حمل الأمانة | خطبة جمعة | أ.د علي جمعة | 25 - 4 - 2014

حمل الأمانة | خطبة جمعة | أ.د علي جمعة |  25 - 4 - 2014 - خطب الجمعة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين، فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد في الأولين، وصل وسلم على سيدنا محمد
في الآخرين، وصل وسلم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وصل وسلم على سيدنا محمد في العالمين، وصل وسلم على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه الأبرار يا أرحم الراحمين. "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" [آل عمران: ١٠٢]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: ١]. يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا ‎﴿٧٠﴾‏ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
"أما بعد، فإن أحسن الحديث كتاب الله وإن خير الهدي هدي سيدنا محمد رسول الله وإن شر الأمور محدثاتها فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" [حديث شريف]. تركنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، والهادي هو الله. قال تعالى: "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ" [البقرة: ٢٨٢]. قال [رسول الله صلى الله عليه وسلم]: "تركت
فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وعترة أهل بيتي" [أخرجه الترمذي]، وفيما أخرجه الإمام أحمد: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي"، تركنا على المحجة البيضاء، ترك لنا الكتاب الكريم، وترك لنا السنة المباركة، وترك لنا أهل بيته، وأمرنا أن نحبهم. والكتاب والسنة أرشدانا إلى الخير، فما ترك لنا وسيلة نتوسل بها إلى الله سبحانه وتعالى ونتقرب
بها إليه إلا وقد أحدث لنا منها ذكرا، وما ترك شيئا يصدنا عن الله وعن سبيله إلا وقد حذرنا منه ونهانا عنه. قال تعالى: "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" [التغابن: ١٦]. وفي هذه الأيام نتمثل قوله تعالى وهو يأمرنا سبحانه من خلال أمره لنبيه "وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ" [إبراهيم: ٥]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا ويطبق القرآن لنا، فلما دخل مرة في المدينة من سفر كان عليه
وجد يهودا يصومون فقال [النبي صلى الله عليه وسلم]: "ما هذا؟" قالوا: هذا يوم نجى الله فيه موسى، قال [رسول الله صلى الله عليه وسلم]: "نحن أولى بموسى منهم" [حديث شريف]، فالإسلام ليس معه إشكال ولا مشكلة مع سائر الأديان التي أنزلها ربنا سبحانه وتعالى، فهو يؤمن بموسى ويؤمن بعيسى، بعضهم لا يؤمن بعيسى وبعضهم لا يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، مشكلة يعيشونها مع أنفسهم، ولكن الإسلام يؤمن بكل الأنبياء والرسل، وإيمانه بالأنبياء والرسل ركن من أركان الإيمان. فأمر صحابته بصيامه، وأمرنا
أن نوسع على العيال في يوم عاشوراء حتى قال [رسول الله صلى الله عليه وسلم]: "من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته"، واختلف علماء الحديث في تصحيحه وتضعيفه، فكان عبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنه يقول: جربته ستين عاما فكان صحيحا، يعني عندما وسع على أولاده في ذلك اليوم كذكرى لأيام الله -يوم نجى الله فيه موسى، كان الله يوسع عليه ذلك العام، وكان إذا نسي فلم يوسع، حينئذ تكون هذه السنة فيها شيء من ضيق الرزق، وهذه هي التجربة بالفعل والترك. ونحن
في هذا اليوم -في اليوم الخامس والعشرين من أبريل من كل عام- نذكر أنفسنا بيوم من أيام الله، حيث رفعنا العلم على أراضينا وأعدنا الوطن بالكفاح المسلح وبالسياسة والدبلوماسية وبالإصرار حتى عادت إلينا أراضينا والحمد لله رب العالمين. وهذا اليوم يذكرنا بحمل الأمانة. وحمل الأمانة جعلها ربنا سبحانه وتعالى من صفات الإنسان، من صفات هذا المخلوق الفريد الذي جعله الله سبحانه وتعالى
خليفة له في الأرض، فقال سبحانه وتعالى: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا" [البقرة ٣٠ - ٣١] هناك مخلوقات كالملائكة الكرام يعرفون الكلي دون الجزئيات، لا يعرفون معنى الطعام، ولا يعرفون معنى النوم، ولا يعرفون معنى الثياب، ولا يعرفون معنى الشرب، ولا يعرفون معنى الشهوة، لا يعرفون إلا الكليات، ولذلك لما علم الله آدم علمه الكليات والجزئيات، فلما
عرض ذلك على الملائكة تبرؤوا من العلم: "لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ" [البقرة: ٣٢]، "إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ" [المائدة: ١٠٩]، ما لنا [علم بمثل] هذه القضية. وهناك من المخلوقات ما تعرف الجزئيات دون الكليات، وهي: البهائم التي نراها ونتعامل معها فإنها تريد أن تأكل وأن تشرب، تعرف البهيمة -أكرمكم الله- طعامها لكنها لا تعرف الكليات والمجردات، بل الذي يفكر في مصيره ومستقبله، ويضع خططا لنفسه، ويعرف كيف يسير في الحياة هو الإنسان
الذي جمع الله له الكليات والجزئيات. ولذلك "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" [الأحزاب: ٧٢]، لماذا حملها الإنسان؟ نظرا للمكلِّف -سبحانه وتعالى، فإن الإنسان بعقله أدرك أن الله إذا حمله الأمانة أعانه عليها، أدرك أن الله -سبحانه وتعالى- إذا وضع على عاتقه الأمانة وفقه إليها، هذا المعنى لا تعرفه الجمادات، ولذلك قال أهل التفسير وقد اختلفوا كثيرا في معنى الأمانة: إن الأمانة هي التكليف،
وفعلا كلف الله -سبحانه وتعالى- البشر، كلف بني آدم، افعل ولا تفعل، أمرنا بكل خير ونهانا عن كل شر. الأمانة من مادة في العربية أمن الألف والميم والنون، ومنها الإيمان، ولذلك لا أمانة لمن لا إيمان له، ومن أخل بالإيمان فقد أخل بالأمانة، وأمرنا ربنا بالإيمان، وجعل قرينا له العمل الصالح، ولخص ذلك كله فقال: "وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [الحج: ٧٧]. ولم
يحب ربنا سبحانه وتعالى الفساد، والله لا يحب الفساد. والأمانة من مادتها الأمن، ولذلك فالأمن شيء مرغوب، ومحبوب، ومطلوب. والإخلال بالأمن خروج عن سنة الله سبحانه وتعالى، ولذلك طلب منا عدم العدوان فالله لا يحب المعتدين، قال تعالى: "وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" [البقرة: ١٩٠] نعم، أمرنا ألا نسفك الدماء إلا بالحق، إلا بما أمرنا الله به، فإن الله لا يحب الظلم. ومن
هنا، كان هناك فارق كبير بين القتل والقتال، القتل حرام وكبيرة من الكبائر، قد تستوجب -والعياذ بالله- الخلود في جهنم، نسأل الله السلامة، أما القتال فهو في سبيل الله لصد العدوان ورفع الطغيان. ومن هنا نحتفل بهذه الذكرى، بذكرى أمانة قد حملها رجال أشاوس أُسد جاهدوا في سبيل الله، فرسان نبلاء حملوا الأمانة، والله سبحانه وتعالى وفقهم
ونصرهم وأيدهم، نفخر بهم، ونحن نعتز بهم، ونرسل دعاء لشهدائنا الذين رووا هذه البلاد من أجل هؤلاء العباد، رووا هذه الأرض بدمائهم ونقول اللهم شفِّعهم فينا يوم القيامة وألحقنا بهم على الإسلام وكمال الإيمان. الأمانة عرضها ربنا، وهناك فرق بين العرض والفرض، قال تعالى: [إِنَّا عَرَضْنَا]، ولم يقل إنا فرضنا، الذي فرضه كان السجود
لآدم تشريفا له تهيئة للتكليف، فالتشريف والتكليف وجهان لعملة واحدة، ولأنه سبحانه وتعالى يريد تكليف آدم شرفه وأعلاه وعلمه الكليات والجزئيات وأسجد له ملائكته، فلما كان إبليس حاضرا فأبى إباء عن الفرض، قال تعالى: "إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ" [البقرة: ٣٤] رفض السجود، والسجود هنا كان فرضا على الملائكة، وهو في حضرة الملائكة. "إِنَّا عَرَضْنَا"، ولم يقل فرضنا، فالفرض الإباء عنه استكبار، والعرض
الإباء عنه استصغار. إبليس استكبر، و "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر" أنبأنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أما إبليس وقد استكبر ففي المقابل السماوات والأرض والجبال استصغرت أنفسها فإباء الفرض استكبار وإباء العرض استصغار على الطرف الآخر. أبوا أن يحملوا الأمانة ولكن لو فرضها الله عليهم لامتثلوا، ولكنه
لما عرضها عليهم خافوا واستصغروا أنفسهم، "وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَٰنُ"، قال بعض أهل العلم "إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" أي في ظن الكائنات الأخرى فلا تكن كذلك، وليس في نفسك أنك ظلوم جهول. أنت ظلوم جهول لا بطبعك وإنما بوضعك، فاتق الله في نفسك، وفر من الظلم ومن الجهالة، وارتم في أحضان الشريعة، في أحضان سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، ارتم في أحضان الشريعة، ولا تسأل أصحاب الهوى، "فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" [النحل: ٤٣] وأهل
الذكر هم الذين أقامهم الله سبحانه وتعالى، فاللهم وفقهم فيما أقمتهم فيه: "بلغوا عني ولو آية" [حديث شريف]، ولكن لم يأمرنا سيدنا النبي أن نلجأ إلى غير ذي الذكر. في هذا اليوم ونحن نتذكر الأمانة والأمن والإيمان ندعو لمصر ولأهلها بالخير والبركات ولعلها أن تكون ساعة الإجابة، فادعوا ربكم لأنفسكم ولبلدكم. الحمد لله، حمدا كثيرا طيبا طاهرا
مباركا فيه ملء السماوات والأرض وملء ما شئت من شيء يا رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله الصادق الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، الغر الميامين، وعلى أتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه كما يليق بجلاله وجماله عندك يا أرحم الراحمين، وجازه عنا خير ما جازيت نبيا عن أمته، واحشرنا تحت لوائه، واسقنا من يده الشريفة شربة
ماء لا نظمأ بعدها أبدا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، فنحن في حاجة إلى رحمتك ولست في حاجة إلى مؤاخذتنا، فاعف عنا واغفر لنا وارحمنا ولا تؤاخذنا بما نسينا أو أخطأنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، كن لنا ولا تكن علينا، فارحم حيينا وميتنا وحاضرنا وغائبنا وألف بين قلوبنا وهدئ بالنا وأصلح حالنا. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما وتفرقنا من بعده تفرقا معصوما ولا تدع فينا شقيا ولا محروما، اللهم اغفر وارحم يا رب العالمين، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة
حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، وافتح علينا فتوح العارفين بك، وعلمنا الأدب معك، واسلك بنا الطريق إليك، اللهم أخرج الدنيا من قلوبنا واجعلها في أيدينا، اللهم يا أرحم الراحمين اقض لهذا البلد وأهله، اقض لهذا البلد وأهله يا رب العالمين خطة رشد تهدئ بها الحال وتصلح بها المآل يا أرحم الراحمين، يا رب هذا حالنا لا يخفى عليك وضعفنا ظاهر بين يديك، فاللهم يا ربنا اغفر لنا وألف بين قلوبنا، لا يؤلف بينها إلا أنت، أنت وحدك يا أرحم الراحمين. اللهم أكرم نبيك محمدا بنا، اللهم أكرم
نبيك محمدا بنا يا رب العالمين. عباد الله، ندعو الله سبحانه وتعالى أن يرد إلينا بيت المقدس، ونحن على ضعفنا وقلة حيلتنا نلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يقول للشيء كن فيكون. أن يكتب لنا صلاة فيه وأن يرده إلينا ردا جميلا. يا رب انصر الإسلام والمسلمين في كل أركان الأرض يا أرحم الراحمين. يا رب نعوذ بك من البلاء والغلاء والوباء يا رب العالمين، ارفع عنا البلاء، وارحمنا
برحمتك وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. "وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ" [العنكبوت: ٤٥]. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله.