حقوق الجار | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •أكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية الجار في حياة المسلم، وقد روت عائشة رضي الله عنها أنه قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".
- •كان الناس قديماً يهتمون بجيرانهم ويقدمون لهم المساعدة والإغاثة، وكانوا يقولون: "الجار قبل الدار".
- •تغيرت العلاقات الاجتماعية مع تطاول البنيان وكثرة السكان، فضعفت قيمة الجار وتفككت الروابط بين الجيران.
- •ربط النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان للجار بالإيمان بالله واليوم الآخر، فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره".
- •قسّم النبي صلى الله عليه وسلم الجيران إلى ثلاثة أصناف: جار مشرك له حق واحد وهو حق الجوار، وجار مسلم له حقان: الإسلام والجوار، وجار ذو رحم مسلم له ثلاثة حقوق: الإسلام والجوار والرحم.
- •لا يجوز التخلي عن حق الجار مهما كان دينه أو حاله.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين، ومع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر العظيم، نلتمس منه الهداية في حياتنا اليومية.
وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالجار وأهميتها في زماننا
والنبي صلى الله عليه وسلم مما علّمنا إياه وأكّد وكرّر بطرق مختلفة أمورًا بدأنا نسمع الشكوى بشأنها، ومن ذلك وصيته صلى الله عليه وسلم بالجار.
كان الناس الذين رأيناهم منذ خمسين عامًا يحبون بعضهم بعضًا، والجار له حقوق قد تزيد على حقوق الآباء عند بعضهم. كان الناس يقولون لك: هذا يصحّ وهذا لا يصحّ. كانوا في الحقيقة أناسًا طيبين.
كان هناك الجار المؤذي والجار المشاكس، ولكن ليس في صورة ظاهرة؛ يصبح كل المجتمع ضده.
الجار قبل الدار ودوره الحيوي في حياة الإنسان قديمًا
وكانوا دائمًا حتى في أمثالهم يتحدثون أن الجار قبل الدار؛ لو كانت الدار واسعة وجميلة ومريحة فإنهم يبحثون عن الجار أولًا، لأن الجار هذا هو جزء لا يتجزأ من الحياة.
كان الجار هو الذي يُسعف، وهو الذي يُنقذ، وهو الذي يُغيث إن احتاج الإنسان إلى إسعاف أو مساعدة أو إغاثة. فكان الجار ولا بدّ أن يظلّ هكذا، هو جزء لا يتجزأ من الحياة.
تفكك العلاقات الاجتماعية بسبب التطاول في البنيان وتراجع قيمة الجوار
لمّا تطاولنا في البنيان وأصبحت العمارة فيها أحيانًا تكون مائتي شقة وأحيانًا تكون عشرين شقة، كانت العلاقات الاجتماعية قد بدأت في التفكك، ولم يعد للجار هذه الأهمية، أو لم يعد للجار هذا التقويم الذي كان عليه في الماضي.
حديث عائشة رضي الله عنها في وصية جبريل بالجار حتى ظن توريثه
النبي صلى الله عليه وسلم فيما ورد عن عائشة بنت أبي بكر أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ورضي الله عنها، قالت إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
قال رسول الله ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه»
أي سيُدخله في الميراث. أي أن جبريل كلما التقى برسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكد له حق الجار، ويؤكد له أهمية الجار، ويؤكد له أن الجار هذا له جزء من حياة الإنسان.
فلا بدّ أن نتفقّده وأن نقف معه، وما دام الله قد جعلنا في جوار واحد نشاركه في أفراحه وأحزانه وأزماته وخيره وشره. وفي كل شيء، والخير والشر هنا معناهما الفرح والمصيبة وليس معناهما المعصية.
تكرار جبريل لوصية الجار وظن النبي بإدخاله في الميراث
في كل شيء من الحياة ينبغي علينا أن نقف مع الجار. هكذا كرّر عليه جبريل حتى ظنّ النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون من الورثة.
والورثة لهم أسباب: نكاح، وولاء، ونسب. يعني إذا كان هناك بنوّة أو أبوّة، علاقة أن هذا عمي أو أن هذه أمي، قوم يرثون في نسب موجود، أو نكاح [أي زواج]، فهذه زوجتي.
إذن يبقى اثنان: الولاء، وكان في أيام الرقّ، أيام ما كان فيها عبودية، قام إنسان فأعتق عبدًا، والعبد هذا اغتنى ومات، قام هذا الإنسان فورث فيه لأنه وليّه. فكان هناك شيء يسمى الولاء، وعلاقة الولاء كعلاقة النسب.
ظن النبي بأن الجوار سيصبح سببًا رابعًا للميراث من كثرة التأكيد
هذا المفهوم للميراث نرى أن هناك سببًا من أجل أن نرث. فأين هذا السبب؟ [أي سبب الجوار في الميراث]. صلى الله عليه وسلم من كثرة تردد جبريل لحق الجار ومن كثرة تأكيده له، ظنّ أنه سيكون سببًا رابعًا للميراث.
فلو كان قدّر الله هذا لرأينا أن الإنسان يرث إما بالنسب، وإما بالزواج بعلاقة الزواج، وإما بالولاء، وإما بالجوار. وهذا لم يحدث في شرع الله.
إنزال النبي الجوار منزلة النسب والمصاهرة والولاء في الأهمية
ولكن لمّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [هذا الحديث] أنزل الجوار منزلة النسب، ومنزلة المصاهرة والعلاقة التي تقوم بين الأصهار، ومنزلة الولاء التي فيها نوع من أنواع الإحياء للإنسان عندما نمنحه حريته.
ولذلك نشأت هذه العلاقة القوية بين المحرِّر والعبد الذي تحرّر الآن وأصبح حرًّا، فكأنه وهبه حياة جديدة وكان سببًا في هذه الحياة الجديدة، كالأب فهو سبب لوجود الابن، أو الأم فهي سبب لوجود الابن.
شكاوى الجيران من تسرب المياه ورفض الإصلاح وتراجع قيمة الجيرة
ولذلك حديث عظيم جدًّا لو تأملناه لاختلفت علينا تصرفات كثيرة نقوم بها الآن. فلنستمع إلى الشكاوى:
جاري الذي يسكن فوقي والحمّام عنده يتسرّب عليّ، فأقول له: حسنًا، ولكن دعنا ندخل لنرى ما العلّة، فيرفض! هذا [الجار في الماضي] كان يبادر بالإصلاح، لكن الآن قيمة الجيرة أقلّ عنده في ذهنه من قيمة إصلاح الحمّام.
فكيف يضحّي بالألف أو الألفين من أجل جاره؟ جاره هذا عنده لا يستحق أيّ شيء، بالرغم من أن هذا الجار لم يؤذه ولم يعنِ أنهما تشاجرا في يوم من الأيام، لم يتخانق [معه] أبدًا.
أسباب غياب حب الجار وتأثير التعليم والتربية والإعلام
وبالرغم [من عدم وجود خلاف بينهما] إلا أننا نجد أنه لا يحبه. لماذا لا يحبه؟ ترتيب الأولويات: التعليم، التربية، الإعلام لم يؤكد له كما أكّد جبريل على سيدنا رسول الله، وأكّد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأمة:
قال رسول الله ﷺ: «لا يزال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه»
فنجد شيئًا من العجائب؛ جارًا من العجائب يضع -أعزّكم الله- القمامة أمام جاره! لماذا يفعل هذا؟ لأن قيمة حق الجار لم تدخل بعدُ عقله ولم تدخل بعدُ قلبه.
التفريق بين السلبيات تجاه الجار والأفعال الإيجابية الضارة الموجهة ضده
هذه أشياء نستطيع أن نقول إنها سلبيات، لكن هناك أيضًا أفعال إيجابية، أي أفعال حيّة، أي وليست إيجابية بمعنى أنها جيدة، لا هي ليست جيدة، [بل هي] أفعال شرّ موجَبة تُفعل ضد الجار.
ولذلك نرى في حياتنا اليومية وهو يؤذي [جاره]، وليس فقط أنه يعني يمنع عنه الأذى ويفعل له الخير ويعينه ويساعده، لا! القضية تحوّلت إلى أيضًا إيذاء وضرر وإيقاع بالغير.
حديث إكرام الضيف والإحسان إلى الجار وربطهما بالإيمان بالله واليوم الآخر
أخرج من طريق أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُحسن إلى جاره، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»
انظر إلى هذه النصائح الثلاث: من إكرام الضيف، ومن الإحسان إلى الجار، ومن عدم التكلم إلا بالخير، وربطها في الوقت نفسه بالإيمان بالله واليوم الآخر.
فهم حقيقة الجوار لا يتأتى إلا مع الإيمان بالله والاستعداد للآخرة
فعلًا فهم حقيقة الجوار وحقّه لا يتأتّى إلا مع الإيمان بالله ومع الاستعداد لفهم مدى التوفيق في الدنيا إذا ما فعلنا ذلك، ومدى الأجر والثواب في الآخرة أيضًا. وفي الوقت نفسه إذا ما فعلنا ذلك، فربنا سبحانه وتعالى لا يضيع أجر المحسنين.
ولذلك فما نشاهده من سلبيات، سواء أكانت إيذاءً محضًا للجار أم عدم مساعدة وعدم المعاونة، أمرٌ مذموم يُنسي حقًّا من الحقوق المهمة.
تقسيم النبي الجيران إلى ثلاثة أصناف بحسب حقوقهم
والنبي صلى الله عليه وسلم يؤكد هذا المعنى فيقول: الجيران ثلاثة، وهذا في أوقات تتعقّد فيها الأمور:
-
جار له حق واحد: وهو الجار المشرك، أي أن هذا الشخص مشرك بالله ملحد كافر، فهو له حق وهو حق الجوار. هذا جاري.
-
جار له حقّان: وهو المسلم، له حق الجوار وحق الإسلام.
-
جار له ثلاثة حقوق: وهو ذو الرحم المسلم، فهذا يكون عنده حق الجار وحق الإسلام وحق الرحم. واحد من أقاربي ومن أرحامي جالس بجانبي جار، يكون لديه عليّ ثلاثة حقوق.
حق الجيرة ثابت للجميع مسلمًا أو كافرًا أو فاسقًا وخاتمة الحلقة
انظر إلى المشرك، يعني عابد الوثن له حق! فما بالك بما نحن فيه الآن؟ إذن لا يمكن الخروج عن حق الجيرة سواء كان هذا الشخص فاسقًا أو كافرًا أو مسلمًا أو ملتزمًا أو غير ذلك، فإن الجميع يتساوون في حق الجوار.
وهو معنى مهم نلتقي عليه مرة أخرى إن شاء الله؛ لأن جبريل كان يكرّر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك.
فإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
