حقيقة التصوف وموضة التصوف | أ.د علي جمعة - تصوف

حقيقة التصوف وموضة التصوف | أ.د علي جمعة

32 دقيقة
  • المريض الذي لا يستطيع الصيام ولا إخراج الكفارة تسقط عنه التكاليف، ولا شيء عليه، فالله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
  • يُستحب صيام شعبان استعداداً لرمضان، وكان النبي يكثر من صيامه.
  • يجوز صيام الاثنين والخميس بعد منتصف شعبان لمن كانت له عادة الصيام.
  • التصوف الحقيقي ليس موضة أو مظهراً خارجياً، بل هو سلوك وتزكية للنفس وتطهير للقلب.
  • الطريق إلى الله يقوم على ركنين: الذكر والفكر، وهو مقيد بالكتاب والسنة.
  • للقلب بابان: باب الحق للعبادة، وباب الخلق للعمارة، والكمال في فتحهما معاً.
  • الإشراقات الروحية من نعم الله، لكن ينبغي ألا يغتر بها الإنسان ولا يعتمد عليها في ظنه أنه أفضل من غيره.
  • التصوف يهدف إلى تخلية القلب من المهلكات كالكبر والحقد، وتحليته بالمنجيات كالتواضع والرحمة.
محتويات الفيديو(37 أقسام)

افتتاح الدرس والتهنئة بشهر شعبان تهيئة لرمضان

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أحييكم جميعًا بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كل عام وأنتم بخير، بدأنا في شهر شعبان تهيئةً لرمضان.

حكم من عجز عن الصيام والكفارة لمرض مزمن وعدم قدرة مادية

كثير من الناس يسأل، يقول أحدهم: أنا مريض ومنعني الأطباء من الصيام، ثم إنني غير قادر على إخراج الكفارة، فماذا أفعل؟

الذي لا يستطيع أن يقدم الكفارة لعدم القدرة المادية على ذلك، فإنه لا شيء عليه. الله سبحانه وتعالى غفور رحيم،

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

ولذلك كلّفك بالصيام فعجزت عنه، فكلّفك بالكفارة فعجزت عنها، كلّفك بالقضاء والمرض مزمن ومستمر فعجزت عنه. هنا تسقط هذه المسألة من ذمتك، ويعطيك الله سبحانه وتعالى في مرضك خير ما كان يعطيك في صحتك.

نصيحة لأصحاب الصحة والشباب باغتنام الصيام قبل العجز

ومن هنا نقول للناس أصحاب الصحة والشباب والقوة: انتهزوا هذه الحالة وصوموا رمضان، حتى إذا قدّر الله عليكم - لا قدّر الله - هذه الحالة من الضعف من المرض من العجز، فإنه يعطيكم ثواب ما كنتم تفعلونه في شبابكم وقدرتكم وقوتكم.

وفّق الله الجميع لما يحب ويرضاه.

المقصود من صيام شعبان وهل يُشترط يوم معين فيه

أيضًا يقول أحدهم: ما المقصود من صيام شعبان؟ هل المقصود هو صوم يوم الاثنين والخميس، أم أنه يعني صوم أي يوم في شعبان؟

في حديث عائشة [رضي الله عنها]:

«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما يصوم بعد رمضان يصوم في شعبان»

وفي رواية أنه لم يُتمّ شهرًا سوى شعبان بعد رمضان. إذن ففي أي وقت تستطيع أن تصومه، ولتُكثر من الصيام في تهيئة لرمضان وطلبًا للمثوبة في هذا الشهر العظيم.

حكم الصيام بعد النصف من شعبان وضوابط العادة في الصوم

ولكن عادتك هذه للصيام ولتتالي الصيام ينبغي أن تكون قبل النصف من شعبان، والعادة تثبت بمرة. فمثلًا صمت في الأسبوع الثاني الاثنين والخميس، ثبتت لك العادة.

ولذلك بعد الخامس عشر من شعبان يمكن أن تصوم في الأسبوعين الباقيين الاثنين والخميس والاثنين والخميس، أو قبل ذلك أنني تعوّدت على صيام الاثنين والخميس طوال العام. ولذلك فليس من المحرّم ولا المكروه أن تصوم الاثنين والخميس في الأسبوع الثالث والرابع، أي بعد الخامس عشر من شعبان.

رأي الشافعية في تحريم الصيام بعد نصف شعبان لمن لا عادة له

لأن خمسة عشر من شعبان إذا جاء ولم يكن له [أي للمسلم] عادة بالصيام، فإن الشافعية يرون من فهم النصوص أنه يحرم على الإنسان أن يصوم إلى أن يدخل رمضان.

إلا إذا كان عليك قضاء من رمضان الذي فات، أو عليك نذر وله سبب، فيجوز لك أن توقعه في هذه المدة.

سؤال عن التصوف وأثره في تربية النفس وظاهرة موضة التصوف بين الشباب

سؤال أيضًا يقول: نحن نسأل عن التصوف وعن أثر التصوف في تربية النفس الإنسانية، وعمّا شاع بين الشباب الآن فيما يُوصَف بموضة التصوف.

كثير جدًا من الشباب ومن البنات يدخلون في طريق التصوف، ولكن بطريقة شكلية لا أثر لها في أركان التصوف وأركان الطريق إلى الله سبحانه وتعالى.

طريقة شكلية تتعلق بارتداء الملابس البيضاء مثل الحجاب الأبيض والثوب الأبيض للفتيات، والتعلق بإمساك السبحة، وأن يرتدي الأولاد الثياب التي عليها أسماء الله الحسنى، أو يمسكون بالسبح كأنها موضة شكلية أو ظاهرة شكلية.

التصوف الحقيقي كما بيّنه حديث جبريل في تعليم أمر الدين

هذا ليس هو التصوف الذي أراده الله ورسوله، كما تبيّن ذلك في حديث جبريل وهو جاء يعلّمنا أمر ديننا. وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: كنا - أو بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي في المسجد -

«دخل علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه أحد منا وليس عليه أثر السفر»

فجلس إلى النبي فوضع ركبتيه إلى ركبتي النبي، ووضع يدي السائل الداخل هذا الغريب على فخذيه. يعني سيدنا جبريل دخل فجلس هذه الجلسة أمام النبي، جلسة المتأدب المتعلم.

أسئلة جبريل للنبي عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة

وقال [جبريل]: «يا محمد، ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا. قال: صدقت»

فعجبنا، يعني نظر بعضهم إلى بعض: كيف يسأله ويصدّقه؟

ثم سأله فقال: «فما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. قال: صدقت»

«قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، وإن لم تكن تراه فهو يراك»

«قال: فمتى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فما علاماتها؟» إلى آخر الحديث.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انصراف هذا السائل الغريب: «أتدرون من هذا؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: هذا جبريل جاءكم يعلّمكم أمر دينكم»

تقسيم العلوم الإسلامية بناءً على حديث جبريل ونشأة علم التصوف

وبنى العلماء والفقهاء على هذا الحديث تقسيم العلوم وتصنيفها، فجعلوا هناك:

  1. علومًا تهتم بالإسلام وحفظه.
  2. علومًا تهتم بالعقيدة والإيمان.
  3. علومًا تهتم بالأخلاق والسلوك والإحسان.

وسُمِّيت هذه [العلوم الثالثة] بالصوفية فيما يهتم بالسلوك والإحسان.

معنى السلوك إلى الله وأركان الطريق من الذكر والفكر

السلوك معناه أننا سنسير في طريق نسمّيه بطريق الله، والطريق إلى الله سبحانه وتعالى له ملامح، له معالم، له أركان، له خطوات.

أول هذه الأركان: الفكر والذكر. طريقنا هذا مقيّد ومحدّد وفي ظل الكتاب والسنة. هكذا يقول الجنيد [رحمه الله]: طريقنا هذا مقيّد بالكتاب والسنة. فكل شيء نقوله في هذا الطريق لا بد أن يكون له أثر من الكتاب أو ذكر في الكتاب أو في سنة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

ركن الذكر في الطريق إلى الله والأمر القرآني بالذكر والتفكر

الذكر والفكر:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

يعني في كل حال. هذا الطريق يتحدث عن الذكر، والذكر قد أُمرنا به في مواضع شتى من القرآن الكريم:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

الذكر الذي علّمنا إياه رسول الله والباقيات الصالحات العشرة الطيبة

هذا الذكر علّمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونبدأ بكلام ربنا سبحانه وتعالى وهو يقول:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

فسمّى القرآن ذكرًا. وقال تعالى:

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

وهنا نرى رسول الله وهو يعلّمنا العشرة الطيبة: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله. وهذه يسمّيها أهل الله بالباقيات الصالحات؛ أي أنها تبقى بعد وفاتنا لنا مدّخرة في رصيدنا وفي ثوابنا عند الله سبحانه وتعالى.

تتمة الباقيات الصالحات والصلاة على النبي وأهمية الذكر اليومي

وكذلك: استغفر الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلت على الله. وكذلك الصلاة على سيدنا رسول الله:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

هذه العشرة الطيبة نلهج بذكرها بالليل والنهار. هذه العشرة الطيبة هي أساس الذكر الذي نذكره، وقد علّمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أسماء الله الحسنى.

أسماء الله الحسنى في القرآن والسنة وعددها وحكمة الإكثار منها

أسماء الله في السنة أكثر من مائة وستين اسمًا، وفي القرآن أكثر من مائة وخمسين اسمًا، ومجموع الاثنين مائتان وعشرون اسمًا أو أكثر.

كانت العرب إذا أحبّت شيئًا أو خافته أكثرت من أسمائه، فأكثر الله سبحانه وتعالى من الدلالة عليه حتى يبيّن لنا بوضوح الصفات العالية له سبحانه وتعالى.

منظومة الذكر أساس بناء الأخلاق والتصوف سلوك وفكر وتدبر

من هنا كانت هناك منظومة الذكر التي نبني عليها أخلاقنا. من هنا كان التصوف سلوكًا، ولم يكن سلوكًا مجرّدًا، بل أيضًا دخل فيه الفكر والتدبر والتمعّن واستنباط الأمور من الأمور المجهولة، وترتيب أمور معلومة للتوصل بها إلى مجهول.

هذا هو حقيقة الفكر. الفكر إما أن يكون في كتاب الله المسطور [وهو القرآن]، وإما أن يكون في كتاب الله المنظور وهي الأكوان، وإما أن يكون في كتاب الله المقدور وهو الإنسان.

التفكر في النفس طريق لمعرفة الله من عرف نفسه عرف ربه

تفكّر في العالم السفلي، في العالم العلوي، تفكّر في كتاب الوحي، تفكّر في نفسك؛ فإنه من عرف نفسه فقد عرف ربه.

  • من عرف نفسه أنه حادث عرف ربه أنه قديم.
  • من عرف نفسه بأنه فانٍ عرف ربه بأنه باقٍ.
  • من عرف نفسه بأنه ضعيف عرف ربه بأنه قوي.
  • من عرف نفسه أنه لا يقوم إلا بالله عرف ربه بأنه قيّوم السماوات والأرض.
  • من عرف نفسه أنه من تراب وإلى التراب يعود عرف ربه أنه ليس كمثله شيء.

وهكذا كلما عرفت نفسك وكلما توغّلت في إدراك نفسك، فإنك يتبيّن لك عظمة الخالق سبحانه وتعالى.

التفكر هو الجزء الثاني من ركن الذكر والفكر في الطريق إلى الله

التفكر هو الجزء الثاني من هذا الركن؛ الذكر والفكر. في الطريق إلى الله لا علاقة له بالأشكال، ولا علاقة له بإظهار السبحة أو بلبس البياض، وإنما هو بتخلية القلب من كل قبيح وتحلية القلب بكل صحيح.

وهي التي يسمّيها الإمام الغزالي في [كتابه] إحياء علوم الدين: المهلكات يجب علينا أن نتخلّى عنها وأن ننظّف القلب منها، وفي مقابلها المنجيات وهي التي ينبغي أن نتخلّق بها.

المهلكات والمنجيات في تزكية القلب وأهمية التدريب والتربية

المهلكات كالكبر والحقد والكراهية والرياء، وهي أمراض من أمراض القلوب. ولكن التواضع والحب والرحمة والرفق وحب الخير للناس والتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، كل هذه من المنجيات.

عدّ العلماء أكثر من عشرين صفة من المهلكات ونحوها أيضًا من المنجيات. يجب علينا أن نُخلي القلب من كل قبيح، وهذا بالتدريب وبالتربية وبالاستمرار في هذه العملية. ويجب علينا أيضًا أن نحلّيه بكل صحيح ونحن في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى.

معنى لا حول ولا قوة إلا بالله والاستعانة بالله في الطريق إليه

الله مقصود الكل، ولذلك ندرك تمامًا معنى لا حول ولا قوة إلا بالله؛ أي أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يمدّنا بالحياة، وأنه لا حول لنا ولا قوة إلا بالله.

فنحن ندعو الله سبحانه وتعالى ونقول له:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

ولذلك لمّا ألّف الهروي كتابه اسمه [منازل السائرين] بين إياك نعبد وإياك نستعين، كأن هناك طريقًا بين إياك نعبد وإياك نستعين: نعبده ونعبده وحده، ونستعين به ولا نستعين إلا به سبحانه وتعالى.

تخلية القلب من القبيح وتحليته بالصحيح والاستعانة بالله في ذلك

هذا هو معنى جليل من المعاني التي ينبغي علينا أن ندركها في قضية أننا نُخلي قلوبنا من كل قبيح، وأن نحلّيها بكل صحيح، وأن نستعين بالله سبحانه وتعالى، وأن ندرك معنى لا حول ولا قوة إلا بالله.

القلب له بابان باب الحق للعبادة وباب الخلق للعمارة

في الطريق إلى الله ينبغي علينا أن ندرك أمرًا مهمًا، وهو أن القلب له بابان: باب على الخلق وباب على الحق سبحانه وتعالى.

باب الحق هو تعلّق القلب الضارع الذي يأمل في الله ويرجوه. باب الحق يتعلّق فيه القلب بربه ويضرع إليه سبحانه وتعالى. إذن فباب الحق هو الذي من جهته العبادة.

ولكن هناك باب الخلق؛ لأن الله قدّر علينا ألا نكون في الملأ الأعلى مع الملائكة، بل قال:

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

اهبط آدم ومن معه إلى الأرض.

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

أي أنه طلب منكم عمارتها. فباب الحق للعبادة وباب الخلق إنما هو للعمارة.

أربعة أنواع من البشر بحسب فتح بابي القلب أو إغلاقهما

وعندنا بذلك أربعة أنواع من البشر:

النوع الأول: شخص أُغلق عليه البابان، إذن فهذا مجنون لا عقل له ولا تكليف؛ لأنه لا يدرك الدنيا بما فيها ولا يدرك الله بما فيه.

«رُفع القلم عن ثلاثة، منهم المجنون حتى يفيق»

الحالة الثانية: أن باب الخلق مفتوح، إذن فهو شخص يُجيد عمارة الدنيا، يلتفت إلى تفاصيلها، يعرف جزئيات ما هنالك، إلا أن باب الحق سبحانه مغلق. وهذا نسمّيه بالغافل؛ لأنه اهتم بالعمارة وهذا أمر جيد، لكنه جيد من قبيل أن باب الخلق مفتوح؛ لأن الله أمرنا بفتح البابين، فهذا فتح بابًا واحدًا.

الحالة المثلى فتح بابي الحق والخلق معًا بنية خالصة لله

الأكمل منه أن يكون باب الحق مفتوحًا وباب الخلق مفتوحًا. فباب الحق لا يُنسى به الله، وباب الخلق ينظر إلى الخلق بعين تؤمن بالله، بنية خالصة:

﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ [البينة: 5]

بهدف واضح أنه يعمر هذه الأرض لا من أجل أن يحصل على مصلحته فقط، بل يحصل على مصلحته ومصلحة أبنائه إلى يوم الدين. يريد أن يترك الأرض في عمارة يرضى عنها الله سبحانه وتعالى.

لا يريد أن يعثوا في الأرض فسادًا، ولا أن يقتل الناس، ولا أن يسيل الدماء، أو ينتهك الأعراض، أو يتسلّط على الأموال ظلمًا وعدوانًا.

﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

قاعدة عامة ومبدأ قرآني مهم.

الحالة الرابعة المجذوب الذي فتح باب الحق وأغلق باب الخلق

الحالة الرابعة: أن يُغلق باب الخلق ويُفتح باب الحق، وحينئذ يكون وكأنه مجذوبًا إلى الملأ الأعلى وإلى ما وراء المنظور، مطمئن في قلبه، قلبه ضارع لله، لكنه في النهاية مقصّر.

وهذا نسمّيه بالمجذوب، وهو حال نقص ليس بحال كمال؛ لأنه لم يفتح باب الخلق، لم يلتفت إلى الدنيا التي هي مزرعة الآخرة، لم يعمر هذه الدنيا كما أراد الله وأمر سبحانه وتعالى.

تفسير حديث إنه ليُغان على قلبي في ضوء بابي القلب

القلب ببابيه يفسّر لنا كثيرًا من النصوص، حيث يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إنه ليُغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مئة مرة»

وفسّرها العلماء بأنه غَين، والغَين معناها السحابة أو الغيم. غَين أنوار وليس بغَين أغيار. الأنوار من عند الله، والأغيار هي التي تُلهي الإنسان في تفكّره من جزئيات العالم ورسوم الأكوان.

فالنبي يُغلق عليه باب الخلق ويستأنس بالله غاية الأنس، فيستغفر الله؛ لأن فتح باب الحق وحده يجعله غير قادر على الاتصال بالناس، وهو مكلّف بأن يتصل بالناس.

استغفار النبي ليس من ذنب بل من كمال خوفه من إغلاق باب الخلق

فيقول [النبي صلى الله عليه وسلم]: استغفر الله، استغفر الله من هذه الحالة العليا التي يريد صلى الله عليه وسلم أكمل منها، من كماله وعُلُوِّه وبهائه ومصطفاه؛ لأنه مصطفى مختار.

ولذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله مائة مرة، لا من ذنب ولا من تقصير، بل من خوفه من الله أن يكون أغلق باب حق الخلق وباب حقه [سبحانه] مفتوح دائمًا.

إغلاق باب الخلق هذا سوف يؤدي إلى شيء من الالتفات عن المهمة الأساسية في التبليغ عن الحق سبحانه وتعالى.

اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد.

الإشراقات في الطريق إلى الله نعمة لا ينبغي التكبر بها

في هذا الطريق إلى الله سبحانه وتعالى نرى ما يسمّى بالإشراقات، وهذه الإشراقات من نعم الله؛ فهي نعمة كنعمة الغنى، كنعمة الصحة، كنعمة العلم، كنعمة الجاه، كنعمة السلطان.

ينبغي ألا تتجاوز كونها نعمة، وألا نعتمد عليها في أن الله سبحانه وتعالى قد رضي عنا وقد أعلى من درجتنا وقد فعل كذا وكذا، فنتكبّر بها على الناس ونقول: نحن نفعل والناس لا تفعل، نحن حدث لنا والناس لم يحدث لهم.

حينئذٍ ستتحول تلك الإشراقات - كما هي النعم - إلى فتن: فتنة المال، وفتنة الولد، وفتنة العلم، وفتنة الصحة، وفتنة سائر الفتن التي يُفتن بها الإنسان حيث لا يؤدي لله سبحانه وتعالى واجبات هذه النعمة من الشكر ومن الخبوت والتواضع لله.

ومن تواضع لله رفعه [الله].

أشكال الإشراقات من الرؤى والخواطر والواردات وعدم الاعتماد عليها

هذه الإشراقات تتمثل في الرؤى التي قد يراها الإنسان في المنام، لا تعتمد عليها. تتمثل في الخواطر التي تخطر على بال الإنسان، أو الواردات التي ترد بعد الذكر وفيها أشياء طيبة.

  • جزء منها يكون تعليمًا للأدب مع الله سبحانه وتعالى في السلوك إليه.
  • وجزء منها يُعتبر كشفًا لحقائق الأكوان.
  • وجزء منها يُعتبر فتحًا لفهم جديد لآية كريمة أو لحديث شريف.

لا نقف عند هذا ولا نعدّ هذا يعني دلالة على أن لنا درجة عند الله فنركن إلى هذا.

الطريق إلى الله يقول الملتفت لا يصل فلا نلتفت إلى الإشراقات

الطريق يقول لنا أن هذه من النعم التي ينبغي ألا نلتفت إليها؛ لأن الملتفت لا يصل.

من الإشراقات والأنوار التي تحدث للإنسان عند تلاوة القرآن أو عند الذكر أو عند الدعاء أيضًا، وهذه الأنوار لها أشكال مختلفة: منها النور الأصفر، منها النور الأبيض، منها النور الأسود، منها النور الأحمر.

وهل هناك نور أسود؟ نعم، هناك نور أسود. ولكن كل هذا لا نلتفت إليه، لا نقف عنده، لا نأخذ منه دلالة على أننا الأتقياء وأن غيرنا من البشر هم السفهاء.

التحذير من الاغترار بالإشراقات وتحويلها إلى فخر وتعالٍ على الخلق

هذا حرام وهذا خطأ وهذا يعطّل وهذا ينقص الإنسان، لا يرقّيه. كثير جدًا من الناس تاهوا في هذه الإشراقات وأحدثت لهم نوعًا من أنواع الفخر والمجد والتعالي - والعياذ بالله تعالى - على الخلق.

ولذلك نحن نحذّر بالرغبة من أننا نقول أن هذه الإشراقات نعم من نعم الله على العبد، يقتضي المتلبّس بها:

  1. الشكر لله.
  2. مزيد التواضع لله.
  3. مزيد الخوف من الله.

حتى يكون قد نجح في تلك الهبة لتلك النعمة.

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]

الكشف من الإشراقات وموقف أولياء الله الصالحين من طلب الستر

من هذه الإشراقات الكشف؛ ينكشف لك حال ما أمامك، ينكشف لك شيء من الغيب أو مما هو غائب عنا الآن. يعني ما الذي يحدث في أمريكا أو ما الذي يحدث في إفريقيا أو كذا وكذا إلى آخره.

كثير من أولياء الله الصالحين كانوا يدعون الله سبحانه وتعالى بالستر: ما شأني أنا وما مهمتي وما الذي استفدته إن عرفت مجموعة من الأخبار؟ لا شيء. الحقيقة أنها تشغل ولا تدفع الإنسان [في طريقه إلى الله].

الإشارات والكرامات من الإشراقات وموقف أهل الله من الكرامة

من ضمن هذه الإشراقات أيضًا الإشارات: أن أفكّر في شيء فأسمع آية قرآنية وأنا أسير بسيارتي تُجيب على هذا التوجّه، أو كذا إلى آخره، أو تسمع أحدهم وهو يكلّم أخاه حول ذات نفس الموضوع الذي أفكّر فيه وأطلب منه، فيسمّونها الإشارات.

هناك أيضًا من الإشراقات هذه الكرامات، وهي خارقة من خوارق العادات. هذه الخارقة التي هي من خوارق العادات لا تجعلني أغترّ، بل هي كما قال أهل الله:

«كنا نستحي من الكرامة تجري على أيدينا استحياء البكر من دم حيضها»

البكر عندما تُفاجأ بالحيض قد يحدث لها نوع من أنواع الخجل أو الاضطراب أو عدم المعرفة، هكذا.

هدف الكرامة التثبيت وكلما تقدم الإنسان في الطريق قلّت الكرامات

ولكن كلما تقدّم الإنسان في الطريق إلى الله كلما قلّت الكرامة؛ لأن هدف الكرامة التثبيت. هدف الكرامة أن تثبّت فؤادك وعبادتك، وتكون لك تجربة روحية تعتمد عليها عندما يشكّك بعض الناس في طريق الله.

وهناك أشياء أخرى في الطريق إلى الله حتى قالوا: ملتفت لا يصل. لا تلتفت إلى الإشراقات وهي نعم. نكرّر ونعيد ونزيد أنها نعم، ولذلك تستوجب الشكر، لا تستوجب الانشغال بها، ولا تستوجب أن نحوّلها إلى ضد مراد الله فيها.

مراتب اليقين الثلاث علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين

ومراد الله أن يثبّتك وأن يجعلك تتقدّم في الطريق وأن يجعلك متيقّنًا؛ لأن هناك ما يسمّى بعلم اليقين، وهناك ما يسمّى بعين اليقين، وهناك ما يسمّى بحق اليقين.

فإذا عرفت أن هناك بحرًا فهذا علم اليقين، وإذا وقفت أمامه ورأيته بعيني رأسك فهذا عين اليقين. علم اليقين بعيد، وعين اليقين مرئي.

أمّا إذا نزلت لتسبح فيه وتقود فيه سفينة حتى تصل إلى الشاطئ المقابل، فهذا حق اليقين؛ لأنك عرفته وخبرته وفهمته وعرفت قواعده وعرفت كيف تتصرّف معه.

حقيقة التصوف لا علاقة له بالأشكال والله ينظر إلى القلوب والتقوى

هذا هو التصوف الحق. التصوف لا علاقة له إطلاقًا بالموضة، ولا علاقة له إطلاقًا بالأشكال، ولا علاقة له إطلاقًا بالصور.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا صوركم، ولكن ينظر إلى التقوى منكم وإلى قلوبكم»

وقلوبكم محلّها هو التقوى.

دعاء ختامي بالمعرفة بالله وتخلية القلب وتحليته بالصحيح

فاللهم اجعلنا من العارفين بجلالك وجمالك وكمالك، خذ بأيدينا إلى الطريق إليك، خلِّ قلوبنا من كل قبيح، وحلِّها يا ربنا بكل صحيح.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.