#حديث_الجمعة | السيرة النبوية | خطبة الثالثة لرسول الله يوم النحر
- •خطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ثلاث خطب، وأكد فيها أن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض.
- •أوضح حرمة الدماء والأموال والأعراض كحرمة اليوم والشهر والبلد، وحث على تبليغ الشاهد الغائب.
- •تميزت أمة محمد بتوثيق العلم عبر الأسانيد المتصلة برسول الله، فقد حفظت ملايين الأسانيد للقرآن والسنة.
- •وزع النبي شعره الشريف بعد الحلق، وبقي منه إلى يومنا هذا، ومن خصائصه أنه ينمو.
- •قضى أيام التشريق في منى، وجعلها مناخاً لمن سبق، ورتب مناسك الحج كالرمي والمبيت.
- •نزلت سورة النصر في أيام التشريق، فعلم قرب أجله.
- •أكد المساواة بين الناس ونفى التفاضل إلا بالتقوى.
- •بعد عودته إلى المدينة زار البقيع، وفي اليوم التاسع والعشرين أصابه صداع شديد وبدأ مرض الرحيل.
مقدمة الحلقة واستعراض خطبة النبي يوم النحر في الحرم المكي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
في حلقة سابقة تحدثنا عن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يلقي الخطبة الثالثة في الحرم المكي يوم النحر، وأنه صلى الله عليه وسلم خطبهم وقال:
«إن الزمان قد استدار على هيئته يوم خلقَ اللهُ السماواتِ والأرضَ، السنةُ اثنا عشرَ شهرًا منها أربعةٌ حُرُمٌ: ثلاثةٌ متواليات: ذو القعدةِ وذو الحجةِ والمحرمُ، ورجبُ مُضَر»
يعني رجبُ الفردُ الذي بين جمادى وشعبان. وحدَّدَ الأمورَ وسألهم أسئلةً.
أسئلة النبي للصحابة عن اليوم والشهر والبلد وتأكيد حرمة الدماء والأموال والأعراض
قال [النبي صلى الله عليه وسلم] بعد أن استدارَ هذا الفلكُ على البدايةِ، فسألهم فقال: ما هذا اليوم؟ ما هذا الشهر؟ ما هذا البلد؟ وأَقرَّ أسماءهم، بأن هذا هو يوم النحر، وهذا شهر ذو الحجة، وهذا هو البلد الحرام.
فقال - وهذه العبارة الجامعة المانعة، وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم -:
«إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم يوم القيامة، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب»
ظهور فكرة التوثيق والأسانيد التي اختصت بها أمة النبي صلى الله عليه وسلم
ظهرت فكرة ماذا؟ «بلغوا عني ولو آية»، ظهرت فكرة التوثيق التي اختصت بها أمة سيدنا النبي [صلى الله عليه وسلم]. الأسانيد عندنا مليون سند، عندنا ستون ألف حديث، عندنا القرآن مرويٌّ بأكثر من مليون سند.
الشيخ ابن الجزري - محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد الجزري - له ألف سند بمفرده! هذا فقط، إنها أُمة أسانيد.
تفرد الأمة الإسلامية بسلسلة الأسانيد المتصلة عبر القرون
التوثيق الأخرى [في الأمم السابقة لم يكن كذلك]، فقد قابلتُ أنا من قابل من قابل من قابل من قابل - تعدُّ اثنتين وعشرين مرة، وتعدُّ ستة وعشرين مرة - رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا يوجد شيء في الدنيا هكذا!
يقول لي أحدهم هكذا أنه قابل من اسمه ماذا؟ أنا أعرف أسماءهم عبر القرون ومرَّ العصور. لستُ أنا وحدي، بل كل الأمة هكذا، كل الأمة معها أسانيد: قابلتُ من قابل من قابل من قابل.
سيحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدولُه، ماسكين أيديهم في أيدي بعضهم هكذا كسلسلة، يقال عنها سلسلة السند بحلقاتها. لم يفعل أحدٌ هكذا!
التوثيق والفهم وحديث نضّر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها
وبعد ذلك، هذا التوثيق رقم واحد. ورقم اثنين ما هو الفهم؟ وهذا الفهم آتٍ من أين؟ من عند الله، ربنا يفتح.
فقال [النبي صلى الله عليه وسلم]: فلعل بعض من يُبلَّغه أن يكون أوعى له من بعضٌ ممن سمعه. قال:
«نضَّر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها فأداها مثل ما سمعها، فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع»
وبعض المشايخ في الإملاء يقول أنها بالتخفيف «نظَر الله وجه امرئ»، الاثنان صحيحان، لكن الشيخ عياض يرويها هكذا: «نضَّر الله وجه امرئ». وهو نفس الكلام [الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته].
أمر النبي بالتبليغ وتأكيده في ختام خطبته ألا هل بلغت
وسيدنا [النبي صلى الله عليه وسلم] أمرنا قائلًا:
«ألا هل بلغت، ألا هل بلغت، ألا هل بلغت» أخرجه البخاري ومسلم
فهذه الثلاث خطب الأساسية؛ لأنه خطب بعد ذلك في أيام التشريق وغيرها إلى آخره.
حلق النبي وتوزيع شعره الشريف وتفرده بحفظ آثاره عبر التاريخ
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمى الجمرات وحلق، فلما حلق وزَّع شعره الشريف الذي بقي بعضه إلى يومنا هذا. لا يوجد أحد في هذه الدنيا - لا أنبياء ولا أولياء ولا أباطرة ولا إمبراطوريات ولا أي شخص - يمكنه أن يحفظ ما يدل على ذاته أبدًا، لم يحدث ذلك وبهذه الطريقة، مليون سند! لم يحدث.
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]
فرفع ذكرك!
حديث الغثاء والتمسك بكتاب الله وعترة أهل البيت وبقاؤهم إلى اليوم
لا، بل أنتم يومئذ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل، فإذ به صدق [النبي صلى الله عليه وسلم]:
«لا تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترة أهل بيتي»
فإذا بعترة البيت الشريف باقية إلى الآن، وقد انتشرت في الأرض بحيث أن أحدًا لا يستطيع القضاء عليهم. مددٌ من غير عدد، مددٌ يا رب من غير عدد! ما هذا! مؤيَّد، لا إله إلا الله.
اسم محمد هو الأكثر انتشارًا في العالم تحقيقًا لرفع الذكر
لو واحد فقط يجلس هكذا مع نفسه قليلًا، ما هذا؟
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]
فيكون محمد اسمًا هو الأعلى إطلاقًا! سبعون مليون [شخص يحمل هذا الاسم]، ستة وتسعون [بالمئة]، والذي بعده خمسة عشر مليونًا. سبعون مليونًا والذي بعده - حسنًا - في الترتيب خمسة عشر مليونًا، يعني ضربة قاضية!
يعني إذن هذه مسألة أخرى، وتكلم [الإنسان] من هنا حتى الصباح في سيدنا صلى الله عليه وسلم.
توزيع شعر النبي الشريف ونموه وتقسيم العائلات له تبركًا
النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد، إذا رمى وحلق ووزَّع شعره الشريف - وهو باقٍ إلى يومنا هذا - وشعره ينمو! عندما جاءت الشعرات، لاحظنا أنها تنمو.
حتى إن العائلة الواحدة عندما تكون لديها الشعرة الشريفة وتنمو، يقومون بتقسيمها: واحدٌ يأخذ هكذا وواحدٌ يأخذ هكذا لكي تحلَّ البركة. هل انتبهت؟ يعني شيءٌ غريبٌ عجيب! هذه مشاهد [عجيبة من بركات النبي صلى الله عليه وسلم].
حكم صيام أيام التشريق ويوم العيد والأيام المنهي عن صيامها
بعد ذلك قضى [النبي صلى الله عليه وسلم] أيام التشريق وحرَّم علينا صيامها. فيصبح حرامًا أن نصوم يوم العيد. نصوم - لا بأس - نحن هنا لسنا في الحج، نصوم يوم عرفة ونصوم أيضًا، لا مانع من ذلك من الأول من ذي الحجة إلى عرفة تكون تسعة أيام.
ويوم العيد يجب أن نفطر فيه؛ لأنها أيام أكل وشرب: العيد والأيام الثلاثة للتشريق يحرم علينا صيامها.
«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام ستة أيام»
وهي هذه الأربعة [يوم العيد وثلاثة أيام التشريق]، ويوم الشك، ويوم عيد الفطر، فهذه ستة أيام. وفي رواية أخرى خمسة أيام [بدون] يوم الشك.
أيام التشريق الثلاثة والمبيت بمنى ورمي الجمرات وأحكامهما عند العلماء
سيدنا [النبي] صلى الله عليه وسلم قضى بعد ذلك أيام التشريق الثلاثة: الأحد والاثنين والثلاثاء، أي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة في منى.
والمبيت في منى عند بعض العلماء واجب، فمن تركه فعليه دم. وكذلك رمي الجمرات الثلاث واجب، فمن تركها فعليه دم. وإن ترك بعضها - فعليه بعض [الفدية]؛ كأن يرمي الحصى ستة بدلًا من سبعة، أو [يترك] العقبة - هذا عليه صدقة، لا يدخل في نطاق الدم.
هدي النبي مائة من الإبل وتوسعته على المسلمين في مناسك الحج
النبي عليه الصلاة والسلام ساق هديًا وجلب بقية الهدي من اليمن، مائة من الإبل، والذي ساقهم له سيدنا علي رضي الله تعالى عنه.
وذبح في المكان الذي ذكرناه التي هي المعبَّدة، وقال:
«ذبحت هنا وكل مكة منحر»
فلا مانع أن تعمل [الذبح] في أي مكان. وقال:
«وقفت هنا وكل عرفة موقف»
«صليت هنا وكل المشعر الحرام - مزدلفة جمع - أي مكان للصلاة»
وهكذا فوسَّع على المسلمين [صلى الله عليه وسلم].
منى مناخ من سبق وتنظيم ولي الأمر للحفاظ على حياة المسلمين
وقال [النبي صلى الله عليه وسلم] في منى:
«منى مناخ من سبق، منى مناخ من سبق»
منى ليست من مكة، منى خارج مكة لكنها ملتصقة بها تمامًا، يعني بخطوة هكذا تجدها أنت هنا في منى أو هنا في مكة.
«منى مناخ من سبق» يعني ماذا؟ يعني الذي سبق وأخذ قطعة من الأرض تصبح خاصته. طبعًا الآن لا نستطيع أن نفعل هكذا؛ الناس ستتشاجر مع بعضها. فرأى ولي الأمر - ورأيه صحيح - أن نقسمها بين الناس بجدول سابق وما إلى ذلك، وأصبح الأمر ليس كذلك؛ لأنه لا بد من النظام؛ لأن هذا النظام يحافظ على حياة المسلمين وعلى نظافتهم وعلى طهارتهم.
ولذلك فقد رأى ورأيه الصواب بالتقصير، وليس في هذا مخالفة للسنة، بل هو تطبيق للسنة. بعد الفاصل نفصِّل.
تنظيم النبي لحياة المسلمين وأمره بالتكفير عن اليمين وفعل الخير
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
رتَّب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حياتنا ونظَّم لنا أمورنا، وكان يأمر بالشيء ثم إذا رأى ما هو أولى منه ذهب إليه، وكان يقسم على الشيء ثم إذا رأى ما هو أبرُّ ذهب إليه وكفَّر عن يمينه.
﴿وَلَا تَجْعَلُوا ٱللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة: 224]
لا تقل إنني حلفت أن لا أزور أخي ولا أن أبرَّ والدي ولا أن أقطع رحمي. لا يا أخي، لا تحلف وكفِّر عن يمينك وافعل الخير.
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
تعامل النبي مع الأطفال في الصلاة وتعليمه أن الطفولة توقف الأحكام
علَّمنا [النبي صلى الله عليه وسلم] أننا كنا نصلي، كان يُصلّي صلاة ربنا، فإذا سمع الولد يبكي أسرع في صلاته صلى الله عليه وسلم. علَّمنا أن نستقلَّ بصلاتنا مع ربنا.
أما إذا اعتلى ظهره الشريف الحسن أو الحسين أو أُمامة، فإنه كان يُطيل حتى يأخذ [الطفل] حاجته من اللعب على ظهر النبي عليه الصلاة والسلام.
علَّمنا أن الأحكام ثابتة، فإذا جاءت الطفولة فأوقفت الأحكام. الطفولة توقف الأحكام! خطبة يجب فيها الاتصال ولا ينبغي فيها الانفصال، فيتركها وينزل حتى يأخذ الحسن ويعطي له جرعات الحنان والأمان والاطمئنان. حسنًا، والخطبة خطبة، سنكملها إن شاء الله.
الطفولة توقف الأحكام والنهي عن ضرب الأطفال وطردهم من المسجد
ها، الطفولة توقف الأحكام. أما الثاني الذي يضرب الأطفال ويطردهم من المسجد، ماذا حصل؟ ما الأمر؟
قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
كانت بنات النجار يأخذنه [النبي صلى الله عليه وسلم] بيده الشريفة فيتركها لهم، فيذهبن به حيث ما شئن، وهو رئيس الدولة! أي رئيس دولة هو! وهو صخرة الكونين صلى الله عليه وسلم، وهو حبيب الرحمن، وهو المبعوث من عنده سبحانه وتعالى، وهو قد اطلع وانكشفت له أحوال الملإ الأعلى، يترك يده الشريفة للطفولة صلى الله عليه وآله وسلم.
مخالفة بعض المسلمين لسنة النبي وانتشار الكذب والانحراف واستعمال الدين في الدنيا
وكان المسلمون يتتبعون سنة النبي صلى الله عليه وسلم ليخالفوها! فإنا لله وإنا إليه راجعون.
نهانا عن الكذب، فأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مليئة بكذبٍ لم تشهده البشرية من قبل. نهانا عن الانحراف، فأصبح الانحراف منتشرًا من [باب] حقوق الإنسان أنه [حرية شخصية].
نهانا عن الضلالة وعن أن نستعمل الدين في الدنيا، فالدين هو تاج الدنيا، ولذلك يجب أن يُنزَّه عن كل غرض، فإذا بنا نستعمله في كل غرض!
النهي عن استغلال الدين تجاريًا وتسمية المحلات بأسماء إسلامية بلا فائدة
تجد الشاب يسمي محله «الكشري الإسلامي»! هل هناك كشري كفري وكشري إسلامي؟ ماذا يعني كشري إسلامي؟ يعني بلا فائدة! [ليس] له أي ميزة عن بقية الكشري؟ لا.
هذه مسألة تثير الغيظ!
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]
﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]
رمي الجمرات الثلاث والمبيت بمنى وأحكام الدم عند الشافعي
النبي صلى الله عليه وسلم كان يرمي الصغرى فالوسطى فالكبرى، وكان يدعو بعد الكبرى. والمبيت بمنى واجب عند الشافعي، والرمي واجب في جملته.
بمعنى أنه إذا ترك الرمي كله أو ترك المبيت كله فإنه يجب عليه دم. والدم متعدد إلى أربعة دماء: حج تحصر.
أولها المرتب المقدر: تمتع، وفوت، وحج قرنًا، وترك رمي، والمبيت بمنى، وتركه الميقات، وترك المزدلفة، أو لم يودع، كمشي أخلفه ناذره. ويصوم من فقد [الهدي] ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام عند العودة إلى بلده.
حكم ترك المبيت والرمي بمنى والخلاف في دم الجبران والشكران
فيبقى إذن ترك المبيت في منى ومن ترك الرمي في منى فعليه عند الشافعي دم متكرر، يعني واحد لهذا وواحد لهذا.
واختلفوا: هل ذلك هو دم جبران أو دم شكران أو غير ذلك إلى آخره؟ التمتع والقارن، كما نقول إن القارن سيذبح والمتمتع سيذبح.
هل هذا لتمام النقص أم للشكر؟ ربنا يجعلها تشكر، ربنا أجمل! شكران إن شاء الله كي ننال ثوابًا أكثر من الجبران، وجبران الخاطر على الله.
نزول سورة النصر في أيام التشريق وإشارتها إلى قرب رحيل النبي
النبي صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق جاءته تهيئة الوداع، فنزلت عليه:
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3]
فعرف قُربَ الرحيل صلى الله عليه وآله وسلم. وكانت هذه السورة - سورة النصر - من أواخر ما نزل؛ لأنها نزلت في أيام التشريق من تلك الحجة المباركة، حجة النبي صلى الله عليه وسلم.
خطبة النبي في أيام التشريق وإعلان المساواة بين الناس بالتقوى
أكَّد النبي صلى الله عليه وسلم في خُطَبِه، خطب في وسط أيام التشريق فقال:
«يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد وأن أباكم واحد»
ليس هناك فرق بين أسود وأبيض وأصفر وأحمر وما إلى ذلك، ليس لدينا هذا الكلام.
«ألا إن ربكم واحد وأن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى»
هنا أُعلِنَت المساواة ونُفِيَ التساوي. انتبه جيدًا: أُعلِنَت المساواة، فلا فرق في التكليف والحقوق والواجبات بين العربي والأعجمي، وبين المرأة والرجل، لا فرق.
التقوى هي الفارق الحقيقي بين الناس والمرأة التقية أفضل من الرجل الفاجر
إذن ما هو الفارق؟ التقوى! والمرأة التقية أفضل من الرجل الفاجر ألف مرة، كالظفر الذي يجعل المقص يطير. من التقية بملء الأرض من الفاجرين، نعم أفضل؛ لأن الله سبحانه وتعالى فضَّلها، هذه مؤمنة تقية وذاك فاجر.
فماذا عن الأعجمي ولي الله والعربي الفاجر عدو الله؟ أيهما أفضل؟ بالطبع الأعجمي التقي النقي.
إنه [النبي صلى الله عليه وسلم] رسم معالم الأمة رسمًا صحيحًا. فلتكن تقيًّا تفز، كن تقيًّا تفز عند الله وعند الناس في حياتك وبعدها مماتك.
«ألا هل قد بلغت؟ اللهم فاشهد» أخرجه أحمد
الخلاف في تحديد الخطب الثلاث الأساسية للنبي في حجة الوداع
خطبة في وسط أي أيام التشريق. يكون إذن هذا كلام مع النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن كله كان يصب فيه.
أنت تقول إنه ثلاث خطب؟ نعم، فهي خطبة يوم التروية - فيها شك عند الرواة - قال لك إنه خطب يوم [عرفات]، خطب في عرفات، يوم النحر، وخطب أيام التشريق. والآخر يقول: لا، بل خطب يوم التروية وخطب يوم عرفات وخطب يوم النحر.
يعني هناك خلاف، لكنهم في أغلبهم يقولون إنها ثلاث خطب فقط، إما هكذا أو هكذا.
عودة النبي إلى المدينة وزيارته لشهداء أحد والبقيع تهيئة للرحيل
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أتمَّ الحج ورجع عائدًا إلى المدينة. واستمرت الوفود في المجيء، وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم السنة الحادية عشرة [من الهجرة].
وذهب تهيئة للرحيل يزور شهداء أُحد ويودعهم، وذهب للرحيل تهيئة للرحيل إلى البقيع، وتكلم معهم كلامًا مؤثرًا بمعنى أنكم السابقون وأنا بكم إن شاء الله لاحقون.
بداية مرض النبي صلى الله عليه وسلم وإصابته بالصداع الشديد يوم التاسع والعشرين من صفر
حتى وهو عائد في يوم الأحد التاسع والعشرين من صفر [من] البقيع، أصابه صداع شديد، فلفَّ عصابة على رأسه الشريفة، وبدأ مرض الرحيل.
فاللهم صلِّ وسلم على سيدنا النبي. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله. والسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
