حول مسند الإمام أحمد بن حنبل | برنامج مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •اهتمَّ المسلمون بحفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وألَّفوا فيها كتباً كثيرة، ولم يحظَ أحد على وجه الأرض بمثل هذا الاهتمام من نقل أقواله وأفعاله وتقريراته.
- •وضع المسلمون مقياساً دقيقاً لضبط الأحاديث ونقلها على مستوى الحرف، ومن الكتب المهمة في ذلك "مسند أحمد بن حنبل" الذي رتَّب الأحاديث حسب الصحابة.
- •طُبع المسند مرات، وأحسنها النسخة المحققة تحت إشراف الدكتور أحمد معبد، معتمدة على أكثر من عشرين مخطوطة.
- •شهد حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وسلم مائة وأربعة عشر ألف صحابي، لم يُعرف منهم سوى عشرة آلاف، ولم يرو الحديث إلا نحو ألف وثمانمائة وواحد.
- •بدأ الإمام أحمد مسنده بالعشرة المبشرين بالجنة ثم أهل البيت، وروى عن تسعمائة صحابي تقريباً.
- •أبو بكر الصديق رضي الله عنه روى مائة واثنين وأربعين حديثاً فقط، ذكر الإمام أحمد منها سبعة وسبعين حديثاً.
- •كان الصحابة والعلماء شديدي التدقيق في رواية حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
افتتاح برنامج مجالس الطيبين في شهر رمضان الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في هذا البرنامج الذي نتواصل معه في شهر رمضان الكريم، أهلًا ومرحبًا بكم في مجالس الطيبين.
الدعاء بأن تكون مجالس الحديث النبوي في ميزان الحسنات
أهلًا ومرحبًا بكم في هذا المجلس الذي نذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما روته الصحابة الكرام عن سيدنا [رسول الله ﷺ]، يرشدنا إلى خير الدنيا والآخرة.
وعند ذكر سيدنا صلى الله عليه وسلم تتنزل الرحمات، فندعو الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه المجالس، وهي مجالس حديث، في ميزان حسناتنا يوم القيامة، وأن نستفيد وأن ننتفع بها ومنها، وأن نعيش سويًا في نفحات رمضان مع الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، نعيش معهم في ظلال وافرة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
تفرد أمة الإسلام بحفظ سنة نبيها وتدوين كل تفاصيل حياته
ألَّف المسلمون كثيرًا من الكتب التي حفظوا بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هناك أحد اهتم برسول الله أكثر مما اهتمت به الصحابة واهتم به أمة المسلمين.
ليس هناك أحد على وجه الأرض من الأدباء والشعراء والأباطرة والملوك والرؤساء اهتم بهم الناس فنقلوا كل حركاتهم وسكناتهم وتقريرهم، كل أقوالهم وأفعالهم، سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لم يحظَ الأنبياء، كل الأنبياء إلا النبي صلى الله عليه وسلم، بهذه الدرجة الرفيعة الواقعية التي حدثت؛ حفظ المسلمون كل ما هنالك من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حفظ المسلمون حديث رسول الله وسيرته.
دقة المسلمين في ضبط الحديث النبوي على مستوى الحرف الواحد
ووضعوا [أي العلماء المسلمون] مقياسًا لضبطها ونقلها على مستوى الحرف؛ يعني قد يروي راوٍ الحديث بحرف معين كما سنرى، ويرويه آخر بحرف آخر، فمن الدقة أن يحفظوا الأمرين معًا.
وممن رتب الحديث النبوي الشريف على الصحابة وذكر كل صحابي وما رواه: الإمام أحمد بن حنبل، وذلك في كتابه الماتع مسند أحمد بن حنبل.
أفضل طبعات مسند الإمام أحمد وتحقيقها من عشرين مخطوطة
هذا المسند طُبع مرات، آخرها وهي هذه التي نقرأ منها سويًا في تلك المجالس، هي التي قام بتحقيقها جماعة من الباحثين تحت إشراف الأستاذ الدكتور أحمد معبد أستاذ الحديث بالأزهر الشريف.
استفادوا فيها من أكثر من عشرين مخطوطة لمسند الإمام أحمد ترجع إلى أزمانٍ مختلفة، حتى ظهرت هذه الطبعة التي هي أحسن طبعات مسند الإمام أحمد في العالم إلى يومنا هذا، نشرتها جمعية خيرية.
طباعة المسند بخط مصحف الملك فؤاد الحائز على جائزة فرانكفورت
نشرتها [أي الجمعية الخيرية] بطباعة أنيقة جديدة وبحروف مصحف الملك فؤاد رحمه الله تعالى. الملك فؤاد طبع مصحفًا بخط الشيخ خلف الحسيني، وكان من أكابر الخطاطين وكان شيخًا للمقارئ المصرية.
وفاز هذا الكتاب، المصحف الشريف، بطباعته العالية الغالية الأنيقة التي طبعها الملك فؤاد بجائزة أحسن كتاب مطبوع في العالم في معرض فرانكفورت سنة ألف وتسعمائة وواحد وعشرين.
واستطاعت مجموعة العمل أن تحول هذا الحرف الذي كُتبت به المصاحف في عهد الملك فؤاد، تحوله من أجل أن يُكتب به أي شيء وتُكتب به كتب الحديث، فأخرجت كتب الحديث ومنها مسند الإمام أحمد بهذا الخط الذي هو غاية في الجمال.
عدد الصحابة الذين حضروا حجة الوداع ورواية الإمام أحمد عنهم
الإمام أحمد يروي عن أكثر من تسعمائة صحابي. عدد الصحابة الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والتقوه في حجة الوداع مائة وأربعة عشر ألف صحابي؛ رأوا رسول الله، سمعوا رسول الله، حجوا مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مائة وأربعة عشر ألف صحابيًا.
هؤلاء الأفاضل لا نعرف أسماءهم؛ كل ما في الكتب من رصد للأسماء لا يتجاوز عشرة آلاف.
كتب أسماء الصحابة وعدد الرواة منهم للحديث النبوي الشريف
فنحن عندنا كتب أُلِّفت في أسماء الصحابة منها: الإصابة لابن حجر، والاستيعاب، وأسد الغابة في معرفة الصحابة، وهكذا. لو جمعنا كل ما ذُكِر في كل هذه الكتب وجدناه لا يزيد عن عشرة آلاف إلا قليلًا.
عشرة آلاف من مائة وأربعة عشر ألف، العشرة آلاف هؤلاء أيضًا لم يرووا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كنا قد عرفنا أسماءهم وأحوالهم، متى وُلدوا ومتى ماتوا.
كلهم على خير، كلهم خلاصة الخلاصة، كلهم إذا أنفقنا مثل جبل أحد ذهبًا لا نبلغ نصف مكيال من القمح يكون قد تصدق به أحدهم؛ لأنهم تحملوا عبء الإسلام ونشر الدعوة.
عدد رواة الحديث من الصحابة وترتيب مسند الإمام أحمد بالعشرة المبشرين
من العشرة آلاف لا يزيد بحال عن ألف وثمانمائة وواحد هم الذين رووا الحديث. الإمام أحمد يخرج عن نحو تسعمائة وتسعين تقريبًا من الصحابة، يعني النصف تقريبًا من الرواة.
لو تأملنا في هذه المسانيد وفتحنا مسند الإمام أحمد حتى نقرأه، فإننا سنجد أنه بدأ بـالعشرة المبشرين بالجنة: مسند سيدنا أبي بكر الصديق، مسند سيدنا عمر بن الخطاب، مسند سيدنا عثمان بن عفان، مسند سيدنا علي بن أبي طالب، وهكذا إلى أن أتمّ العشرة المبشرين بالجنة.
ثم أتبعهم بـعبد الرحمن بن أبي بكر وأهل البيت: العباس، تمام بن العباس، الفضيل بن العباس، عبد الله بن العباس، الحسن، الحسين، وهكذا.
التعريف بسيدنا أبي بكر الصديق ومولده وهجرته مع النبي
نجدُ في هذه المسانيد لو فتحنا مسند أبي بكر:
مَن هو أبو بكر؟ أبو بكرٍ وُلِدَ في سنة واحدٍ وخمسين قبل الهجرة، ومعنى هذا أنه لما هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان عنده واحدٌ وخمسون سنةً.
ومعنى هذا أنه كان أصغر من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، ولذلك فقد مات في نفس سن النبي ﷺ؛ لأنه لما تولى الخلافة بعد النبي جلس سنتين أيضًا، تولاها في سنة إحدى عشرة حيث انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى، ومات سنة ثلاث عشرة [من الهجرة].
عدد أحاديث أبي بكر الصديق في كتب السنة ومسند الإمام أحمد
سيدنا أبو بكر الصديق لما نفتح المسند الخاص به عند الإمام أحمد نَجِدُ أنَّ سيدنا أبا بكرٍ له مائةٌ واثنان وأربعون حديثًا، هذا كلُّ ما رواه في حياته، مائةٌ واثنان وأربعون حديثًا فقط.
إذا تتبَّعنا كلَّ الرواياتِ عن سيدنا أبي بكرٍ فإنه ذَكَرَ مائةً واثنين وأربعين حديثًا، وهو الذي عاشَرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نحو أربعين سنةً؛ لأنه كان يعرفُ النبيَّ قبل البعثة، وهو الذي صاحبه حتى في الهجرة، وهو الذي كثيرًا ما كانت تقول الصحابة: جاء النبي وأبو بكر وعمر، ذهب النبي وأبو بكر وعمر.
أبو بكر له مائة واثنان وأربعون حديثًا في كل كتب السنة المشرفة، أما في مسند الإمام أحمد فذكر الإمام أحمد سبعة وسبعين حديثًا فقط.
دقة علماء الإسلام في تمحيص الأحاديث النبوية ومضامينها الأخلاقية والشرعية
وهذا يُبيّن لنا أن علماء الإسلام ابتداءً من الصحابة وانتهاءً بعصورنا المتأخرة دققوا جدًا في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذا أمسكنا السبعة والسبعين حديثًا لا نردُّ ولا حديثًا منها، فكلها أحاديث تدعو إلى الأخلاق الكريمة، وكلها أحاديث فيها أحكام شرعية جميلة.
هيا بنا نقرأ شيئًا من هذه السبعة وسبعين حديثًا في مسند الإمام أحمد بن حنبل.
حديث أبي بكر الصديق في تفسير آية عدم الأمر بالمعروف بحديث النبي
فيه [أي في مسند الإمام أحمد] عن خالد عن قيس قال: قام أبو بكر فحمد الله، أبو بكر قام فحمد الله. يردون هذا الحديث مثلًا لغير ما سبب بعدما بُذِلت فيه هذه الجهود الضخمة الكبيرة.
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]
وإنا أمام الناس جميعًا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه»
فسر أبو بكر [الصديق رضي الله عنه] الآية بحديث واضح أمام الجميع، فهذا هو حال السنة المشرفة.
ختام المجلس والتوديع بالسلام والدعاء
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
