#حديث_الجمعة | السيرة النبوية | غزوة خبير والأحداث التي تلتها
- •خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر مع ألف وأربعمائة فارس، وفي الطريق أنشد عامر بن الأكوع أبياتاً حماسية، فقال النبي: "رحمه الله" مما أنبأ باستشهاده.
- •وعد النبي بإعطاء الراية لرجل يحبه الله ورسوله، فأعطاها لعلي بن أبي طالب الذي قتل مرحباً ملك خيبر بضربة قسمته نصفين.
- •حاصر المسلمون حصون خيبر وقطعوا عنهم الماء، ففتحوا النطاة بالقوة وبقية الحصون بالمفاوضة.
- •اتفق النبي مع أهل خيبر أن يزرعوا الأرض مقابل نصف الإنتاج، شريطة تسليم السلاح والكنوز المخبأة.
- •خان يهود خيبر العهد بإخفاء كنز بني قريظة، فحكم النبي بإعدام ابن أبي الحقيق.
- •أعتق النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب وتزوجها بعدما أسلمت، وكان عتقها صداقها.
- •أخبرت صفية النبي أنها أسلمت صغيرة وعمرها تسع سنوات، وروت له رؤياها بسقوط القمر في حجرها، وكيف ضربها زوجها بسببها.
مقدمة الحلقة والدعاء بفهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع سيرة المصطفى الحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم، نعيش هذه اللحظات في ظلاله الوفيرة، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يشرح صدورنا لفهمه ولفهم سيرته، وأن يسير بنا إلى الله؛ فليس لنا سواه، ولا نعبدُ إلا إياه سبحانه وتعالى.
خروج النبي إلى خيبر وقصة عامر بن الأكوع وإنشاده في الطريق
النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى خيبر بألفٍ وأربع مائة فارس. في الطريق حدثت حوادث من لطائفها ما يرويه سلمة بن الأكوع؛ كان له عمٌّ اسمه عامر بن الأكوع، وعامر عمُّ سلمة، وهم من أهل البدو، أُوتي شيئًا من الرجز والشعر، أي أنه شاعر.
فبينما كانوا يسيرون قال له [النبي ﷺ]: ألا تغني لنا أغنية تسلينا وتجعل الأمور مبهجة معنا؟ فقام بإنشاد تلك القصيدة المشهورة التي انتشرت بعد ذلك، وكان صوته جميلًا وهو شاعر، يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فاغفر ما اتقينا وثبت الأقدام إذ لاقينا، وألقِيا سكينة علينا، إنا إذا صيح بنا أتينا
يعني لو قال لهم أحدهم تعالوا يا أولاد لأن هناك معركة نأتي، وبالصياح عوّلوا علينا. ويقول هذا الكلام هو ويكرره ويزيد عليه وهكذا.
دعاء النبي لعامر بن الأكوع بالرحمة وعلم الصحابة بدلالة الاستشهاد
فالنبي عليه الصلاة والسلام سمعه فقال: من هذا؟ قالوا: هذا عامر بن الأكوع يا رسول الله. قال: رحمه الله.
وكان سيدنا [رسول الله ﷺ] إذا قال "رحمه الله" استشهد صاحبه؛ خلاص، هذا دعا له بالجنة مباشرة. قالوا: هلا تركته لنا يا رسول الله، فهو يغني لنا ويبهجنا! وَوَجَبَتْ، خلاص، عامرًا سيستشهد في هذه المعركة.
كان رسول الله في مثل هذه الأمور يسكت ويتصرف كأنه لم ينتبه، وذلك لمصلحته [أي لمصلحة عامر]؛ لأنه سيستشهد لمصلحته ويدخل الجنة على الفور. قال: رحمه الله. قالوا: هلّا تركته لنا يا رسول الله. وَوَجَبَتْ، أي إذا هم معتادون على هذه العملية، يرونها مرة والثانية والثالثة والرابعة، لذلك اعتادوا عليها.
وصول النبي إلى خيبر وتقسيم حصونها وبدء الحصار
النبي عليه الصلاة والسلام وصل إلى خيبر، والحباب بن المنذر قال له: غيّر المكان، فغيّر المكان.
كانت خيبر قسمين: قسم كبير مكوّن من النطاة والشق، قطعتين هكذا. ثلاثة حصون اسمهم النطاة: حصن اسمه ناعم، وحصن اسمه الزبير، وحصن آخر. والثاني [القسم الثاني من النطاة] هذا، والثاني الشق، الحصنين الآخرين، خمسة [حصون]. أما القسم الثاني لخيبر فثلاثة كبار.
النبي عليه الصلاة والسلام بدأ بماذا؟ بالكبير؛ لأنه إذا هزموه انتهت المعركة وانتصروا.
وعد النبي بإعطاء الراية لرجل يحبه الله ورسوله واختيار علي بن أبي طالب
قال [النبي ﷺ]: يا جماعة، غدًا صباحًا سنهجم. وبهذه الطريقة أعطاهم ثلاث ليالٍ حول خيبر. قالوا: غدًا صباحًا سأعطي الراية رجلًا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله.
باتوا جميعًا في الليل يقولون: يا رب أكون أنا، يا رب أنا الذي تعطيني، يا رب! تمنوا جميعهم، كل واحد من ألف وأربعمائة أن يكون هو؛ لأن هذه الشهادة [شهادة حب الله ورسوله] لا حل لها.
فلما أصبح نادى علي بن أبي طالب عليه السلام، ولذلك في تراثنا يسمونه الفتى الغالب علي بن أبي طالب، الفتى الغالب؛ لأنه كان يدخل المعركة فارسًا.
مبارزة عامر بن الأكوع لمرحب واستشهاده في المعركة
فذهب عامر بن الأكوع وعلي بن أبي طالب في مقدمة الصفوف، ذهبوا إلى الحصن. فعلم هؤلاء الناس [يهود خيبر] أن محمدًا وأصحابه قد قدموا من جهة الشمال وتحولوا وفعلوا كذا إلى آخره.
نزل مرحب وقال: أنا مرحب! ألستم منتبهين أم ماذا؟ مرحب الذي هو مثل عنترة، يعني أنتم آتون للمزاح هنا؟ هذا لا يصح، إنني سأقضي عليكم قضاءً مبرمًا. وأخذ يتكلم بتهديد بالكلام: أحضروا لي شخصًا أبارزه! إن قلت لا، فماذا يكون؟ خلاص، كأن روحك المعنوية قد ذهبت.
مرحب معه سيف مُتكلف، وعامر بن الأكوع معه سيفه الصغير هكذا بهذا الحجم. دخل إليه عامر بن الأكوع، ضربه من هنا، ضربه من هنا، ضربوه من هنا، ضربه هكذا. وبينما هو يلتف، أُصيب عامر بن [الأكوع] بسنّ السيف الخاص به فمات. وهو [النبي ﷺ] قال له: يرحمه الله، فمات شهيدًا.
عدد شهداء معركة خيبر وقصة محاولة تسميم النبي صلى الله عليه وسلم
ماتَ في هذه المعركة ستة عشر شهيدًا، وقيل ثمانية عشر؛ لأن هناك شخصًا يختلفون بشأنه: هل مات في بدر أم مات في خيبر؟ والثاني الذي تعرض للتسمم.
وسنرى خبره المتعلق بـزينب بنت الحارث التي حاولت أن تضع السم لسيدنا رسول الله واستعفته فعفا عنها، ثم بعد ذلك قتلها بسبب البراء؛ لأن البراء أكل منها فمات، فأقام عليها القصاص بعد عفوه عن نفسه.
نزول علي بن أبي طالب لمبارزة مرحب وقتله وأثر ذلك على خيبر
المهم أن عامرًا مات، فنزل علي [بن أبي طالب] على الفور هكذا لا يتأخر. وهذا القائد كان ينبغي أن يكون في الآخر، بل هذا القائد في الأول!
نزل عليٌّ، وذاك [مرحب] كان يغني: أنا مرحبا مرحبا! قال [عليٌّ]: أنا الذي سمتني أمي حيدرة، يعني أسد. سيدنا علي ذهب وضرب مرحب ضربةً فمات، قسمه نصفين هكذا! هو أثبت أنه حيدرة، وظهر أنه حيدرة حقًا.
ومات من جانبنا عامر، ومن جانبهم مرحب. لكن مرحب هذا هو ملك خيبر، فاضطربت أحوالهم.
استشهاد عامر بن الأكوع وموقف سلمة بن الأكوع من الفتنة بين الصحابة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
بدأت المعركة واستشهد عامر بن الأكوع رضي الله تعالى عنه، وكان عمَّ سلمة بن الأكوع. سلمة عاش بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان ممن تبدّى في الفتنة التي وقعت بين الصحابة.
سلمة كان يقولون له: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يتبدَّ أحدكم بعد ما تحضر؟ أي: إذا جئت إلى الحضر فلا ترجع إلى البدو ثانيةً. فقال: أوما سمعتموه يقول: إلا في الفتنة؟ ولذلك لم يشارك سلمة في الفتنة وذهب [إلى البادية].
وكان يقولُ:
قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «مَن كانَ له بقرٌ فَليَلحقْ ببقرهِ، ومَن كانَ له إبلٌ فَليَلحقْ بإبلهِ»
رضيَ اللهُ تعالى عنهم أجمعين.
حصار حصون خيبر وقطع الماء عن اليهود وفتح النطاة بالقوة
في خيبرَ قَتَلَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ مَرحَبًا، وحاصَرُوا الحِصنَ. ودَلَّهُم أحدُهُم على أنَّ هذا الحِصنَ يستطيعُ اليهودُ أن يَجلِسُوا فيهِ شُهُورًا؛ معهم تَمرُهُم ومعهم ماؤُهُم ومعهم كذا إلى آخره، ولن يخرجوا.
اقطع عنهم الماء! فقطع عنهم الماء. قال: فتصحروا - يعني كأنهم يعيشون في الصحراء - فطلبوا المفاوضة.
فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم النطاة بالقوة، وفتح بقية الحصون بالمفاوضة، وقال لهم: لا بد من الجلاء، لا بد من الجلاء. وصمم على ذلك.
مفاوضة يهود خيبر على البقاء في الأرض مقابل نصف الإنتاج الزراعي
فقالوا له [للنبي ﷺ]: هذه أرض نحن أعلم بها في زراعتها، نصطلح عليها، أم تريدونها بورًا؟ قال: لا، نحن نريد زراعة ونريد أن تكون العمارة كلها متقنة.
قال [اليهود]: كيف ستزرعونها؟ فنحن هنا منذ عشرات بل مئات السنين ونفهم هذه الأرض، ولا أحد سيفهمها مثلنا، ونحن أهل الزراعة. فاترك لنا الأرض وسنعطيك نصفًا: خمسين في المائة من الإنتاج، خمسون في المائة نأخذها نحن وخمسون في المائة تأخذها أنت.
النبي عليه الصلاة والسلام فكّر: ليس لديه عبيد يعملون في الأرض هؤلاء، وليس لديه غلمان. قال: حسنًا، مصلحة إذن أن تأتينا هذه الأموال نتقوى بها، وحالة المدينة كانت منخفضة في ذلك الوقت. فقال: حسنًا، موافقون، نوافق. واتفق مع أهل خيبر على النصف.
شروط النبي على يهود خيبر بتسليم السلاح والكنوز وبراءة الذمة
وقال لهم [النبي ﷺ]: لكن هناك شرط بالمقابل، أن أوافق [على بقائكم]: تُعطوني كل السلاح حتى لا تتمردوا كل فترة، وثانيًا تعطوني الكنوز المخبأة.
قالوا له: حسنًا، ونحن موافقون. قال لهم: برئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن خُنتموني في شيء. قالوا: ونحن موافقون، حاضر، سنسلم لك كل السلاح، سنسلّم لك كل الكنوز من ذهب وحلي وأشياء مثل ذلك.
اكتشاف كنز بني قريظة المخبأ في خيبر وخيانة يهود خيبر للعهد
كان هناك كنز لبني قريظة تم تهريبه وذهب لخيبر، وكان عند ابن أبي الحقيق. يخفون هذا الكنز في خربة، يحفرون ويخفون الكنز ويعرفون علامتها وهكذا.
فكان هناك شخص يراهم كل فترة يذهبون ويتفقدون الخربة ثم ينصرفون. هل تنتبه؟ فعلموا أن هناك شيئًا ما، فذهبوا وحفروا فوجدوا الكنز. خيانةً!
قال لهم [النبي ﷺ]: هكذا برئت منكم ذمة الله وذمة رسوله؛ لأنني قلت لكم المفاوضات بهذا الشرط، فلم ترضوا، ثم رضيتم، ثم لم ترضوا، ثم خُنتم. لا يصح هذا الكلام!
وتحوَّلوا إلى المحكمة، وحُكِم على ابني أبي الحقيق بالإعدام، فماتا.
قصة صفية بنت حيي وطلب دحية الكلبي لها ثم اختيار النبي لها
النبي عليه الصلاة والسلام، واحدًا من هذين الولدين [ابني أبي الحقيق] كان متزوجًا من صفية، متزوجًا من أم المؤمنين بعد ذلك، أصبحت صفية [أم المؤمنين].
دحية الكلبي - لقد ذكرنا دحية الكلبي كثيرًا، وقلنا إنه كان يُشبَه بجبريل عندما يأتي، والنبي عليه الصلاة والسلام أرسله كأحد الرسل السفراء إلى المقوقس - جاء دحية الكلبي إلى سيدنا النبي وقال له: يا رسول الله، أريد شيئًا من هذا السبي. قال له [النبي ﷺ]: خذ شيئًا من هذا السبي.
فذهب فأخذ صفية. والعرب عندها أن هذه ابنة الأكابر، هذه ابنة رئيس الدولة، وعمها وزوجها حتى كان ابن عمها، يعني امرأة مهمة؛ لأنها صفية بنت حيي بن أخطب.
اعتراض الصحابة على إعطاء صفية لدحية وعرض النبي الإسلام عليها وزواجه منها
فقالوا له: يا رسول الله، الحق! أتعطي دحية مهما كان، أتعطيه صفية؟ صفيةُ هذه لا تصلحُ هكذا، إمَّا أن تجدوا لها حلًا، فهي ابنةُ الكبار، ابنةُ الملك.
فخاطب [النبي ﷺ] دحيةَ وقال له: يا دحية، دَعْ صفيةَ واختر لك امرأةً أخرى. قال له: حاضر، فهو لا تهمُّه صفيةُ ولا تهمُّه أيُّ شيء، أي إنه يريدُ امرأةً تخدمُه وما إلى ذلك.
قال لهم: أحضروا لي صفية. فعندما أتت صفية عرض عليها الإسلام وقال لها: أتُسلمين؟ فضحكت وقالت: أُسلِم! فأعتقها وتزوجها بعتق، وكان عتقها صداقها عليه الصلاة والسلام. عندما أعتقها أصبحت جارية لها ثمن، فأعتقها، وأين ثمنها؟ صداقها.
قصة إسلام صفية وهي صغيرة ورؤيتها للنبي في المنام قبل لقائه
وقالت [صفية]: يا رسول الله، لقد أسلمتُ وأنا صغيرة، عندي تسع سنين. قال لها: وكيف هذا؟
قالت له: ذهب عمي إلى مكة، فلما عاد وكان وأبي يحتفيان بي أول ما يريانها، يقولان أهلًا وسهلًا ويجلسان يهنئانها ويهدهدانها. وأنا جالسة في الغرفة، دخل [عمي] وهو حزين. فقال أبي لعمي: أرأيته هو؟ قال: هو هو، نعم، هو النبي الذي يأتي في آخر الزمان. قال له: هو النبي الذي يأتي في آخر الزمان. فمن حينها تعلّق قلبي [بالإسلام].
رؤيا صفية بسقوط القمر في حجرها وضرب زوجها لها بسبب ذلك
حسنًا، في [وجهها] شيء أخضر، في وجهها الشريف رضي الله تعالى عنها. فقال لها [النبي ﷺ]: يا صفية، ماذا بكِ؟ هل اصطدمتِ بشيء أو ماذا؟
قالت له: إن زوجي هذا قد ضربني وأصاب عيني كما ترى، فأصبحت مُخضرّة هكذا، أي في مرحلة بعد الازرقاق الأولى، تزهر ثم تخضر.
فقال: يعني لِمَ ضربكِ؟ قالت له: رأيتُ في المنام أن القمر قد سقط من السماء فوقع في حجري، فاستيقظت من النوم وأخبرته بذلك. فقال لي: أتريدين أن تتزوجي ملك يثرب؟ وضربني على وجهي، ضربني لأجل هذه القصة.
رضي الله تعالى عنها وأرضاها. يعني انظر، يقال لك إنه القسمة والنصيب! إنها مسلمة منذ كان عمرها تسع سنوات ولا تستطيع الوصول إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
سنرى ما الذي حدث مع خيبر ونحوها في حلقة قادمة إن شاء الله. فالسلام عليكم ورحمة الله.
