#حديث_الجمعة | السيرة النبوية | الثلث الأخير من السنة التاسعة هجرياً - السيرة, سيدنا محمد

#حديث_الجمعة | السيرة النبوية | الثلث الأخير من السنة التاسعة هجرياً

25 دقيقة
  • في أواخر السنة التاسعة للهجرة، انتشرت في المدينة أخبار عن استعداد هرقل ملك الروم لحشد جيش قوامه أربعون ألف مقاتل لمهاجمة المسلمين.
  • قرر النبي صلى الله عليه وسلم تجهيز جيش لمواجهتهم، ودعا الصحابة للتبرع لتجهيز ما عُرف بجيش العسرة.
  • تبرع عثمان بن عفان بتسعمائة من الإبل، وقدم أبو بكر نصف ماله، وتبرع الصحابة بما استطاعوا.
  • بلغ عدد الجيش ثلاثين ألف مقاتل، وعانوا من قلة الموارد حتى كانوا يتعاقبون ثمانية عشر شخصاً على جمل واحد.
  • أكل الجيش أوراق الشجر، واضطروا لذبح بعض الإبل لشرب الماء المخزن في كروشها.
  • في الطريق أجرى الله معجزة على يد النبي حين فار الماء من بين أصابعه ليكفي الجيش كله.
  • عندما وصل المسلمون إلى تبوك، تفرق جيش الروم خوفاً، وعقد النبي معاهدات مع القبائل العربية.
  • عاد الجيش إلى المدينة دون قتال، وأنزل الله "وكفى الله المؤمنين القتال".
محتويات الفيديو(26 أقسام)

مقدمة الدرس والتبرك بذكر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته العطرة الشريفة المنيفة، نعيش هذه اللحظات عسى أن تتنزل علينا الرحمات، وأن ينزل الله السكينة في قلوبنا؛ فبذكره وذكر سيرته الشريفة تتنزل الرحمات وتتنزل السكينة.

أخبار إعداد هرقل لجيش عظيم لغزو المدينة المنورة

وصلنا إلى أن المدينة المنورة في الثلث الأخير من السنة التاسعة امتلأت بالروايات والأخبار والإشاعات عن إعداد هرقل لجيش عظيم قوامه أربعون ألف مقاتل، وأنه قد ضم إليهم قبائل لخم وجذام من العرب مع من والاهم من الغساسنة، وأن الغساني شرحبيل بن عمرو أيضًا كان يدبر أمرًا ما.

أهل المدينة متوجسون من هذا العدد؛ كان سكان المدينة عشرين ألفًا - هم الذين صلوا على سيدنا النبي في يوم انتقاله إلى الرفيق الأعلى - وهؤلاء القادمون المقاتلون عددهم مرتين عشرين ألفًا، مع الصبيان والبنات والنساء والشيوخ وغيرهم عشرون ألفًا. فهذا العدد كالجراد، ماذا سنفعل به؟ والكثرة تغلب الشجاعة، فكانت الحالة متوترة في المدينة.

التأكد من الأخبار وحال النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته

وبدأت أجهزة الأمن في المدينة تتأكد من الأخبار: هل هذه الأخبار صحيحة أم إشاعات أم ماذا؟ حتى تأكدوا، تم التأكد من هذا وعُرض الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان رسول الله في هذا الوقت غاضبًا من زوجاته، فذهب وجلس في العوالي في مشربة له - يعني في خلوة هكذا - فظن بعض الصحابة أنه قد طلقهن. قالوا: الله، إن النبي طلق زوجاته لأنه ابتعد عنهن! هو لم يطلق أحدًا في هذا، هو فقط كان غاضبًا فذهب هكذا وجلس شهرًا وهو غاضب هكذا.

قصة عمر بن الخطاب وأخيه الأنصاري في تبادل الأخبار

فمما يُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان له أخ من الأنصار يتبادلان الأخبار؛ هذا يقول له قليلًا وهذا يقول له قليلًا. فكان إذا غاب أحدهما حضر الآخر، وإذا حضر أحدهما غاب الآخر، ويريان ما الذي يحدث ويعود إليه في آخر النهار ليقول له: حدث كذا وكذا اليوم، حتى يبقى في أجواء الأحداث - مثل وظيفة الصحافة [في زماننا].

جاء [أخوه الأنصاري] يَطرق باب سيدنا عمر، وكان يبدو أنه سيدخل في النوم، ففزع وقال: ما الذي حدث؟ أجاءت الروم؟ أجاء الغساني؟ فورًا ما كان على طرف لسانه الروم والغساني.

خبر طلاق النبي لزوجاته وتأكد أخبار تحشد الروم

قال [أخو عمر الأنصاري]: بل هو أكثر مصابًا! أكثر مصابًا من أن أربعين ألفًا يأتون إلى المدينة وهي أصلًا لا تستوعب إلا عشرين ألفًا - يعني الدم فيها للركب هكذا. ماذا قال؟ طلق رسول الله زوجاته عليه الصلاة والسلام!

وبعد ذلك ذهب عمر إليه [إلى النبي ﷺ] خاصته - لا أعرف ماذا، ليس لنا شأن بذلك - لكن بعد ذلك، بعد هذا المشهد، بدأت الأخبار تتوثق أن الروم فعلًا يحضرون، وفعلًا أربعون ألفًا، وفعلًا كل هذا الكلام صحيح، لكن ما زالوا يجهزون.

قرار النبي بتحريك الجيش والتصريح بوجهة تبوك

النبي عليه الصلاة والسلام قرر أن يحرك الجيش، وجمع الصحابة الكبار وقال لهم: تعالوا، نحن في ورطة. ما هي الورطة؟ ليس معنا أموال، ولا بد أن نتحرك وإلا سيأتون إلى هنا ويقتلوننا. لكن عندما نذهب إليهم في بلادهم، فالحرب سجال: نضرب ونُضرب، نغلب ونُغلب، أي أن لنا ظهيرًا نرجع إليه، لكن إذا جاؤوا هنا فلن نستطيع تسييره [الأمر]، لذلك سنحرك الجيوش.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُوري (يُظهر خلاف ما يُبطن) إذا أراد أن يذهب إلى مكان ما؛ فإذا كان متجهًا إلى الشمال يقول: إنني ذاهب إلى اليمن، فيفهم الناس أنه ذاهب إلى اليمن بينما هو متجه إلى الشمال. في تبوك قال لهم: على فكرة، نحن ذاهبون إلى تبوك، من يتبرع؟

تبرعات الصحابة الكبار لتجهيز جيش العسرة

فسيدنا عثمان [بن عفان] رضي الله عنه قال: أنا أتبرع. كم؟ مائة جمل! مائة جمل هذه كمية كبيرة جدًا؛ كانت هذه دية شخص واحد - مائة جمل. النبي فرح.

ومن أيضًا؟ سعد بن أبي وقاص تبرع، وأبو بكر [الصديق] رضي الله عنه قد ادخر أربعة آلاف للزمن فأحضرها كلها. عمر [بن الخطاب] رضي الله عنه ادخر أربع أو خمس آلاف فأحضر نصفها. عبد الرحمن بن عوف [أحضر] هاتان اللتان يسمونهما زلعة الكنز - هذه ثلاثة أو أربعة [زلع].

عثمان بن عفان يضاعف تبرعه ويبلغ تسعمائة من الإبل

فعثمان جالس، قال: ما هذا؟ ثلاث زلع من الذهب؟ لا، هذا لا يصلح! المائة التي دفعتها، سندفع كم أخرى؟ مائة أخرى! فدفع مائتين.

فبدأ الصحابة يحضرون الأموال، واحد جلب تسع مئة وسق من التمر. فقال [النبي ﷺ] له: لماذا؟ لماذا؟ هذه المئتان لا تكفي! فرفعها إلى ثلاث مئة.

المهم، لا أطيل عليكم الكلام، دفع [عثمان] تسع مئة من الإبل! فلما دفع تسع مئة - مئة في مئة في مئة - تسع مئة، كان أكثر واحد دفع.

ثناء النبي على عثمان بن عفان وأثر ذلك في زيادة تقواه

فقال النبي ﷺ:

«ما ضرّ ابن عفان ما فعل بعد اليوم»

واحذر، فنحن في مواقف تبني الإسلام. ما ضرّ ابن عفان ما فعل، أي يفعل ما يريد، سيدخل الجنة.

فما زاد ذلك ابن عفان إلا تقوى، وما زاد ذلك ابن عفان إلا رحمة، وما زاد ذلك ابن عفان إلا حياءً من الله. وهكذا أناس تربوا تربية صحيحة؛ عندما قال له: ما ضرّ ابن عفان ما فعل بعد اليوم، لم يذهب ليفسد، بل ارتقى في التقوى وفي كل شيء.

تسمية الجيش بجيش العسرة ومقارنة أعداده بالغزوات السابقة

سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام، قال الصحابة: ما هذا؟ إنها ضائقة شديدة! فسموه جيش العسرة. ويقول لك سيدنا عثمان بن عفان: جهز جيش العسرة الذي هو جيش تبوك.

هل تذكرون غزوة مؤتة؟ كم كان فيها؟ ثلاثة آلاف. هل تذكرون عندما اجتمعوا وتحشدوا لكي يذهبوا لفتح مكة؟ الذي كان أيضًا في الطريق يلحق بهم - عشرة آلاف. عندما ذهبوا لحنين كانوا اثني عشر ألفًا. هذه الأرقام التي اعتادوا عليها.

تحديات تحريك جيش ضخم من ثلاثين ألف مقاتل بنظام محكم

لماذا أقول ذلك؟ لأن الجيش عندما يتحرك لا بد أن يسير بنظام معين، وبتموين معين، وبطعام معين، وبطريقة معينة، حتى لا يفسد في الأرض؛ لأنه لو سار متفرقًا هكذا، فإن كل مكان يمر به سيُخرَّب.

لكن هذا الجيش يسير بقانون، فلا بد أن تكون هناك دربة، فيكون لدي دربة سابقة للعدد الكبير. وقد وصل جيش العسرة بهذا الشكل إلى ثلاثين ألف مقاتل! وهذا يعطينا فكرة عن دخول الناس في دين الله أفواجًا بعد الفتح الأكبر [فتح مكة].

تقسيم الجيش إلى خمسة أقسام ورسم خطة محكمة للتحرك

ثلاثون ألف مقاتل، ثلاثون ألف مقاتل، هذا شيء ضخم! كيف سأجعلهم يسيرون؟ أجعل ثلاثة آلاف يسيرون، حسنًا أقسمهم خمسة أقسام. يقال لك إن الخميس - وهو اسم الجيش في اللغة العربية لأنه خمسة أقسام: ميمنة وميسرة وقلب ووسط والذيل أو الخلفية - هذه خمس قطع.

لكن ثلاثين ألفًا، يعني أنت تضرب في عشرة، كيف ستتحرك؟ فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم الجيش ويرسم له خطة محكمة، والإمدادات غير كافية؛ لا الإبل كافية ولا الطعام كافٍ.

ضرورة بذل الوسع حتى يتدخل القدر الإلهي بالنصر

إذن لا بد من أن يتدخل القدر ما دام أنهم يسيرون بهذه الطريقة؛ فلا بد أن يتدخل القدر لأنهم بذلوا كل ما في وسعهم.

وهكذا يجب عليك حتى ينصرك الله أن تبذل كل ما في وسعك. سنرى كيف بذلوا كل ما في وسعهم.

نظام التسليح الفردي في الجيش الإسلامي وتوزيع الغنائم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

جهز المسلمون جيش العسرة، وحينئذ في تلك الأيام كان الشخص مسؤولًا عن تسليح نفسه؛ لأنه كان تسليحًا بسيطًا من غير أدوات مكلفة - طائرات ودبابات ومدرعات وما إلى ذلك - بل كان أحدهم يحمل سيفه ودرعه وخوذته هكذا وفرسه.

ومن أجل هذا كانت توزع الغنائم على المقاتلين حتى يستعد لشيء آخر أو حتى يتفرغ للتدريب. فكان كل واحد مسؤولًا عن نفسه، فليس غريبًا أن نرى الجيش وليس له ميزانية مستقلة، بل كان يؤيده المسلمون بتجهيز جيش العسرة.

معاناة الجيش من قلة الموارد وأكل أوراق الشجر في الطريق

وكان قوامه [جيش العسرة] ثلاثين ألفًا من المقاتلين، لكن هذا العدد سبّب مشكلة قلة الموارد فقسموها.

وكانوا في الطريق يأكلون أوراق الشجر! كان معهم تسعمائة وسق من البلح فقط، لكن هذا لم يكفِ. فيأخذ الواحد منهم بلحة أو اثنتين أو دورة، ودورة البلح كم؟ أنتم الدورة أربعة [بلحات]. ففي هذه الدورة يأخذ ماذا؟ أربع بلحات، يحرص على أن يأكل اثنتين في الصباح واثنتين في آخر النهار، لكن حتى لا ينخفض السكر من هذا المجهود كله؛ إنه يمشي على قدميه.

تعاقب ثمانية عشر مقاتلاً على بعير واحد وشدة المعاناة

وكان كل ثمانية عشر شخصًا على بعير واحد، أي ليس كل شخص يركب جملًا - المفترض هكذا أن ثمانية عشر واحدًا على بعير. ويأخذ البعير كم؟ يأخذ واحدًا أو اثنين، وستة عشر واحدًا يمشون مع الجمل على أرجلهم.

طبعًا الذي فوق مرتاح قليلًا، لكن الذي تحت تتعب رجلاه وساقاه. إذن فأكلوا أوراق الأشجار حتى اخضرت أشداقهم ونشفت، وكانوا ثمانية عشر يتعاقبون على جملٍ واحدٍ.

ذبح الإبل للشرب والأكل بعد نفاد المؤن في منتصف الطريق

مشينا نصف المسافة، فحدثت مشكلة ثانية أنهم اضطروا إلى ذبح البعير. فأصبح بدل كل واحد ثمانية عشر سيصبح كل واحد سبعة وعشرين؛ لأن البعير ذُبح.

لقد ذبحنا واحدة، طيب لماذا ذبحت واحدة؟ لكي يشربوا من الماء الذي في كرشه؛ فهو يخزّن ويقوم بعملية تخزين، فيشربون الماء الذي في الداخل. يأكلون، فليس هناك طعام! كان الجمل الواحد يكفي طعامًا لمائة شخص.

هم لا يذبحون كل هذه الجمال، بل يذبحون واحدًا فقط ليستفيدوا من المياه، وأيضًا حتى يأكل مائة شخص، ولكن بما يبقي على حياته هكذا.

وصول الجيش إلى الحجر ونهي النبي عن الشرب من مائها

عندما وصلوا إلى الحِجْر [ديار ثمود]، أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ألا يشربوا. قال منه: هذا مكان مغضوب عليه.

ماذا يعني هذا؟ يعني ينسى المرء حينها إن كان مغضوبًا عليه أم ليس مغضوبًا عليه! وبالفعل استمروا وتجاوزوا الحجر، ولم يستعملوا إلا أشياء هكذا - أغسل بها وجهي أو شيئًا ما - ولم يشربوا منه.

معجزة نبع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم

وكان [النبي ﷺ] يقول لهم: ستأتون تبوك وفيها عينها، تبوك مياهها كثيرة. نعم، أمامنا أمام تبوك خمسة عشر يومًا.

وهنا أخذ النبي بعض الماء ووضع يده الشريفة في الإناء، فتدخل القدر، ففار الماء حتى سقى الجيش [بأكمله].

كيف تكفرون وأنا فيكم؟ ألا ترون ما يحدث؟ ولكن بعدما فعلوا ماذا؟ أكلوا أوراق الشجر، وذبحوا الإبل، ثمانية عشر جملًا عليها، الذي يأخذ دورة بلح لا يأخذ أكثر منها، يعني بذل كل ما في وسعه. وبعد ذلك، بعدما فعل هكذا [بذلوا كل ما في وسعهم تدخل القدر الإلهي].

ترتيب أفضل المياه عند ابن السبكي وماء أصابع النبي

أفضل المياه هي الماء الذي نبع من بين أصابع النبي المتَّبَع ﷺ، يليه ماء الكوثر، فـزمزم، فـنيل مصر، ثم باقي الأنهار. هذا ابن السبكي هو الذي يقول هكذا.

فأحسن شيء هو الماء الذي خرج من أصابع النبي المصطفى ﷺ. حسنًا، قال: كفى الجيش بأكمله، فذهب وشرب منه.

وصول الجيش إلى تبوك وفزع الروم وتفرق جيشهم

وظلوا على هذه الحال حتى وصلوا إلى تبوك. فلما وصلوا إلى تبوك، فزع الروم وقالوا: هل هؤلاء جن أم ماذا؟ كيف أتوا إلى هنا؟

فارتعب الروم وتفرق الأربعون ألفًا في البلاد، الأربعون ألفًا الذين كانوا معهم تفرقوا في البلاد، وأصبح هرقل يبحث عنهم لا يجدهم.

ونزلوا إلى تبوك ثلاثون ألف شخص وأرعبوا الروم، فيكون ذلك:

«نُصِرتُ بالرعب مسيرة شهر»

فهو نصرٌ بالرعب صلى الله عليه وسلم.

انضمام القبائل العربية وعقد المعاهدات مع النبي في تبوك

تفرقوا في البلاد ولم يظهر أحد، والغساني اختفى هاربًا. وبدأت القبائل العربية تجلس مع بعضها وتعيد ولاءاتها: حسنًا، نحن معتمدون ومحتمون في الروم، والروم يفرون! وهذا رجل عربيٌّ مثلنا، ما هذا الغباء؟ حسنًا، نحن سنسير معه.

وبدأوا يعقدون معاهدات؛ واحد كان اسمه يحنة بن روبة عقد معه معاهدة، وصاحب دومة الجندل عقد معه معاهدة، وذهب الجميع وعقدوا معاهدات. يعني أصبحت بدلًا من أن تكون معركة، صارت مفاوضات سياسية، وانضموا إليه صلى الله عليه وسلم.

إرعاب الله للروم وضعف جيوش المرتزقة أمام أصحاب القضية

وأرعب الله سبحانه وتعالى العالم كله؛ الروم وضعت وجهها في الأرض لأنهم عرفوا أنهم غير قادرين على هؤلاء الناس.

كان الروم، كما تعلمون، في مؤتة كانوا ثلاثمائة ألف (مائة ألف ومائة ألف ومائة ألف)، ونحن كنا ثلاثة آلاف، أي واحد مقابل مائة! إنها أرقام، ولكن كان لدى الروم خصلة سخيفة.

هؤلاء الناس مائة ألف ومائة ألف ومائة ألف، كيف أتوا بهم؟ أتوا بهم مرتزقة! ليس صاحب قضية، أي أنه لا يدافع عن شيء، وهو ظالم أصلًا ويعرف أنه ظالم.

ربط الروم جنودهم بالسلاسل وأهمية الشؤون المعنوية في الجيوش

فكانت لديهم [الروم] طرق حتى لا يهرب هؤلاء الناس، وهي أن يربطوهم ببعضهم بالسلاسل. فهو أنا أقاتل دفاعًا عن أنني لا أموت فحسب، ولكن ليست لدي رغبة في القتال.

ولذلك بعد ذلك أصبح لدى الجيوش شيء يُسمى الشؤون المعنوية؛ لرفع معنويات الجنود والأفراد حتى عندما يأتون للقتال، يقاتلون عن قناعة، يقاتلون من أجل قضية، يقاتلون وهم لا يشعرون أنهم ظالمون أو معتدون. هم يشعرون أن لديهم حقًا يدافعون عنه؛ يدافعون عن وطنهم وأهلهم وناسهم وما إلى آخره من الشؤون المعنوية.

الرومان لم يكن لديهم شؤون معنوية، بل كانت لديهم الشؤون الذليلة؛ كيف يذلون الجنود حتى جعلوهم هكذا. فلنفرض مثلًا أني لم أُقيَّد بعد فسأهرب! وهذا ما جعل الأربعين ألفًا يأخذون بعضهم ويهربون.

عودة النبي من تبوك بعد عقد المعاهدات وكفاية الله المؤمنين القتال

والنبي صلى الله عليه وسلم عندما وصلوا إلى تبوك وجلسوا فيها، أرسل إلى النواحي فجاءوه وكتب لهم معاهدات واتفاقات، وبعضهم أسلم.

وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم في العودة إلى المدينة بعدما أدى هذا التحرك أثره. وأنزل الله تعالى:

﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: 25]

يعني من عنده هكذا سبحانه وتعالى، وأنزل: وكفى الله المؤمنين القتال. لم يكن هناك قتال، إنما هي فقط رحلة ذاهبة كأنها استعراض قوة، وستر الله علينا ولم يحدث قتال، وعدنا مرة أخرى والحمد لله رب العالمين.

الوصول إلى نهاية السنة التاسعة والتمهيد لحجة الوداع والوفاة النبوية

هكذا وصلنا إلى نهايات السنة التاسعة. نبدأ بعد ذلك السنة العاشرة التي حدثت فيها حجة الوداع، وما أدراك ما حجة الوداع!

وفي السنة الحادية عشرة انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى. نعزي أنفسنا به إلى يوم الدين؛ فإذا كان ولا بد أن مثل النبي صلى الله عليه وسلم ينتقل إلى الرفيق الأعلى، فلينتقل كل أحد؛ فليس هناك أعز منه صلى الله عليه وسلم، وليس هناك أعز منه عند ربه.

ولذلك فستكون السنة الحادية عشرة هي الختام الذي نختم به سيرة المصطفى، بعدما نقف معه في حجة الوداع.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.