#حديث_الجمعة | السيرة النبوية | سرية طي
- •يروي النص قصة عدي بن حاتم الطائي الذي أتى إلى المدينة بعد نصيحة أخته سفانة، متوكلاً على الله دون سابق أمان.
- •استقبل النبي صلى الله عليه وسلم عدياً وأخذه إلى بيته، فتأثر عدي ببساطة حياة النبي.
- •حاور النبي عدياً حواراً دعوياً حكيماً، مستفسراً عن سبب هروبه من الإسلام ومواجهاً إياه بتناقضه في أخذ المرباع من قومه رغم أن دينه يحرمه.
- •أسلم عدي وشهد لاحقاً تحقق نبوءات النبي عن انتشار الأمن وفتح كنوز كسرى.
- •يؤكد النص أن الإسلام دين الأخلاق حيث تمثل أحكام القرآن والسنة نسبة بسيطة (5% و3%) بينما بقية الدين يتعلق بالأخلاق المرتبطة بالعقيدة.
- •ينتقد النص من يشوهون صورة الإسلام بالعنف والتطرف، ويؤكد أن القتال في الإسلام للدفاع ورد العدوان فقط.
- •يشير النص إلى تجهيزات الروم لغزو المدينة مما مهد لغزوة تبوك.
مقدمة الدرس والبسملة والصلاة على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع سيرة المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم، نعيش هذه اللحظات، نلتمس منها الهدى والتقى والعفاف والغنى؛ فإن فضل رسول الله ليس له حدٌّ فيُعرِب عنه ناطقٌ بفمه، صلى الله عليه وآله وسلم.
ملخص سرية طيئ وقصة سفانة بنت حاتم الطائي ونصيحتها لأخيها عدي
تحدثنا عن سرية طيئ في السنة التاسعة بعد فتح مكة، وأن في هذه السرية وقعت سفانة بنت حاتم الطائي في الأسر، حتى عفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرحلت إلى أخيها الهارب عدي [بن حاتم الطائي] في الشام، ونصحته بأن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقالت له: والله يا عدي، لو أن أباك كان حيًّا ما فعل مثل ما فعل محمد. وعدي عنده حاتم [أبوه] هذا شيءٌ كبير؛ أبوه كريم العرب ليس هناك مثله. فقالت له هكذا، قالت له: والله يا عدي، لو أن أباك كان حيًّا ما فعل أكثر مما فعل محمد صلى الله عليه وسلم.
ذهاب عدي بن حاتم إلى المدينة واستقبال النبي صلى الله عليه وسلم له
فاستشعر عدي بالأمان، وذهب إلى المدينة من غير سابق اتفاق، ولا أمان ولا تأشيرة، يعني أنه يُعَدّ مخالفًا بالإجراءات الحديثة التي نعرفها، فيكون مخالفًا لأنه عبَر وهو مطلوب القبض عليه، لكنه ذهب هكذا متوكلًا على الله كما نصحته أخته.
وتحدث أهل المدينة أن عديًّا قد وصل، فخرج له رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لاقاه، فأخذه من يده. وعندما أخذ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فقد حصل على التصريح، وانتهى الأمر، فاطمأن عدي.
دخول عدي بيت النبي ورؤيته لزهد النبي صلى الله عليه وسلم
عندما مشى [النبي صلى الله عليه وسلم] معه [مع عدي]، لم يذهب به إلى المسجد ليجلسا -فهذا يعني أن الأمر رسمي- لا، بل ذهبا إلى البيت. إذن هذه مسألة أخرى.
قال [عدي]: فلما دخلتُ وجدتُ وسادة من ليف، ولا يوجد بالبيت شيء. أي أنه [عدي] قد اعتاد على القصور المزينة بالذهب وما شابه. فوقع في قلبي أنه لا يفعل ذلك إلا نبي؛ إنه [النبي صلى الله عليه وسلم] نائم على قطعة حصيرة وقطعة وسادة، وإذا كان على سرير فهو سرير من سعف النخل.
قال: والله ما يفعل هكذا إلا نبي. هذا ما كان في قلبه.
حوار النبي صلى الله عليه وسلم مع عدي بن حاتم عن التوحيد ومكارم الأخلاق
فأجلسني [أي أجلس النبيُّ عديًّا] رسول الله فقال لي:
يا عدي، ممَّ تهرب؟ أتهرب من لا إله إلا الله؟
قال [عدي]: والله إني لأعلم أنه لا إله إلا الله.
قال صلى الله عليه وسلم: يا عدي، ممَّ تهرب؟ أتهرب من أني رسول الله آمركم بمكارم الأخلاق؟
انظر إلى هذا المدخل، فها هو [عدي] يعيش طوال عمره يقول: نحن أصحاب مكارم الأخلاق [مفتخرًا بنسبه]. قال [عدي]: إن أبي كان يحب مكارم الأخلاق.
سؤال النبي لعدي عن دينه وانتمائه للآريسيين ومسألة المرباع
قال صلى الله عليه وسلم له: طيب، أفررت من الإسلام؟
فقال [عدي]: نحن أسلمنا وجهنا لله، أي أنني أيضًا على ديانة، وهذه الديانة أنا أسلمت وجهي لله فيها، نحن أسلمنا وجهنا لله.
قال صلى الله عليه وسلم: أو أنت على دين؟ قال [عدي]: نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألست من الأريسيين؟
قال [عدي]: أتعلم الآريسيين؟ هؤلاء الآريسيون هم جماعة قليلة من الناس، والمسيحية لا تعترف بهم، أي بحقيقة نبيهم سيدنا عيسى.
لكنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: وإذا كنت من الآريسيين فلماذا لا تتبع دينهم؟ قال [عدي]: وكيف لا أتبع دينهم؟
إلزام النبي لعدي بمخالفته لدينه في أخذ المرباع من قومه
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تأخذ المرباع من قومك ودينك يحرّمه؟
المرباع هو شيء مثل الضريبة لكي تكون قريبة [في التشبيه]، أي شيء مثل الضريبة. قال له: ألا تأخذ الضريبة من قومك، ودينك يقول لك لا تأخذ منهم شيئًا:
﴿قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: 23]
فدينك يقول هكذا.
قال [عدي]: فعرفت أنه يعرف ما يُجهل، ولا يعرف ما يُجهل إلا نبي. أول ما قال له: ألا تأخذ المرباع من قومك، أهذا هو دينك؟ أنت تقول أنا أريسي، حسنًا، والأريسيون يقولون لك لا تأخذ، فلماذا تأخذ إذن؟
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]
إسلام عدي بن حاتم الطائي وفرح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك
قال [عدي]: إذن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
قال: فلما قلتها انفرجت أساريره وفرح كثيرًا. ابن حاتم [حاتم الطائي الذي اشتُهر بالكرم الكبير] دخل الإسلام، ومنَّ الله عليه بالإسلام.
وكان [عدي] عابدًا ومخلصًا أيضًا، لكنه كان يقع في بعض الأخطاء مثل مسألة المرباع هذه. ومع ذلك كان مخلصًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى فيه الإخلاص، وكان النبي يحب أن يقول:
قال النبي ﷺ: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا»
شكوى الفاقة وقطع السبيل وبشارة النبي لعدي بالأمن والرخاء
فجلستُ عنده [عند النبي صلى الله عليه وسلم]، فجاءه رجلٌ -كل هذا في سنة تسع يا إخواننا، كل هذا بعد سرية طيئ وما شابهها، وريثما تحركت سفانة [شقيقة عدي بن حاتم الطائي] وجاء هو [عدي] بعد عدة شهور- ها نحن في منتصف سنة تسع.
قال: فجاءه رجلٌ يشكو إليه الفاقة، قال له: لقد تعبنا الآن، يعني حسنًا. ثم جاءه [رجل آخر] يشكو إليه قطع السبيل، ويقول له: كثيرًا ما يخرج علينا أناسٌ يسرقوننا ويضربوننا ولا يوجد أمن. فيكون هذا هو الجوع والخوف اللذان ذكرهما ربنا في القرآن.
نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بتحقق الأمن وفتح كنوز كسرى
فقال صلى الله عليه وسلم: يا عدي، إن امتدّ بعمرك -وانظر، والكلام دقيق بعض الشيء- يا عدي، أطال الله في عمرك، فترى الظعينة [المسافرة] -والظعن هو السفر- فترى الظعينة تسير من الحيرة إلى بيت الله تحجّه، لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها. يبقى في أيّ أمن [عظيم]!
وليفتحنّ الله عليكم خزائن كسرى بن هرمز [آخر ملوك الإمبراطورية الفارسية قبل الفتح الإسلامي] الذي في فارس، وليجلس الرجل في حجره ذهبًا، في حجره وليجلس الرجل في حجره الذهب، يطوف به على الناس فلا يجد من يأخذه.
تحقق نبوءات النبي في حياة عدي وفي عصر عمر بن عبد العزيز
قال [عدي]: فرأيت الظعينة بعيني رأسي بعد ذلك، ثم بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم، تسير من الحيرة إلى البيت الحرام لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها. لقد تحقق الأمن، وكنت ممن فتح كنوز كسرى بن هرمز.
ولئن مدّ الله في أعماركم -وهو يقول للتابعين- لترون الثالثة التي بشّر بها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. وقد كان، في عصر عمر بن عبد العزيز، يطوف أحدهم بما في حجره من ذهب فلا يجد من يأخذه.
وسيدنا عمر بن عبد العزيز نادى في الشباب حينئذٍ، حين تكوّمت الزكاة ولم نجد مصارف للزكاة، فنادى في من كان يريد أن نعينه على زواج زوّجناه، فصرف الزكاة في الزيجات.
قصة عدي تبين انشغال المسلمين بالدعوة والتعليم بعد فتح مكة
النبي صلى الله عليه وآله وسلم [أرسل سراياه] إلى الشام بهذا الكيف [بهذه الطريقة]. جلس عنده عدي يتعلم منه ويناقشه، وكانت قصة عدي هذه قصة تبيّن أن المسلمين قد اشتغلوا بتبليغ الدعوة وبتعليم الدين بعد فتح مكة اشتغالًا تامًّا، وأنهم اطمأنوا وأن الأمور استقرت، والحمد لله رب العالمين.
إلا أننا ذكرنا شيئًا قبل ذلك في مقتل سفير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مما كان قد سبّب واقعة ومعركة وغزوة مؤتة.
العودة بعد الفاصل والتأكيد على الاقتداء بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم
فنرى بعد الفاصل ما الذي كان مع سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. نعيش هذه اللحظات نلتمس من هداه، ومن أسوته الحسنة، ومن شريف حياته في مواقفه، في سكناته، في حركاته.
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
وكنا قد وصلنا إلى السنة التاسعة، وهذه السنة بعد فتح مكة استقرت فيها الأمور، واشتغل فيها المسلمون أغلب أوقاتهم بالدرس والتدريس، ونقل الأحكام، وتعليم الديانة والأخلاق.
مصادر الدين الإسلامي ونسبة آيات الأحكام إلى آيات الأخلاق في القرآن
ومن المعلوم أن دين الإسلام قد اشتمل على مصادر هي: القرآن وسنة النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم.
أما القرآن، فآيات الأحكام فيه لا تزيد على ثلاثمائة آية، وبقيته -وهو أكثر من ستة آلاف آية- كلها في الأخلاق المرتبطة بالعقيدة. ثلاثمائة على ستة آلاف تُعادل خمسة في المائة.
أما السنة، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ستين ألف حديث، ألفان منهم في كل الشريعة، والباقي في الأخلاق المرتبطة بالعقيدة بالله، وإحسان النية، والإخلاص له، برجاء الثواب، بخوف العقاب والحساب. ولذلك فهي لا تزيد عن ثلاثة بالمئة، وبقية الدين خمسة وتسعين في المائة، أو سبعة وتسعين بالمائة في الأخلاق.
الدين مبني على الرحمة والرفق ومكارم الأخلاق كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم
هذا هو الذي تعلمناه، فدخلنا الدين من قبيل بسم الله الرحمن الرحيم، دخلنا الدين من قبيل قول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»
دخلنا الدين من قوله صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
ومن قوله صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «إنما أنا رحمة مُهداة»
ومن قوله صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
ومن الظلم ظلمات يوم القيامة. كذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «اتقِ دعوة المظلوم ولو كان كافرًا»
إلى آخر ما هنالك.
خطورة قلب هرم الدين وجعل القتال أساسًا بدلًا من الأخلاق والرحمة
هذا أساس الهرم [هرم الدين]، فلما وصلنا إلى أعلاه، وقرأنا قوله تعالى:
﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]
عرفنا معناها، وأنها تكليف، وتربية، وإعداد، وسماح لنا بالدفاع عن أنفسنا مع حرمة العدوان.
أما من لم يتعلم الديانة وقرأ وحده مع شيطانه، فانقلب الهرم عليه، وجعل الأساس قمة والقمة أساسًا، فضاع وأضاع، ورأيناه وهو يشوّه صورة الإسلام في العالمين.
الفرق بين منهج النبي في تحسين صورة الإسلام ومنهج العنف الذي يشوهه
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسّن صورة الإسلام في العالمين حتى أسلم الناس على يديه. أما الذي يتخذ العنف سبيلًا ويهدم ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحكم بالبطلان على الديانة بأسرها -ديانة المسلمين- فإنه ملعون في الدنيا والآخرة.
بعض الناس يتساءل: ما هذا؟ أو هل هذا من الدين؟ والفاجر يقول: نعم، هو من الدين. خسِئَ وخسِئَ مسعاه، وضلَّ سعيه. ما هذا من الدين، بل إنه قلب الدين رأسًا على عقب.
الأساس الذي أسسه العلماء في حرية الاعتقاد وأن الرسول عليه البلاغ فقط
بعد ذلك تكلم [العلماء] عن الأساس الذي أسس لنا به العلماء الأتقياء الأنقياء الأولياء، وهو أنه:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]
ولكن هذا [المتطرف] جاء يبتر الآيات فيقول:
﴿وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: 191]
ولم يتكلم عن قوله تعالى:
﴿وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلَا تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: 191]
الإسلام أباح الدفاع ورد العدوان فقط والمتطرفون يبترون الآيات
هذا هو الذي أباحه لنا الإسلام: الدفاع ورد العدوان ورفع الطغيان. لكنه [المتطرف] يأخذ من هنا ومن هناك، ويلتقط من هنا ومن هناك.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]
لقد شوَّهوا الإسلام، وكل من أراد أن يشوِّه الإسلام ضيَّع الله عمله حتى لو كان صالحًا.
الحجاج بن يوسف الثقفي نموذج لمن شوه صورة الإسلام رغم أعماله
فالحجاج بن يوسف الثقفي أقرّ العمارة، وكتب المصحف وجزّأه ونشر الدين، إلا أنه كان بتّارًا جبّارًا وقتل سعيد بن جبير.
يُروى أن الحجاج دخل عليه طفلٌ فقال: أمعك شيء من القرآن؟ قال: نعم. قال: اقرأ. وكان الحجاج في الأصل محفِّظًا للقرآن في ثقيف بالطائف، كان هو وأبوه فاتحَيْن الكُتّاب [مثل مدرسة تكون غالبًا بالقرى المصرية معنيّة بتحفيظ القرآن في الأغلب بجانب أساسيات اللغة العربية].
فقال [الطفل]: إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجًا. فقال [الحجاج]: يا ولد، يدخلون! قال [الطفل]: هذا كان على أيام النبي، وأما في أيامك يَخرجون.
حكمة قصة الحجاج وتحذير النبي من الخوارج الذين يشوهون الإسلام
لكن هذه القصة فيها حكمة أن الحجاج بن يوسف الثقفي شوَّه الصورة، وكأن الإسلام يدعو إلى القتل، وكأن الإسلام يستهين بالدم. ولذلك حتى لو خَلُصت نيته بأنه يريد الاستقرار أو يريد كذا إلى آخره، فإنه شوَّه الصورة.
هذا هو الذي يقوم به بعض الخوارج ممن حذّرنا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال:
قال النبي ﷺ: «الخوارج كلاب النار» [أخرجه البزار]
استقرار الأمور في السنة التاسعة ومقتل سفير النبي الذي أدى لغزوة مؤتة
إذن في السنة التاسعة استقرت الأمور، وبدأ رسول الله وأصحابه يشيعون في الناس الخير، ودخل في دين الله أفواجٌ كثيرة.
ولكن تكلمنا قبل ذلك في مؤتة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل سفيرًا له كان اسمه الحارث بن عمير الأزدي، فأخذه شرحبيل بن عمرو الغساني وقتله. شيءٌ لا يصدقه عقل! قتل السفراء لا يجوز حتى لو كان كافرًا، حتى لو كان فاسقًا، حتى لو كان عدوًّا، لا يجوز.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أرسل للثأر زيد بن حارثة ومات زيد، ومات جعفر، ومات عبد الله بن رواحة، واستطاع خالد [بن الوليد] أن يلملم الجيش ويعود. ولكن كانت مؤتة لها أثر حسن في سمعة المسلمين، أنهم ذهبوا بثلاثة آلاف فقط إلى الروم.
أخبار الأنباط عن تجهيز هرقل جيشًا لغزو المدينة وبدايات غزوة تبوك
بدأت أخبار تأتي مع الأنباط -هؤلاء موجودون في الشام- ماذا يفعلون؟ يأتون ليبيعوا لنا الزيت. فمع الأنباط يأتون ليبيعوا زيت الزيتون؛ في الشام مشتهرة كلها بزيت الزيتون وأشياء أخرى. فهم قاعدون يتسامرون فيما بيننا واشترينا ذلك ونسهر.
عرف المسلمون أن شرحبيل هذا هو الغساني، أي أنه يُعِدّ جيشًا لغزو المدينة، وأن هرقل بعد فتح المدينة [فتح مكة] غاضب. وقالوا: وبعد ذلك إنه جالس يأخذ كل فترة قطعة، فجهّز جيشًا من أربعين ألفًا وضمّ إليهم قبيلة اسمها لخم وقبيلة أخرى اسمها جذام، لخم وجذام وهكذا، وأربعين ألف فارسٍ من فرسان الروم قادمين لكم.
وصول أخبار التهديد الرومي وخوف عمر وبدايات غزوة تبوك التي لم يقع فيها قتال
هذا الكلام يأتينا من طريق مَن؟ من طريق التجار ومن طريق الأنباط ومن طريق سراياه [سرايا النبي صلى الله عليه وسلم]. هكذا بدأت [الأخبار] تأخذ شكلًا.
وكان سيدنا عمر خائفًا، فمرةً جاءه أحدهم يقول له: هذا النبي عليه الصلاة والسلام طلّق زوجاته! فطرق [عمر] الباب، فقام إليه [النبي ﷺ] وقال له: هل أتى الغساني؟ يعني هل جاء [الغساني] متأهبًا بشدة، كأنه يخبرهم بأن هناك خطرًا داهمًا قادمًا إليهم.
كانت هذه بدايات غزوة تبوك التي لم يقاتل فيها المسلمون، بل أرعبوا الرومان وعادوا بسلام، والحمد لله رب العالمين.
خاتمة الحلقة والتوديع مع الوعد بلقاء آخر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم
انتهى الوقت، مع سيدنا صلى الله عليه وسلم يسير سريعًا، ولذلك فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
