حقيقة وجود الإله #16 | درجات المعرفة | أ.د. علي جمعة - التفكير المستقيم, درجات المعرفة

حقيقة وجود الإله #16 | درجات المعرفة | أ.د. علي جمعة

30 دقيقة
  • الإيمان بالله هو الهدف الأسمى لجميع الرسالات السماوية التي جاء بها الأنبياء.
  • العقل البشري يثير أسئلة كلية كبرى حول الوجود: من أين جئنا؟ ماذا نفعل هنا؟ ماذا سيكون مصيرنا؟
  • تأمل الإنسان في العالم العلوي والسفلي والقوانين التي تحكمهما يقوده للإيمان بوجود خالق قادر حكيم.
  • الإحصاءات تشير إلى أن غالبية البشر (حوالي 96%) يؤمنون بوجود خالق، بينما لا يتعدى المنكرون 3-4%.
  • اختلف علماء الكلام في مسألة الفطرة: الأشاعرة يرون أن الإنسان لا يجد في فطرته ما يدفعه للإيمان أو الكفر، فلا يؤاخذ إلا بعد إرسال الرسل.
  • الماتريدية يرون أن في فطرة الإنسان ما يدفعه للإيمان بالله، وأن هناك إحساساً داخلياً يناديه بوجود خالق.
  • كلا المذهبين من أهل السنة والجماعة، ويجوز اتباع أي منهما حسب القناعة.
  • المذاهب الإسلامية تختلف في تفسير قضية الإشهاد ومدى مسؤولية الإنسان عن الإيمان بفطرته.
محتويات الفيديو(30 أقسام)

مقدمة الحلقة وسؤال عن موقع العقل من قضية الإيمان بالله

[المذيع]: أهلًا بكم اليوم مشاهدينا الكرام، سنفتح مع فضيلة الدكتور مسألة الإيمان بالله، وقطعًا الإيمان بالله هذا هو الهدف الأسمى والأعلى لكل الرسالات، رسالات السماء التي جاء بها الأنبياء والرسل الكرام إلى أهل الأرض.

وهذه هي الهداية التي يتمنى ونتمنى كل البشر أن يصلوا إليها، ولكن في هذا الطريق، طريق الإيمان بالله، يوجد الكثير من الأمور التي يجب أن نقف عليها اليوم، ومن بداية الحلقات أن نبدأ من حيث المعرفة ومن حيث العقل وصولًا للإيمان بالله.

أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بفضيلتك.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: أهلًا وسهلًا بفضيلتك مولانا. بداية كما تعوّدنا في هذه الحلقات مع فضيلتك يكون المبتدأ دائمًا هو العقل وهو المعرفة في قضية الإيمان بالله، أين يقع العقل من هذه القضية؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. عرفنا العقل بأنه هو هذا المجموع من سلامة الحواس وسلامة الدماغ، هذا المجموع أيضًا من المعلومات السابقة ومن الواقع المحيط.

مكونات العقل والعالم العلوي والسفلي المحيط بالإنسان

ولو بدأنا في مكونات هذا العقل حتى ندرك أين هذا العقل من الإيمان بالله، لوجدنا أن الواقع المحيط منه ما يُسمى بالعالم العلوي ومنه ما يُسمى بالعالم السفلي. والعلوي والسفلي هي مسافات؛ فالسماء وما فيها من النجوم والكواكب التي تسير بقوانين معينة هي العالم العلوي.

والعالم السفلي هو هذا العالم المحيط بالأرض من الشجر والبحار والأنهار والإنسان والحيوان والجماد إلى آخر ما هنالك مما هو محيط بالإنسان.

وسلامة الحواس تجعل هناك صورةً لهذا العالم قد انتقلت إلى ذهن الإنسان وإلى دماغه، وما رُكِّب في هذا الدماغ من قوة ربط للمعلومات ومن إثارة الأسئلة جعلته دائم السؤال ودائم البحث والتنقيب ومحاولة الإجابة على هذه الأسئلة.

دور العقل في الإيمان بالله والأسئلة الكلية الكبرى

وهنا يأتي دور العقل في الإيمان بالله؛ لأن هناك ما يسمى بالأسئلة الكلية الكبرى التي أُثيرت في العقل البشري، كل العقول البشرية وليس عقلي أو عقلك، وليس عقل المؤمنين من دون الملحدين، بل هي أُثيرت في العقل البشري كعقل بشري.

ضابطًا ذلك قضية السببية؛ دائمًا الإنسان عندما يرى كتابًا فإنه يسأل: من أين هذا؟ يسأل تلك الأسئلة الكبرى: من الذي كتبه؟ من الذي طبعه؟ من الذي أتى به هنا؟ فيسأل بأين، ثم إذا عرف يسأل بمن، ثم إذا عرف يسأل بلماذا، ثم إذا عرف يسأل بكيف.

يقول أرسطو أن هناك في الفلسفات العليا ما لا علاقة له بأي دين من الأديان، وأن الفلسفة تقع ما بين كيف ولماذا؛ لماذا يعني أنه يبحث عن السبب، وكيف حدث هذا أيضًا فإنه يبحث عن الماهية.

صياغات الأسئلة الكلية في اللغة وتأمل العقل في العالم

وقد بدأ العلماء يتكلمون في هذه الأسئلة حتى أن هذه الأسئلة لها صياغات في اللغة؛ عندما نقول: ما هذا؟ لماذا؟ كيف؟ أين؟ متى؟ من؟ كلها أسئلة، وكلها صيغ للسؤال عما يثيره العقل عندما وجد نفسه في هذا العالم.

إذن، فالعقل يتأمل ويتدبر ويربط المعلومات، تُثار فيه أسئلة يحتاج لهذه الأسئلة إجابات وافية. وقد حاول هذا فيما هو محيط به في عالمه السفلي، وأيضًا امتد تفكيره فاستطاع أن يوجد قوانين للعالم العلوي.

فعرف شروق الشمس وغروبها، وعرف شروق القمر وغروبه، وعرف وعرف وعرف، وتجمعت عنده معلومات وتراكمت هذه المعلومات حتى سأل هذا السؤال أو الأسئلة الكبرى.

الأسئلة الكبرى الثلاثة عن الماضي والحاضر والمستقبل

ما هي الأسئلة الكبرى؟ سؤال عن الماضي، سؤال عن الحاضر، سؤال عن المستقبل. فهذه نسميها الأسئلة الكلية في ثقافتنا، الأسئلة الكلية في ثقافة غيرنا يسمونها الأسئلة الكبرى، وسنرى الفرق بين الثقافتين.

لكن على كل حال هي الأسئلة نفسها: من أين وجدنا؟ ماذا نفعل الآن؟ ما الذي نقوم به هنا؟ ماذا سيكون غدًا؟ لأننا من ضمن ما رأيناه أن الإنسان يولد فتكون له بداية، وأنه يموت فتكون له نهاية، ومشاركته في هذا العالم وفي التفاعل معه محدود بهذا الزمن.

طبيعة الإنسان واحتياجاته وسؤاله عن واقعه الحاضر

وجدنا الإنسان له طبيعة معينة، فهو محتاج إلى غيره، محتاج إلى الطعام، محتاج إلى الشراب، محتاج إلى النوم، محتاج إلى العلاج، محتاج إلى وهكذا احتياجات الإنسان.

ولذلك بعضهم يبدأ يتأمل ويتدبر ويصف هذا الإنسان بأنه حيوان؛ لأن فيه حياة، حيوان لأنه يتحرك بالإرادة، حيوان لأنه موجود من هذه الموجودات متحرك، وليس جامدًا كالجمادات، وليس مقهورًا كالنباتات التي توضع هنا وهناك، لا، بل هو متحرك.

فبدأ يسأل: ماذا أفعل ولماذا أنا هنا إلى آخره، وبدأت سلسلة الأسئلة، لكنها كلها منطلقة من سؤال: ماذا نصنع الآن؟ أي أنه يسأل عن واقع الإنسان في حاضره.

نظرية القصور الذاتي ومبدأ السببية في العقل البشري

إذا بدأ العقل يثير ما يوصلنا إلى هذه الإجابات، فالعقل استنبط من هذا العلم السفلي القصور الذاتي. نظرية القصور الذاتي هذه هي كأنها قانون يحكم عالم الأشياء.

ما معنى القصور الذاتي؟ إنه لا يوجد شيء يحدث هكذا بلا سبب، لا يوجد شيء هكذا بلا سبب، لا شيء هكذا. عندما أجد طعامًا فلا بد أن هناك شخص أحضر هذا الطعام، فعندما أجد قمحًا فلا بد أن هناك من زرع هذا القمح.

حتى لو كان القمح نبت وحده، فالإنسان يبحث كيف نبت وحده، فنقول أصلًا هناك ريح، والريح حملت اللقاح، وبعد ذلك البذرة فألقتها، وبعد ذلك جاء بعض الماء. حسنًا، ولكن لا [يزال يبحث ويسأل] أن تجيب إلي أن ظهر القمح هذا.

تأمل الإنسان في الطبيعة ووصوله إلى الإيمان بوجود الله وصفاته

وبدأ يتضح للإنسان أمور وتصنيفات أخرى في أن هناك أمورًا طبيعية تحدث في الطبيعة، مثل وجود الغابات التي لم يزرعها أحد، ومثل وجود الحيوانات داخل هذه الغابات، وبدأ يتأمل ويتدبر، وهكذا إلى آخره.

إلى أن وصل إلى هذه الإجابات الثلاث: أن الذي أوجدنا هو الله، وأنه سبحانه وتعالى موجود، وأنه سبحانه وتعالى بما خلق حولنا من العالم السفلي والعالم العلوي متصف بصفات الكمال.

لأن الخلق على هذه الطريقة يدل على أنه بصير، ويدل على أنه حي، ويدل على أنه قادر، ويدل على أنه مريد. وهكذا كل شيء في الكون يعمل هكذا؛ الشمس لو اقتربت قليلًا أو ابتعدت قليلًا، القمر لو اقترب قليلًا أو ابتعد قليلًا.

إتقان الكون يدل على موجود عظيم والسؤال عن الرسل والتشريع

كيف تسير الأمور بهذا الإتقان والإحكام؟ فلا بد أن العقل يأبى أن يكون كل هذا يتم بآلية لا علاقة لها بموجود عظيم خارج هذا الكون، ولا أن تتم من غير موجود أصلًا.

السؤال الثاني: هل تركنا هذا الموجود العظيم هكذا وحدنا بعد أن أعطانا مؤهلات القيام في هذا العالم من تفكير ومن حواس ومن عقل ومن معلومات سابقة ومن كذا إلى آخره، وعلى ذلك فنحن نعيش كما نريد وكما نقرر؟

أو أنه سبحانه وتعالى أوحى إلى بعض خلقه بالتكليف: افعل ولا تفعل. فوجدنا أن هناك من يدعي أنه قد اتصل به هذا الموجود العظيم وأنه كلّمه وأوحى إليه وأنه يقول: افعل ولا تفعل. وهذا الذي نسميه في ثقافتنا الأنبياء والرسل، وهذا الذي نسميه في ثقافتنا الوحي والكتب، وهذا الذي نسميه بعد ذلك بالتشريع.

إجابة السؤال الثاني والثالث عن التكليف واليوم الآخر والحساب

ولكن هو يجيب على السؤال الثاني: ماذا نفعل الآن؟ نفعل الآن أننا ينبغي علينا أن ندرك الحق والباطل، الخير والشر، وأن نقوم بفعل ما أراده الله وبالانتهاء عما نهى عنه الله.

السؤال الثالث: فماذا سيكون بعد ذلك؟ وعندما نموت أين نذهب؟ وأين كذا؟ فأجاب هذا الوحي بأن هناك يومًا آخر سنرجع فيه إلى ربنا للعقاب أو للثواب، للحساب.

وأنه لن يتركنا هملًا ولن يتركنا عبثًا نفعل ما [نشاء] ونفسد كما نريد أو نصلح كما نريد، ولكنه سبحانه وتعالى جعل على الفساد عقابًا وجعل على الصلاح جزاءً.

نسبة المؤمنين بوجود الخالق من البشر وراحة الإجابات الإيمانية

هذه الأسئلة بهذه الإجابات تريح البشر. كم عددنا الآن؟ نحن الآن سبعة مليارات، هل هم مرتاحون؟ كم عدد المرتاحين منهم؟ ما مقدار عددهم؟ سبعة [مليارات] إلا قليل منهم مرتاح، سبعة [مليارات] وقليل [منهم غير مرتاح].

الإجابات على هذه الأسئلة بهذه الطريقة متوائمة مع نفسية الإنسان من الداخل، ومتوائمة مع استفزاز العقل لإرادة الإجابة.

كم واحد أصبح يقول: لا، أنا لست راضيًا عن هذا النظام؟ قلة ليسوا مقتنعين بهذه التفسيرات أو التأويلات.

نسبة منكري وجود الله في الإحصاءات الاجتماعية ومواقفهم من الأسئلة الكبرى

[المذيع]: يا مولانا، أنا لست أريد كل هذا، لدي طريقة أخرى للتفكير أو لدي كذا إلى آخره.

[الشيخ]: فأقول له: حسنًا، ما هي هذه الطريقة؟ وكم عددكم؟ كم عددكم تريدون أن تعيشوا بخلاف هذا الذي توافق عليه السبعة مليارات؟ فأنتم كم عددكم؟

في الحقيقة، الإحصاءات الاجتماعية تقول أن الذي ينكر هذا الموجود [الله سبحانه وتعالى]، يعني هو يجيب على السؤال الأول ويقول أن السؤال الأول هذا لا يوجد أحد [أوجدنا]، هذا جاء هكذا. فنحن لا نعرف [الإجابة].

أحيانًا من الإجابات حتى يُلغي هذا [السؤال] فيقول لك: ليست مشكلتي، أنا لا أريد أن أجيب عليه. حسنًا، وماذا سيحدث بعد الموت؟ قال: أنا لا أريد أن أجيب، لا أعرف.

تنصل المنكرين من الأسئلة الكبرى ورفض أغلب البشر لهذا الموقف

هل انتبهت؟ فيكون إذن قد تنصَّل ممن الذي أوجده: لا شأن لي بذلك، ومن الذي سنعود إليه: ليس لي شأن.

هذه القصة لا يحبها أغلب البشر؛ لأنه ما زال عقله يلح عليه: وماذا سيكون بعد ذلك؟ ما بعد ذلك؟ بما أنك لم تجبني، فبدأت مدارس [فكرية مختلفة].

كم هؤلاء كنسبة مئوية؟ الإحصاءات تقول أن الذي ينكر هذا الوجود، الذي ينكر الوجود كله، لا يوجد كائن [أوجد الكون] هكذا، لا يتعدى ثلاثة أو أربعة في المائة تمامًا، والباقي يقول إن لديه يقين بأن هناك خالقًا بالضبط.

درجات الإيمان بالخالق وسؤال عن الشعور الداخلي بوجود الإله

وبعد ذلك، هذا الخالق توجد فيه درجات في هذه النسب سنتكلم فيها إن شاء الله.

[المذيع]: حسنًا، اسمح لي بعد الفاصل إن شاء الله أن نتحدث عن فكرة: هل يوجد لدى الإنسان شعور داخلي أن هناك إله حتى وإن أنكر، حتى وإن أصر وألحد، هل يكون في داخله شعور بهذا أم لا؟ إن شاء الله بعد الفاصل، ابقوا معنا.

درجات إنكار الألوهية ونسب المنكرين لصفات الكمال والرسل

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى. مولانا، في إطار قضية الإيمان بالله وبناءً على ما ذكرت فضيلتك بأن الأغلبية ممن يعيشون على هذا الكوكب يشعرون ويؤمنون بأن هناك إله خالق، والقلة هم من ينكرون ولا يكترثون بهذه القضية ولا يفكرون من أين جئنا، وهم على درجات.

[الشيخ]: أي أن بعضهم يقول بإنكار الألوهية وإنكار الموجود أصلًا، وهؤلاء لا يتعدون ثلاثة أو أربعة في المائة. وهناك من يقولون إنه موجود لكنه غير متصف بصفات الكمال، وهؤلاء يوسعون الدائرة أكثر من [السابقين] يكونون خمسة أو ستة في المائة.

منهم من يقولون: نعم، الله موجود ومتصف بصفات الكمال سبحانه وتعالى، ولكن ليس له علاقة بنا، فهو ينكر الرسل والكتب والتشريع.

من يؤمن بالإلهام دون الأديان ومدرسة تناسخ الأرواح في الهند القديمة

وبعضهم يقول: لا، هو موجود وكل شيء ومتصف بصفات الكمال ويوحي، لكنه يوحي إلينا جميعًا، أي أنه يلهمنا جميعًا لأنه عطوف ورحيم وجميل وكل شيء، لكن نحن لا نريد أديانًا وقصة اليوم الآخر هذه نحلها بطرق مختلفة.

حسنًا، ما هو الطريق المختلف؟ ذهبوا إلى مدارس من الهند القديمة قالت بتناسخ الأرواح لكي تحل مشكلة الحساب. فأنا لن أعود مرة ثانية إلى ربنا، وإنما روحي هي التي ستعود إلى الأرض.

فإن كنت رجل خير ستعود في شيء جميل هكذا مريح، وإذا كنت رجلًا شريرًا ستعود في جسد يُعذَّب، ثم إذا تصور مع هذا العذاب صبر وما إلى ذلك سيعود مرة أخرى، والروح تخرج هكذا إلى الأبد، فنحن سنظل هكذا على الدوام، روح تدخل وروح تخرج وما إلى ذلك.

أقسام تناسخ الأرواح بين التناسخ والتفاسخ والتراسخ

وبدأوا في التقسيم أنه هناك شيء اسمه التناسخ والتراسخ والتفاسخ. قال إن التناسخ هو أن روح إنسان تخرج وتدخل في إنسان آخر.

وما هو التفاسخ؟ قال إنه دخول الروح في الحيوان، أي أن روحي بعد أن تخرج تدخل في قطة أو كلب ليتم ضربها في الشارع، أو تصبح كلبًا في أمريكا حيث يستخدمونه بديلًا عن الأولاد، فبدلًا من الزواج يربون كلبًا، أشياء كهذه. أو يخرج كلب في الفلبين فيأكلونه، أشياء من هذا القبيل.

الآخر هو التراسخ؛ أنه لا، إن هذه الروح توضع في حجر، توضع في شجرة، توضع في أشياء من هذا القبيل. فيكون هناك تناسخ وتفاسخ وتراسخ.

الأديان الإبراهيمية وغيرها ونسب المؤمنين باليوم الآخر من البشر

وهذا محل الإيمان باليوم الآخر؛ بدأ البشر يعرضون أفكارًا كثيرة جدًا في هذا المجال.

هناك أناس يقولون: نعم، الأديان موجودة وكل شيء، لكننا لسنا مؤمنين بالإسلام. هناك أناس مؤمنون بالإسلام، وهكذا كل الأديان الإبراهيمية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام، وهؤلاء يمثلون نصف سكان الأرض تقريبًا، ويؤمنون باليوم الآخر.

توجد أديان كثيرة أخرى مثل الكونفوشيوسية، والشنتو، والبوذية، والهندوسية، وغيرها إلى آخره. وهؤلاء يأخذون النصف الثاني من البشر، وهؤلاء يعني منهم من يؤمن بقضية الوحي وبقضايا إطلاقية الأخلاق وهكذا، ومنهم من لا يؤمن بهذا ويرى أنه لا وجود للإله ولا وجود لكذا.

وقالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الجاثية: 24]

إذن فالناس مختلفة في النسب خاصتها في هذا المجال.

هل يُخلق الإنسان بفطرة تدعوه للإيمان بالله أم يحتاج إلى تعليم

[المذيع]: حسنًا، هل الإنسان مهما كانت درجته في هذا التصنيف أو هذا التدرج، هل كل إنسان يا مولانا يُخلق ولديه فطرة وغريزة هكذا من الله سبحانه وتعالى بأن هناك إله، بأن هناك خالق، لكنه إما أن يصدقه أو إما أن يعاند ويكابر؟

[الشيخ]: انظر، تهيؤ الإنسان لمعرفة الحقيقة موجود عند كل الناس، فإن كل الناس لديها تهيؤ؛ لأنه عندما أعرض عليه حقيقة وجود الإله، يوافق ولا يعترض.

ليس هناك شيء في النفس البشرية تأبى [وجود الإله] أو ترفض، أو يصطدم [الإنسان] عندما تعرف حقيقة وجود الإله فترفضه أو ترده أو تصطدم معه، لا يوجد شيء كهذا. ففطرة الإنسان تقبل هذه الحقيقة.

الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية في دعوة الفطرة للإيمان

حسنًا، السؤال الثاني الذي تسأل عنه هو: هل هذه الفطرة تدعو الإنسان للإيمان؟

الأشاعرة يقولون: لا. فعندنا مذهب أهل السنة والجماعة أنه بعد التدبر وبعد الاحتكاك بالخلق وبعد التأمل وبعد ذلك، يقولون: لا، ليس هناك شيء داخل الإنسان تدفعه دفعًا إلى أن يؤمن بهذا الإيمان، فلا بد أن يتعلم، ولا بد أن ينبهه أحد، فإذا تنبه لم يجد في نفسه معارضًا مصادمًا لهذا.

لكننا رأينا بشرًا، وهؤلاء البشر، الرجل الذي يتبع الطاوية، اجتمعنا معه مرة في سنغافورة، قال: يا جماعة نحن ملحدون، نحن لا نؤمن بالإله. طبعًا هو يقول هذا الكلام لأنه تربى على ذلك، ربّوه على أنه لا يوجد إله، لا يوجد إله مفارق، نحن في حياتنا الدنيا هذه لا يوجد إله مفارق، فتربى على ذلك.

معنى الفطرة عند الأشاعرة بين التهيئة وعدم الدافع للكفر أو الإيمان

فهل هذه فطرته هكذا؟ حسنًا، أنا سأقنعه بأن هناك إلهًا، لن يجد في نفسه رفضًا لهذا.

فيكون إذن الفطرة المعني بها أنها لن تجد فيها ما يدفع الإنسان إلى الكفر، ولن تجد فيها أيضًا ما يدفعه دفعًا إلى الإيمان. نعم، أي لا فيها هذا ولا فيها ذاك.

﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]

﴿فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11]

يعني هو بعدما بيّن له ربنا هذا وذاك، أصبح هو المختار بأن يدفع نفسه هنا أو هناك فيُحاسب.

نقطة الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية في دعوة الفطرة للإيمان بالله

ولذلك لدينا هذه نقطة خلاف بيننا نحن معاشر الأشعرية وبين الماتريدية. الماتريدية قالوا لنا: إلا هذه النقطة هذه، وهي الوحيدة التي نحن نستطيع القول أن في فطرة الإنسان ما يدعوه للإيمان بالله.

في داخله شيء يدفعه دفعًا. أبو منصور الماتريدي يقول هذا، ونحن في الأشعرية نقول: لا.

هل انتبهت؟ إذن لماذا يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]

لماذا إذن أهل الفترة ناجون؟ كيف؟ إذا كان عندهم من الفطرة ما يدفعهم للإيمان ولم يؤمنوا فسيُؤخذوا [ويُحاسبوا].

موقف الماتريدية من الفطرة ودعوتها للإيمان بالموجد الحكيم فقط

الماتريدية يقولون: ليس هناك إلا الإيمان بالموجد الحكيم، هذا هو فقط ما تدعو إليه الفطرة. أما مسألة الصلاة والصوم وأن هذا حرام وهذا حلال، فلا، لسنا مكلفين بذلك.

لكن أن يقول إنسان أنه ليس لهذا الكون إله، فهذا لا نسامحه [عند الماتريدية].

الأشاعرة يقولون: لا، طالما لم يأتِ للشخص رسول يفهمه ويلفت نظره لينظر إلى الكون الأسفل والكون الأعلى، ويتدبر ويتفكر، ويستثير عقله، ويريه النجد الآخر [طريق الإيمان]، فطالما لم يأتِ أحد ليعلمه هذا الأمر، فإنه ناجٍ ويكون في كنف الله سبحانه وتعالى، ومن الممكن أن يعفو عنه، وانتهى الأمر لأنه لن يعذبه.

العذر بالجهل عند الأشاعرة وموقف الماتريدية من الفطرة الداعية

لماذا لن يعذبه؟ لن يعذبه لأنه لم يرسل إليه أحدًا ينبهه، فيكون العذر بالجهل هنا. الأشاعرة لديهم هذه المسألة.

أما الماتريدية فيقولون: لا، هذه فطرة الإنسان داعية، وهو مدرك أن هناك خالقًا، شيء بداخله يشعر بأن هناك خالقًا. لكن من الممكن أن يكون غير عارف بالطريق وكيفيتها.

لكن الشعور بأن هناك خالقًا، ولو أننا لا نعرف الطريق، ليس لنا شأن بذلك، إلا أن هناك إحساسًا داخليًا يدعوه ويتحدث إليه ويناديه ويُلح عليه بأن هناك خالقًا.

ولذلك هؤلاء الملحدون هم أناس كاذبون، الماتريدية يقولون هكذا؛ لأن هناك شيئًا في داخلهم يقول لهم: لا، أنت كاذب، أنت تخدع نفسك.

موقف الأشاعرة من ضرورة وجود معلم ومثال طرزان في جزيرة بدران

الأشاعرة قالوا: هل هناك شخص قال له وعلّمه وجلس معه وفهّمه ووضّح له واستثار ذهنه وقال له انتبه جيدًا، انظر كيف؟ أم لا؟ قلنا لهم: لا، لا أحد قال له شيئًا بتاتًا.

أنه مثل طرزان في جزيرة بدران؟ إذا كان مثل طرزان في جزيرة بدران فهو معفو عنه.

ماذا يعني طرزان في جزيرة بدران هذا؟ يعني أنه لم يخبره أحد بشيء هكذا. إن طرزان هذا، شخصية السينما التي أعرفها، هذه الشخصية هي شخص يعيش وحده في كوكب منعزل، لم يصله أي خبر أو رسالة. فهذه هي الإجابة على سؤال حضرتك.

خلاصة موقف الأشاعرة والماتريدية من ضرورة المعلم والرسول للإيمان

[المذيع]: سؤالك عميق جدًا، لكننا نحاول أن نبسّط الأمور.

[الشيخ]: أبدًا، لا يكون عميقًا إلا مولانا. القضية أنه الله، ماذا يا إخواني الأمر؟

أما الأشاعرة فقالوا: لا أبدًا، لا بد من معلم، من رسول، من مرشد، من مثير للفكر، تتم على يديه الهداية بالدلالة والإرشاد.

أما الماتريدية فقالوا: إلا وجود الخالق، نعم، كل كلامكم هذا صحيح في بقية الشريعة من أولها لآخرها، إلا هذا الوجود، إلا أن هذا الكون من الذي من صنعه؟

أتنتبه؟ نعم، يقول أن الشمس، يقول أن القمر، يقول أن الجن، يقول أي شيء ولا يهم، لكن يجب أن يستثير في ذهنه أن هناك مَن أوجد هذا.

رد الأشاعرة على الماتريدية في مسألة الفطرة ودلالة النجدين

فالآخرون [الأشاعرة] قالوا له: حتى ولا هذه؛ لأنه من الممكن جدًا أنه لا يستطيع الوصول إليها وحده؛ لأن الفطرة فيها دلالة النجدين وليس فيها الدافع على دخول واحدة منهن.

[المذيع]: حسنًا مولانا، هنا قضية الإشهاد. البعض يعتقد ويقول إن قضية الإشهاد هذه ستظل باقية في الحمض النووي الخاص بالبشر، بأنه في يوم من الأيام، وإن كنا لا نعي هذا اليوم وكنا في الغيب، هناك إحساس بأنه حدث إشهاد، والله سبحانه وتعالى ذكر هذا.

[الشيخ]: صحيح، ولذلك عندما تعرضوا لقضية الإشهاد قالوا: الإشهاد هو تلك التهيئة، التهيئة كما نقول هو مهيأ، ليس عنده مانع، ليس عنده معارض، فهو هذه التهيئة وليس ذلك الدافع.

الإشهاد والتهيئة الفطرية وجوهر الخلاف في المؤاخذة على عدم الإيمان

نعم، هو التهيئة. ولذلك عندما أسيره وأنبهه: ألست تذكر يوم أشهدكم؟ يبدأ يتذكر أن هناك إحساسًا. أنت ألست أنت غير منتبه؟ راجع نفسك، تأمل في ذاتك، تأمل فيما حولك. ويقول: نعم صحيح والله. هل أنت منتبه؟

لكن المشكلة ليست هنا. المشكلة أنه إذا لم يقل نعم صحيح والله وعقله لم يستوعب الأمر، فهل سيُؤاخذ أم لا؟

الماتريدية يقولون: سيُؤاخذ لأنه يتغابى. والأشاعرة يقولون: لا، ليس كذلك، لن يؤاخذ لأنه ليس هناك الملفت ما يلفت انتباهه.

تعال فقط وانظر، انظر إلى هذه، هناك يوم أنت ستجده بداخلك. هذا هو جوهر القضية.

جوهر القضية بين وجود الشعور الفطري وشرط المؤاخذة عند الأشاعرة والماتريدية

فالمسألة ليست قضية وجود هذا الشعور المتوافق الملائم للإيمان بالله، لا، هو موجود، ولكن من الذي يثيره ويُخرجه ويُبرزه وينبه إليه؟

وهل هذا شرط المؤاخذة أم لا؟ نعم، ما دام لا يوجد مثير له فسوف لا يُؤاخَذ. هذا كلام الأشاعرة وهذا كلام الماتريدية، وكلاهما من أهل السنة والجماعة، وكلاهما يجوز لأي مسلم أن يتبناه حسب قناعاته وحسب اعتقاداته وحسب ما يبنيه بعد ذلك على هذا الأمر.

نحن أشاعرة، يعني أيضًا نرى أن الأشاعرة أرفق بالإنسان من الماتريدية في هذا الموضع، في هذا الموضع [تحديدًا].

عدد مسائل الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية وختام الحلقة

لأن عدد المسائل التي نختلف فيها معهم واحد وعشرون مسألة، يقولون لنا ألفًا وخمس مئة مرة: صحيح. إن الواحد والعشرين مسألة منها خلافات لفظية وليست حقيقية، والحقيقي منها ثمانية.

الحقيقي الذي بيننا وبينهم ثمانية، وهذه [مسألة الفطرة] واحدة منهم.

[المذيع]: نعم، بارك الله فيكم مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: شكرًا جزيلًا لفضيلتكم، شكرًا لحضرتكم، الشكر موصول لكم مشاهدينا.