حول الخلاف بين السنة والشيعة أ.د/ علي جمعة | أفيقوا يرحمكم الله |
- •الشيعة مذهب إسلامي اختلف مع أهل السنة في خمس قضايا رئيسية: تحريف القرآن، سب الصحابة، التقية، البداء، وعصمة الأئمة.
- •في بدايات القرن العشرين جرت محاولات للتقريب بين السنة والشيعة، حيث جاءت وفود شيعية إلى مصر والتقت بعلماء الأزهر.
- •تم تأسيس جمعية "التقريب بين المذاهب الإسلامية" بقيادة الشيخ محمود شلتوت لحل المشكلات الخلافية.
- •اتفق الطرفان على عدم استخدام مصطلح "تحريف القرآن" واستبداله بـ"القراءات الشاذة"، وعدم تكفير الصحابة أو سبهم.
- •أوضح الشيعة أن التقية ليست كذباً وإنما "حكاية مذهب الخصم" عند الضرورة، وأن البداء ليس تغييراً لرأي الله.
- •يرى المحاضر أن اجتماع الأمة أفضل من افتراقها، لكن مع التنبه الشديد وضرورة التزام الشيعة بما تم الاتفاق عليه.
قضية السنة والشيعة والتعامل الصحيح مع الخلافات الجوهرية بينهما
قضية السنة والشيعة، ما هو التعامل الصحيح في هذه القضية؟
الشيعة مذهب من المذاهب الإسلامية، إلا أنهم قد اختلفوا معنا في أمور شديدة لم نقبل أن تمرّ هكذا. الشيعة اختلفوا معنا في قضايا، أولها قضية تعبيرهم بتحريف القرآن؛ ففي كتبهم خاصة في القرون الماضية استعملوا هذا التعبير بأن القرآن محرّف.
كلمة "محرّف" عندنا تعني أن هناك نسختين، ونحن لم نرَ نسختين للقرآن. هذه النسخة التي معنا لم نرَ النسخة المقابلة التي قد حُرِّفت عنها، أو النسخ. لم نرَ [قرآنًا آخر]؛ هذا القرآن هو القرآن منذ عهد النبي ﷺ وإلى يومنا هذا، يدل على ذلك المصاحف المنتشرة في كل مكان في الشرق وفي الغرب وفي الشمال وفي الجنوب.
محاولة الألمان إثبات تحريف القرآن وفشلهم بعد جمع أربعين ألف نسخة
وحاول الألمان أن يتلقّفوا هذا الكلام من الشيعة، فأنشؤوا قبل الحرب العالمية الثانية معهدًا كبيرًا جمعوا فيه أربعين ألف نسخة مصحف، واشترطوا أن تكون من أزمنة مختلفة ومن أماكن مختلفة.
وتحقق لهم هذا، وجلسوا يبحثون في المقارنات بين هذه النسخ فلم يجدوا فيها شيئًا من التحريف. ولما انتهوا من أكثر من ثمانين بالمائة من هذه الأربعين [ألف نسخة]، أخرجوا تقريرًا باللغة الألمانية حُفِظ بالمكتبة الوطنية ببرلين.
نتائج التقرير الألماني وإثبات عدم وجود تحريف في القرآن الكريم
وهذا التقرير يُثبت أنهم قد انتهوا، أنهم قد أولًا جمعوا هذه النسخ وأنها بلغت أربعين ألفًا، وأنهم انتهوا من المقارنات، وأنه لا يوجد بينها إلا ما يوجد في أخطاء النُّسَّاخ.
يعني [مثلًا]:
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]
مكتوبة "لا زيت فيه"، ما معنى "لا زيت فيه"؟ لا معنى لها، وليس هذا تحريفًا أصلًا؛ هذه نقطة سقطت ولم يلتفت إليها راعيها.
[ومثال آخر]:
﴿عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ﴾ [الأعراف: 156]
فوجدوها "من أساء"، ولكن وجدوها "من أساء" بالضم، إذن هي "من أشاء"؛ لأنها لو كانت "أساء" لكانت فتحة. فهم مدركون أن هذا ليس تحريفًا وأن هذا من قبيل خطأ النُّسَّاخ.
حفظ التقرير الألماني في برلين وتدمير المعهد بقنابل الحلفاء
ووضعوا هذا التقرير في برلين في المكتبة الوطنية ببرلين، وهو محفوظ إلى اليوم هناك.
ومن قدر الله - ولله أقدار وحِكَم - جاءت قنابل الحلفاء فضربت هذا المعهد بالذات وأحرقته بما فيه من النسخ.
لماذا؟ الله أعلم، نعلم يوم القيامة يخبرنا الله تعالى ما الذي حصل، وهل هناك شيء حدث هنا [في هذا المعهد] جعل ربنا يخسف بهم الأرض. لكن التقرير موجود إلى يومنا هذا.
القضية الثانية سب الصحابة الكرام في كتب الشيعة الأولى
إذن، فتحريف القرآن كلام صعب لا نقبله.
ثانيًا، قضية سب الصحابة الكرام؛ فإنهم في كتبهم الأولى قد سبّوا الصحابة كثيرًا رضي الله تعالى عنهم. وكنت كتبت مقالة في الأهرام ذكرت فيها أنهم يكادون لا يعترفون إلا بخمسة من الصحابة.
فردّ عليّ أحد أئمة الشيعة وقال: لا، نحن نعترف بخمسة فقط، نحن نعترف بتسعة. قلت له: حسنًا، سأقول دائمًا تسعة بعد ذلك.
الصحابة كانوا مائة وأربعة عشر ألفًا، وصل إلينا بأسمائهم تسعة آلاف وخمسمائة، والرواة ألف وسبعمائة وتسعون. فهؤلاء الرواة ليس فيهم منافق وليس فيهم مقدوح فيه. هؤلاء الرواة خلص، أنت تقول تسعة، عشرة، حسنًا مائة، وماذا عن الباقي؟ توجد أزمة هنا وهي سب الصحابة.
القضية الثالثة التقية واستحلال الكذب وأثرها على جماعة الإخوان
والأمر الثالث التقية، وهم بذلك يستحلّون الكذب. ولقد أخذت جماعة الإخوان الإرهابية هذه الخصلة منهم؛ أنهم يكذبون لله عبادةً لله، لأننا لسنا منهم فلا بد أن يُخفوا حتى يصلوا إلى الحكم، فاستحلّوا الكذب والعياذ بالله تعالى.
حتى إن هذا الكذب كما قال رسول الله ﷺ:
«لا يزال أحدكم يكذب ويكذب حتى يُكتب عند الله كذّابًا»
سيطر [الكذب] على أذهانهم في الآراء؛ يكون لأحدهم رأي فيكون رأيًا كاذبًا لأنه تعوّد على الكذب.
اتصال حسن البنا بالشيعة ومخاصمة محب الدين الخطيب له بسبب التقية
وهذا في اتصال حسن البنا بالشيعة؛ خاصمه محب الدين الخطيب الوهابي، خاصمه وقاطعه بعدما اتصل [حسن البنا] بالشيرازي والكاشاني وآخرين في المدينة، ثم بالصديق القومي هنا في مصر.
فمحب الدين خاصمه وقالوا له: أبدًا، أنت الآن وكأنك تُحِلُّ التقية. فأجاب حسن البنا: أبدًا، حتى نصل إلى الحكم وحتى نصل إلى كذا لا بد من شيء من هذا القبيل.
القضية الرابعة البداء والقضية الخامسة عصمة الأئمة عند الشيعة
القضية الرابعة التي بيننا وبينهم هي قضية البداء، والبداء معناه أن الله يغيّر رأيه، يغيّر رأيه [سبحانه وتعالى عن ذلك].
والقضية الخامسة، ونحن عندنا أن الله عليم بالكليات وبالجزئيات وبكل شيء. القضية الخامسة هي قضية عصمة الأئمة.
هم يعتقدون في الأئمة: سيدنا علي، ثم الحسين، ثم علي زين العابدين، ثم محمد الباقر، فجعفر الصادق، فموسى الكاظم، فعلي الرضا، فكذا إلى آخره الاثني عشر، أنهم معصومون كشأن سيدنا النبي ﷺ فلا يخطئون أبدًا.
الفرق بين المحفوظ والمعصوم وأن العصمة عند الشيعة تعني مصدرًا للتشريع
وليست العصمة عندهم أنهم من المحفوظين - هذا نوافق عليه - أنه لم يرتكب ذنبًا قط. الإمام النووي لم يرتكب ذنبًا قط، الشافعي لم يرتكب ذنبًا قط، الرفاعي، الشاذلي، ما ارتكبوا ذنوبًا قط؛ محفوظ.
والمحفوظ شيء والمعصوم شيء آخر؛ المعصوم معناه أنه لا يخطئ وأنه مصدر للتشريع، وهو كذلك عندهم.
الخلافات الخمس الأساسية والفرعية بين السنة والشيعة ومحاولات الحوار
هذه الخمسة هي الأساس. فلما جاؤوا إلينا في بدايات القرن الماضي، القرن العشرين، أرادوا أن نتحاور ونتناقش.
وكانت هناك مسائل كثيرة مثل زواج المتعة، ومثل أنهم يجمعون بين المرأة وخالتها وبين المرأة وعمتها لعدم اعتمادهم على حديث البخاري في التحريم، مثل أنهم يصلّون بطريقة معينة ولا بد أن السجود يكون على التربة، ومثل أنهم يعتبرون الإمامة من أصول العقيدة، مثل أنه توجد أشياء كثيرة.
لكن يمكننا أن نسكت عنها مع عدم اعتقادنا فيها، ومع أن لنا رأيًا آخر إلا أننا نتعاون. إنما هذه الخمسة لا تعاون فيها ولا مفاهمة؛ لا بد أن ترجعوا عنها.
ادعاء شرف الدين الموسوي بمراجعات مع الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر
وجاءت وفود في إثر وفود، فجاء شرف الدين الموسوي وادّعى - وهذا ما لم يتحقق لدينا - أنه قد قابل الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر.
شرف الدين الموسوي بدايته شين، وسليم البشري بدايته سين، والشيعي بدايته شين مثل شرف، والسني بدايته سين كالسليم.
فادّعى شرف الدين - لأننا لم نجد في أوراق سيدنا الشيخ سليم البشري شيئًا مما قاله - فادّعى أن هناك مراجعات ومفاهمات وحوارات قد جرت بينه وبين الشيخ سليم.
نشر كتاب المراجعات بالشين والسين وتصوير الشيخ سليم كطالب مبتدئ
ولما نشر [شرف الدين] هذا الجزء من المراجعات نشره بالشين والسين: شين قال كذا، سين قال كذا، قال الشين كذا وقال السين كذا. حسنًا، شيعي وسني.
ومال [الكتاب] إلى الشيعة وكأن الشيخ - وكان الشيخ [سليم البشري] من كبار العلماء، ومما كان أنه كان يحفظ البخاري بأسانيده - الشيخ سليم وكأنه كان طالبًا في الصف الأول الابتدائي! هكذا صوّره شرف الدين.
قال [شرف الدين]: أنا كنت أتكلم مع أحد علماء السنة فقلت وقال، قلت وقال، للكتاب كله في صورة حوار. وبعد وفاة الشيخ سليم طُبع الكتاب.
التوثيق والأدلة على كذب كتاب المراجعات المنسوب لشرف الدين
شرف الدين وسليم، عندنا هذا وعندنا هذا وعندنا هذا [من الوثائق]، كي لا يقول لك: أنتم ليس لديكم. لا، لدينا وثائق، كله بالوثائق.
فالشين أصبحت شرف، والسين أصبحت سليم. هذا نظنه أنه كذب.
الوفود الشيعية في النصف الأول من القرن العشرين وتحديد النقاط الخمس المرفوضة
ولكن أُثيرت في هذه [القضية مسائل كثيرة]. عندما جاء الصدوق القمي، وعندما جاء الشيرازي والكاشاني، وكذلك وفود كثيرة هجمت علينا في النصف الأول من القرن العشرين، وقابلت المشايخ وحددوا هذه النقاط الخمس التي لا نقبلها.
أما بقية النقاط فهي خلافات، حتى نكاح المتعة وغيره، فهي خلافات فقهية لا تضر بشيء وإن كنا لا نقول بذلك. ونقول إن نكاح المتعة هذا زنا، ولكن أيضًا خلاصة الأمر أنك تملك رأيًا ودليلًا وترى أنه ليس زنا وأنه ممكن، وهذه قضية فقهية تُبحث، أي أنها من الفروع. لكن هذه الخمسة غير ذلك، لا نقبلها.
قصة مفتي روسيا موسى جار الله ورحلته إلى الحوزة العلمية في قم
في هذا الزمان كان هناك مفتي روسيا، وكان رجلًا لديه [معرفة بلغات] هذه المنطقة - روسيا وما حولها - هكذا يتقنون اللغات سريعًا، فكان يعرف العربية والفارسية والتركية والروسية وهكذا.
هذا الرجل كان اسمه موسى جار الله، ونحن في مصر نقول موسى جار الله. والشيخ موسى جار الله كان على اتصال بأمراء من العائلة المالكة المصرية، وأمراء العائلة المالكة المصرية كانت لهم أصول وبيوت في تركيا في إسطنبول، فكانوا يلتقون به. وكان هو باعتباره مفتي المسلمين على علاقة قوية بمفتي الأتراك.
موسى جار الله ذهب وجلس سنة في الحوزة في قم - أيها القاضي بقم قد عزلناك فقم - ذهب إلى هناك.
أسئلة موسى جار الله العشرون الفاصلة وعجز علماء الشيعة عن الإجابة
موسى جار الله وجلس سنة يحضر الدرس ويسجّل حتى أتى بعشرين سؤالًا يرى أنها هي الأسئلة الفاصلة بيننا وبين الشيعة.
وذهب إلى أئمة الشيعة في الحوزة العلمية، ذهب إلى محسن الأمين وقال: أجبني على هؤلاء [الأسئلة]، ما هؤلاء؟ فالسيد الأمين رحمه الله نظر إليها وقال: هذا كلام أهل السنة، ارمِه!
فذهب إلى فلان وعلّان وغيرهم من علماء الحوزة، وكلهم لم يجبه. وظل شهورًا يتردد ويطلب الإجابة فلم يجبه أحد.
مرض موسى جار الله وتأليفه كتاب الوشيعة في الرد على دين الشيعة
فسافر [موسى جار الله] إلى تركيا ومرض هناك، فلما مرض عَلِمَ به أصدقاؤه من الأمراء المصريين، فأرسلوا إليه من أجل العلاج وجاء رحمه الله هنا في مصر.
وجمع وهو تحت العلاج كتابه الذي يشرح فيه قصة رحلته وقصة الأسئلة العشرين، وأسماه "الوشيعة في الرد على دين الشيعة".
وتوفي رحمه الله في مبرّة محمد علي - ومبرّة محمد علي تجدونها عند كوبري الملك الصالح على يساركم، وهي تعمل إلى الآن - في هذا المكان توفي الشيخ موسى جار الله رحمه الله تعالى ودُفن في مصر.
طباعة كتاب الوشيعة عند محمد الخنجي وقصة مكتبته في شارع عبد العزيز
وطُبع كتابه هذا عند محمد الخنجي، وكانت مكتبة محمد الخنجي موجودة في شارع عبد العزيز، والآن تحولت إلى متجر لبيع التلفزيونات والمراوح وهكذا.
محمد أمين الخنجي كان لديه طريقة وهي أنه لا يرفض شراء الكتب، فكانت تُعرض عليه مكتبات وما شابه فيشتريها وينفق فيها أموالًا. وكان يقول رحمه الله: لا أنفق جنيهًا إلا قد رزقني الله عشرة جنيهات، فلا يبقيها في جيبه بل يذهب ليشتري بها كتبًا ويخزّنها في هذه الأدوار، أدوار كبيرة طويلة هكذا، أتدرك؟ التي هي باقية إلى الآن، رحمه الله تعالى.
وكان هكذا يعتاد أنه ينفق في الكتاب، وكان لا يجادل في الثمن؛ يقول لك: أنت تريد في هذا كم؟ تقول عشرة جنيهات، يعطيك العشرة جنيهات وانتهى الأمر. فكان من أصحاب الأخلاق.
طباعة الوشيعة وردّ شرف الدين الموسوي بكتاب الأجوبة على أسئلة جار الله
طبع [الخنجي] الوشيعة، ثم طُبعت الوشيعة بعد ذلك مرات، إلا أنها - العشرون سؤالًا - كأنها تركّز في هذه الخمسة [النقاط الأساسية].
حسنًا، فشرف الدين بعدما أصدر المراجعات بشين وسين، نُشرت الوشيعة. والوشيعة تقول إننا قد أرسلنا إليكم عشرين سؤالًا وأنتم لم تجيبوا.
ورأت المنظمة الشيعية أن السكوت على هذا خطر، فبدأ العلماء ومنهم شرف الدين يجيبون على أسئلة موسى جار الله. فألّف شرف الدين كتابًا أسماه "الأجوبة على أسئلة جار الله"، اسمه هكذا: الأجوبة على أسئلة جار الله.
موقف شرف الدين من تحريف القرآن وادعاؤه عدم القول بالتحريف
فأجاب [شرف الدين] بالتالي، قال: نحن معكم، ها ابتداءً نحن معكم، ولكن لا تظلمونا. الإخوان بالضبط، الإخوان بالضبط!
طيب، أنتم معنا ولا تظلمونا، حسنًا، حاضر، آمين.
قال: نحن ما قلنا بالتحريف. قلنا: حسنًا، دعنا نفتح الكتاب. ما هذا الكتاب؟ الكتاب الذي ألّفه الشيخ النوري، والشيخ النوري ألّف كتابًا اسمه "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب".
ماذا نفعل إذن؟ ها أنتم! قالوا أشياء عجيبة، والله إنها أشياء غريبة، تمامًا مثل الإخوان.
اعتراف الشيعة بخطأ النوري في كتاب فصل الخطاب وحقيقة غضبهم منه
قالوا: نعم، أخطاء الكبار كبار. قلنا لهم: يعني أنتم تقولون أن النوري أخطأ؟ قالوا: نعم، أخطأ. والنوري عالم كبير مرجع! قالوا: نعم.
فبدأنا نبحث عن الكلام كما بحثنا عن سيد قطب، فاتضح أن أجراس الكنائس وغيرها اتضح أنها تتعلق بعيد الفالنتاين. نعم، فصل الخطاب كان خطأً.
فوجدنا أن علماء الشيعة قد غضبوا من النوري بسبب كتاب فصل الخطاب، فقلنا: الحمد لله، نعم، أمل! علماء الشيعة غضبوا على النوري عندما ألّف فصل الخطاب.
ثم فوجئنا أنهم غضبوا عليه لا من أجل الكتاب، بل من أجل أنه قد جمع كل موارد ما يثبت التحريف في مكان واحد، فيكون ذلك حجة بيد الخاصة [أهل السنة]. الله! يعني أنتم موافقون على أنه يوجد تحريف لكن لا تريدون أن تقولوا، تريدون أن تُخفوا هذا، فجاء الله وفضحكم على يد كبيركم!
طباعة فصل الخطاب بالحجر وسحبه من الأسواق ومحاولة إنكار وجوده
العدل يقول ماذا يعني؟ أريد أن أفهم فقط.
وفصل الخطاب طُبع منه خمسمائة نسخة بطريقة الحجر، والطبع بالحجر يستلزم الكتابة باليد، والطبع بالحجر يجعل النسخ قليلة نادرة، فسحبوها من الأسواق وأحرقوها.
إذن، فنحن نتكلم عن وهم! من قال إن هناك أصلًا كتابًا اسمه فصل الخطاب؟ أين هو فصل الخطاب؟ ماذا قال في فصل الخطاب؟ أتفترون علينا الكذب؟ اذهبوا هكذا وابحثوا.
البحث عن كتاب فصل الخطاب في المكتبات العالمية والعثور عليه بالصدفة
فذهبنا إلى دار الكتب نبحث، ولم نجد فصل الخطاب. ذهبنا إلى مكاتب السعوديين ولم نجد فصل الخطاب. لا إله إلا الله! وفي إنجلترا وفي مكتبة الكونجرس الأمريكي - مكتبة الكونجرس كبيرة - ولم نجد فصل الخطاب.
في يومٍ من الأيام، جاء رجل يُدعى محمد غيث وقال لي: لديّ بعض الكتب للبيع. فذهبتُ فوجدتُ كتاب فصل الخطاب!
سألتُه: من أين حصلتَ على هذا؟ فأجاب: كان موجودًا، وكان العبادي رحمه الله يمتلك هذا الكتاب. قلتُ له: بكم تبيعه؟ فقال: بثلاثين جنيهًا. فقلتُ له: لكنه يستحق أكثر. فقال: لكن أنا أريد فيه ثلاثين جنيهًا.
شراء كتاب فصل الخطاب النادر واكتشاف أول دليل على التحريف فيه
قلتُ له: هذا كتاب ليس نادرًا، هذا كتاب عديم النظير! قال: أنا أعرف، أريد ثلاثين جنيهًا والبيعة كلها بثلاثمائة. واشتريتها والحمد لله وهي في مكتبتي الآن. كل ذلك بالوثائق، كله بالوثائق يا عمي.
جلست أقرأ فيه، فوجدت - أنا قلت لكم [أنه مطبوع بطريقة] الحجر، مكتوب بماذا؟ باليد - فوجدت أول شيء، أول كلام في فصل الخطاب:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
[لكنه كتبها] "إنا نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون" - يبقى لا يحفظون كتاب الله! يقول "إنا نزّلنا" والصحيح "إنا نحن نزّلنا" و"نحن" ليست موجودة [في نسخته]، إذن التحريف من البداية! البداية: "إنا نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون".
اعتذار شرف الدين وتفسيره للتحريف بأنه يعني القراءات الشاذة
المهم، الحاصل أن شرف الدين اعتذر وقال: يا جماعة، نحن لا نقول بالتحريف، ولا حتى النوري وهو يجمع لكم كل هذا. نعني بالتحريف تحريف الكتاب.
طيب، ماذا تعني؟ قال شرف الدين: نعني، أليس لديكم قراءات متواترة معتمدة يُقرأ بها في الصلاة؟ قلنا: نعم، لدينا أيضًا. وهناك قراءات الحقيقة أنها غير مقروء بها في الصلاة لأنها - يا جماعة - قراءات شاذة.
فهذا هو تحريف القرآن [عندهم]، محاولة لتحريف القرآن لكنها لم تنجح، وهي طريقة القراءة الشاذة في تسعين قراءة شاذة.
الاتفاق على ترك مصطلح التحريف واستبداله بالقراءات الشاذة
فأجاب شرف الدين في الأجوبة على جار الله أنهم لا يَعنون بالتحريف إلا القراءات الشاذة.
قلنا لهم: إذا كنتم تعنون بهذا المصطلح ذلك، فقد أخطأتم في الاختيار فقط، ولكن هذا يعني أن تُحَل المشكلة. ويبقى أننا لا نقول "تحريف القرآن" بعد ذلك، وإنما نقول "قراءات شاذة" كما اختاره العامة أو الجمهور في هذا الشأن.
واتفقنا على هذا. بعد ذلك، عندما حصل التقريب بين المذاهب اتفقنا على ألا نستعمل - أيها الشيعة - كلمة التحريف؛ لأن هذا يُضعف موقف المسلمين أمام المستشرقين والهجمات الغربية وما شابه ذلك. واتفقوا على هذا وأقرّوه؛ لأنهم ادّعوا أن هذا إنما هو من قبيل الشذوذ وليس من قبيل التحريف بمعناه الشائع كما حدث في الكتب السابقة.
موقف الشيعة من الصحابة والتفريق بين التكفير والسب والانتقاد
وما شأن الصحابة؟ قالوا: أبدًا، أنتم تفهموننا بشكل خاطئ. قلنا لهم: نحن نحب أن نفهم بشكل صحيح.
قالوا: الصحابة الكرام المبجّلون أصحاب الرسول ﷺ، يا أخي انظر، هذا طيب. حسنًا. قال: ولكن نسألكم: هل هم معصومون؟ قلنا لهم: لا، ليسوا معصومين، يؤخذ من كلامهم ويُردّ وهكذا آخره. لا، ليسوا أصحاب عصمة، وليس عندنا أنهم أصحاب عصمة.
ومالك يقول: كل أحد يؤخذ من قوله ويُردّ إلا صاحب هذا القبر الشريف [رسول الله ﷺ]. وسنرى العصمة بعد ذلك، من الذي يقول بالعصمة؟ نحن لا نقول إن الصحابة معصومون.
والصحابة نخالفهم ونقول: هذا مبلغ علم عائشة، هذا مبلغ علم عمر، هذا مبلغ علم علي، لكن بالأدب والاحترام.
الاتفاق على ثلاث دوائر في التعامل مع الصحابة ورفض التكفير والسب
قالوا إن هناك ثلاثة أمور يجب أن تنتبهوا منها:
- تكفير الصحابة.
- سب الصحابة.
- انتقاد الصحابة.
ثلاث دوائر. ويا أخي نحن لا نقول لا بتكفير الصحابة ولا بسب الصحابة، نحن نقول بانتقاد الصحابة. صحيح، يمكن لشخص أن يتطاول أو يتكلم بطريقة غير مؤدبة أو ما شابه ذلك، أما التكفير والسب فنحن لا نقوله.
قلنا لهم: حسنًا، نحن سنتغاضى عن التراث، وكل عصر له شأنه. دعونا نتفق من الآن ألا تكفّروا الصحابة في كلامكم، وألا تسبّوا الصحابة في كلامكم. قالوا: وهو كذلك، واتفقوا على هذا.
جمعية التقريب بين المذاهب ودور الشيخ محمود شلتوت والعلماء المصريين
طبعًا، الاتفاقات لم تتم مع شرف الدين، تمت مع الصدوق القمي؛ لأن الصدوق جاء وفتح مجلة هنا وذهب إلى علماء الأزهر. فتعاون معه الشيخ محمود شلتوت والشيخ منصور رجب والشيخ عبد الله المشد والشيخ محمد محمد المدني والشيخ عبد العزيز عيسى، وكلهم أصبحوا من أصحاب المناصب بعد ذلك، والشيخ أحمد حسن الباقوري وهكذا.
وعلى رأسهم - وكان يعني كبيرهم - الشيخ محمود شلتوت، هو كان القائد لهذه الفرقة لأنه كان أكبرهم سنًا، وهو بعد ذلك أصبح شيخًا للأزهر، وهو من تلاميذ محمد عبده أيضًا.
الشيخ محمود شلتوت فقال: نعمل جمعية اسمها "التقريب بين المذاهب الإسلامية" ونصدر مجلة يكتب فيها السنة والشيعة ونحل المشكلات التي بيننا.
نتائج التقريب والاتفاق على النقاط الخمس بين السنة والشيعة
وكان على رأس هذه المشكلات تلك الخمسة التي انتهوا فيها إلى هذا الحد: أنه يا جماعة لا تقولوا تحريف القرآن فاتفقنا على ذلك، ولا تسبّوا أو تكفّروا الصحابة، إنما الانتقاد: انتقد كما تريد؛ لأننا نقول إنهم غير معصومين، لكنهم من أهل التبجيل والتوقير والاحترام والقداسة، إلا أنهم غير معصومين.
ثالثًا: البداء، قال: نحن لا نقول بالبداء بشكل مُطلق، نحن نقول أيضًا بالنسخ، أن الأحكام تُنسخ. فلعل أحدهم عبّر عن أن الله يُغيّر رأيه يعني بالنسخ.
قلنا لهم: حسنًا، دعونا نترك مصطلح البداء هذا الذي يعني أنه بدا له فغيّر رأيه؛ لأن ربنا ليس كذلك، حاشاه. واتفقنا على هذا.
موقف الشيعة من التقية وتفسيرهم لها بحكاية مذهب الخصم
والرابعة التقية: أبدًا، نحن نكذب؟! لسنا كاذبين. حسنًا، لكن ما هذه التقية إذن؟
قالوا: هذه حكاية مذهب الخصم. قلنا: لا، أنا لا أفهم ولا أعرف حكاية مذهب الخصم، ماذا تعني؟
قال: يعني كنا تحت وطأة الحكام الظالمين وما إلى آخره، فيأتي شخص ويقول لي: ما رأيك في حسني مبارك؟ وكان حسني هو الرئيس، فعرفت على الفور أنه من مباحث أمن الدولة، فقلت له: أحسن رئيس في الدنيا!
أنا عندما قلت له أن حسني هو أفضل رئيس في الدنيا، بمعنى أنت تعتقد أنه أفضل رئيس في الدنيا، فلم أُفصح عن مذهبي حتى لا أُضرب أو أُهان أو أموت. حكاية مذهب الخصم: فأنت تأتي لتقول لي وتنظر إليّ شزرًا هكذا، فأنا بخاف.
تأكيد الشيعة أن الكذب ليس حلالًا وأن التقية ليست كذبًا
يعني الكذب ليس حلالًا؟ قال: لا، ليس حلالًا، أعوذ بالله، ليس حلالًا.
والتقية ليست كذبًا، لا ليست كذبًا، هذه حكاية مذهب الخصم. هل انتبهت؟ حسنًا.
مناقشة عصمة الأئمة عند الشيعة والفرق بين الحفظ والعصمة
والعصمة، نعم عصمة عن الحفظ، يعني محفوظين. قلنا لهم: لا، أنتم لا تقولون هكذا ولا عقيدتكم هكذا. أنتم تقولون إنهم حجة معصومون وكلامهم حجة، يعني أنبياء، يعني ماذا؟ يعني موحى إليهم أم ماذا؟ ما الذي وراء كونهم حجة؟
قال: لا، لستم منتبهين. حسنًا، أخبرونا إذن.
قالوا: الأصل أن سيدنا الشيخ جعفر الصادق - قلنا له: عليه السلام، ما هو هذا من آل البيت، حبيبنا يعني جعفر الصادق عليه السلام - قال: كل ما ذكرته عن رسول الله فعن آبائي عن رسول الله.
يعني إذا أي شيء هو ينطق به رواه عن آبائه عن رسول الله ﷺ، فالحجة في رسول الله ﷺ.
مطالبة الشيعة بنسبة الأحاديث لرسول الله مباشرة بدلًا من الأئمة
قلنا لهم: طيب، إذا كان الأمر كذلك والحجة في رسول الله ﷺ فلتقولوا قال رسول الله. ما دام الأمر هكذا، ما دام كل شيء يخرج من رواية جعفر الصادق هي في حقيقتها أحاديث مروية بالسند المعتبر.
يعني عندما يقول لك جعفر: حدثني أبي محمد الباقر قال حدثني أبي علي زين العابدين قال حدثني أبي الحسين بن علي قال حدثني أبي علي ابن أبي طالب: حدثني سيدنا رسول الله ﷺ - وهذا سند، أي سند عليه! -
كان عليه من شمس الضحى نورٌ ومن فلق الصباح عمودٌ، ما فيه إلا سيد عن سيد، حاز المكارم والتقى والجود.
فلتقولوا [قال رسول الله]!
إصرار الشيعة على أن كلام جعفر الصادق هو كلام رسول الله بالسند المتصل
قالوا: لا، نقول شيئًا. لماذا؟ إنه لم يقل [حدثني]. حسنًا، إذن أنتم تعتبرون أن ما خرج من فم جعفر هو ما خرج من فم رسول الله ﷺ، ولا تريدون أن تكذبوا أكثر وأكثر، فتقولون هكذا أن هذا ما رويته.
قالوا: إننا نعتقد هكذا أن كل ما خرج من فم جعفر ما هو إلا أحاديث مروية بالسند المتصل عن رسول الله ﷺ.
فهذا كان موقفهم من الخمس مسائل. بعضها كما ترون قد يكون لها وجه فيه، وبعضها قد تجاوزه الزمان، وبعضها يتكلمون معنا فيه وليس بحجة راسخة.
الموافقة الرسمية للحوزة العلمية وبداية كتابة الترضي عن الصحابة
ولذلك إذا وافقوا على هذا - وهم رسميًا موافقون، أي أن الحوزة العلمية رسميًا موافقة - وقد بدأ تقي الدين الحكيم وأمثاله ومغنية والجواد مغنية إلى آخره يكتبون: أبو بكر رضي الله عنه لأول مرة في التاريخ!
وبدأت هذه الرسائل تظهر ويظهر فيها الترضّي عن الصحابة الكرام حتى أبي بكر وعمر.
نار تحت الرماد وظهور ياسر الحبيب وسبه للسيدة عائشة عبر قناة فدك
ولكن هناك نار تحت الرماد تظهر من غير المنضبطين بالحوزة العلمية. الحوزة العلمية سياسة؛ يُظهر ما يشاء ويُخفي ما يشاء.
فإذا بيننا ولد من الكويت اسمه ياسر الحبيب - وهو الكريه - يظهر ويتحدث عبر قناة اسمها "فدك" ويسبّ فيها السيدة عائشة عليها السلام.
ها أنتم إذن! الله! ماذا عن مجهود المائة سنة الماضية هذه؟ نحن منذ مائة سنة [نعمل على التقريب]! ها هي! ها نحن منذ مائة سنة، وفجأة يتبرأ منه السيستاني، ونلعب الآن هذه اللعبة: أناس تشتم، وأناس تتبرأ، وأناس تقول، وأناس تكذب، وأناس يعيدون إلى آخره.
خلاصة الموقف من المذهب الشيعي والدعوة إلى الالتزام بالاتفاقات أو المفاصلة
إذن فنحن أمام مذهب له تاريخ سيء وله حاضر زئبقي مثل الزئبق، لا تستطيع الإمساك به؛ أي أنه كلما حاولت أن تمسك به فإنه مراوغ يتفلّت من يديك.
ونحن نرى أن اجتماع الأمة أفضل من افتراقها، ولكن مع التنبّه الشديد؛ لأن محاولة التشيّع هي محاولة خبيثة تجرّ الأمة إلى القتال أردنا أو لم نُرِد.
فلا بد علينا أن ننصحهم في الدين أن اربعوا على أنفسكم، وأن التزموا بما اتفقتم عليه، وإلا فهي المفاصلة ولا شيء سواها، وإلا كرّ علينا جميعًا ذلك بالبطلان.
فهذا هو ملخص ما هنالك، والله أعلم.
