#حديث_الجمعة | السيرة النبوية | النقل والرواية عن النبي - السيرة, سيدنا محمد

#حديث_الجمعة | السيرة النبوية | النقل والرواية عن النبي

23 دقيقة
  • رجع المسلمون إلى المدينة بعد فتح مكة وطمأن النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار الذين وجدوا في أنفسهم بقوله: "ذهب الناس بالدثور وذهبتم برسول الله".
  • أرسل النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة للهجرة أكثر من عشرين سرية كحرب وقائية لاستتباب الأمن.
  • في إحدى السرايا التي أرسلها النبي إلى صنم قلس، أسر علي بن أبي طالب سفانة أخت عدي بن حاتم الطي.
  • كان عدي قد هرب إلى الشام خوفاً من المسلمين، ونسي أخته سفانة.
  • استعطفت سفانة النبي قائلة: "هلك الوالد وغاب الوافد"، وذكّرته بكرم أبيها حاتم.
  • أطلق النبي سراحها قائلاً: "هذه مكارم الأخلاق، وديننا يدعو إلى مكارم الأخلاق".
  • أعطاها النبي راحلة ومؤونة للسفر إلى الشام حيث أخوها.
  • وصلت سفانة لأخيها وعاتبته لتركها، ونصحته بالذهاب إلى النبي راغباً قبل أن يُضطر لذلك.
  • ذهب عدي بن حاتم إلى المدينة بدون أمان، فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم بترحاب.
محتويات الفيديو(22 أقسام)

مقدمة الدرس ومراجعة أحداث فتح مكة وما بعدها من غزوات

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع سيرة المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم نعيش هذه اللحظات، وقد وصلنا في معيته الشريفة المنيفة إلى فتح مكة وما حدث بعده من حرب في معركة حنين، ثم في حصاره للطائف.

ثم جاء وفد هوازن يطالب بالأموال والسبايا، وما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كله من مواقف الإنسانية والرحمة مع العدو، فكيف مع الأتباع؟ وما كان من كرم فاق كل كرم، حتى إن الأنصار قد وجدت في أنفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: كيف وقد ذهب الناس بالدثور [أي الأموال] وذهبتم برسول الله؟ فاطمأنت قلوبهم وبكوا وأكدوا البيعة معه، ورجعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة.

السنة التاسعة وإرسال السرايا الوقائية لتأمين الدولة الإسلامية

ودخلت بذلك السنة التاسعة، وفي هذه السنة حرّك رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الحرب الوقائية والاستباقية بعض السرايا، أكثر من عشرين سرية تذهب إلى الأماكن لتطمئن على الأمن، لتُقرّ الأمن، لتحافظ على الأمن، ولتكسر شوكة من أراد أن يدبّر للمسلمين أذى.

فهي حرب وقائية، وفي هذه السرايا لم يكن هناك قتال، وهي معدودة من الثمانين غزوة وسرية التي كانت في العهد المدني، وإنما هي سرايا للضبط والربط.

انتشار الإسلام بعد فتح مكة وشعور العرب بالتحرر من الفرس والروم

ولقد حدث هذا مع دخول قريش الإسلام؛ ومع فتح مكة أصبحت سمعة المسلمين طيبة في سائر أنحاء العرب، وبدأ العربي يشعر بذاته إزاء الفارسي والروماني، وأنه يريد أن يتحرر من تلك التبعية.

وإن ما كان يمارسه الرومان والفرس من عنجهية وتكبّر على المسلمين أثّر في العربي، وشعر أنهم يتكبرون عليه [أي على العربي]، فدخلوا في دين الله أفواجًا. وسنرى هذا الدخول عندما نصل إلى السنة العاشرة في حجة الوداع.

عدد الصحابة في حجة الوداع وقلة المسجلين منهم في كتب الرواية

فقد حضر فيها مائة وأربعة عشر ألف مسلم رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعينهم، وكانوا على الإيمان وصحيح الإسلام، وحجّوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا هو عدد الصحابة.

لكن الكتب سجّلت نحو تسعة آلاف فقط من النساء [والرجال]، تسعة آلاف وخمسمائة من أربعة عشر ألفًا وأربعمائة. فالمسجّل عندنا من الصحابة يعني ثمانية في المائة أو تسعة في المائة، أقل من تسعة في المائة.

وهؤلاء لم يرووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ألفًا وسبعمائة وقليلًا، قل ألفًا وثمانمائة يعني، أقل من واحد ونصف في المائة. يعني كل مائة صحابي ممن رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يروي عن رسول الله الشيء القليل.

قلة رواية الصحابة عن النبي ودقة التوثيق في نقل السنة النبوية

عاش كثير من الصحابة من ألف وسبعمائة صحابي له حديث واحد، حياته كلها حفظ عن رسول الله حديثًا واحدًا، سطرين أو ثلاثة. لأجل الذين يشككون في السنة: الصحابة لم تُكثر من الرواية عن رسول الله، بل نقلت حاله ومواقفه الشريفة وأحكامه الشرعية المرعية على أحسن وجه.

وكان كثيرون من الصحابة يروون عنه الحديث الواحد مما يؤكد صدقه. وألهم الله هذه الأمة التوثيق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار فريدًا صلى الله عليه وسلم في العالمين.

ليس هناك ملكٌ ولا نبيٌ ولا وليٌ ولا جبارٌ ولا ضعيفٌ ولا أديبٌ ولا شاعرٌ اهتم الناس بتوثيق النسبة إليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار الإسناد مزية هذه الأمة، والحمد لله الذي جعلنا مسلمين.

بركة السند المتصل إلى رسول الله وفرحة تلقي الإسناد من المشايخ

وعندما أعطانا المشايخ السند قلنا: هذا يوم وُلدنا فيه، يوم جديد كأننا قد وُلِدنا فيه؛ فإننا قد صافحنا من صافح من صافح من صافح من صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منتهاه.

فاتصلت السلسلة وتمثّلت البركة وتمّ الإسناد، فتمّ بذلك اليقين، فالحمد لله رب العالمين.

عودة المسلمين إلى المدينة وفضل الأنصار بنيلهم رسول الله

رجع المسلمون من فتح مكة إلى المدينة والأنصار فرحون، بالرغم من أنهم لم ينالوا دنيا، ولكنهم نالوا فضلًا إلى يوم الدين لا تساويه الدنيا ولا أمثالها كثيرًا.

نالوا رسول الله فدُفن عندهم عندما انتقل إلى باريه صلى الله عليه وسلم، وما زال رسول الله يُشرِّف المدينة وأهلها ويتشرفون به إلى يومنا هذا. وهو الذي جعل الناس من أقطار الأرض ومن كل الأجناس وبكل اللغات تُصَبّ [إلى المدينة]، وهو يجذبها جذب المغناطيس للحديد.

فصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

إرسال سرية إلى صنم طيء وقصة عدي بن حاتم الطائي وفراره إلى الشام

رجع [النبي صلى الله عليه وسلم] إلى المدينة ودخلت السنة التاسعة وأرسل السرايا. فلما أرسل السرايا كان منها سرية إلى قَلَس، والقَلَس هذا صنم من أصنام طيء، وطيء هي قبيلة حاتم الطائي.

وكان على رأس القبيلة شيخ القبيلة عدي بن حاتم، له أختٌ، وأخت عدي كان اسمها سفانة. وعدي من خوفه من جيش المسلمين أخذ نفسه وأخذ أهله ليلًا، وكان قد دبّر ذلك قبل ذلك وقال: ألحق بالروم فهم على ملتي. كان [عدي] مسيحيًا، أما حاتم [أبوه] فكان مشركًا.

مذهب الآريوسيين الذي انتمى إليه عدي بن حاتم وموقفهم من المسيح

عدي دخل في مذهب يُسمى بالآريسيين [الآريوسيين]، ومذهب الآريسيين مذهب اندثر؛ لأنه كان يعتقد أنّ عيسى إنما هو محض نبي كما يراه المسلمون الآن، بخلاف ما كان عليه العاقبة [اليعاقبة] والنساطرة، ثم بعد ذلك الكاثوليك والأرثوذكس، وبعد ذلك البروتستانت.

كلهم يرون أن شيئًا ما له صلة بالسيد المسيح، إما أنه الله، وإما أنه أقنوم من الأقانيم، إما أنه بطبيعة واحدة أو بطبيعتين، وهذا خلاف بينهم.

لكن من يرى أن المسيح كان نبيًا هم الآريوسيون، وهؤلاء الآريوسيون نسبة إلى شخص اسمه آريوس، وآريوس هذا يُعَدُّ عند المسيحيين هرطوقيًا، أي لا يأخذون به ويعتبرونه غير معتمد. فكان عدي منتميًا إلى هذا المذهب.

فرار عدي بن حاتم إلى الشام ونسيانه أخته سفانة وخيبة أمله هناك

وكان هناك مذاهب كثيرة، فقال عدي: الحق بأهل ملتي في الشام. فأخذ أهله وسافر إلى الشام ونسيَ أختَه.

كانت سفانة امرأةً كبيرةً في السن، أخذَ أهلَه وزوجتَه وأولادَه وما إلى ذلك، ونسيَ أن يأخذَ أختَه وهرب إلى الشام. عندما وصلَ إلى الشام لم يَسعَد؛ إذ وجد أن القضية ليست دينية بل سياسية، والناس الذين في الشام، هرقل وغيره، هم أناس ظالمون وليسوا أتقياء.

ما باله يظن أنه عندما يذهب إلى بلد مسيحي سيجد المحبة ويجد السلام ويجد كذا؟ أبدًا، وجد الأمور هناك مضطربة تمامًا، فتضايق وأصبح جالسًا متضايقًا.

أسر سفانة أخت عدي بن حاتم وفراسة علي بن أبي طالب في التعامل معها

قال عدي: أنا أهرب من جيوش المسلمين لأقع في هذه الورطة! كان متضايقًا، جالسًا متضايقًا.

وكان علي بن أبي طالب هو الذي ذهب إلى طيء فأتى بسبيٍ معه، ومن بين هؤلاء الأسرى سفانة أخت عدي بن حاتم الطائي. علي بن أبي طالب كان متربيًا في بيت النبوة وفي مدرسة النبوة، ويعرف ماذا تعني مكانة هذه المرأة الكريمة، فهي ابنة أناس عظماء، أبوها هو حاتم الطائي وأخوها عدي، أي أنهم من السادة والكرماء.

فوزّع علي بن أبي طالب الأسرى في الطريق إلا آل حاتم ترك شأنهم للنبي [صلى الله عليه وسلم]، وكان يرى بالنور الذي في قلبه مما قذفه في قلبه ربنا عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله يحب مكارم الأخلاق وحاتم كان يحب مكارم الأخلاق، فينبغي أن يكون هناك شيء سيحدث. هكذا كان شعوره.

لقاء سفانة بالنبي صلى الله عليه وسلم ووصفها لأبيها حاتم الطائي

فجاءوا فوقفت سفانة في السبي خارج المسجد، فمرّ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت سفانة:

يا محمد، مات الوالد وهرب الوافد [أي أخوها عدي].

فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

ومن الوافد؟

قالت سفانة: عدي بن حاتم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: الهارب من الله ورسوله، ومضى.

الهارب من الله ورسوله، بعد الفاصل نرى ما حدث مع سفانة وعدي وسيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم.

محاولات سفانة المتكررة لمخاطبة النبي وإشارة علي بن أبي طالب لها بطلب التحرير

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

جاءت سفانة في السبي ووقفت في اليوم الأول فنادت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلك الوالد وغاب الوافد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ومن الوافد؟ قالت سفانة: عدي بن حاتم، وهو وليّ الأمر، يعني وليّ أمر سفانة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الهارب من الله ورسوله، وسار.

فجاءت سفانة في اليوم الثاني فكرّرت على النبي صلى الله عليه وسلم ما قالته [في اليوم الأول]، كررت عليه مقولتها في اليوم الأول، فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ما أجاب.

وفي اليوم الثالث جاء النبي صلى الله عليه وسلم وخلفه رجل، النبي عليه الصلاة والسلام داخل هكذا وخلفه شخص، فقالت سفانة مثل ما قالت، فأشار الرجل الذي خلف النبي صلى الله عليه وسلم لسفانة أن اطلبي التحرير، اطلبي الفكاك، اطلبي من النبي صلى الله عليه وسلم الفكاك.

قالت سفانة: فعرفت بعد ذلك أنه علي بن أبي طالب الذي قبض عليها، أو كان سببًا، أو كان قائد الجيش حينها.

سفانة تصف أباها حاتم الطائي للنبي فيأمر بتحريرها تقديرًا لمكارم الأخلاق

فقالت سفانة: يا رسول الله، أنا امرأة عجوز وابنة رجل كان يُحرِّر الأسير ويُطعم الضيف ويُكرم الضيف ويُطعم المسكين.

فتوقف النبي [صلى الله عليه وسلم] وقال: هذه مكارم الأخلاق، وديننا يدعو إلى مكارم الأخلاق، فحرّروها.

فأشار الرجل الذي وراء النبي صلى الله عليه وسلم [وهو علي بن أبي طالب] أن اطلبي الرحلة، يعني يعطيها ناقة ويعطيها مرشدًا ومالًا لأجل سفانة.

النبي عليه الصلاة والسلام دخل وقال: إن أباكِ كان يحب مكارم الأخلاق.

سؤال سفانة عن مصير أبيها حاتم في الآخرة وبيان أن عمله كان للسمعة

فقالت سفانة له: حسنًا يا رسول الله، أهو [أي حاتم] في الجنة؟

قال [النبي صلى الله عليه وسلم]: لا، لم يقل [أكثر من ذلك]، إنما فعل هذا [أي حاتم] لسمعة يسمعها، عمل هكذا لكي يُقال عنه أنه كريم، وقد قيل. حتى يومنا هذا نقول: أكرم من حاتم، هل حاتم الطائي [هو] أبوها.

هذا يعني أن علاقتنا في الدنيا تختلف عن قضية الأحكام المتعلقة بالآخرة. ما شأني بالآخرة؟ هل هي ملكنا؟ هل رأيناها أو ذهبنا إليها؟ هل نحن نملكها أو نعرف عنها شيئًا؟

عذاب القبر مصدره الوحي وليس التجربة والاختلاف فيه مردود إلى النص

وسيوجد من يقول أنه يوجد عذاب القبر وآخر يقول أن عذاب القبر غير موجود. لا، هذه المسألة لا نعرفها إلا عن طريق النبي [صلى الله عليه وسلم]، نعتمد فقط ما ورد عنه؛ لأنه وحي.

فإذا قال لنا النبي إن في عذاب القبر فهو موجود، فنحن لم نذهب للآخرة لنرى إن كان هناك عذاب في القبر أم لا، حتى نختلف فأقول أنا: نعم، يوجد عذاب القبر لأنني رأيته، وتقول أنت: أنا لم أره.

عذاب القبر موجود لأن مصدره هو الوحي وليس التجربة، فالأمر لا علاقة له بالتجربة.

حب مكارم الأخلاق في الدنيا وعدم الحكم على مصير الناس في الآخرة

هذا حاتم إذن، ماذا نفعل؟ نحبه. لماذا نحبه؟ لأنه يتحلى بمكارم الأخلاق.

عندما يأتي شخص ويؤسس مؤسسة ينفق فيها على المساكين مثل بيل جيتس، فنحن نحب إنفاقه على المساكين ونقدّره ونخدمه في هذا الجانب من أجل المساكين.

هل سيدخل بيل جيتس في الجنة؟ وما شأني أنا إذا كان هو في الجنة أم في النار؟ إذن، قل لي بجدية هل سيكون في الجنة أم لا؟ لا، بيل جيتس هو الشخص الذي يقوم بمكارم الأخلاق فقط، سيكون في الجنة أم في النار؟ هذا في يوم القيامة لا شأن لي به، وهذا بيد الله تعالى وليس بأيدينا نحن.

خطورة الحكم على مصير الناس في الآخرة ووجوب ترك المراء والجدال

ولماذا لا ترضى أن تقول إنه في النار كما قال النبي عن حاتم إنه في النار؟ أولًا لأن بيل جيتس هذا حيّ، لكن حاتم كان قد مات. ثانيًا أنا ليس [لي مقام] النبي، والذي سيمثّل دور النبي [في الحكم على مصائر الناس] هذا سيُعاقب شديدًا، نعم.

فإذن إذا كان هناك وعي في الكلام، يعني بيل جيتس في الجنة أم في النار؟ أنا لا أعرف. ماذا يعني؟ حسنًا نأخذ الإجابتين: إذا قلنا إنه في الجنة، فسيردّوا علينا بقولهم: فسقتَ لأنك أدخلت شخصًا كافرًا في الجنة. وإذا أخذنا الإجابة الثانية بأنه في النار، وهنا سيكون ردهم بأنك حكمت على أحدٍ أنه في النار وقد يكون في الجنة.

إذن، فالذي سأل هذا السؤال لا يريد إجابة، بل يريد جدالًا ومراءً. وقد أُمرنا بترك المراء ولو كنت محقًا:

قال رسول الله ﷺ: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقًا»

ما الذي نفعله نحن؟ إننا نؤيد مكارم الأخلاق والناس نوكلها إلى ربها.

عفو النبي عن سفانة وتجهيزها للسفر إلى أخيها عدي في الشام

فقد كان النبي [صلى الله عليه وسلم] يحب مكارم الأخلاق، فعفا عن سفانة ومنّ [عليها] وأعطاها الراحلة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسفانة: متى تريدين أن تسافري حتى أعطيك مؤونتك؟

ففكرت سفانة قليلًا: هل ترجع إلى طيء أو تذهب إلى الشام؟ كانت متضايقة من عدي بن حاتم جدًا؛ لأنه أخذ أغراضه وتركها وأخذ أهله، زوجته وأولاده وما شابه، وترك أخته العجوز.

قالت سفانة: سأذهب لأوبّخ عديًا أخي، وأوبّخه قليلًا لأنه تركني. فسافرت إلى الشام، والنبي [صلى الله عليه وسلم] وجد لها رحلة ذاهبة إلى الشام، فوضعها معهم كأنها شركة سياحية، وأركبها معهم وأعطاها النقود وما إلى ذلك، فذهبت وسافرت إلى الشام.

وصول سفانة إلى الشام وتوبيخها لأخيها عدي بن حاتم على تركها

فأول ما دخلت على عدي هكذا، كان ينظر من بعيد: هذه سفانة أم ماذا؟ والله مشيتها هكذا مثلما تمشي سفانة. وقعتِ في سوء، لقد نسيتها، نسيت أن آخذها معي.

فجاءت وهي تسبّ وتلعن وتشتم وما إلى ذلك: الناس الذين ليس لديهم أصل، والناس الذين يتركون إخوتهم في الضياع، والذين يجرون، والذي يفعل...

قال عدي لها: الله يحفظك، أنا جسدي لا يتحمل وأنا مخطئ، واقبل رأسك وعودي صامتة؛ لأنني لا أتحمل هذا الكلام، أنا مشوّش وحزين هنا في الشام.

نصيحة سفانة لأخيها عدي بالإسراع إلى النبي قبل أن يُضطر لذلك

قالت [سفانة] له: حسنًا. قال لها: ماذا فعل محمد معكِ؟ قالت له: فعليك أن تسارع بالذهاب إليه راغبًا قبل أن تُضطر للذهاب إليه مضطرًا. أسرع يا أخي بسرعة لكي لا تضيع الوقت.

فقال عدي لسفانة: أترين ذلك؟ قالت له: نعم. قال لها: قد أُقتَل عندما أدخل عليه. قالت له: توكل على الله، أخلص النية لله، ستجد الأمور ميسّرة.

دخول عدي بن حاتم المدينة بلا أمان ولقاؤه بالنبي صلى الله عليه وسلم

فذهب عدي بدون أمان، فدخل المدينة وتحدث الناس: هذا عدي بن حاتم هنا! فقد كان من الممكن أن يمسكه أحدهم ويقبض عليه ويأخذه إلى السجن، لكن الله ستره بحسن نيته.

حتى وجده رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فأخذ بيده وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لِمَ تهرب يا عدي؟

وكانت قصة جميلة لطيفة بين النبي وبين عدي، سنذكرها في حلقة قادمة إن شاء الله.

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.