حوار مع الشباب حول النموذج المعرفي الإسلامي | مبادرة سؤال | أ.د علي جمعة
- •النموذج المعرفي هو الهيكل الفكري الكامن خلف المعارف والعلوم، وهو المحدد لطريقة تفكير الإنسان ورؤيته للعالم.
- •يختلف النموذج المعرفي الإسلامي عن النموذج الغربي في مصادر المعرفة، حيث يعتمد المسلم على ثلاثة مصادر: العقل والنقل والذوق.
- •يرى النموذج الإسلامي تكاملاً بين الوحي والكون، فكلاهما كتاب لله تعالى؛ كتاب مسطور وكتاب منظور.
- •تتولد الأسئلة الوجودية (من أين أتينا؟ ماذا نفعل هنا؟ ماذا بعد الموت؟) من تأمل الإنسان في الكون.
- •الفرق بين الشك المنهجي المؤدي للعلم والمعرفة، وشك الحيرة الذي لا ينتج علماً.
- •فهم النص الشرعي يتطلب استيفاء شروط وأدوات معرفية خاصة، وفقدانها يؤدي إلى فهم مغلوط.
- •العلوم ليست محايدة تماماً، بل فيها تحيز يعكس النموذج المعرفي الذي تنتمي إليه.
- •تطور العلوم والأفكار يمر بمراحل: إنشاء الفكرة، تبنيها، نشرها، ثم شيوعها.
مقدمة اللقاء والتعريف بمبادرة سؤال وضيف الحلقة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلًا وسهلًا بكم في لقاء جديد من لقاءات مبادرة سؤال، وهي مبادرة معنية بخلق مساحة صحية وآمنة لطرح الأسئلة ومناقشة الأسئلة التي تعرض على أذهان الشباب، المتعلقة بالخالق سبحانه وتعالى، المتعلقة بالإيمان، المتعلقة بالعقيدة، والتي يصطلح البعض على تسميتها بـ الأسئلة الوجودية.
ونحن اليوم في حضرة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء، لطرح هذه الأسئلة، والأسئلة التي تدور حول النموذج المعرفي من خلال كتابه "وقال الإمام"، ونرحب بفضيلة الدكتور علي جمعة. أهلًا وسهلًا بكم ومرحبًا، وكل عام وأنتم بخير. أهلًا وسهلًا بحضرتكم مولانا.
سؤال حول تأثير معتقد الإنسان ونظرته للكون على إنتاج العلوم
نحن اخترنا أن نناقش اليوم الفصل من كتاب "وقال الإمام" المتعلق بـ النموذج المعرفي، وربما أنا شخصيًا في البداية معرفتي بمصطلح النموذج المعرفي هذا كان متعلقًا بكتاباتكم. ربما منذ أربع سنوات كنت قد قرأت سلسلة خطب جمعة كانت مطبوعة لسيادتكم عن الوحي والقرآن، وسيادتكم كنتم تذكرون فيها أن الله سبحانه وتعالى أرسل -أي بعث- الوحي، وهذا الوحي لو أن ربنا سبحانه وتعالى لم يرسله عبثًا فبالتالي له تطبيق على حياة الإنسان.
وبعد ذلك وجدت في كتاب "الطريق للتراث الإسلامي" الخاص بحضرتكم كلامًا عن ابن مقلة والطريقة التي استطاع أن يستخدم علم الرياضيات فيها لكي يستخرج طريقة يكتب بها العربي، ونشأت عنده فنون.
فهل يا سيدي اعتقاد الإنسان الشخصي أو نظرته للكون يمكن أن يؤثر على منظومة العلوم التي تخرج منه وطريقة تفكيره في العلوم المختلفة، أم أن إنتاج العلوم هذا شيء واحد عند كل الناس لا يختلف في المعتقد أو الرؤية الكلية للكون أو هذه المفاهيم؟
الإنسان محور المعرفة ومنشأ الأسئلة الكبرى عن الوجود
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أصل المسألة كلها أنه لا بد أن نبدأ بـ الإنسان؛ لأن الإنسان هو الذي يدرك ذاته، هو الذي تتولد لديه الأسئلة، هو الذي تنشأ لديه الحيرة والأسئلة الكبرى: من أين أنا؟ وماذا أفعل هنا؟ وماذا سيكون غدًا؟
لأن الإنسان يرى الموت أمامه فيسأل: ما الذي بعد الموت؟ أين ذهب هذا الذي كان يتحرك في وسطنا؟ ومن هنا تتولد أسئلة كثيرة جدًا عن الجسد والروح والنفس والعقل والقلب، ودرجات ومراتب هذه الأشياء وكيفيتها، إلى أن نصل إلى نظرية متكاملة للمعرفة.
نظرية المعرفة الإسلامية والإبستمولوجيا عند علماء أصول الدين
والنظرية المتكاملة للمعرفة الحقيقية عالجها أهل أصول الدين كـ التفتازاني والجرجاني، وذكروا في مؤلفاتهم ما نسميه الآن في اللغة الإنجليزية الإبستمولوجيا [نظرية المعرفة]. هذه تكلموا عنها بالتفصيل: ما كنه العلم؟ ما درجات العلم؟ هل يصل الإنسان إلى اليقين؟ ما الفرق بين البدهيات والمسلمات؟ وهكذا.
نظرية متكاملة يجيب بها الإنسان عن هذه الأسئلة التي تتوارد على ذهنه. فالأصل في المسألة والمحور هنا هو الإنسان. ومنذ بداية الإنسان فإننا نرى أنه سوف ينظر إلى العالم العلوي والعالم السفلي، كما يقول سيدنا الإمام الباجوري، فتحدث أيضًا من هذه التأملات أمور.
الفرق بين المدرسة الفلسفية والاتجاه الفلسفي في الإجابة عن الأسئلة الكبرى
ومن ضمن هذه الأمور، وإجابةً على هذه الأسئلة، فإن هناك ما يسمى عند الفلاسفة بالفرق بين المدرسة الفلسفية والنظرية الفلسفية وما بين الاتجاه الفلسفي. ونحن عندما ندرس الفلسفة كانت أساتذة الفلسفة تفرق لنا بين المدرسة الفلسفية وما بين الاتجاه الفلسفي.
فـ المدرسة الفلسفية تحاول أن تجيب على أسئلة تتعلق بالإنسان وبالأكوان وبالإله وبالأخلاق وبالجمال وبالمنطق. وهذه هي الأسئلة الستة التي إذا ما أجابت عنها مدرسة معينة أسميناها بالنظرية أو بالمدرسة.
ولكن هناك بعض التوجهات الفلسفية لا تجيب عن الستة وتقول: ما لنا وما لما كان وما سيكون، نحن نريد أن نعيش هذه اللحظة وأن نعيش فيها. ولذلك هذا هو الاتجاه الوجودي؛ لا تقول المدرسة الوجودية لماذا؛ لأنها لا تجيب عن المشكلات الست، المشكلات الفلسفية الست الكبرى التي تتولد منها أسئلة كثيرة.
تسمية الأسئلة الوجودية تقصر المسألة على الإنسان وتعجز عن تصور بقية الأسئلة
فإذا هيا بنا نتفق أن هناك فرقًا في الاصطلاح ما بين المدرسة الفلسفية وما بين الاتجاه الفلسفي. وإن تسمية حتى هذه الأسئلة بـ "الأسئلة الوجودية" هي تسمية تقصر المسألة على الإنسان.
وانتبه كيف أنه بالرغم من أن هذه الأسئلة التي حصرت نفسها في إطار الإنسان لا تكون قادرة قدرة تامة على تصور بقية الأسئلة التي لا تتعلق بوجود الإنسان في حد ذاته.
أصل كلمة بارادايم ورحلة ترجمتها إلى النموذج المعرفي
نعود مرة أخرى إلى السؤال وهو أنك تتحدث الآن عن النموذج المعرفي. النموذج المعرفي كلمة جلسنا كثيرًا في جامعة القاهرة وفي مراكز الأبحاث وفي جلساتنا مع الأساتذة الكبار لترجمة كلمة "نموذج"، وكلمة "نموذج" وهي كلمة واحدة في سائر اللغات الأوروبية -في الألمانية وفي الفرنسية وفي الإنجليزية- هي بارادايم (Paradigm).
لو أردنا أن ننقلها إلى العربية فكيف ننقلها ومن أين أتت هذه الكلمة؟ فنقلناها إلى كلمة "النموذج المعرفي" بعد أبحاث طويلة وبعد اقتراحات أكثر من ثلاثين مصطلحًا، انتهينا بعد هذه الأبحاث إلى كلمة النموذج المعرفي.
نشأة مصطلح بارادايم في اللسانيات وانتقاله إلى عالم الفكر عبر كوين
كلمة بارادايم في أصلها الأوروبي -وهذا يساعدنا على فهم معناها العميق- بدأت كمصطلح في اللسانيات؛ عندما ننشئ معجمًا فهذه الشجرة الكامنة في المعجم هي التي تسمى بالنموذج. بمعنى لو ضربنا مثالًا عربيًا فنقول: "ضرب" ويؤخذ منه: يضرب، اضرب، مضروب، ضارب، ضراب، مضرب... إلى آخر الاشتقاقات وهكذا. الشجرة التي تكوّن هذا الاشتقاق هي النموذج. إذن فمنشؤها هو في علم اللسانيات عند إنشاء المعجم.
انتقلوا من هذا إلى كوين (Thomas Kuhn) عندما ألّف "الثورات العلمية"، فجاء كوين ونقل هذا المصطلح من مفهومه القاصر على الخدمة اللغوية -كهيكل كامن خلف الاشتقاقات المختلفة في المعجم اللغوي- نقلها إلى العلم؛ أن هناك نموذجًا كامنًا وراء كل حالة علمية أتتنا.
أمثلة على النماذج المعرفية العلمية من إقليدس إلى فيثاغورس
نحن نرى أن هناك حالة كان عليها علم إقليدس عندما كتب الهندسة وكتب المثلث، وفي فيثاغورس عندما استدل بالعدد على وجود الله سبحانه وتعالى. وبعدهم كانوا مدرسة واحدة أو علمًا له نظام واحد، له نموذج واحد.
هذا النموذج -نعم- يعني لست متأكدًا ولكنني أفهم. نعم، يعني هي الكلمة نفسها كانت تستخدم أولًا في علم اللسانيات ثم انتقلت، تخرج منه فروع لها علاقة باللغة. نعم، ثم هذه الكلمة بدأت تطبق بنفس المعنى في المذاهب الفكرية، في عالم الفكر، كأصل معين ينتج عنه نظريات مختلفة كلها يمكن أن ترجع، أو تطبيقات مختلفة كلها ترجع لفكرة واحدة في الأصل التي هي النموذج الإرشادي الذي نستطيع أن نطلق عليه.
معنى الكامن في النموذج المعرفي وما بين السطور
من ضمن ما يساعدنا على فهمها بعمق -بعد أن استقر المصطلح وشاع- الكامن؛ يعني المعجم، الصفحة أمامك هي كذلك ولكن كامن بداخلها. الذي نحن نقول عليه بالعامية هكذا: "بين السطور"، يعني هناك سطور واضحة وهناك بين السطور، يعني هناك معانٍ من وراء هذا الموجود أمامي.
الكامن -فأنا الكامن هذا- الذي [هو] النموذج المعرفي نقله كوين من اللسانيات إلى عالم الفكر. وفي عالم الفكر بنى عليه مفهوم الثورات العلمية؛ أن إقليدس ظلت هندسته حاكمة، بُني بها الهرم وبُنيت بها البيوت وبُنيت بها أشياء كثيرة.
الثورات العلمية من إقليدس إلى نيوتن ثم النسبية وتغير النماذج المعرفية
من إقليدس حتى أتى نيوتن، فنيوتن نقلني نقلة أخرى، وهذه النقلة الأخرى تؤكد أن ما هو كامن وراء نيوتن ليس هو الكامن بعينه وراء إقليدس. وظلت ميكانيكا نيوتن وترتيبات وقوانين نيوتن الثلاثة وكذلك إلى آخره هي المهيمنة على العقلية الرياضية والعقلية الطبيعية.
إلى أن ظهرت مثلًا النسبية، صنعت لنا شيئًا آخر لم يخطر على بال إقليدس ولم يخطر على بال نيوتن، حيث أضافت الزمن عنصرًا رابعًا للأبعاد. هذا ما لم يكن يخطر على البال إطلاقًا أن يدخل على بُعد المكان عنصر رابع فيكون هو الزمان.
هذا الكلام اضطرهم إلى أن يتحدثوا عن الكتلة وعن السرعة وعن الضوء وعن أمور أخرى من أمور الطبيعة التي جاءت بها نظرية أينشتاين وما توصلوا إليه بشأنها طبقًا للمشاهدات والنتائج التي رصدوها. البارادايم هذا هو النموذج المعرفي.
هل يختلف النموذج المعرفي الغربي عن النموذج المعرفي الإسلامي؟
حسنًا، إذا كان قد انتقلنا [إلى فهم معنى النموذج المعرفي]، فالسؤال الآن هو: هل الغرب يحكمه نموذج معرفي معين يختلف عن النموذج المعرفي عند المسلمين؟ هل النموذج المعرفي الحاكم للثقافة الأوروبية والأمريكية يختلف عن النموذج المعرفي الحاكم؟ هذه كلمة التشعبات، هذه كلمة الحاكم. هل هناك اختلاف؟
إذا هلم بنا ندخل حتى نرى عناصر هذا النموذج وكيف تكون الإجابة ما بين المسلم وما بين الحضارة الغربية.
الفهم أولى مراحل الحوار ومستويات المعرفة من الفكرة إلى شعور الأعماق
ومن هنا قد يساعد هذا على الفهم؛ لأن أولى مراحل الحوار هي الفهم. لا بد له أن يفهمني، يفهم تصرفاتي، سلوكي التي تقوم على مفاهيم، والتي هذه المفاهيم تقوم على عقائد، والتي هذه العقائد منبثقة في شعور الأعماق.
فنحن لدينا في الإبستمولوجيا الخاصة بنا -في المعرفية الخاصة بنا- أن هناك فكرة، وأعمق من الفكرة المفهوم، وأعمق من المفهوم شعور الأعماق.
فـ الفكرة أستطيع أن أناقشها وأشك فيها، فتقنعني بغير ما كان مستقرًا عندي وتثبت لي أن هذه الفكرة تخالف الواقع فأتركها ونتفق. وكذلك في المفاوضات وفي الندوات وفي المحاضرات يحدث هذا.
المفهوم أشد ثباتًا من الفكرة وشعور الأعماق أعمق مستويات المعرفة
لكن المفهوم يكون أشد ثباتًا من الفكرة. هذا المفهوم الذي هو أشد ثباتًا من الفكرة، لكي تغيره لي أو أنا أغير لك مفهومك يحتاج وقتًا ويحتاج أدلة أكثر بكثير من قضايا تغيير الفكرة التي هي مسألة بسيطة.
لكن شعور الأعماق -شعور الأعماق هذا- دخل فيه التربية والسنوات وما إلى ذلك. شعور الأعماق هذا أمور متعلقة بعقيدة مع عادات مع أعراف مع سنوات طويلة مما يحمله أجدادنا، الذي نسميه نحن "الأجداد" في اللغة العادية هكذا، أليس كذلك؟
مثال عملي على شعور الأعماق: استحالة إقناع الإنسان بالسير عاريًا
لو أنك مثلًا أردت أن تقنع أحدهم بأن يسير عاريًا في الشارع، وأثبت له فلسفيًا أن هذا أصلح، لكي يقتنع فلسفيًا تقول له: هيا طيب قم افعل هكذا، فلا يرضى. لماذا؟ لماذا هذه الملاحظة؟ لماذا بعد أن اقتنع فلسفيًا وعقله قال له نعم، إنه هو غير قادر على الخروج؟
يعني لأنه شعور أعماق؛ لأنه منذ صغره اعتاد أن يستر نفسه، لأنه في فطرة، في تعوّد، في تربية، في أحكام شرعية، في عقيدة، في استهجان للناس إذا فعل هذا. أحيانًا يكون هناك قوانين مثل أمريكا التي تحرّم العري، أي لا يجوز أن تمشي في أمريكا عاريًا هكذا وتقول أنا حر، لا يجوز، هناك قانون يمنع.
مجموعة هذه الأشياء هي التي تجعل هذا أمرًا معيبًا يؤاخَذ عليه، بل ويُقضى في المحاكم. يقولون ماذا هناك؟ خالف النظام العام والآداب. هذا هو شعور أعماق: النظام العام والآداب.
شعور الأعماق يمنع تغيير الديانة رغم الإقناع العقلي
فخذ هذا المثال لتقيس عليه ما معنى شعور الأعماق. يعني عندما آتي لأجلس مع شخص متدين بديانة معينة وأريد أن أجعله يخرج منها ويدخل في ديانة أخرى، فتجده غير قادر على ذلك.
قصة الطائرة وشعور الأعماق في رفض تغيير الديانة
ليس فقط [أنه غير قادر على تغيير ديانته بالإقناع العقلي]، واحد كان راكبًا في طائرة وبعد ذلك حدث في الطائرة أن المحرك سقط، فأصبحت في حالة خطر، وأبلغوا الناس: يا إخواننا نحن في حالة خطر ويجب أن نعود إلى المطار مرة أخرى، وكل واحد يهدأ في مكانه هكذا لأننا في خطر.
فالناس فزعت وصمتت وتحشرج الصوت في أفواههم. رجل وجد الذين على يمينه هكذا ليسوا مسلمين، فقال لهم: انتبهوا، قولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله وأنتم تصبحون بخير. فقالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وبعد ذلك هبطت الطائرة بسلام، وبعد ساعتين رأى فيهم الخوف الشديد. فلما نزل قال لهم: أنا مسرور منكم جدًا، ربكم -ربنا- هداكم إلى الإسلام. فقالوا له: أي إسلام؟ قالت [له]: أليس أنتم في الأعلى قلتم لا إله إلا الله ومحمد رسول الله؟ قالوا: لا، ذلك في الأعلى وليس في الأسفل. نحن في الأعلى، نحن لا نعني أننا لا نقول ما تريده، ولكننا هنا في الأسفل لا.
لماذا؟ لأن ديانتهم شعور بالطريقة التي هي الميكانيكية هذه. وانتبه، فهذا شعور الأعماق.
مصادر النموذج المعرفي الإسلامي من العلوم الشرعية المختلفة
إذن ففي فكرة وفي مفهوم وفي شعور أعماق. عندما نرجع إلى النموذج المعرفي الذي عرفنا الآن أنه الكامن خلف [كل منظومة فكرية]، فلنسأل أنفسنا: حسنًا، أنا أريد أن أعرف النموذج المعرفي الخاص بي كمسلم، من أين أحصل عليه؟
فأذهب من مجموعة علوم أحصل عليه: الحديث يجلبه، من العقيدة يجلبه، من النظام الفقهي الذي [هو] موجود أيضًا -الكامن في الفقه الذي هو موجود- يجلبه، من مجموعة القواعد الفقهية يجلبه، من مجموعة القواعد الأصولية يجلبه، من مجموعة وهكذا يجلبه، من علم التوحيد أيضًا يجلبه وهكذا.
هذه مصادري لكي أصنع النموذج المعرفي الذي هو الشبكة أو الهيكل أو الشجرة الكامنة في الفكر الإسلامي، والتي يتولد منها كل هذه المنظومة.
النموذج المعرفي الإسلامي يجيب عن الأسئلة الثلاثة الكبرى والمقارنة مع النماذج الأخرى
النموذج المعرفي الإسلامي يجيب عن الأسئلة الثلاثة الكبرى التي هي: من أين نحن؟ الإجابة: الله خلقنا. نعم، سهلة.
لكن في نموذج آخر -دعنا نقول كي نفهم التوازي أو الموازاة هذه التي يسمونها التماثل، يعني هذا بإزاء هذا، عندما نضع اثنين معًا: هذا نموذج وهذا نموذج آخر- فهنا ما الإجابة؟ الثاني يقول ماذا؟ يقول: لا أعرف. وانتبه، أي أنه لا يوجد [إجابة]، أي أنه ما هو [الجواب].
هذا سؤال واحد. آخر -نموذج ثالث- يقول: نبحث وننظر، فننشئ علمًا اسمه الجيولوجيا وعلم الفلك وعلم الأنثروبولوجيا وهكذا، ونبحث حتى نجيب حول هذا السؤال: نحن من أين أتينا؟ وتبقى فيه نظريات وكتب، والثقوب غير السوداء والثقوب السوداء والانفجار العظيم وما ليس بالانفجار العظيم وهكذا إلى آخره. ولكن هنا هو مؤمن بأن هناك إلهًا متعاليًا.
الرد على شبهة أن الإجابات الجاهزة عطلت العلوم عند المسلمين
نعم، هنا أيضًا إن كان أحد يقول: حسنًا، لماذا كانت الإجابة لديكم هكذا موجودة دائمًا بشكل مباشر؟ هذا أدى إلى تعطيل العلوم عند المسلمين، بخلاف ما كان عليه الحال من حالات التحير والتطلع فولّدوا علومًا جديدة وابتكروا تكنولوجيا؛ لأنهم كانوا دائمًا لديهم نهم وتطلع للمعرفة. ولكن عندما صارت الإجابة للأسئلة الثلاثة هذه محسومة وإجابتها معروفة سلفًا، فقد اتكلنا على أن الأسئلة معروفة، فلماذا نبحث؟ أو لماذا -يعني- حالة الفضول المعرفي هذه انقطعت بسبب أن الأسئلة [مُجابة].
أن الأسئلة مجتمعة [مُجابة]، هو الذي حدث أنك تتحدث الآن لكي نرى النموذج الخاص بهذا السؤال أو النموذج المعرفي الخاص به.
الفرق بين الشك المنهجي وشك الحيرة وأثرهما في توليد العلوم
أنت تتحدث عن الفرق بين الشك -شك الحيرة- والشك المنهجي. الشك المنهجي هذا مطلوب وهو معتمد عندنا، وبه توصلنا إلى هذه النتيجة التي نعطيها.
ولكن نريد -وهذا هو الخلل الذي حدث في القرن العشرين بعد محاولات دنلوب بالذات أن يتكلم بالإنجليزية وأن يدرّس بالإنجليزية وأن يلغي العربية في مصر مثلًا- نريد أن ندرّس هذا المنهج الذي هو منهج الشك الذي تكلم عنه الغزالي كما تكلم عنه توماس أكويناس كما تحدث عنه ديكارت.
فإن منهج الشك هذا له فائدة وهو أداة للوصول إلى هذا الحال. لكن الذي يتحدث بهذا السؤال يأتي بنا من أجل شك الحيرة وليس من أجل الشك المنهجي. هناك فرق بين السماء والأرض، كما بين السماء والأرض في الفرق ما بين الشك المنهجي وشك الحيرة.
نحن لا شك أن الحيرة لا تولّد علومًا ولا تولّد شيئًا من هذا.
المسلمون ولّدوا العلوم بالمنهج ثم فقدوا الإبداع لما فقدوا المناهج
لما أراد المسلمون ولما كان المسلمون يولّدون العلوم، أخذوا يولّدون العلوم إلى القرن الرابع الهجري. كانت هناك حضارة وحضارة مفهومة معروفة مستقرة شائعة. لما أصبحت المسألة تتكرر هنا فقدت المناهج، ففقدت الحضارة، وأصبحنا غير مبدعين، أصبحنا حرفيين.
وهناك فرق كبير جدًا بين المبدع والحرفي. من المبدع المجتهد؟ يقول الإمام الغزالي في حقيقة القولين: الإمام الغزالي والفرق بين المجتهد ومجتهد آخر هو التصور المبدع الذي نطلق عليه الآن الخيال الإبداعي. التصور المبدع، فعلى قدر ما يكون التصور [لدى] المجتهد تكون درجته.
هذه المنهجية التي هي المنهجية، ولكن ليس بشك من الحيرة تتولد الحضارة وتتولد العلوم ويحدث كل شيء، وليس نوعًا من أنواع الفوضى غير المنضبطة التي لا تولّد شيئًا.
أصول الفقه كمنهج لفهم النص والواقع ودور الإمام الشافعي في صياغته
أقول لسيادتكم شيئًا: نحن منذ بدايتنا كان لدينا مادة تسمى أصول الفقه -أسس الفهم-. أصول الفقه هذه كانت مبثوثة في طبائع الصحابة الكرام، في المنهج اللغوي الذي كان هو: اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة. وكيف يفهمون النص، كيف يفهمون الواقع، كيف يربطون بينهما. ونشأت علوم وحضارة وفنون وآداب وعمارة إلى آخر ذلك.
فلما جاء الإمام الشافعي كتب هذا، صاغه؛ لأن هناك فرقًا بين الفكر غير المقيد الذي ليست له صياغات -يجري كما يجري الماء في الورد- وبين [أن يكون] له صياغات وهو قابل للتكرار. لا بد من الاثنين؛ لأن العلم يسير هكذا: ينقل المعرفة من جيل إلى جيل. لكن لا بد من الفكر حتى يغذي هذا العلم كل حين، فيتحول -العلم بالصياغة- الفكر يتحول بالصياغة إلى علم.
نشأة الجامعات ومراكز الأبحاث لتغذية الفكر بعد تكلس العلم
الجامعات لما نشأت فكرة الجامعات نشأت من أجل هذا: أنه ما قبل الجامعة يكون تعليمًا وما بعد الجامعة يكون تفكيرًا. وظلت الجامعة هكذا إلى أن فقدت الفكر.
جامعات العالم كلها فقدت الفكر، فذهبوا ينشئون مراكز الأبحاث لما أدركوا ما هذا: نحن علم هكذا فقط وهذا لا ينفع، نحن هكذا أصبحنا مثل المدارس الثانوية والإعدادية. ولذلك أنشأوا مراكز الفكر وأنشأوا مراكز الأبحاث والتفكر الحر حتى يغذي الجامعة التي يتكلس العلم فيها ولم يكن قادرًا على أن يأخذ من التفكر.
فأنا أجيب على هؤلاء [الذين يقولون إن الإجابات الجاهزة عطّلت العلوم] وأقول لهم: ليست هذه هي العلة؛ لأنكم تريدون أن ننتقل من الشك المنهجي إلى الشك المحيّر، والشك المحيّر لا ينتج عنه شيء.
أسباب تأخر المسلمين الحقيقية: فقدان المنهج وتوليد العلوم لا الإجابات الجاهزة
طيب، فلماذا ونحن قد سبقنا هذا؟ فتحي زغلول في أوائل القرن يؤلف كتابًا عن سر تقدم الإنجليز السكسونيين. لماذا هؤلاء أول من جعل العلم تجريبيًا فقط هم الإنجليز؟ ولذلك ثمّ العلم. ليس معناه العلم [المطلق]، هذا معناه العلم التجريبي؛ لأنه لا بد من التجربة والمشاهدة والملاحظة ثم الاستنتاج.
ولكن نحن متى أخفقنا؟ رقم واحد: عندما فقدنا المنهج. ورقم اثنين: عندما فقدنا توليد العلوم. وهذا لم يأتِ من هذه الأسئلة التي هي نتيجة وليست سببًا، وإنما أتى من أنني أصبحت عالة على من قبلي. من قبلي وصل إلى هذا بعد التفكر والتدبر بمنهج وعلوم، وأنا وصلت إليه جاهزًا، يعني كأنني آكل تراث أبي.
فهذا هو القضية، وليست القضية هي أنه يجب عليّ أن أتحير ثم أختار. لا، ليست القضية كذلك. القضية يجب عليّ أن أتمنهج -إن صح التعبير-، يجب عليّ أن أتخذ من الإبستمولوجيا والمنهجية التي هي منقولة من كتبنا أصلًا.
تعريف أصول الفقه عند الرازي وتوافقه مع المنهج العلمي الحديث
ففي أصول الفقه يقول الإمام الرازي -لكي ترى فقط ما الذي حدث-: "معرفة دلائل الفقه إجمالًا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد." أي: مصادر المعرفة، وطرق البحث، وشروط الباحث.
وهي الثلاثة التي تأخذها من كلام روجر بيكون وهو يتحدث عن المنهج العلمي. ولكننا سرنا بهذه الموائمة بين كتاب الله المسطور [القرآن] وكتاب الله المنظور [الكون]، الوحي والوجود.
وهو [الغرب] جعلها في الوجود فقط، وبدأ النزاع بين الدين والعلم هناك من أجل النصوص غير المتوائمة مع التطور التقني. فأصبحت هذه تطبّق في حالة عالم الشهادة فقط، أما الوحي فقالوا: هذا ليس لنا علاقة به. هم لم ينكروه، هم نحّوه. وهذا فرق كبير في النموذج كما سنرى الآن.
الإجابة عن سؤال من خلق الكون ليست سهلة بل وراءها مناهج وعلوم وتدرجات
لأن هؤلاء من ثلاثين خطوة [في النموذج المعرفي الإسلامي] منهم: من هو الله؟ ليس لأن الإجابة سهلة هكذا. هذه الإجابة وراءها مناهج وعلوم وتدرجات.
بعضها يتعلق بالنظر في الكون وبعضها يتعلق بالنقل؛ لأننا نعتمد على ثلاثة أسس: العقل والنقل والذوق. ثلاثة هي: العقل والنقل والذوق. فهكذا يكون التفكير.
وهو أننا تأخرنا لسبب عدم جاهزية العرفان والذوق والقلب -وله أسماء كثيرة-.
قال رسول الله ﷺ: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك»
هذا مصدر المعرفة، أي هذا شيء يمكن أن نعتمد عليه: الحال، الإحساس الذي عند شخص في علاقته بربه.
الفرق بين العلم والمعرفة والذوق كمصدر معرفي عند المسلمين
عند الحضارة الغربية تقول لي: المعرفة أو تقول لي العلم. إذا كنت تقصد العلم، لا، الذوق ليس للعلم. لكن إذا كنت تقصد المعرفة، نعم، هي مصدر من مصادر المعرفة. فـ المعرفة أوسع من العلم.
المعرفة قد تكون معتمدة على العقل، وقد تكون معتمدة على النقل، وقد تكون معتمدة على الذوق. فهذه معرفة إنسانية، وهذا هو الذي يعيشه المسلم في منظومته الأخلاقية.
المصادر في خمسة وتسعين في المائة منها أخلاق أي ذوق. متى تكون كريمًا؟ متى تكرم الضيف -يعني تضيف الضيف-؟ متى تكون رحيمًا؟ متى؟ هذا كله هذا ذوق؛ لأنه ليس له معيار كمّي يُقاس به.
مثال القني ولا تطعمني: الذوق والأخلاق كمعيار لا يُقاس كميًا
في مصر يقولون لك ماذا: "القني ولا تطعمني". "القني" هذا معناه كرم رحمة، "ولا تطعمني" معناه ماذا؟ إذا لم يكن عندك طعام تكرم به الضيوف، حسنًا ابتسم.
قال رسول الله ﷺ: «تبسّمك في وجه أخيك صدقة»
ما هذه المعايير؟ هذا لا يوجد فيه ذلك [المعيار الكمّي]. انتبه، عندما تذهب إلى بلدان أخرى تجد ما يسمى بـ الابتسامة السخيفة؛ يضع هاتين الشفتين بجانب بعضهما البعض وانتهى الأمر. يعني هو قابلك هكذا وبعد ذلك بمجرد أن تمضي هكذا، ما هذا؟ أنت لم تكن مسرورًا إذن.
ولكنني إذن من قلبي من الداخل، هذه أذواق. ما مقاييسها؟ ليس لها مقاييس كمية. ونحن في العلم -وليس علم المعرفة- في العلم، في العلم لا بد من مقاييس كمية حتى ننجح ونقيس ونعرف الخطأ من الصواب.
النقل والعقل والذوق والمعرفة والعلم كلها موجودة في المنظور الإسلامي
ففي نقل، في عقل، في ذوق، وهناك أيضًا المعرفة وفيها علم. كل هذه الأشياء موجودة في المنظور [الإسلامي].
سيدنا، لو سأتمسك في "لاقيني ولا تغذيني"، نعم كما تقول حضرتك. يعني هناك جانبان: جانب "غذيني" وجانب "لاقيني". نعم، هناك أناس أحدهم يمكن أن يتمسك "غذيني" فقط، هذه ناحية مادية. وهناك من يريد الاثنين كما تقول حضرتك.
أنه ممكن نموذج معرفي يكون أوسع من الآخر في هذا الجانب. إذا كنت أفهم صحيحًا، فهل لهذا انعكاسات يمكن أن نراها في منظومة العلوم أو حالة العلوم في مكان ما، أو الحضارة نفسها، أو طريقة الإنتاج، طريقة التعامل مع الفنون، مع الطب؟
النموذج المعرفي يتفرع منه كل شيء والتحيز في العلوم
أي إذا أدركت النموذج المعرفي كله بتفاصيله، تستطيع أن تعرف إن هذا هو الأساس الذي سيتفرع منه ما تقول. وهذا سيسبب حالة كون النموذج المعرفي -نموذجي المعرفي- مختلف عن النموذج المعرفي الخاص بالغربي، مختلف تمامًا عن النموذج المعرفي الغربي.
فهذا سيؤدي إلى ما يسمى في الإنجليزية تحيزًا (Bias). والتحيز يعني: هل العلوم بريئة من التحيز؟ أقمنا مؤتمرًا في سنة ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين اسمه "مؤتمر التحيز" والفنون، فيه سبعة مجلدات: التحيز في العمارة والتحيز في كذا.
ووجدنا أن الكيمياء فقط هي التي لا يوجد فيها تحيز. حتى الطب فيه تحيز، الفيزياء فيها تحيز. يعني شيء مثل المختبر والتجربة، يعني فيه التحيز.
النظريات الكبرى تنقسم إلى وصفي ومعياري ومثال نظرية داروين
عندما نأتي إلى نظريات كبرى أثرت في البشرية واتبعها كثيرون، نجد أن هذه النظريات تنقسم بصورة عامة وإجمالية إلى قسمين: وصفي ومعياري، موضوعي وذاتي. غالبًا ما نكون مع الوصفي نصدّقه.
أعطيك مثالًا كي يتضح الحال: داروين. نظرية داروين نظرية مشهورة وهي قد استقرت في وجدان وتشبّع بها العقل الغربي لدرجة أنه قد يصعب أو يستحيل إنكارها. انتهى، تشبعوا بذلك.
داروين ماذا في نظريته؟ قسم للوصف: ماذا يرى داروين؟ يرى ببساطة أيضًا أن هناك خيطًا خفيًا بين المخلوقات: السمكة لها زعنفتان، والطائر له جناحان، والقرد له يدان، والإنسان له يدان وهكذا. وإذا كان له يدان ورجلان فإن ذلك يعني أن له أربعة مثل الأسد وما شابه.
الاتفاق على الوصف والاختلاف في المعيار: نقد الجانب المعياري من نظرية داروين
الذي يصفه هذا أنا أقول له: نعم صحيح. يقول لي إن هناك علاقة ما بين هذه المخلوقات أو هذه الكائنات، أقول له: صحيح، كلامك صحيح.
فيأتي إذن: فلماذا؟ لماذا تكون هذه [العلاقة]؟ هذا معياري. إذن كيف ولماذا، التي هي كلام أرسطو القديم. ماذا يفعل الآن؟ أين القضية؟
هذه العبارة حقًا، حسنًا فلماذا؟ قال: والله هذا تطور، فالمخلوقات كانت سمكة ثم أصبحت طائرًا ثم حتى أصبحت قردًا فأصبحت إنسانًا. قلت له: لا، إنني لست موافقك على هذه الحكاية.
لماذا لم تقل له: قال الله وقال الرسول؟ لا، قلت له لأن هذه النظرية عجيبة غريبة.
نقد نظرية التطور علميًا: مشكلة الحلقة المفقودة وعدم تكرار العملية
النقطة الأولى: أين الحلقة التي بين الإنسان والقرد؟ غير موجودة، لا في الحفريات ولا في الكون. فأين سيادتكم الحلقة المفقودة ما بين القرد والإنسان، ما بين ذوات الأربع هؤلاء والطائر، أو بين الطائر والسمكة؟ أين هي؟ لا توجد. إذن أعطِ دليلًا يا رجل، وإلا فكلامك لا يُعتد به على أمر غير واقعي، أمر خيالي أنت تصورته لحل مشكلة.
لماذا؟ لك أن تتصور، لكن لي أيضًا أن أنا أرفض؛ لأن هذا معياري وليس وصفيًا. هي ظاهرة موجودة، الشخصان اللذان من النموذجين يريانها ويختلفان في طريقة تفسيرها. التي يختلف التفسير.
وتأتي القضية الثانية في داروين أنه: طيب، لماذا لا تحدث هذه العملية كل عام؟ نجد جماعات من هذه القرود جاءت إلينا وتحولت إلى إنسان. فإذا كان هذا الخلق ليس له خالق فتكون هذه عملية آلية. حسنًا، بعد مليون سنة أصبح القرد إنسانًا، فما دام الأمر كذلك ففي المليون سنة التي سبقتها بسنة كان يجب أن يأتي قرد إنسان، قرد إنسان، كل سنة يظهر لنا قرد إنسان أو مجموعة أو قبيلة قردة. هذا وهذا لا وجود له.
الداروينية الحديثة والإصرار على نفي الخالق ليست سبب التقدم أو التأخر
ولذلك اضطروا من مثل هذه المشكلات أن يعملوا الداروينية الحديثة، ويبدأ أيضًا مصمم على عدم وجود الله، مصمم كما نقول هنا. فما هو؟ هذا جاهز وهذا جاهز، هو الثاني ما هو؟ الاثنان جاهزان.
ولذلك ليست هذه سبب التقدم ولا التأخر، ولا سبب القوة ولا الضعف.
الاتفاق مع فرويد في وصف النفس الأمارة بالسوء والاختلاف في العلاج
عندما نأتي لننتقل إلى فرويد، يقول ماذا؟ يصف لي وصفًا دقيقًا وأنا موافق عليه على النفس الأمارة بالسوء. قلت له: والله يا فرويد، النفس الأمارة بالسوء التي وصفتها أنا موافق عليها مائة في المائة.
فليأتِ إذن العلاج: أنا أقول ينبغي أيتها النفس الأمارة بالسوء أن تشتغلي بالذكر والفكر والتخلية والتحلية، وأن تضغطي على نفسك وتعمليه وتتركي شهواتك ورغباتك لكي تصبحي نفسًا لوامة، وبعد اللوامة تصبحي نفسًا ملهمة، وبعد الملهمة تصبحي راضية مرضية مطمئنة كاملة.
هو يقول: لا، أعطِها، أعطها وقودًا وأشعل هذه النفس الأمارة بالسوء واجعلها نفسًا أمارة بالسوء لكي تهدأ.
البوصيري يرد على فرويد: نموذجان معرفيان مختلفان في التعامل مع النفس
فرويد جاء حديثًا في القرن العشرين، لكن البوصيري يقول له ماذا:
والنفسُ كالطفلِ إن تُهمِلْهُ شبَّ على حبِّ الرضاعِ وإن تَفطِمْهُ يَنفطِمِ
واحذرِ النفسَ والشيطانَ واعصِهِما وإن هما مَحَّضاكَ النُّصحَ فاتَّهِمِ
ولا تُطِعْ منهما خصمًا فأنتَ تعلمُ كيدَ الخصمِ والحَكَمِ
اثنان نموذجان معرفيان، مع أن في نفس الشيء الذي هم يحللونه إنما متفقان على أن النفس البشرية منها نفس أمارة بالسوء. متفقان يا سيدي، وشهوات ورغبات، وأن الجنس يلعب دورًا كبيرًا في حياة الإنسان، ليس كذلك؟
ولكن ليست القضية هكذا. القضية: ماذا نفعل؟ فجاءني هذا يقول لي: هذّبها [وهو النموذج الإسلامي]، ووجّه النموذج هذا وقال لي: اتركها أعطها طعامًا [وهو النموذج الغربي].
التحيز في النموذج المعرفي يؤدي لاختلاف المعيار مع إمكانية الاتفاق في الوصف
إذا النموذج المعرفي من أجل هذا التحيز هو يختلف في المعيار وقد لا يختلف في الوصف. لو اختلف في الوصف سيختلف كما أن أي واحد منا أو هم يختلفون. يعني يأتي يقول: لا، داروين رأى أجناسًا معينة لم يرها أجناس معينة. أنا أيضًا سأقول هكذا، يمكن أن تكون هذه في الوصف.
بالجملة يعني أنا متفق معه بالجملة، لكن أختلف معه في التفاصيل. لكن المعيار قد اختلفت معه تمامًا. لماذا؟ لأن لدي نموذجًا [معرفيًا مختلفًا]. السبب في ذلك هو أن نموذجي غير نموذجه.
فهذا هو النموذج المعرفي الذي يمكن أن نتناقش فيه.
ملاحظة حول التراث الإسلامي بين التطور والقفزات في العلوم التجريبية
أولًا سيدي أستاذي سيدي، أريد أن أعود إلى نقطة فكرة الثورة العلمية أو الثورات العلمية. كان يعني لدي صديق هولندي يدرس في جامعة ييل، فكان لديه -أو يدرس في جامعة ييل- لديه يعني ملاحظة هكذا.
قال لي: أنا ألاحظ أن التراث الإسلامي أقرب لمفهوم التطور، أي أن العلوم -يتحدث عن العلوم الدينية والفلسفية والتراث الديني بشكل عام- أقرب لمفهوم التطور. أما العلوم التجريبية فهي التي يحدث فيها قفزات.
وهنا لا يوجد عليها اعتراض. أنا أشير إلى نفس النقطة أن من الممكن أن يقول أحد إن استشهاد فضيلتكم بأصول الفقه باللغة إن ذلك أيضًا يمكن أن [يُعترض عليه].
التجريبيون في التاريخ الإسلامي والوجود كمصدر أصلي للمعرفة
التجريبية التي مثلًا أصحابها في التاريخ الإسلامي أحيانًا يكونون مثلًا يُكفَّرون أو يُبدَّعون أو أنهم يُتَّهمون اتهامات معينة. ففي النهاية نلاحظ أنه في النموذج الغربي الحديث هو الذي فيه اهتمام بالتجريبيين بخلاف تاريخ التاريخ الإسلامي.
التاريخ الإسلامي كان عبد الحميد العبادي رحمه الله -وهذا كان من كبار المؤرخين- كان يقول: لا يبلغ الفقيه مبلغ الفقه حتى يقرأ التاريخ، ولا يبلغ المؤرخ مبلغ التأريخ حتى يقرأ الفقه.
فالذي حضرته هذا يتكلم، هذا السؤال هو من قرأ عن [التراث الإسلامي] لا من قرأ فيه. الذي قرأ في الكتب التي هي الفقهية، الذي هو يقول ما لها علاقة بالتجريب، يجد أن الوجود أحد مصادر المعرفة الأصلية.
كتاب الله المنظور والمسطور مصدران للمعرفة لا تناقض بينهما
فنحن لدينا كما قلت لك: كتاب الله المنظور وهو الكون، وكتاب الله المسطور وهو القرآن. وكلاهما مصدر للمعرفة. ولأن كتاب الله المسطور وهو القرآن وكتاب الله المنظور وهو الكون كلاهما صدر من عند الله، فليس بينهما تناقض على الإطلاق.
فإذا وصلت إلى قطعي يقيني في كتاب الله المنظور [الكوني]، أحمل عليه كتاب الله المسطور. فأصلًا النزاع بين الدين والعلم غير موجود أصلًا، شيء واحد لأنهما شيء واحد.
وانظر إلى هذه الدائرة -فكرة الدائرة وليست فكرة الخط-:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
وليس "الذي أوحى"، "الذي خلق"، ثم يكرر القراءة:
﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 3-4]
وربك الأكرم الذي علم بالقلم.
﴿نٓ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]
كتاب الله المسطور. اقرأ: فبدأ بالخلق وثنّى بالوحي، يعني الكتاب المنظور والمسطور.
الخلق والأمر كلاهما من عند الله وأساس الفكر الإسلامي عدم التناقض بينهما
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [الرحمن: 1-2]
بدأ بالمسطور.
﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 3-4]
بدأ بعد ذلك عندما يأتي ليقول:
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]
ألا له الخلق والأمر. الخلق الذي هو الكون وما فيه من حقائق ومعلومات، وهذا الأمر [الوحي]. نحن أساسًا فكرنا مخالف لما يقول هذا [النموذج الغربي]. نحن أساس فكرنا أنه ماذا إذن:
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]
يعني كلاهما من عند الله. فأساس فكرنا هو عدم وجود التناقض أصلًا. لكي يقول هذا تطور وأصله هذا قفزات، أو أن التجريب أهم من كتاب الله المكتوب.
من اقتصر على الكون دون الوحي فهو أعرج في المعرفة
لماذا هو يقول له هكذا؟ لأنه لم يدرك، لم يتكلم، لم يتعمق، ولم يقرأ كتاب الله المكتوب [القرآن]. وبعد قراءته أبى، وبعد قراءته رفضه. لا، هو درس فقط المنظور [الكون]، فلما أُخبر أن هناك كتابًا آخر [الوحي] أبى ورفض.
هذا الذي نحن نقول له: أنت هكذا في خطر عظيم علميًا. أنا لا قلت له دينًا أو قلت له وحيًا. أنا أقول له: أنت هكذا أعرج أعور أساسًا في الإبستمولوجيا. أنت هكذا آخذ طرفًا واحدًا فقط من المعادلة وفرح به وجالس تدرس فيه وتقول أنا فعلت وفعلت.
طيب، هذا [الطرف الآخر وهو الوحي] له علومه التي هي أصول الفقه وأصول القواعد، له علومه. وهم يأبون أن ينظروا إلى هذه كعلوم. لماذا أصلًا؟ ليست هنا.
النموذج المعرفي الابتدائي وضرورة الفهم والتفهم والتفاهم بين الحضارات
طيب، وبعد ذلك يبقى: ألا نحل المشكلة؟ كيف يحلها إذن النموذج المعرفي؟ أنه نحن نفهمه من البداية في النموذج المعرفي الابتدائي: أن هناك نموذجًا معرفيًا حاكمًا له يمثل تحيزي في رؤية الأشياء.
أفهمه حتى تتفهمه. ما هو؟ ففي فهم وفي تفهّم وفي تفاهم. لنصل إلى مرحلة التفاهم ينبغي أن يفهم كل واحد: من أنا ومن أنت.
فهذا النموذج المعرفي هو الإجابة على سؤال "من أنت؟" فقلت له: أنا هذه النقاط الثلاثون. قال لي: لكنني ثلاثون نقطة أخرى. قلت له: حسنًا، لنتفق إذن كي نتفاهم ونتعاون ويكون بيننا وبين بعضنا البعض الصور [الواضحة]، نفهم بعضنا البعض بدلًا من حوار الطرشان.
فهم النموذج المعرفي للآخر واحترام الخصوصية بدلًا من التصادم
نفهم النموذج المعرفي: قل لي نموذجك الذي هو ثلاثون نقطة، وأيضًا يوجد ضد الثلاثين نقطة الخاصة بي. وأنا أقول لك أنني لست مؤمنًا بكلامك، لدي تحيز والتحيز الخاص بي، وأنت لديك تحيز والتحيز الخاص بك.
هذا يقول لي: حسنًا فهمت، هذا أنت هكذا. ولذلك بعد عام ستين بدؤوا يتحدثون عن احترام الخصوصية. اكتشفوا أن الصين هذه حضارة، وأن اليابان هذه حضارة، وأن الإسلام هذا حضارة.
فقالوا إذن: فليعش كل واحد منهم في خصوصيته حتى لا يحدث صدام. حسنًا لا بأس، كل واحد يعيش في خصوصيته، وهيا نقول إن هناك نوعًا من أنواع التعاون على بروتوكولات تقوم -نقول- على التفاهم، نقول على التعايش. ما رأيك بدلًا من التصادم؟
التطور موجود عند الجميع والمقارنة الصحيحة تكشف أن الجمع بين المنظور والمسطور أفضل
أيضًا البعض دائمًا نفسه خاصتهم فيه الصدام، أنه إن العالم هذا مبني على الصدمة. وعلى فكرة يوجد أيضًا تطور عندهم، ليس قفزات فحسب بل أيضًا يوجد تطور موجود. وحتى يوجد تطور في الفكر، في السياسة، وفي كل شيء يوجد تطور.
نحن في عام ألفين وسبعة عشر لسنا كما كنا في عام ألف وتسعمائة وسبعة عشر ولا ألف وثمانمائة وسبعة عشر. بل يوجد تطور، ويوجد تطور بطيء وتطور سريع وهكذا.
ولهذا التطور ترتيب: تبدأ هناك فكرة ثم تتحول إلى رواية، ثم الرواية إلى فيلم في السينما، ثم إلى الصحافة، ثم إلى مراكز الأبحاث، فتذهب إلى الجامعات، فتذهب إلى الجهة السياسية حتى تُتخذ فيها القرار، ويتحول هذا بعد ذلك إلى نوع من أنواع العلم.
مسار الأفكار من الرواية إلى العلم واحترام مجال المقارنة
اقرأ لفظ العولمة مثلًا أو الجلوبال، فستجده يسير هكذا. اقرأ كل الجريد نوفل التي طُبعت في الموسوعة البريطانية ألف وتسعمائة واثنا عشر ستجدها تسير هكذا. كل الروايات العظيمة هي تعبر عن أفكار عظيمة.
هذه الأفكار العظيمة عندما أرادوا أن يوثقوها أخرجوا الكتب العظيمة التي هي الكتب العظيمة. هذه الكتب العظيمة كانت حوالي عندما بدأت أربعمائة وخمسين كتابًا، الآن خمسمائة وستة عشر كتابًا. بعد ذلك في الثمانينيات أخرجوا مجلة سنوية لإضافة الأفكار.
ولذلك لا بد من احترام المجال. يعني هو يقول إن أصل هذا قفزات وهذا تطور. لا، قارن هذا بمثيله من الاجتماع البشري ستجده تطورًا، وقارن هذا بمثيله بما حدث في العالم كله ستجده أيضًا هو نوع من أنواع القفزات. فاختلال مجال المقارنة هو الذي يسبب هذه المسألة.
الحضارة الغربية حصرت نفسها في الدنيا فنشأت مشكلات ورفاهية لكن الجمع أفضل
التطور من مكان وأحدث قفزات من مكان آخر، وهو له خيار بينهما. لا، نحن لسنا نقول، أو نحن نقول ونحن نريد أن نجمع بين الاثنين، أو نحن ندّعي أننا جامعون بين الاثنين. ولذلك نحن ما زلنا نعيش ونتطور وهكذا إلى آخره.
لكنه لأنه حصر نفسه في الحياة الدنيا نشأت من هذا التحضر مشكلات، لكن نشأت أيضًا منه أنواع من أنواع الرفاهية وأنواع من أنواع المتعة وأنواع من أنواع كذلك غير منكورة.
ولكن نحن نقول إن هذا المجمل خير من هذا الانفراد.
سؤال الشباب المسلم: كيف نتعامل مع غياب صياغة واضحة للنموذج المعرفي الإسلامي؟
في سؤالين يمكن أن يكونا قادمين من المتابعين، سنحاول أن ندمجهما في سؤال واحد. هما النقطتان: اليوم كمسلمين المشاركة في العلوم بالمنظومة الخاصة بنا أو بالنموذج المعرفي أو النظرة الخاصة بنا يعني متأخرون فيها أو في صياغتها أو في وجودها.
وفي الناحية الأخرى أبناء المسلمين -ويعني الذين أنا منهم- يعني أنا شاب نشأت في ظل تعليم حديث ويعني في نموذج معرفي حاكم يتدخل في حياتنا، مع عدم وجود صياغة واضحة منتشرة بين الناس للنموذج المعرفي الإسلامي.
وبالتالي عندما أتحير أو تأتيني الأسئلة الكبرى هذه ربما لم أكن أعرف كيف أتعامل معها، يعني لا أعرف أنا تابع لمن، ولا أنا ماذا، عرّفني أصلًا أي النماذج فيها الصحيح لدراسة هذا إلى آخره ولدراسة هذا حتى آخره. فحضرتك أي كيف ترى هذه الأمور أو بماذا تنصح فيها؟
مراحل نشر الفكرة الأربع: الإنشاء والتبني والنشر والشيوع
أرى أننا بدأنا وأن هذه البداية لا بد من مرورها بأربع مراحل:
- إنشاء الفكرة غير تبني الفكرة.
- وتبني الفكرة غير نشر الفكرة.
- ونشر الفكرة غير شيوع الفكرة.
نحن أنشأنا الفكرة. تحدث علماء الاتصال الجماهيري عن أنه لا يمكن الأربعة يقوم بهم شخص واحد ووجه واحد.
لعل الذي نحن نعمله الآن في مبادرة سؤال وفي التواصل مع المستمعين الكرام الآن يكون هو نوع من الخروج من هذه المسألة أو من هذه المشكلة.
الإقرار بالمشكلة والدعوة إلى أن تتولى كل مرحلة أهل الاختصاص
إذا أنا أقر بهذه المشكلة فعلًا إنها موجودة. ورقم اثنين أقول وأدعو إلى أن تتولى كل مرحلة من المراحل أهل الاختصاص فيها. هذه مشكلة أمة وليست مشكلة فرد.
فالحمد لله رب العالمين، نحن وصلنا إلى صياغة النموذج المعرفي، حتى اختيار الاسم له، حتى المقارنة بينه وبين غيره، حتى ربطه بالكامن في الحضارة الإسلامية والكامن في العلوم الإسلامية، حتى مواجهة العصر به. كل هذا مكتوب الحمد لله في كتبنا.
nحو أربعين سنة ونحن ندرس ونكتب كذلك. هيا تتبنى هذا أو تتبنى المؤسسات تبنّيًا كذلك، ثم بعد ذلك يُنشر، ثم بعد ذلك ينتشر. كما قلنا الآن أن الرواية فالسينما فالصحافة.
كل مرحلة من مراحل نشر الفكرة تحتاج طائفة مختصة والإرهاب يعيق هذا المسار
لا بد على فكرة أن المؤلف الأول لم يكن يخطر في باله وهو يؤلف الرواية أنها ستصبح فيلمًا، أم هذا الذي أنشأ الفيلم إنها ستصبح في الجامعة بعد حين أو في مراكز اتخاذ القرار.
فإذا لزم كل طائفة في الأمة أن تقوم [بدورها]، هذا الكلام لا يؤثر عليه. يجرني إلى شيء لا أقدر أن أصرح به في هذا المقام، وهو سؤالك هذا يبين مدى جُرم ما يحدث من إرهاب.
يعني يا أولاد، نحن فارغون هذا؟! نحن وراءنا عمل كثير جدًا، ونحن مقصرون ومتأخرون في هذا المجال. فينبغي عليه ليس واحدًا ولا عشرة، هذه أمة. بدلًا من أن تجلس تصطدم فيما لا معنى فيه وتفسد في الأرض وتسفك الدماء وتفعل، أنت وراءك أشياء أخرى. ولكن الإرهاب أسهل منه، وليس هناك [عذر].
الإرهابيون يدّعون الانتماء للنموذج المعرفي الإسلامي وحل النبي ﷺ لهذه المشكلة
سيدي، نعم أنا كنت أريد أن أسأل حضرتك يعني قبل أن تثير حضرتك الفكرة: بأن بعضًا ممن ينتمي أو يدّعي الانتماء إلى هذا النموذج المعرفي -النموذج المعرفي عند المسلمين- تصدر عنه مثل هذه الأفعال [الإرهابية]. فبعض الناس ينظرون فيقولون: حسنًا فما هو إذن [النموذج] المعرفي الذي هو القرآن والكون، ويدّعون الانتساب إلى المعقول والمنقول، ثم تصدر عنهم هذه الأفعال؟ فهذا يعني أنه يغذي الحيرة الموجودة.
لا تأخذني، سأقول لك إن هذه حلّها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتبه، عندما يأتي ليقول ماذا: يقرؤون القرآن، ها هو يقرأ القرآن، ها هو الذي نتحدث عنه:
قال رسول الله ﷺ: «يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم»
فيبقى هناك خطأ في شيء ما.
الفارق بين من فهم حقيقة الإسلام ومن وقف عند النصوص دون فهم
عبد الرحمن بن ملجم كان حافظًا للقرآن من تلاميذ معاذ بن جبل، وهو الذي قتل باب مدينة العلم [الإمام علي بن أبي طالب] زوج ابنة رسول الله.
فإذا كان هناك فارق كبير بين من فهم حقيقة الإسلام وبين من وقف عند النصوص. ولذلك قلنا فارقًا ما بين النص وتفسير النص وتطبيق النص، وأن هناك قواعد من أجل فهم هذا النص للتفسير، وهناك قواعد أخرى بعلوم أخرى من أجل تحويل هذا التفسير إلى تطبيق.
في هذه المرحلة الأخيرة نراعي فيها المصالح، نراعي فيها المقاصد، نراعي فيها المآلات، نراعي فيها [أمورًا كثيرة]. وحينئذ كلمة المصالح وحدها هذه كلمة بها عمارة الدنيا.
مشكلة الإرهابيين ليست حفظ القرآن بل عدم فهم الدين وفقدان أدوات الفهم
فإذا نحن الحقيقة أن هؤلاء الناس ليست مشكلتهم أنهم يحفظون القرآن أو لا يحفظون القرآن، بل مشكلتهم أنهم لا يفهمون. يعني لم يصلوا إلى النموذج الكامل، لم يصلوا إلى النموذج أصلًا.
يا أخي، إن الإرهابيين لو سمعونا الآن لأنكروا كل ما نقول، وقالوا: أين في كتاب [الله] نموذج معرفي؟ أين في سنة رسول الله هذا الكلام الذي تقولونه؟ أم أن الزعم معروف وأُخذ بالاعتبار؟ أم أنه النقل والعقل والذوق، من قال هذا؟ وهكذا.
إذا هي طريقة تفكير مختلة. هذه طريقة التفكير المختلة هي التي أدت إلى الصدام مع الكون والصدام مع الآخرين والإفساد في الأرض.
النموذج المعرفي الإسلامي الصحيح يفتح آفاقًا إنسانية عليا ويحقق السعادة
أما نحن نبين للناس أننا نقول شيئًا: إذا أراد [الإنسان] أن يقرأ القرآن من خلاله [النموذج المعرفي الصحيح] وجده يتفتح معه ويفتح له آفاقًا إنسانية عليا.
وإذا أراد أن يطلع على السنة استطاع بموجبها أن يفرق بين الرواية والدراية. وإذا جاء يطبق الدين بجزئياته وتفاصيله في واقع حياة الناس لوجد خيرًا وسعادة، وهنا وجد حبًا.
إذا كان هذا النجاح، أما أن يلعنه الناس وتلعنه الملائكة ويلعنه الملأ الأعلى، فما هو النجاح هذا؟ إذا كان هؤلاء الناس ليس السبب هو أنه يعرف القرآن حفظًا، السبب هو أنه لا يعرف الدين أصلًا. فهذا هو السبب الحقيقي.
الرد على من يقول إن النموذج المعرفي الإسلامي أظهر داعش: القرآن جملة واحدة ونظرية الشروط
طيب سيدي، هناك سؤالان قادمان معي فيهما هجوم حول هذا الكلام. أعتقد أننا مررنا عليه الآن وهو أن هناك من يقولون بأن النموذج المعرفي الإسلامي هو الذي أظهر لنا داعش والإرهابيين من أحاديث وآيات القرآن المتعلقة بالقتال. فلست أدري إن كنت تريد التوسع فيه أكثر أم لا.
أي كلمة واحدة وهو أن القرآن -فيما تعلمناه ممن لم تتعلمه داعش ولا الجماعات الإرهابية ولا غيرها- كالجملة الواحدة. هذه عبارة لم ترد عليهم: لا يجوز أن نقول "فويل للمصلين" أو "لا تقربوا الصلاة". يجب علينا أن ننظر إلى القرآن كجملة واحدة.
الأمر الثاني الذي افتقدوه هو نظرية الشروط التي تعلمناها في أصول [الفقه]: كل ما في القرآن مشروط.
مثال الصلاة بدون شروط: كيف يفعل الإرهابيون مع آيات القتال
إذا أردت أن تصلي فعليك أن تتوضأ وأن تستقبل القبلة وأن يكون المكان طاهرًا والجسد طاهرًا والثياب طاهرة.
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]
حسنًا، افترض أنك استدبرت القبلة وصليت من غير وضوء وقبل دخول الوقت. أنت صليت، قلت الله أكبر وقرأت الفاتحة، هل هذا مقبول عند الله أو عند الناس أو عند أحد؟ الإجابة: لا. لماذا؟ لأنه ترك الشروط. هكذا يفعل هؤلاء [الإرهابيون].
مع أن واحدًا يمكن أن يأتي لها من القرآن:
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 115]
يقول لك هو معه دليله من القرآن والسنة، هذا واسع إذن. هذا يقول لك أنا سأتوضأ بعد أن أصلي:
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا﴾ [المائدة: 6]
يبقى تتوضأ بعد أن تصلي! وسيختلط الأمر في دين الله ما شاء الله. يمكن [أن يحدث هذا الخلط].
داعش نشأت لفقدان الشروط والفهم المقلوب وليس بسبب القرآن أو الأزهر
فليس القرآن هو الذي أنشأ داعش، ولا الأزهر هو الذي أنشأ داعش، ولا هذا إطلاقًا. داعش نشأت لأنها فقدت الشروط التي بموجبها يكون القتال.
أولًا: لم يفرقوا بين القتال والقتل. وثانيًا: أنهم قد حاربوا تحت راية عمياء.
قال النبي ﷺ: «أنا بريء ممن قاتل تحت راية عمياء»
فماذا نفعل؟ حسنًا يعني هذه الكتابة هي السنة. ولذلك لا تجد أن علماء الأزهر وغيرهم إلى آخره أن يميلوا إلى هذا الفساد في الأرض بهذه الكيفية إطلاقًا نهائيًا.
لكن قد يجهل حال حاجة مثل هذه الإرهابية، قد يجهلها فيقول: هؤلاء يعملون خيرًا، أعمل خيرًا. وهو مخطئ في هذا، ولكن ليس مجرمًا. هؤلاء مجرمون، لكن هؤلاء مخطئون.
فكرة الهرم المقلوب وفقدان الشروط عند الجماعات الإرهابية
فإذا فقد هذا [التمييز بين المجرم والمخطئ]، ثالثًا: قضية فكرة الهرم المقلوب. لما دخلنا [الدراسة الشرعية] قلنا: بسم الله الرحمن الرحيم، جلسوا ستة أشهر يعلموننا فيها، فقرأنا القرآن كله من بسم الله الرحمن الرحيم.
ودخل [الإرهابي] أول ما دخل قالوا:
﴿وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: 191]
ونسي الشروط! يقول: "أخرجوهم من حيث أخرجوكم"، أأنت أخرجوك أم أنت الذي أخرجت اليزيديين وأخرجت الآشوريين وأخرجت أهل العراق وأهل الشام؟ وهكذا.
يعني إذا هؤلاء الخلل فيهم هو فقدان الشروط والفهم المقلوب. والقرآن جملة واحدة.
أدوات فهم النص العربي وحروف المعاني وأهمية الجلوس مع العلماء
والأدوات [اللغوية لفهم القرآن]: كانوا يقولون لنا ما العكاكيز هذه؟ "أل" تأتي للاستغراق وتأتي للعهد، وتأتي للعهد الحضوري والعهد الذهني. نعم، ونجلس مع الشيخ ليفسر لنا هذا الكلام، وبعد ذلك نأتي فاهمين النص بموجب هذا.
قال هنا:
﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ﴾ [البقرة: 120]
للاستغراق أم للعهد؟ اليهود هؤلاء الذين كذبوا عليك وحاربوك وخانوك وباعوك أثناء الحرب، أليس كذلك؟ انتبه.
فيلزم [فهم] حروف المعاني. حروف المعاني، حروف المعاني هذه تتضمن أفعالًا على غير الأفعال التي جاءت معها، إذا جاءت مع غير فعلها. وأشياء كهذه تثمينًا يا إخواننا، أليس كذلك؟
هؤلاء الناس يقرؤون النص وهم غير راضين أن يتركوا [الفهم السطحي].
مثال ود كثير من أهل الكتاب: الكثير مقابل الأكثر وفهم النص بدقة
عندما يقول لي أحدهم في إندونيسيا: إنهم ينصّروننا، نقول لهم: كل عام وأنتم بخير، أم لا؟ فقال: اقرأ القرآن:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [البقرة: 109]
حسنًا، والكثير مقابل ماذا؟ الأكثر. حسنًا، يعني الأكثر من أهل الكتاب لم يودّوا [ذلك]. وهذا الذي جعل النووي يقول إنه الصحيح والأصح.
انتبه، فالكثير مقابلها أكثر. إذن هؤلاء الناس:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا﴾ [البقرة: 109]
فماذا أفعل هنا إذن إلا أن أقاتلهم وأضربهم وأتركهم [كما يزعم الإرهابيون]؟! إذ أن فكرة الدعوة إلى الله وفكرة الصبر على البلاء وفكرة الأشياء التي اتبعتها الأمم فقد فازت فعلًا، واتبعها المسلمون ففازوا، واتبعها مثلًا الزنوج في أمريكا ففازوا في النهاية. وهم يتساءلون: لماذا لا تفعلون كما يقول لنا ديننا هكذا؟
حالة الإرهاب ليست ناتجة من القرآن والسنة بل من نفوس تشربت العنف وفقدت أدوات الفهم
أريد أن أقول لحضرتك أن هذه الحالة [الإرهابية] ليست ناتجة من القرآن والسنة ولا من التاريخ ولا خلافه. هذه آتية من نفوس تشربت العنف من ناحية، ولم تفهم الدين لفقدان أدوات الفهم من الناحية الثانية.
الرد على شبهة أن داروين لا يقول إن أصل الإنسان قرد وتوضيح المشكلة الحقيقية
السؤال الثاني يا سيدي، سواء أيضًا يعني اللغة ليست لغتي يعني لغة السائل: أنتم يا مولانا تقولون إن أصل الإنسان ليس قردًا وداروين يقول عكس ذلك، هذا أصل مشكلتنا معكم يا مشايخ. يعني كما لو كنا لا نفهم.
السؤال أنه يقول إن داروين لا يقول الكلام الذي تقولون إن أصل الإنسان قرد. لا أعرف إن كنت فهمت السؤال صحيحًا.
لا، هو فعلًا ما هو، نحن لم نقل إن أصل الإنسان قرد. لو أنك راجعت كل المسجّل لم نقل هذه العبارة. هو يقول إن الإنسان له سلسلة وأن القرد هذا فرع، أي أنه من فرع الأصل.
ولكن المشكلة ليست كذلك. المشكلة: أين هذه الحلقة المفقودة؟ ولماذا لم تتكرر؟ هذه هي المشكلة، هذه هي الحكاية. فهو يقول له: لا، نحن فاهمون والمشايخ فاهمون.
ختام اللقاء والدعوة لتكرار الجلسات النقاشية والبحث والسؤال
طيب يا سيدي، أي أننا أظن كذلك انتهينا ووصلنا إلى نهاية الجلسة النقاشية هذه. وكنا نتمنى من حضرتكم دعوة أو وعدًا لبقية المتابعين على الصفحة بأن يتكرر هذا اللقاء.
إن شاء الله في الفترات القادمة بإذن الله سبحانه وتعالى. أهلًا وسهلًا بكم، إن شاء الله كلما سمحت الصحة والجسد الضعيف نفعل هذا. جلستكم ممتعة ممتعة وطيبة وخفيفة.
وجمع من الإخوة أسئلتهم، جمع منهم. دعهم يسألوا ويبحثوا عما يريدونه. وانتبه، سواء قال "يا مشايخ" ليس لنا تدخل، ولكن يقول لأن القضية ليست كذلك. لا، القضية ما هو: يجب أن نفهم مقاصد الكلام وليس أن نقف عند جزئيات العبارة؛ لأن الأسئلة لها درجات في التفصيل.
فمن أراد يسأل عن أي درجة كانت، إن شاء الله ربنا يعين ونحاوره ونجيبه إن شاء الله سبحانه وتعالى.
شكر المتابعين والإعلان عن قنوات نشر الحلقة
وأشكر المتابعين معنا في هذا اللقاء، وإن شاء الله نعدكم بلقاءات أخرى، ونشكركم على أسئلتكم وعلى متابعتكم.
إن شاء الله يمكن أن تروا التسجيل -تسجيل الحلقة- الذي سينزل على صفحة "سؤال" على الفيسبوك التي هي "س و أ ل"، وتسجيلها إن شاء الله سيكون أيضًا على نفس القناة التي هي قناة اليوتيوب الخاصة بالمبادرة، وموقع المبادرة الذي هو "السؤال دوت أورج" (s-u-a-l.org).
وشكرًا لمتابعتكم، السلام عليكم ورحمة الله.
