خطبة أ.د علي جمعة بعرفات - خطب الجمعة

خطبة أ.د علي جمعة بعرفات

20 دقيقة
  • يدعو النص إلى تقوى الله وطاعته، حيث إن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي رسول الله.
  • يوم عرفة يوم عظيم وفرصة للبداية الجديدة مع الله، حيث ينظر الله إلى الحجاج ويباهي بهم ملائكته.
  • سُميت عرفات بهذا الاسم لأن آدم وحواء تعارفا فيها بعد خروجهما من الجنة، وكانت بداية عمارة الأرض والعبادة.
  • يغفر الله للحجاج ذنوبهم ويمنحهم فرصة لبدء صفحة جديدة بعيدة عن المعاصي.
  • النبي جعل يوم عرفة يوم ذكر، وفيه يُختصر الصلاة وتُجمع.
  • الذكر والفكر هما طريق الله، وقد ترك النبي أذكارًا كثيرة كالباقيات الصالحات والعشرة الطيبة.
  • التوكل على الله والرضا بقدره والتسليم لأمره من أهم الفضائل.
  • يُختم النص بأدعية متنوعة تشمل طلب الهداية والمغفرة والرحمة والعفو والتوفيق للفرد والأسرة والمجتمع والأمة.
محتويات الفيديو(21 أقسام)

خطبة الاستفتاح بآيات التقوى والأمر بالقول السديد

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

أمَّا بعدُ، فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وإنَّ خيرَ الهَدْيِ هَدْيُ سيِّدنا رسولِ الله ﷺ، وإنَّ شرَّ الأمورِ مُحدَثاتُها.

عظمة يوم عرفة ومباهاة الله بالحجاج أمام الملائكة

عبادَ الله، هذا يومٌ عظيم، وهذا مكانٌ عظيم، وهذه تنزُّلاتُ الرحمةِ الربَّانية والمِنَحُ الصَّمَدانية؛ فإنَّ اللهَ سبحانه وتعالى ينظرُ إليكم الآن ويُباهي بكم ملائكتَه.

ولا يكونُ ذلك إلا وقد غفرَ لكم ذنوبَكم، ولا يكونُ ذلك إلا وأنتم تستحقُّون أن تتباهى بكم الملائكة.

سبب تسمية عرفات وبداية عمارة الأرض بعد هبوط آدم وحواء

هذه عرفات، سُمِّيت بذلك فيما قيل لأنَّ اللهَ لمَّا أخرجَ آدمَ وحوَّاءَ في أثرِ الذنبِ الذي ارتكباه والمعصيةِ التي وقعا فيها، تاها في الأرضِ وتعارفا هنا في هذا المكان.

فكانت بدايةَ عصرٍ جديد، وبدايةَ عمارةِ الأرض، وبدايةَ عبادةِ اللهِ في هذه الأرض، وبدايةَ تزكيةِ النفس كما أرادَ اللهُ سبحانه وتعالى.

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

أي طلبَ منكم عمارتَها.

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

آدمُ بدأَ من هنا هو والسيدةُ حوَّاءُ عليها السلام.

الحج فرصة لبداية صفحة جديدة مع الله تأسيًا بآدم عليه السلام

ولذلك أمرَنا اللهُ في هذا الحجِّ الذي قد غُفِرت فيه الذنوب ومُحِيت الآثام، أن نبدأَ صفحةً جديدة من هذا الزمان ومن هذا المكان، تأسِّيًا بما عملَ آدمُ عليه السلام.

فنبدأُ من ساعتِنا هذه ومن مكانِنا هذا بدايةً جديدة مع الله، لا ننظرُ إلى الماضي وإلى ما اقترفناه من آثامٍ ولو كانت كالجبال؛ فإنَّ اللهَ سبحانه وتعالى لا يَنالُه منَّا نفعٌ ولا ضرر.

ولذلك فهو الصَّبور، ولذلك فهو الواسع، ولذلك فهو الغفور، ولذلك فهو الغفَّار، ولذلك فهو الرحمن. ولأنَّه لا يَنالُه منَّا ضررٌ ولا نفعٌ يعفو عنَّا ويبدأُ معنا بدايةً جديدة.

وجوب اليقين بمغفرة الله بعد الحج المبرور والحفاظ على الصحيفة النظيفة

وأوَّلُ ذلك أن وفَّقكَ [اللهُ] لأن تأتيَ إلى هنا [عرفات] حتى تبدأَ بدايةً جديدة مع الله، حتى قال سيِّدُنا رسولُ الله ﷺ:

«مَن حجَّ حجًّا مبرورًا ثم اعتقدَ أنَّ عليه ذنبًا فقد كفر»

فلا بدَّ لنا أن نؤمنَ إيمانًا يقينيًّا أنَّه قد غُفِرَ لنا. فهذه فرصة وهي أيضًا ابتلاءٌ وامتحان: هل ستستطيعُ أن تحافظَ على صحيفتِك نظيفةً من غيرِ إثم؟ لا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله.

فنسألُه سبحانه وتعالى أن يعصمَنا من الذنب، وأن يقيَنا الخطأَ والخطيئة، وأن يحافظَ علينا، وأن يُوجِدَنا حيثُ ما يرضى، وأن يمنعَنا بمنِّه وفضلِه حيثُ لا يرضى، وأن ينقلَنا من دائرةِ سخطِه إلى دائرةِ رضاه.

الهداية بيد الله وحده والتحذير من الاعتماد على النفس دون التوكل

واللهِ لا يكونُ ذلك من حولِنا وقوَّتنا.

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

فالرجوعُ إلى الله، واللهُ سبحانه وتعالى لا يُعصى إلا بعلمِه، ولا يُطاعُ إلا بإذنِه؛ فهو على كلِّ شيءٍ قدير، ويقولُ للشيءِ كُن فيكون، وهو الذي بيدِه ملكوتُ السماواتِ والأرض والهدايةُ والضلالة.

ولذلك لا تعتمدْ على نفسِك وتثقْ بها ثقةً وتنسى «لا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله»، حيث قال رسولُ الله ﷺ:

«لا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله كنزٌ من كنوزِ العرش»

هذا يومُ عرفة، بدايةٌ جديدة، فاحرصْ على صحيفتِك البيضاء، وابتعدْ عن المعاصي، وكُن حيثُ أمرَك الله، واجتنبْ ما نهاكَ اللهُ سبحانه وتعالى، مع الدعاءِ المستمرِّ أن يوفِّقَنا يا ربَّنا لهذا.

دعاء التضرع إلى الله بالعصمة والرحمة وتنوير القلوب

وارحمنا واعصمنا واحفظنا، لا يكونُ ذلك إلا بإذنِك، ولا يكونُ ذلك إلا بأمرِك، ولا يكونُ ذلك إلا برضاك، ولا يكونُ ذلك إلا برحمتِك وتنزُّلاتِها على قلوبنا.

فنوِّرْ قلوبَنا، واغفرْ ذنوبَنا، واكشفْ لنا أسرارَ العبودية، وخُذْ بيدِنا في الطريقِ إليك، وأعنَّا على ذكرِك وشكرِك وحُسنِ عبادتِك.

اللهمَّ أعنَّا على التفكُّرِ في كتابِك المسطور في القرآنِ الكريم، وفي كتابِك المنظورِ فيما حولَنا، حتى نكونَ ممَّن قال اللهُ فيهم:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

طريق الله بين الذكر والفكر وحكمة قصر الصلاة يوم عرفة

وبين الفكرِ والذكر يكونُ طريقُ اللهِ سبحانه وتعالى. طريقُ اللهِ بين الذكرِ والفكر.

في هذا اليومِ العظيم، في يومِ عرفة، اختصرنا الصلاة فصلَّينا الظهرَ ركعتين والعصرَ ركعتين، وجمعنا بينهما جمعَ تقديم، ونؤخِّرُ ما بين المغربِ والعشاءِ ونجمعُهما في المزدلفةِ جمعَ تأخير.

كلُّ ذلك لأنَّها أيَّامُ ذكر، والنبيُّ ﷺ قال لمن سألَه عن مفتاحِ الإسلام إذا ما فعلناه فعلنا الإسلام:

«لا يزالُ لسانُك رطبًا بذكرِ الله»

النبي يسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية عند الله كرطوبة اللسان ودم الشهيد

ومعلومٌ أنَّ الإنسانَ إذا أكثرَ من الذكرِ — ومنها التكبير ومنه التلبية — أنَّه يجفُّ لسانُه، ولكنَّ النبيَّ ﷺ يُسمِّي هذا الجفافَ رطوبةً؛ لأنَّها رطوبةٌ عند الله.

ودمُ الشهيدِ يأسَنُ ويتغيَّرُ ريحُه، ولكنَّه يكونُ دمُ الشهيدِ أطيبَ عند اللهِ من ريحِ المسك. وفمُ الصائمِ يتغيَّرُ خاصَّةً بعد أذانِ الظهرِ لطولِ الزمنِ والصمتِ وعدمِ الأكل، لكنَّه يقول ﷺ:

«إنَّ خُلوفَ فمِ الصائمِ أحبُّ عند اللهِ من ريحِ المسك»

فالنبيُّ ﷺ يُسمِّي الأشياءَ بأسمائها الحقيقية عند الله، وإن كانت في ظاهرِها في حياتِنا على خلافِ ذلك. الخُلوفُ والدمُ والجفاف، كلُّ ذلك هو عند اللهِ على العكس؛ لأنَّك قد توسَّلتَ إليه سبحانه وتعالى بما أمرَك، وبما ينفعُ قلبَك، وبما ينفعُ نفسَك، وبما يُحسِنُ علاقتَك مع ربِّك سبحانه وتعالى.

يوم عرفة يوم الذكر وبرنامج الأذكار النبوية والباقيات الصالحات

يومُ عرفة يومُ الذكر، والنبيُّ ﷺ تركَ لنا برنامجًا حافلًا بالذكر؛ فذكرَ القرآنُ أكثرَ من مائةٍ وخمسين اسمًا له سبحانه وتعالى.

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

وتركَ لنا: سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلا الله، واللهُ أكبر، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله. وكان أهلُ اللهِ يُسمُّون هذه الخمسةَ بـالباقياتِ الصالحات؛ لأنَّها تبقى لك بعد الموت.

وتركَ لنا: أستغفرُ الله، ولا حولَ [ولا قوَّةَ إلا بالله]. وتركَ لنا: أستغفرُ الله، حسبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيل، توكَّلتُ على الله. وتركَ لنا الصلاةَ على النبيِّ ﷺ. وتركَ لنا: إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون.

العشرة الطيبة من الأذكار وأهمية ذكر الله في القرآن الكريم

وبهذه الخمسةِ [الباقيات الصالحات والأذكار الأخرى] يقولون عنها العشرةَ الطيِّبة؛ لأنَّ هذه الأذكارَ لها سرٌّ عند الله، وبها لسانُك يذكرُ ربَّه، حيث قال [تعالى]:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

وسمَّى [اللهُ] القرآنَ ذِكرًا:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

الدعوة إلى بداية جديدة مع الله وسر تفوق أبي بكر الصديق

عبادَ الله، هيَّا بنا بدايةً جديدة مع الذكرِ والفكر، ومع طريقِ اللهِ سبحانه وتعالى، ومع الله. علِّقوا قلوبَكم بالله؛ فإنَّه ما سبقَكم أبو بكرٍ بكثرةِ صلاةٍ ولا صيام، وإنَّما بشيءٍ وَقَرَ في قلبِه.

وهذا الذي وَقَرَ في قلبِ سيِّدنا الصِّدِّيقِ رضي اللهُ تعالى عنه وأرضاه كان اليقينَ بما عند الله أنَّه أكثرُ ممَّا في يدِه. توكَّلَ على اللهِ حقَّ توكُّلِه فرضي.

رضيَ بالله، رضيَ اللهُ عنهم ورضوا عنه. فهم يرضَون عن اللهِ سبحانه وتعالى بأن يُسلِّموا أمرَهم لله، وأن يصبروا على اللهِ وعلى قدرِ اللهِ وعلى مرادِ الله، وبأنَّهم يتوكَّلوا على اللهِ أحسنَ التوكُّل.

ومن توكَّلَ على اللهِ كفاه، ومن توكَّلَ على اللهِ أحسنَ مثوبتَه.

الدعوة إلى العزم والتوكل والرضا ببداية حياة جديدة يوم عرفة

هيَّا بنا مع الذكرِ والفكر، ومع بدايةٍ جديدة، ومع عزمٍ وعهدٍ مع الله، ومع توكُّلٍ صادقٍ على الله، ومع تسليمٍ ورضا بأمرِ اللهِ سبحانه وتعالى.

nبدأُ حياتَنا الجديدةَ التي مَنَّ اللهُ علينا بها في هذا اليوم. ادعوا ربَّكم.

الخطبة الثانية والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ

الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا رسولِ اللهِ وآلِه وصحبِه ومن والاه. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَه، صدقَ وعدَه، ونصرَ عبدَه، وأعزَّ جندَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه.

وأشهدُ أنَّ سيِّدنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه، بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصحَ للأمَّةِ وجاهدَ في سبيلِ اللهِ حتى أتاه اليقين.

فاللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وباركْ عليه كما يليقُ بمكانتِه عندك يا أرحمَ الراحمين، وأنزلْ عليه ثوبَ الجلالِ والجمالِ والكمال، وجازِه عنَّا خيرَ ما جازيتَ نبيًّا عن أمَّتِه. اللهمَّ يا أرحمَ الراحمين آتِه الوسيلةَ والفضيلةَ والدرجةَ العاليةَ الرفيعة.

الحث على جعل يوم عرفة للذكر والدعاء وطلب الدنيا والآخرة من الله

عبادَ الله، هلمُّوا بنا ونحن في بداياتِنا نجعلُ هذا اليومَ للذكرِ والدعاء. وظيفتُه هي هكذا، ووقتُه هو هكذا. هذا وقتٌ يلجأُ فيه العبدُ إلى ربِّه.

ادعوا اللهَ سبحانه وتعالى بما تجدونَه في قلوبِكم. ادعوا اللهَ سبحانه وتعالى واطلبوا منه الدنيا والآخرة. ادعوا اللهَ سبحانه وتعالى لكم ولأُسَرِكم ولأحبائكم، لمن سبقَ ولمن هو باقٍ.

ادعوا اللهَ بما تريدون، ولا تقتصروا على الدنيا؛ فإنَّ الدنيا قليلةٌ وكلُّنا إلى رحيل. ولكن اهتمُّوا أيضًا بالآخرة.

من رحمةِ اللهِ أنَّه يقبلُ منَّا هذا وذاك؛ فمن أرادَ الدنيا فليسألِ الله، ومن أرادَ الآخرةَ فليسألِ الله، ومن أرادَ الدنيا والآخرةَ فليسألِ الله.

الحمد لله على نعمة الإسلام وكون هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس

فالحمدُ للهِ الذي جعلَنا مسلمين ولم يجعلْ علينا إصرًا ولا أغلالًا في أعناقِنا كما جعلَ على الأممِ السابقة. الحمدُ للهِ الذي جعلَنا من أمَّةٍ سمحة، من أمَّةٍ رحيمة، من أمَّةٍ أمرَها رسولُ اللهِ ﷺ بالعلمِ وبالعمل، وأمرَها أن تثقَ بربِّها وأن تثقَ بنفسِها.

جعلَنا رسولُ اللهِ ﷺ بهذا الإيمانِ الذي نؤمنُ به وبهذا التوحيدِ الذي نوحِّدُ ربَّنا به من خيرِ الأمم:

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]

فاللهمَّ يا ربَّنا اجعلنا في هذه الخيريَّةِ تكليفًا وتشريفًا.

دعاء شامل بالرحمة والهداية والعون على النفس والتوفيق

اللهمَّ يا أرحمَ الراحمين ارحمنا، ويا غياثَ المستغيثين أغِثنا، وأعنَّا على أنفسِنا، ووفِّقنا إلى ما تحبُّ وترضى.

واهدِنا واهدِ بنا، واهدِ أبناءَنا وأحفادَنا وأهلَنا وأزواجَنا يا أرحمَ الراحمين. كُن لنا ولا تكُن علينا، افتحْ علينا فتوحَ العارفين بك، علِّمنا الأدبَ معك، خُذْ بأيدينا إليك.

اللهمَّ لا نعبدُ إلا إيَّاك ولا نعرفُ ربًّا سواك، ونحن في ضعفٍ لا يخفى عليك. فاللهمَّ يا ربَّنا لا تؤاخذنا بما نسينا أو أخطأنا، ولا تؤاخذنا بما فعلَ السفهاءُ منَّا، وهَبْ مسيئَنا لمحسنِنا، واغفرْ لنا جملةً واحدة.

دعاء بإلقاء الرحمة والمحبة والتوكل والرضا في القلوب

اللهمَّ يا ربَّنا أنت الواسعُ وأنت الرحيم. فاللهمَّ يا ربَّنا ألقِ في قلوبِنا الرحمة، وألقِ في قلوبِنا المحبَّة، وألقِ في قلوبِنا التوكُّل، وألقِ في قلوبِنا الرضا، وألقِ في قلوبِنا التسليم.

اللهمَّ يا ربّ، اللهمَّ ربَّ العالمين، اهدِنا فيمن هديت، وعافِنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن تولَّيت، وباركْ لنا فيما أعطيت، وتقبَّلْ حجَّتَنا، واجعلنا من مستجابي الدعاء الآن وبعد الآن وإلى يومِ الممات.

دعاء لمصر بالحماية والرزق والهداية ودفع البلاء والفساد

اللهمَّ يا ربَّ العالمين استجبْ لكلِّ من حمَّلَنا الدعاءَ إليك، أنت أعلمُ به منَّا. اللهمَّ فرِّجْ عنهم.

اللهمَّ يا ربَّ العالمين اجمعنا على الخير، وألِّفْ بين قلوبِنا، ووحِّدْ كلمتَنا، واهدِ بالَنا، وأصلحْ حالَنا، وارزقْ بلدَنا، واحمِ مصرَنا.

اللهمَّ يا ربَّ العالمين اهدِ البالَ وأصلحِ الحال. اللهمَّ اصرفْ عن مصرَ السوءَ بما شئتَ وأنَّى شئتَ وكيف شئت، يا أرحمَ الراحمين.

اللهمَّ إنَّا نعوذُ بك من أهلِ الجهالةِ والعناد، وأهلِ البلاءِ والفساد، وأهلِ [الفساد] في العبادِ والبلاد. اللهمَّ يا ربَّ العالمين نعوذُ بك من البلاءِ والغلاءِ والوباء.

اللهمَّ احمِ مصرَ ووفِّقْ أهلَها حتى ترضى عنهم. اللهمَّ يا ربَّ العالمين ارزقهم رزقًا واسعًا وعلمًا نافعًا وقلبًا خاشعًا، واجعلهم جنودَك في الإسلام، وبلِّغْ بهم دينَك، واهدِهم واهدِ بهم يا ربَّ العالمين.

الدعاء الختامي بالرحمة والحشر تحت لواء النبي ودخول الجنة بلا حساب

يا ربِّ اجعلْ جمعَنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرُّقَنا من بعدِه تفرُّقًا معصومًا، ولا تجعلْ فينا شقيًّا ولا محرومًا. وأعنَّا على ذكرِك وشكرِك وحُسنِ عبادتِك.

واحشرنا تحت لواءِ نبيِّك يومَ القيامة، واسقِنا من يدِه الشريفةِ شربةً هنيئةً مريئةً طيِّبةً مباركةً لا نظمأُ بعدها أبدًا.

ثمَّ أدخلنا الجنَّةَ من غيرِ حسابٍ ولا سابقةِ عقابٍ ولا عتاب. ومتِّعنا بالنظرِ إلى وجهِك الكريم. واجعلِ القرآنَ الكريمَ ربيعَ قلوبِنا وجلاءَ همِّنا وحزنِنا ونورَ أبصارِنا وصدورِنا، واجعلْه حجَّةً لنا ولا تجعلْه حجَّةً علينا.

علِّمنا منه ما ينفعُنا، وانفعنا بما علَّمتَنا، وانصرنا بالحقِّ وانصرِ الحقَّ بنا يا ربّ.

الدعاء الأخير بالعفو والرضا والتوفيق والصلاة على النبي ﷺ

هذا حالُنا لا يخفى عليك، وضعفُنا ظاهرٌ بين يديك. اللهمَّ نحن في حاجةٍ إلى رحمتِك، ولسنا في حاجةٍ إلى عذابِنا ولا إلى مؤاخذتِنا.

فاعفُ عنَّا بعفوِك، وارضَ عنَّا برضاك، ووفِّقنا بتوفيقِك يا أرحمَ الراحمين ارحمنا.

وصلَّى اللهمَّ على سيِّدنا محمَّدٍ وآلِه وصحبِه وسلَّم. تقبَّلَ اللهُ منَّا ومنه.