#حديث_الجمعة | السنة الرابعة من الهجرة | ماحدث بعد غزوة أحد من أحداث | بئر معونة و حادث الرجيع - السيرة, سيدنا محمد

#حديث_الجمعة | السنة الرابعة من الهجرة | ماحدث بعد غزوة أحد من أحداث | بئر معونة و حادث الرجيع

27 دقيقة
  • روى النص قصة سرية الرجيع التي حدثت في السنة الرابعة للهجرة بعد غزوة أحد.
  • قَدِمَ وفد من قبيلة قارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم طالبين منه إرسال من يعلمهم الإسلام.
  • اختار النبي عشرة رجال كما جاء في صحيح البخاري، وجعل عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي.
  • غدر أهل قارة بالمسلمين وأخبروا آخرين بمكانهم، فتبعوهم وحاصروهم في منطقة الرجيع.
  • قُتل سبعة من المسلمين، وأُسر ثلاثة هم: خبيب، وزيد بن الدثنة، وثالث لم يُذكر اسمه لكنه قُتل لرفضه الذهاب معهم.
  • بيع خبيب وزيد في مكة، وقُتلا انتقاماً لقتلى بدر من المشركين.
  • طلب خبيب أن يصلي ركعتين قبل قتله، فسن سنة صلاة ركعتين لمن يُقتل صبراً.
  • كان عاصم بن ثابت عاهد الله ألا يمس مشركاً ولا يمسه مشرك، فحماه الله بعد موته بالزنابير التي منعت المشركين من الوصول إلى جثته.
  • حزن النبي صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً على مقتل أصحابه.
محتويات الفيديو(24 أقسام)

مقدمة الدرس والأحداث التي تلت غزوة أحد في السنة الرابعة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع أنوار النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم، نعيش هذه اللحظات في تلك الفترة الحرجة التي تلت غزوة أُحُد. وكنا في أُحُد وهي في السابع من شوال سنة ثلاثة [للهجرة]، وبعد ذلك دخلنا في السنة الرابعة.

وفيها حدثت سرية أبي سلمة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فلما رجع إلى المدينة مات. وبعد ما انقضت العدة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة، فكان خير زوجٍ لها. وأيضًا عبد الله بن أنيس ذهب وأتى برأس خالد [بن سفيان].

غزوة الرجيع وطلب قبيلة قارة بعثة لتعليم الإسلام

وأيضًا بعد ذلك غزوة الرجيع. في السيرة يقولون إن الذي حدث أن قبيلة اسمها قارة قادمة وتسأل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، نعم نحن نريد بعثة تأتي إلينا لتعلمنا الإسلام.

فقال لهم: حسنًا، موافق. فاختار، قيل سبعة، والبخاري يقول ماذا؟ عشرة. إذن قيل سبعة أفراد وقيل عشرة أفراد. والمحققون يقولون ماذا؟ أن ما في الصحيح هو الصحيح، وما في الصحيح الذي هو صحيح هو الأولى في هذه القضية، وما في الصحيح هو الصحيح.

أهمية التوثيق عند المسلمين ونقد تصديق الأكاذيب في العصر الحديث

الله! حتى هذه أيضًا، أهل الإسلام أهل توثيق، ونحن تركنا في عصرنا التوثيق وأصبحنا نصدق أي شيء؛ نفايات الإنترنت، نفايات البث الفضائي، أصبحنا نصدقها حتى مسحت عقولنا، وأصبحنا نصدق ما نسمع ولا نصدق ما نرى، مصيبة سوداء.

لا، لم يكن المسلمون هكذا، بل كانوا أهل توثيق، وابتكروا علومًا لحفظ القرآن تُسمى علوم القراءات، ولحفظ السنة أسسوا علم الحديث درايةً وروايةً. حفظوها حفظًا متقنًا، وعرفوا مَن هذا ومَن ذاك، وما فيه خلل في اللفظ أو في المعنى، وما هو معارض أو موافق، وما هو مؤتلف أو مختلف. عرفوا كل هذا وربوا أنفسهم عليه.

خطورة تصديق الأكاذيب والمبالغات وبناء المواقف العقائدية عليها

من الصعب أن تضحك على شخص مثل هذا [الذي تربى على التوثيق]، لكن الذي يجلس طوال النهار يستمع إلى الأكاذيب ويصدقها ويبني عليها، حتى تذهب روحه فداءً لها، فداءً للكذب، فهذا قد مُحي عقله، مُحي عقله تمامًا.

ليس هذا هو الإسلام، الإسلام يكره الكذب، ومن ضمن الكذب المبالغة؛ مبالغة غير معقولة وغير مفهومة. يقول: مات في ثلاثمائة متر ثمانية آلاف شخص! كيف يكون هذا؟ لو رصناهم لوصلوا إلى المطار، كيف يكون ثمانية آلاف؟ وهذا مكتوب، ليس غير مكتوب، الكتابة ثابتة، مكتوب في الجرائد.

يعني هذا يصدق نفسه! تخيل أن يكذب الإنسان على نفسه حتى يصدق نفسه، ثم يبني على ذلك مواقف عقائدية وفسادًا في الأرض.

مسؤولية الكذاب عن الدماء التي تُراق بسبب أكاذيبه يوم القيامة

في ذمة من الدم الذي أُريق؟ في ذمة الكذاب الذي ضحك على الناس، في رقبته يوم القيامة وليس في رقبة أحد غيره.

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «ثم يكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل والكذب»

الله! إنه حاضر معنا الآن صلى الله عليه وسلم، يا نور النبي. القتل والكذب، حتى يقتل [بعضهم بعضًا]. قالوا: يا رسول الله، أكثر مما نقتل؟ قال: أنتم تقتلون المشركين، ولكن هذا يقتل الرجل أباه وأخاه وعمه وابن عمه.

سلب العقول في آخر الزمان وتشبيه الناس بالحمر الموكفة

قالوا: ومعهم عقولهم يومئذ يا رسول الله؟ هم أولئك أناس ذوو عقول يعني؟ قال: يومئذ يسلب الله عقولهم.

تمسك الولد الفتى مسلوب العقل، لا تعرف من أين تكلمه. إنه مثل الحمر الموكفة؛ يضعون وكافًا على عيني الحمار والحصان ليسير في طريق واحد، ولا يلتفت يمينًا ويسارًا. لقد خلق الله لنا عينين لننظر هنا وهناك، أمر عجيب حقًا.

ولذلك كبار المشايخ اعتزلوا وقالوا: اللهم سلِّم. نحن ماذا سنفعل في هؤلاء؟ إننا لو قلنا لا نصدق، بل ربما كلامنا يزيد الأمر، فاعتزلوا إياه هربًا بأنفسهم من الفتنة. فكن حلسًا من أحلاس بيتك.

تفاصيل إرسال البعثة في غزوة الرجيع وترجيح عددهم عشرة

ففي الرجيع جاءه ناس من القارة وقالوا له: نريد أناسًا ليعلمونا الإسلام. قال لهم: حسنًا، فأرسل معهم عشرة كما في الصحيح، وهو الصحيح أن تقول هكذا.

لأنه في السيرة يقول لك سبعة، وفي البخاري يقول ماذا؟ عشرة. كما في الصحيح، يعني في صحيح البخاري، وهو الصحيح، أي هو الراجح الذي هو أفضل من السبعة.

وجعل عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي. مرثد بن أبي مرثد هذا رضي الله تعالى عنه مات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والنبي عنه راضٍ، شيء آخر، فكل هؤلاء تعدهم من أهل الجنة. نعم، وقيل عاصم بن ثابت، أي قيل وقيل؛ ماذا قيل؟ مرثد، وقيل عاصم بن ثابت [هو أمير السرية].

خيانة قبيلة قارة ومحاصرة البعثة عند موضع الرجيع

هؤلاء الرجال من قبيلة قارة خونة، تركوهم يمشون، وذهبوا وأخبروا أناسًا: اقتلوهم، اتبعوهم واقتلوهم.

فتبعوهم وأتوا إلى مكان يسمى الرجيع. هذه [المنطقة] بين رابغ وبين جدة التي نتحدث عنها، جدة هذه ما اسمها؟ جدة، نعم. التحقيقات المُعدة في وجوب ضم جيم جدة، نعم، أي جدة البحر، شاطئ البحر. رابغ مدينة إلى الشمال قليلًا، ما بين المدينة، ما بين رابغ وجدة، الرجيع في هذا المكان.

وجدوهم بماذا؟ خارجين من هنا وقادمون من هنا وقادمون من هنا من الصحراء، أحاطوا بهم. رأوا لهم تلة فقاموا بالصعود عليها.

مطالبة المشركين للبعثة بالنزول ورفض عاصم بن ثابت الاستسلام

العشرة [من الصحابة] قالوا [أي المشركون] لهم: انزلوا، لأنهم لو كانوا فوق فإن من فوق يستطيع أن يهجم أفضل بالسيف وبالسهم، والفوز يكون لمن هم فوق. فالذي في الأسفل لو صعد سيضربونه بالسهم فيسقط، سيضربونه بالسهم.

[قال المشركون:] لسنا نقصد شيئًا، نحن فقط سنتفاهم أو نأخذ ما لديكم. قالوا لهم: لا. عاصم أبى، عاصم الذي إما أن يكون رئيسًا للمجموعة وإما أن يكون نائب الرئيس، يا مرثد يا عاصم.

قال له: لا يا حبيبي، نحن لسنا من أصحاب هذا الكلام، نحن سنجلس هنا ونقاتل.

نفاد ذخيرة الصحابة واستشهاد سبعة منهم فوق التلة

حسنًا انزلوا، لكن قالوا لهم: أبدًا. قاتلوا، الذخيرة التي معهم ذخيرة سفر؛ ذخيرة يصيد بها أرنبًا، يصيد بها غزالة، يصيد بها بطة، شيء من هذا القبيل، يعني ما هي ذخيرة قتال؟

فنفدت الذخيرة. تقول ماذا؟ نفدت، لا تقل نفذت. نفذ يعني اخترق من النافذة، نفدت يعني انتهت. فتقول ماذا؟ لا تقول نفذ، لا ليست نفذ، فهذه نافذة تعني مخرجًا، لكن نَفِدَ تعني انتهى أو فرغ، لم يعد موجودًا.

حسنًا، هم في الأعلى نفدت ذخيرتهم، لا يوجد أسهم، لا يوجد شيء، لا يوجد أي شيء. جميعهم أصيبوا، قُتل منهم سبعة.

ترجيح أن عدد البعثة كان عشرة بدليل بقاء ثلاثة بعد مقتل سبعة

إذن الذي في الصحيح صحيح، قُتل منهم سبعة، فبقي منهم ثلاثة. إذا هذا الأصح، لقد كانوا عشرة. لكن عندما تقول لي سبعة، ثم تأتي وتقول لي قُتِل منهم سبعة وبقي ثلاثة، فهذا لا يصح! لا يصح!

كان هذا في الماضي [لا يُقبل]، أما الآن يصح، أصبح اللامعقول يُقبل، أصبح اللامعقول مقبولًا. كان في الماضي سبعة وثلاثة تساوي عشرة، نطرح سبعة.

حسنًا، قُتِلَ سبعة، بقي منهم خُبَيْب، وبقي زيد بن الدثنة، وبقي شخص ثالث لم يُذكر اسمه، لا نعرف من هو رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

نزول الثلاثة الباقين بعد العهد وغدر المشركين بهم وقتل أحدهم

[قال المشركون:] انزلوا هكذا فقط، لأنك ربما تُضرب بالحجارة والصخور وأنت في الأعلى، أنت في قوة. فن الحرب حينئذٍ هكذا. انزلوا، أنتم أصبحتم ثلاثة ونحن نعطيكم العهد والوعد والميثاق، لن نفعل شيئًا.

حسنًا، نحن ليس في أيدينا سلاح، وبيّن أن الكثرة تغلب الشجاعة، فننزل. فنزلوا فقيدوهم.

فقال الآخر [الصحابي الثالث]: هذا أول الغدر! عندما نكون نازلين للاتفاق وفي وعد وعهد، اتركونا، لكن تقيدوننا فهذا يعني أنكم غدرتم بنا. أنا لست ذاهبًا! فجروه من شعره وجروه من كتفه وسحبوه على الأرض. قال: لن أذهب، أي لن أذهب. قتلوه، وأخذوا معهم خبيبًا وزيدًا رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

بيع خبيب وزيد في مكة وسبب رغبة قريش في الانتقام منهم

نعم، خُبَيْب على صيغة التصغير، يعني خُبَيْب، هذا هو وزيد بن الدثنة. ذهبوا بهما وباعوهما في مكة، باعوهما في مكة.

وكان أهل مكة غاضبين من الاثنين هؤلاء مع عاصم بن ثابت الذي مات، الذي لم يرضَ أن يذهب إليهم، فمات على التلة فوق. يريدون هؤلاء الثلاثة: خبيب والرجل الثاني الذي هو زيد بن الدثنة وعاصم.

لأن هؤلاء الثلاثة قتلوا عظماء قريش وآباء أبناء ما زالوا موجودين، مثل صفوان بن أمية في بدر، فيريدون أن ينتقموا منه. فباعوهم في مكة وأهل مكة اشتروهم وقتلوهم.

خبيب بن عدي يسن صلاة ركعتين قبل القتل صبراً

قصص طويلة فيها أن خُبيب هذا قال لهم: حسنًا، دعوني أصلي ركعتين قبل أن تقتلوني. فسنَّ لمن يُقتل صبرًا صلاة ركعتين.

صلى الركعتين، فماذا فعل؟ جعلهما خفيفتين هكذا، وقال: تعلمون، لولا أنكم تظنون أنني خائف من الموت، والله كنتُ أطلتُ الصلاة، لكنني أقول لكم أنني لست خائفًا من الموت.

كرامة خبيب بن عدي في السجن ورؤية قطف العنب في يده

تحدثنا عن ما حدث مع خُبيب وزيد، إذ قيل إن خُبيبًا عندما حُبِس رُؤِيَ في يده قطف عنب. وجدوا في يده ماذا؟ قطف عنب!

نعم، وسألوه: من أين أتيت بهذا العنب؟ لا يعرفون، إنها كرامات الأولياء، لا يدركون. خبيب يبدو أنه كان من كبار أولياء الله سبحانه وتعالى.

شعر خبيب بن عدي وهو مربوط إلى الجذع يصف محنته

كان خبيب يحب الشعر، فنظم شعرًا يعبر عن الموقف الذي كان فيه، حيث قال:

لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمعي

لقد جمعوا كل القبائل ليقبضوا عليّ أنا فقط. الناس الذين كانوا في الطريق: بنو لحيان وبنو لا أعرف ماذا، وهم يسيرون. وقد قرَّبوا أبناءهم ونساءهم، واقتربت من جذع طويل ممنع، ربطوه في الجذع، جذع نخلة هكذا.

إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي

انظر إلى هذا الموضع: غربتي بعد كربتي، لأنه غريب من مكة، وهؤلاء الناس جميعهم غرباء عليه.

إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي، وما جمع الأحزاب لي عند مضجعي. يريدون تقطيعه إربًا بعد أن يميتونه، يقطعونه.

دعاء خبيب لله بالصبر وإعراب يا ذا العرش في ندائه

يا ذا العرش، صبّرني على ما يُراد بي

يا ذا العرش، فذا العرش في نداء هنا، والنداء الخاص بالمضاف والمضاف إليه يكون منصوبًا: يا ذا العرش. فذا العرش يعني: يا رب، كأنه يدعو.

لم يقل "فذو العرش" فيكون مبتدأ، ولكن يعني هذا أو خبر هذا (ذو العرش)، لكن هنا يقول: فذا العرش، يعني: يا رب صبرني على ما يُراد بي.

فقد بضّعوا لحمي، بضّعوه يعني جعلوه أبعاضًا وأبضاعًا، أبعاضًا وأبضاعًا يعني أجزاء. وقد بؤس مطعمي، والأكل الذي يحضرونه له شيء سيء جدًا، هكذا أي طعام رديء.

ولذلك ربنا أرسل له قطف العنب، نعم. وقطف العنب هذا يعني شيئًا، كان العنب في تلك الأيام شيئًا آخر. أتذكرون قطف العنب الذي أحضره عداس لسيدنا [رسول الله ﷺ]؟ فأتى بقطف عنب من الطائف.

خبيب يرفض الكفر ويختار الموت مسلماً شهيداً في سبيل الله

وقد خيروني الكفر والموت دونه، خيروني الكفر لكن والله في سماه! لن ينالوا الكفر أبدًا، أموت ولا أكفر، والموت دونه. وقد خيّروني الكفر والموت دونه، فليذهبوا ويلعبوا غيرها.

وقد ذرفت عيناي من غير مدمع، يعني في بكاء داخلي أنه يا رب أنت وضعتني في هذه الفتنة لماذا؟ أأنت تشك فيَّ؟ حاشاك! سبحانه وتعالى يعلم ما في الصدور والسر وأخفى، إنما ذلك لكي يرفع درجته.

فأنا أبكي فقط لأجل الفتنة التي وقعت فيها هذه، لكنني لن أكفر. يعني لن أكفر، ولست أبالي حين أُقتل مسلمًا، على أي جانب كان في الله مضجعي. ما دمت سأقتل مسلمًا، فخلاص الحمد لله شهيد.

وذلك في ذات الإله، يعني في سبيل الله. وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع، هو منتظر أن يتقطع قطعًا، لكن ربنا سيبارك فيه. وقد كان، ومات رضي الله تعالى عنه، قتلوه ظلمًا وغدرًا وخيانة وانتقامًا.

إنقاذ جسد خبيب ومقتل زيد بن الدثنة على يد صفوان بن أمية

والله سبحانه وتعالى أرسل أحد المسلمين الذين لا يعلم الكفار أنهم قد أسلموا، فاحتال بحيلة وأخذ جسده [جسد خبيب] بالليل فدفنه.

أما زيد [بن الدثنة] فأخذه صفوان بن أمية وقتله بأبيه الذي قتله [زيد]. أين قُتل [أبوه]؟ في بدر.

قالوا: كان هناك شخص ثالث كنا نطلبه، أين ذهب؟ قالوا لهم: لقد مات عاصم بن ثابت، مات على التلة هناك.

حماية الله لجثمان عاصم بن ثابت بالزنابير من المشركين

عرفوا موقع التلة في الرجيع، وذهبوا يبحثون عنه ليحضروا جثته ويقطعوها ويمثلوا بها وينتقموا منه ويفعلوا [ما يريدون]، كلام جاهلين مملوءة قلوبهم بالفساد.

فأرسل الله الزنابير على جثمان سيدنا عاصم بن ثابت، فمنعتهم منه. كلما اقترب القوم من الزنابير تلسعهم فيجرون ويبتعدون عنها. فحمى الله سبحانه وتعالى عاصمًا منهم.

عهد عاصم بن ثابت مع الله ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركاً

ما هي قصة هذا الأمر؟ القصة المتعلقة به هي أن سيدنا عاصم بن ثابت كان معه حال هكذا في علاقته مع الله، فذهب وقال: عاهدتك يا ربي أن لا أمسّ مشركًا ولا يمسني مشرك.

وهو يعيش هكذا، ولكن لماذا [يُستغرب]؟ من الممكن أن يأتي مشرك يريد أن يُسلم أو يريد أمرًا آخر، فهناك مصلحة في ذلك [في التعامل مع المشركين].

وقد أهدى النبي ﷺ لعمر قطعة حرير، فأهداها لأخٍ له مشرك. تعامل يوجد تعامل، والمدينة فيها مشركون وفيها يهود وفيها منافقون وفيها مسلمون. يعني تعال وانظر ما هذا الحال مع الله!

ما الذي جعلك يا سيدنا عاصم أنك تقول هذا الكلام؟ ربنا! الحال مع الله هكذا: اللهم إني أعاهدك ألا أمس مشركًا ولا يمسني مشرك. يا سلام! هذه صعبة في وسط المشركين والدنيا تضطرب وتتقلب، بصعوبة ستجعلك تفقد بعض المصالح. حالٌ مع الله يسير في طريقه رضي الله تعالى عنه، فلم يمسسه أي مشرك.

عمر بن الخطاب يعلق على وفاء الله لعاصم بعهده حياً وميتاً

وصل هذا الخبر إلى سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]، قالوا له: إن عاصمًا حدثت معه حالة غريبة جدًا، إذ كانوا يريدون جثمانه كما يقولون: ائتوني به حيًا أو ميتًا، لابد أن أراه هكذا، حتى يُمَثِّلوا به ولكي يفعلوا هذه الأشياء.

فإذا بالدبابير اللاسعة تغطيه حمايةً. قال [عمر]: سبحان الله، إن الله يفي للعبد المؤمن بعهده ميتًا كما يفي له حيًا.

صدق عاصم بن ثابت مع الله وسبب رفضه النزول للمشركين

انظروا، كل هذا من الصدق يا إخواننا. عاصم هذا كان صادقًا مع نفسه، دخل في حالٍ خالصة، هو صادق مع هذا الحال الذي عمله، ولم يمس مشركًا.

ويمكن هذا هو الذي جعله لا ينزل [من التلة]. أنزل للمشركين؟ كيف؟ فقد يسلم عليّ بيده هذه للسلام هكذا؟ أليس ذلك سببًا يعمل مشاكل؟ لا، أنا سأقاتل في سبيل الله.

صادق مع نفسه ومات قوم [أي مات على ذلك]، الله يكون مؤيدًا له واقفًا معه.

العبرة من غزوة الرجيع وتسمية السنة الرابعة بعام الحزن الثاني

إذن، نأخذ عبرة كبيرة جدًا من الرجيع. وعندما وصل الخبر إلى رسول الله ﷺ حزن حزنًا كبيرًا، فلما وصله كذلك [خبر] بئر معونة حزن حزنًا أشد؛ لأن ذلك ضاع فيها سبعون [من الصحابة].

سنرى أنه سمى هذا العام الذي هو سنة أربعة [للهجرة] بعام الحزن. عام الحزن هناك في مكة عندما ماتت خديجة عليها السلام ومات أبو طالب وما إلى آخره، هنا عام حزن ثانٍ وهو ما كان من نتيجة النكسة.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.