكم خطة، قالوا لها: ما هي؟ قالت لهم: تأخذون مغزلي -والمغزل مكان يخص النساء- وتُحضرون لنا السيف لأننا سنذهب للقتال، وهذا
مثلما تفعل المرأة اليوم عندما تقول لأحدهم: خذ حجابي هذا، واعطني لحيتك لكي أذهب مكانك"، أي كأنها تقول له: "أنت لست رجلاً"، فتأثروا كثيرا لشدة كلامها وقالوا والله لا يمكن أن يُقال هذا ولو لأقل "فارس" فينا، فتلك الكلمة أوجعتهم، فقالوا لها: دعي هذا الكلام، ونحن سنعود ونقاتل إلى أن نُقتل ما دام الأمر هكذا، فذهبوا هم وأم أيمن بركة والسيدة عائشة وأم سلمة وغيرهم إلى أرض المعركة، واشتغلن كفرق للتمريض، فأخذوا يسقون الناس الجرحى، وأخذوا يجلبون المياه ويحملونها على أكتافهم ويذهبون ويأتون وهكذا إلى آخره حتى
قال بعضهم (الرجال): "لقد رأيت سوقهن"، أي أنها عندما كانت كانت تشمر هكذا [أشار الشيخ إلى كيفية التشمير الذي يقصده بأن المرأة كانت ترفع جزء من ثيابها لتسطيع حمل المياه وهكذا] فينكشف ساقها، ولم يكن قد ظهر حينئذٍ هؤلاء النابتة (المتشددون) الذين ظهروا الآن ويريدون إماتة المرأة واعتبارها نجسة ويجب دفنها وهي حية كما في الجاهلية، لا، بل ذهبوا واشتركوا وحاربوا، ولم يعارضهن أو يقل لهن أحد ما هذا الكلام هل سيحارب النساء؟ وإن حدث وقال لهم أحدٌ هذا -وهذا لم يحدث- لقلن له: نعم، ولِمَ لا نحارب. وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وضربوا المشركين ضرباً موجعاً دافعًا عن
سيدنا النبي، وكانت معهما أم سُليم بنت ملحان، ومَن هي أم سليم؟ إنها أم أنس بن مالك. دائمًا نقرأ في الأحاديث يقول: قال أنس بن مالك عن رسول الله (عن أنس بن مالك عن رسول الله) فـ أنس هذا، أمه من تكون؟ أم سليم بنت ملحان. ملحان أنجب "أم سُليم" وأنجب "أم حرام" وأنجب "حرام" (أخاهم) وهو خال أنس بهذه الطريقة (حرام بن ملحان)، أم سليم قاتلت عن رسول الله واشتد القتال. إذن هناك أناس عادوا لديارهم في إلى المدينة وبعضهم عادوا للمعركة
بعد أن تأثروا بكلام السيدات ووصلوا جميعًا إلى أرض المعركة وقاتلوا دفاعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ابن القمئة وعتبة بن أبي وقاص -وهو أخو سعد بن أبي وقاص- حاولوا قتل النبي عليه الصلاة والسلام ومصممون على قتله صلى الله عليه وآله وسلم. سنرى في حلقة قادمة ولقاء آخر ماذا كان من أنوار النبي المصطفى والحبيب المجتبى التي ملأت المكان فحفظته، والتي علّمت البشرية إلى يوم الدين. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.