#حديث_الجمعة | صلح الحديبية وشروطه وموقف الصحابة منه
- •تضمنت معاهدة الحديبية أربعة بنود، ثلاثة منها في صالح المسلمين وواحد ظاهره ضدهم.
- •البند الأول: الاعتراف بفريقين متساويين، النبي ومن والاه والمشركون ومن والوهم، وأي اعتداء من طرف على آخر يعتبر اعتداء على الفريق بأكمله.
- •البند الثاني: وقف القتال لمدة عشر سنوات مما يتيح للنبي نشر الدعوة دون حروب.
- •البند الثالث: السماح للمسلمين بالعمرة في العام المقبل.
- •البند الرابع: إرجاع من يأتي من مكة مسلماً إلى المدينة، وعدم إرجاع من يرتد من المدينة.
- •استنبط العلماء من موقف علي رضي الله عنه عندما رفض محو كلمة "رسول الله" أن الأدب مقدم على الاتباع في مواطن التعظيم.
- •حققت المعاهدة ثلاث فوائد: الاعتراف بكيان المسلمين، السماح بالدعوة، تحييد قريش مما أتاح للنبي فتح خيبر وفك الطوق عن المدينة.
مقدمة الدرس والتبرك بذكر النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع أنوار النبي المجتبى والحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم نعيش هذه اللحظات، عسى أن تتنزل علينا السكينة والرحمة، فإن الرحمات من عند الله سبحانه وتعالى تتنزل عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وعلى من التفوا لذكره.
نأخذ من هذه الأنوار ما نهتدي به في الطريق إلى الله.
قدوم سهيل بن عمرو وبداية كتابة صحيفة الحديبية وبنودها الأربعة
تكلمنا عن صلح الحديبية وعن أن سهيل بن عمرو جاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رآه: الآن سهّل الله عليكم، ولأنه كان يعرف سهيلًا وأنه رجل عاقل حكيم، وأننا سنصل إلى اتفاق مرضٍ للطرفين.
وأنشأ عندئذ صحيفة الحديبية (عهد الحديبية/معاهدة الحديبية)، وإذا تأملنا فيها وجدناها على أربعة بنود.
الخلاف على البسملة واسم رسول الله في كتابة المعاهدة
وذكرنا أنه في بدايتها قال [النبي ﷺ]: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال [سهيل بن عمرو]: لا ندري ما الرحمن وما الرحيم، اكتب باسمك اللهم. وكان الكاتب علي بن أبي طالب، وكان كاتبًا قارئًا، فمحا "الرحمن الرحيم" وكتب "بسمك اللهم". الأمر بسيط، دعنا نريد هذا الموضوع.
ثم كتب [النبي ﷺ]: هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله رسول الله، فقال له [سهيل]: لو علمنا أنك رسول الله ما قتلناك وما فعلنا كذا وما منعناك. قال له: اكتب "هذا ما عاهد محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو".
رفض سيدنا علي محو كلمة رسول الله واستنباط تقديم الأدب على الاتباع
قال [علي بن أبي طالب]: والله لا أمحوها. اشطب! قال له: لا، لست أمحوها. ومن هنا استنبط العلماء أن الأدب مقدم على الاتباع.
من هذه اللفتة، سيدنا علي تأدب ولم يطع الأمر [بالمحو]. امحِ! قال له: لا، لن أمحوها. فقال له [النبي ﷺ]: اكتب، فقال [علي]: لن أكتب. هيا دعنا نقوم ونمضي، لندع المفاوضات. حتى أخذها النبي صلى الله عليه وسلم ومحاها بريقه السلام [عليه].
موقف أبي بكر في الصلاة وتأكيد مبدأ تقديم الأدب على الاتباع
الأدب على الاتباع مرة [أخرى]: عندما كان سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام في مرض الموت، فأذِنَ لأبي بكر أن يصلي بالناس، ثم وجد في نفسه قدرة، فتحامل على نفسه وخرج إلى الصلاة، فتأخر أبو بكر.
فقال [النبي ﷺ]: مكانك يا أبا بكر، مكانك، يعني الزم مكانك. أبدًا، تأخر [أبو بكر] أيضًا. فبعد الصلاة قال له: ما منعك أن تطيع أمري؟ قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم رسول الله. يبقى الأدب ماذا؟ مقدم على الاتباع.
أدب بعض الناس في ذكر اسم النبي وحكم تقديم الأدب على الاتباع
ومن هنا بعض الناس لا تعرف أن تنطق اسم النبي هكذا [مجردًا]، فلابد أن يقول سيدنا محمد، لا يعرف أن يقول "محمد" هكذا [بدون لقب]. فتجد أنه يقول: أشهد أن... أشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله. النبي لم يكن يقول هكذا [بإضافة سيدنا في الشهادة].
أيكون الأدب أم الاتباع؟ هل يجوز تقديم الأدب على الاتباع؟ لو كان سيدنا علي قد محا، حسنًا، اتبع، فليس في ذلك شيء. ولو كان سيدنا أبو بكر [بقي] مكانه وتقدم رسول الله، فليس في ذلك شيء، فهذا أمر.
ولكنهم فضلوا في مواطن تكون فيها الحب وفيها التعظيم وفيها الجمال والود. وهكذا يعني لا بد في تقديم الأدب على الاتباع أن يكون لغرض التعظيم ونحوه.
البند الأول من صحيفة الحديبية تقسيم الأحلاف بين النبي وقريش
كتبوا الكتابة من أربعة بنود، ثلاثة في صالحنا [المسلمين] وواحد في صالحهم [قريش].
الثلاثة التي لنا، ما هي؟ قريش ومن والاها جملة واحدة، والنبي ومن والاه من القبائل الذين لم يسلموا جملة واحدة. يكون هذا فريق وذاك فريق، بحيث أن أي فريق أو أي طرف، فأنا معي خمسون قبيلة وهو معه خمسون قبيلة، أي قبيلة من هنا أو من هناك ضربت بعضها، يكون كأننا نضرب بعضنا.
حسنًا، تكون هذه حلفًا، فيكون حلف النبي وحلف قريش.
البند الثاني وقف القتال عشر سنوات وهدف النبي من الدعوة لا القتال
البند الثاني أننا ولمدة عشر سنوات لا نتخاصم مع بعضنا ولا نحارب بعضنا ولا نقاتل بعضنا. بركة هذا [البند]: أنا أعمل في الدعوة أم القتال؟ يعني ما هدفي؟ المال أم القتل والسيطرة أم الدعوة؟ الدعوة.
اتركوني عشر سنين أدعو إلى الله سبحانه وتعالى. إذا كنت في ست سنوات قلبت لكم الدنيا بالدعوة وأنتم الذين تأتون في بدر وأحد والخندق، كل هذه أين [كانت]؟ في المدينة. هو [النبي ﷺ] لم يذهب إليهم، بل هم الذين جاؤوا إليه.
تفاصيل البند الثاني حفظ العهد وعاقبة نقضه
فالبند الثاني أننا لا نتخاصم مع بعضنا، لمدة عشر سنوات، ولا ننقض العهد. وإذا نقضنا العهد فالعبرة تكون على من نقض، أي يكون العيب على من نقض [العهد].
البند الثالث السماح للمسلمين بالعمرة في السنة القادمة
رقم ثلاثة: تعالوا السنة القادمة إن شاء الله، لأننا في الحقيقة افتضحنا أمام العرب لأننا صددناكم عن البيت. ولكي لا تكون الفضيحة كبيرة، نقول لهم: لا، إنهم سيأتون السنة القادمة.
ولكي يرى المتشددون الذين في مكة أنه يجب ألا تدخلوا، وبسبب عزتهم وكرامتهم وما إلى ذلك، نوفق بين [الطرفين] هكذا: أن تأتوا السنة القادمة وتطوفوا بالبيت وكل شيء.
ثمرات البنود الثلاثة رسمية التحالفات وحرية مناصرة النبي
إذا كانت هذه الثلاثة [البنود] في صالحنا نحن: الحلفاء فقد أصبحت رسمية. كانت القبيلة قديمًا تختبئ وهي تساند النبي كي لا تغضب قريش، أما الآن فقد أصبح مباحًا أن تساند النبي علنًا بموجب المعاهدة والاتفاقية.
هذه في صالحنا. لمدة عشر سنوات لن نتقاتل أبدًا، لا عشر سنوات ولا عشرين سنة. النقطة الثالثة: تأتون السنة القادمة لتعتمروا، هذا هو ما نريده، أن نأتي ونعتمر، إذن لا تمنعونا عن البيت الحرام.
البند الرابع إرجاع من أسلم من مكة وظاهره ضدنا وحقيقته معنا
النقطة الرابعة: لو أحد [أسلم]، وهذه التي كانت ماذا يعني في الظاهر [ضدنا]، في الحقيقة معنا أبدًا، ولكنها معنا أيضًا. في الظاهر أنها ضدنا وهي في الحقيقة معنا. كيف؟
أنت الآن لو أسلم شخص من مكة وذهب إلى المدينة، فإن أهل المدينة يكونون ملزمين بإرجاعه إلى مكة حتى لا يغضب أبوه وأمه وعمه وأعمامه. وبعد ذلك تحدث مصيبة أخرى وهي أنه إذا ارتد شخص من المدينة وعاد إلى المشركين، فإن مكة لا تعيده.
حرية العقيدة في الإسلام ورفض النفاق والإكراه في الدين
نصفها [المسألة] أن شخصًا ارتد من عندي، وأنا لا أريد أن أفعل به شيئًا. عندما ارتد، فهذا يندرج تحت:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ [البقرة: 256]
فليذهب مع السلامة. يوجد هنا حرية للعقيدة:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
فليذهب مع السلامة. نحن لن نكون مسلمين إلا إذا كنا مسلمين حقًا، أما النفاق من جهة وأسلوب المراوغة من جهة أخرى، نحن لا نريده.
ظاهر البند الرابع المؤذي وحقيقة التعامل مع من أسلم من مكة
والجزء الخاص به [البند الرابع] أصبح كالآتي: الذي يبدو أن ظاهرها مؤذٍ أنه عندما يُسلم أحد من مكة إلى المدينة، يتكفل أهل المدينة بإرجاعه إلينا [إلى مكة].
ونحن نقول له: اشدد حيلك، اصبر، هذه معاهدة. هذا شيء مثل ارتكاب أخف الضررين، افعل شيئًا للإسلام، الله يعينك.
توثيق صحيفة الحديبية بختم النبي وسهيل بن عمرو
أربعة بنود كانت في هذه الصحيفة، ولا تزال الصحيفة موجودة والمداد لا يزال كذا [ظاهرًا]. وبعدها سيختم النبي عليه الصلاة والسلام بختمه، وسهيل بن عمرو سيختم بختمه حتى تكون توثيقًا للمعاهدة.
قدوم أبي جندل ابن سهيل بن عمرو مسلماً أثناء المفاوضات
أبو جندل يأتي يجري هكذا. من هو أبو جندل هذا؟ إنه ابن سهيل [بن عمرو] الذي هو جالس معنا، هذا هو الطرف الآخر من المفاوضات.
ماذا فعل؟ أسلم أبو جندل، أسلم ودخل الإسلام. فماذا سنفعل؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: مرحبًا أبا جندل.
مطالبة سهيل بن عمرو برد ابنه أبي جندل ورفض النبي التنازل
قال له سهيل: يا محمد، اتفقت معك، والله لو لم ترد عليّ أبا جندل لا أقاضيك في أمر أبدًا، أي لن أجلس معك، سأغضب منك.
حسنًا، اغضب. قال له [النبي ﷺ]: هبه لي، أوهبه لي. فقال [سهيل]: والله لا أفعل. سهيل بن عمرو قال له: بل تفعل من أجلي، اهبه لي. قال له: والله لا أفعل.
النبي عليه الصلاة والسلام قال له: لم نوقع بعد [على المعاهدة]. فقال له [سهيل]: لن يكون جيدًا. حسنًا، أعيدوا أبا جندل، ردوا أبا جندل. فردوه إليه.
سهيل يجر ابنه أبا جندل وموقف عمر بن الخطاب في تشجيعه
أخذ سهيل بتلابيبه [تلابيب ابنه أبي جندل]، أي أمسكه هكذا من ثيابه، وجره جرًا إليه.
قال عمر: هم معهم السيوف في أغمادها، فذهب عمر وأخرج السيف قليلًا هكذا، أي [يلوّح به]، وفعل هكذا، وسار مع أبي جندل وقال: اصبر فإنك على الحق، ووالله أن دم أحدهم بالنسبة له كدم كلب، وهو يفعل به هكذا [يشير إلى السيف].
أراد من أبي جندل أن يسحب السيف ويضرب أباه، وظل يمشي معه.
رفض أبي جندل قتل أبيه وحكمة عدم إثارة الفتنة
لكن أبو جندل لم يفعلها. لماذا؟ لأن قضية أبي [أبيه] تعني: كيف أقتل أبي؟ هذه فكرة غير واردة وغير موجودة في الذهن أنه يفعل أي شيء من هذا القبيل.
سيدنا عمر هكذا يقول هكذا، فظن [أبو جندل] بأبيه ونفذ الأمر [بالعودة]. والحمد لله أنه فعل أبو جندل هكذا [أي لم يقتل أباه]، لأنها كانت ستصبح فتنة لو أن سهيل ذهب ليوقع المعاهدة فقتلوه، يعني حرب.
والنبي عليه الصلاة والسلام لا يريد ذلك أبدًا.
عودة عمر بن الخطاب واعتراضه على قبول الدنية في الدين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا [رسول] الله وآله وصحبه ومن والاه.
سيدنا عمر رجع من مسيرته مع أبي جندل، قال: فضن [أبو جندل] بأبيه ونفذ الأمر، نفذ خلاص. لكنه حزين، رجع وقال لرسول الله: لِمَ نقبل الدنية في ديننا يا رسول الله؟
ما هي الدنية التي يقصدها؟ أنهم صدونا عن المسجد الحرام، إن نحن عقدنا اتفاقية نرجع فيها المسلمين، كأننا يبدو أننا ضعفاء.
رد النبي على عمر بأنه رسول الله ولن يخزيه الله أبداً
فقال [النبي ﷺ]: ألا إني رسول الله ولينصرني الله، يعني اسكت أنت الآن، فأنت ترى الظاهر لكنك لا تعرف حقيقة الأمر. ألا أني رسول الله ولينصرني الله ولا يخزيني أبدًا.
أسئلة الاستحضار عند عمر والفرق بينها وبين الشك في الإيمان
سيدنا عمر يسمونها أسئلة الاستحضار، عندما يكون المرء جالس هكذا يفكر، تأتيه أسئلة لكنه ليس متشككًا، هو مؤمن بالله.
حسنًا، لنفترض أن شخصًا غير مؤمن قال لي أن الله غير موجود لأننا لا نراه، ماذا أقول له؟ هذه المسألة ليست بسبب أنني غير مؤمن بالله، بل هي أسئلة استنتاجية، أي أن هناك مشكلة أريد أن تُحل. هذه المسألة قم بحلها، قم ليحلها لك.
سؤال عمر عن الطواف بالبيت ورد النبي بأنه لم يحدد السنة
فقال له [عمر]: يا رسول الله، ألم تقل لنا أننا نطوف بالبيت؟ ألست أنت من قلت لنا أننا سنذهب للطواف بالبيت؟ كيف إذن؟
فقال له [النبي ﷺ]: أقلت لك في عامنا هذا؟ هل قلت لك أننا سنطوف بالبيت هذه السنة؟ قال [عمر]: لا، أنت قلت فقط نطوف بالبيت.
فقال له [النبي ﷺ]:
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]
فاطمأن عمر وهدأ لما عرف أن المسألة أعمق منه وأن هناك أمرًا يُدبَّر وهو لا يعرفه.
ذبح النبي هديه بعد الإحصار وامتناع الصحابة عن النحر رغبة في القتال
فالنبي عليه الصلاة والسلام قام بذبح الذبائح الخاصة بهديه لأنه أُحصِر في الأرض، والذي يُحصر وهو محرم متوجهًا إلى بيت الله الحرام فإن عليه هديًا:
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ﴾ [البقرة: 196]
فقام يذبح، وقام الناس يمسكون البهيمة أو الماشية ونحو ذلك، ويبتعدون عنه لا يريدون ذبحها؛ ما زالوا يريدون القتال.
فاستغرب النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ما هذا؟ هذه فتنة كبيرة، عندما آتي إليك عند هذا الموضع، تقوم أنت بإشاحة وجهك وتأخذها، كأنك غاضب. وغاضب من مَن؟ ستغضب من سيدنا [رسول الله ﷺ]!
ذهاب عمر إلى أبي بكر وتلقيه نفس الإجابة عن قبول الصلح
ولذلك عمر عندما ذهب إلى أبي بكر قال له: لماذا نقبل الذلة في ديننا؟ فأجابه [أبو بكر]: ألا أنه رسول الله ولا يخزيه الله ولينصرنه الله.
ولذلك نفس الإجابة هنا، نفس الإجابة هنا [من أبي بكر كما من النبي ﷺ].
مشورة أم سلمة للنبي بالحلق والنحر دون كلام أحد
فدخل النبي وهو حزين خباء أم سلمة، وهي التي معه من زوجاته في هذا الوقت، السيدة أم سلمة رضي الله عنها. فقالت: إن الناس غضبوا.
فقالت: يا رسول الله، لا تكلم أحدًا واخرج واحلق رأسك في صمت هكذا، واذبح شاتك ولا تكلم أحدًا.
فقه أم سلمة وطاعة النبي لمشورة زوجته ورد المقولة المغلوطة
فخرج [النبي ﷺ]. السيدة [أم سلمة] واعية وكانت معدودة من المجتهدين، هي والسيدة عائشة من أهل الفقه.
خرج، يعني الرجل ها هو يطيع زوجته بخلاف المكتوب في التراث من بعضهم أنه "شاوروهم وخالفوهم". يقول لك: أتريد أن تصل إلى الحقيقة؟ استشر زوجتك، وبعد ذلك إذا قالت لك يمينًا فاذهب شمالًا، وإذا قالت لك شمالًا فاذهب يمينًا.
هذا كلام فارغ لا نعرف من أين أتى، لكنه نابع من مجتمع حدثت فيه هذه الثقافة المغلوطة. ولكن هذا بالدين بالإسلام بسُنة المصطفى: سيدنا النبي استشار أم سلمة.
طاعة النبي لمشورة أم سلمة وحلقه ونحره وانقياد الصحابة بعده
فقالت له: يا رسول الله، اخرج فاحلق وانحر ذبيحتك ولا تتكلم. فأطاعها، لم يقل لها: ماذا تعنين؟ وما الفرق بين أن أتكلم أو لا أتكلم؟ كيف لا أتكلم أبدًا؟
بل خرج وأحضر الحلاق وقال: احلق، ثم قام ونحر. فبدأوا في النحر، وجلس بعضهم يحلق لبعض وهم حزانى، حتى أن بعضهم كاد أن يقتل بعضًا.
فعندما تمسك الموس وأنت متوتر وتحلق لزميلك أو لأخيك وأنت غاضب، يحدث جرح على الفور. تجرّح بعض الناس من الحزن والقهر؛ لأنهم كانوا على استعداد لأن يقاتلوا وأن يفعلوا كذا إلى آخره.
نتائج صحيفة الحديبية الاعتراف بدولة المدينة وبالدعوة إلى الله
لكن في النهاية الصورة هذه تبين لك أن الصحيفة كانت صحيفة ممتازة وأن النبي حقق بها غرضه. كيف؟
أولًا: اعترف بالمسلمين لأول مرة، فقد كانوا غير معترف بهم في السابق. اليوم اعترف بدولة المدينة من عند العرب جميعهم، فأصبحت كيانًا يجري مفاوضات، وما دامت تجري مفاوضات فقد أصبحت طرفًا من الأطراف، أصبحت دولة. إذن هذه هي دولة مكة، لكن هناك [أيضًا دولة المدينة].
الاعتراف بماذا رقم اثنين؟ حصلنا على اعتماد بالدعوة، فلم تعد الدعوة إلى الله جريمة. كانت في السابق جريمة، ولو جاء أحد معك فأنت متورط في جريمة، لكن هكذا اعترفت [قريش] بالدعوة، وهذه مسألة مهمة جدًا - الاعتراف الدولي.
نصيحة للمسلمين في الغرب بالالتزام بالمشروعية وعدم الغدر
ولذلك نقول لإخواننا الذين يعيشون في الغرب: دائمًا تبحث عن أمرين، عن المشروعية والمرجعية. إذا أردت أن تعيش في الغرب، فالتزم بالمشروع، واحذر من مخالفة قوانين هذه البلاد.
واحذر أن تغدر أو تخون. عندما تركب الحافلة، ادفع تذكرتها، واحذر أن تكون خائنًا وهم قد فتحوا لك بلادهم، وسمحوا لك بالتعلم، وأتاحوا لك العمل، وسمحوا لك بأمور أخرى كثيرة.
ثم بعد ذلك تخون! المؤمن لا يغدر، الغدر حرام. لا يوجد تأويل. إذن، الأصل أنهم ظلمونا، الأصل أنهم استعمرونا، الأصل أن المسلم ليس غدارًا حتى لو كان كل الناس غدارين، وما شأني بذلك. لكن المسلم يمثل الإسلام وهو غير غادر.
تحييد قريش وفك الكماشة عن المدينة وفتح خيبر
إذا اعترف [المشركون] بالدولة واعترف بجواز الدعوة، والأهم من ذلك أنه حيَّد قريشًا لمدة عشر سنوات، حيَّدها ففك الكماشة التي كانت ترتب أن يهجم أهل خيبر وأهل مكة على المدينة ويقضوا على المسألة.
فذهب [النبي ﷺ] إلى المنطقة السفلية وقام بتحريرها. سيتوجه مباشرة في سنة سبعة، ونحن نتحدث الآن في ذي القعدة سنة ستة، وسيفتح خيبر فيفك الطوق.
ولا يكتفي بتحرير المنطقة السفلية بل يضرب المنطقة العلوية؛ لأن أهلها يعملون دسائس منذ ساعة جلاء اليهود من المدينة.
خاتمة الدرس والحاجة إلى دراسة معاهدة الحديبية للاستفادة في الحاضر
فإذا أنا أمام معاهدة تحتاج إلى دراسة كبيرة من أجل أن نصل بها إلى استفادة في الحاضر الآن، وكيف نقوّم الأمور.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
