خطبة الجمعة الأخيرة من رمضان 1443هـ | أ.د علي جمعة - خطب الجمعة

خطبة الجمعة الأخيرة من رمضان 1443هـ | أ.د علي جمعة

20 دقيقة
  • الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الأطهار وأتباعه الأبرار.
  • ها قد انقضى رمضان منا وأصبحنا في أيامه الأخيرة، نسأل الله أن يعتقنا من النار ويتقبل منا صالح أعمالنا.
  • سنبدأ بعد يومين عامًا جديدًا نرجو أن يكون جديدًا في إيماننا وصلتنا بالله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
  • كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، فلا تيأس من ذنب أحاط بك أو عدت إليه بعد توبتك.
  • ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعود إليه الحين بعد الحين، فالمؤمن مفتن تواب نسي إذا ذُكّر.
  • تحيط بالإنسان الفتن، لكن عليه ألا ييأس ويبادر بالتوبة والحسنات التي تمحو السيئات.
  • ينبغي نسيان الذنب بعد التوبة وعدم جعله يعطل الحياة، بل البدء بصفحة جديدة مع الله الرحيم.
  • لنستقبل العام الجديد بثقة في الله وعدم اليأس، ولنسر إلى الله بقلوب خاشعة تتوب وتنسى الذنب وتبدأ من جديد.
محتويات الفيديو(20 أقسام)

خطبة الحاجة والثناء على الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

فاللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه الأبرار بإحسان إلى يوم الدين.

الآيات القرآنية في التقوى والأمر بالقول السديد

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

انقضاء رمضان والدعاء بالعتق من النار وقبول الأعمال

ها قد انقضى رمضان منا ومرّ كمرور السحاب، كما هي عادته كل عام، إلا أنه في هذا العام مرّ أسرع، وأصبحنا في نهايته في اليوم الثامن والعشرين، أمامنا فيه بعد ذلك يوم أو يومان.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعتقنا ويعتق رقابنا ببركة هذا الشهر العظيم من النار، وأن يتقبلنا عنده في الصالحين، وأن يتقبل منا صالح أعمالنا.

على ما كان من عمل نلجأ إليه ونقول: يا ربنا حالنا لا يخفى عليك، وعلم كل ذلك بيديك، ونحن في حاجة إليك، وأنت قيوم السماوات والأرض لا تحتاج إلينا ونحتاج إليك.

الدعاء بالمغفرة والعفو والانتقال من السخط إلى الرضا

فاللهم يا ربنا اغفر لنا وعافنا واعفُ عنا، فإنك عفوٌّ تحب العفو. يا ربنا تقبل منا صالح أعمالنا، وبارك لنا فيما يأتي من وقت وزمان، وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك.

استقبال عام جديد بإيمان متجدد وصلة بالله سبحانه وتعالى

سنبدأ بعد يومين عامًا جديدًا نرجو أن يكون جديدًا في إيماننا وفي حياتنا وفي تضرعنا لرب العالمين. نرجو أن يكون جديدًا في صلتنا بالله سبحانه وتعالى.

وعندما تقرأ سنة رسوله صلى الله عليه وسلم الذي جعله أسوة حسنة للعالمين:

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

تجد سيدنا [رسول الله ﷺ] يريد أن تخرج من دائرة الإحباط إلى دائرة الهمة والعمل، وألا تيأس من ذنب قد أحاط بك أو عدت إليه كثيرًا بعد ما تبت منه وأقلعت عنه.

حديث كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون وتجديد الإيمان

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون»

وخطّاء صيغة مبالغة أي كثير الخطأ، وتوّاب صيغة مبالغة أي كثير التوبة. وكأنه يُسلّي قلبك من عودتك لذنب قد أقلعت عنه، ألا تيأس وأن تتركه وراءك ظِهريًّا، وأن تبدأ حياة جديدة كلما استيقظت من نومك لصلاة فجرك.

كان [النبي ﷺ] يقول:

«جدّدوا إيمانكم»

قالوا: يا رسول الله، كيف يجدّد أحدنا إيمانه؟

قال: «قولوا لا إله إلا الله». جعل الأمر سهلًا يسيرًا؛ ليس استهانة بالمعصية، بل تعاملًا مع الله سبحانه وتعالى، ومع النفس التي تكثر علينا المخالفات، ومع هذا الكون الذي بناؤه القلوب الضارعة لرب العالمين.

حديث ابن عباس في أن كل مؤمن له ذنب يعود إليه الفينة بعد الفينة

والنبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد حسنة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعود إليه الفينة بعد الفينة»

انظر إلى الكلام: مؤمن! ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعود إليه الفينة بعد الفينة، أي أن هذا الذنب تعود عليه، وكلما تاب منه رجع إليه.

﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]

يعطيك أملًا في علاقتك مع الله، وأنه هو الله الرحمن الرحيم، جميل في جماله. له ذنب يعود إليه الفينة بعد الفينة.

وصف حال المؤمن المفتن التواب وبرنامج التعامل مع الذنوب

وهل كلنا كذلك [ممن يعود إلى الذنب ثم يتوب]؟

لا، هناك فريق أدون من ذلك، فقال [النبي ﷺ]: «أو ذنب يقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا». إن المؤمن مُفتَنٌ توّابٌ نسّاءً، إذا ذُكِّر ذَكَر.

بعد ما وصف [النبي ﷺ] الحال الذي عليه غالب الناس وجُلّ البشر، فكل ابن آدم خطّاء، وضع لنا برنامجًا للتعامل مع ذلك دون إحباط.

المؤمن تهجم عليه النفس وتتلاعب به الدنيا، ويحيط به الهوى، ويحاول الشيطان مرة بعد مرة أن يضله عن سواء السبيل، فهو محاط بالفتن، فكأنه يقول لك: كان الله في عونك.

طلب مرافقة النبي في الجنة وضرورة العمل وكثرة السجود

ولكن لما سأله [أحد الصحابة] وقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن أكون رفيقًا لك في الجنة، قال [النبي ﷺ]:

«أعنّي على نفسك بكثرة السجود»

يعني أعنّي بشيء منك أستطيع أن أتوسل إلى الله به حتى يستجيب دعاءنا وأن تكون رفيقًا لي في الجنة. يعني لا بد أن تعمل وأن تُظهر شيئًا من العمل ومن المحاولة، حتى تكون لك الدرجات العُلى عند ربك وعند نبيك صلى الله عليه وآله وسلم.

مُفتَنًا أي تحيط به الفتن، توّابًا فيرشدك إلى التوبة دائمًا، وأن تبادر بها، وكلما شعرت أنك قد فعلت ذنبًا بادر إلى تقديم شيء من الحسنات حتى تُمحى.

ملك السيئات يمهل ست ساعات قبل كتابة الذنب فرصة للتوبة

فإن ملك السيئات كما أخبر سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وآله وسلم يظل ست ساعات لا يكتب ذنبك حتى تتوب؛ يمنحك فرصة. فإذا تبت خلال الساعات الست لا يكتبه عليك.

تأتي يوم القيامة وتجد هذا الذنب الذي عرفته غير موجود في الكتاب. أين ذهب؟ لقد عُفي عنه بمبادرتك بالوضوء أو الصدقة أو ركعتين أو قراءة القرآن أو النصيحة لوجه الله. كل ذلك من الخيرات.

﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ [هود: 114]

النسيان [المقصود في الحديث]: تنسى الذنب، لا يُعطّلك، لا يُغشي عليك حياتك.

منهج التوبة المتجددة وعدم اليأس من رحمة الله عند تكرار الذنب

نقع في الذنب ثم نتوب، ثم نبدأ صفحة جديدة مع رب رحيم، ثم ننطلق. فإذا وقعنا فيه مرة أخرى فلا نيأس بل نتوب أيضًا.

وبعض الناس من العلماء الذين ابتُلينا بهم يُخفون هذا الحديث ولا يتحدثون فيه؛ لأنهم يريدون الوصاية على الخلق ويريدون التحكم فيهم، ويعتبرون أنهم لو قالوه للعباد — وهو صحيح، صححه الهيثمي وغيره، بل صححه بعض العلماء أيضًا — لكنهم يُخفونه من أجل التسلط والتعالي والعياذ بالله تعالى.

استقبال العام الجديد بلا يأس مع المبادرة بالتوبة والثقة بالله

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» رواه البخاري ومسلم

حديث عظيم نريد أن نستقبل به عامًا جديدًا لا نيأس فيه، حتى لو صدر منا النقص والسلب والذنب والمعصية، إلا أننا نبادر بثقة في النفس ونبادر بثقة في الله قبل ذلك وبعد ذلك، أننا نسير في طريق إلى الله بقلوب خاشعة.

نتوب وننسى الذنب ونبدأ من جديد وكأننا لم نفعل شيئًا، ولكن لقد فعلنا وتركنا وتبنا ونسينا. وذلك رأفة من رسول الله بنا، ورحمة من رب العالمين بنا وبمن خلق وبمن سوف يكون بين يديه يوم القيامة. ادعوا ربكم.

الخطبة الثانية والشهادتان والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده.

وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وحبيبه وصفيه وخليله، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة، وجاهد في سبيل الله حتى انتقل إلى جوار ربه مكرّمًا مصطفى، صلى الله عليه وآله وسلم.

الدعاء في الجمعة الأخيرة من رمضان بالمغفرة والهداية والبركة

اللهم يا ربنا في هذا الشهر العظيم، وفي هذه الجمعة اليتيمة الوحيدة الأخيرة، وفي هذه الساعة التي قد تكون ساعة الإجابة عندك:

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار. اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت.

واصرف [عنا ما نكره]، اللهم إنا نعوذ بك من شر ما قضيت. اجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرّقنا من بعده تفرّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا.

الدعاء بالرحمة والحياة والممات على الإسلام وتنوير القلوب

كن لنا ولا تكن علينا، فارحم حيّنا وميّتنا وحاضرنا وغائبنا، وأحيِنا مسلمين وأمِتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين.

اللهم نوّر قلوبنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسّر [أمورنا]، تقبّل منا صالح أعمالنا. اقضِ حوائجنا وحوائج المسلمين.

اللهم يا ربنا اجمعنا على الحق في الدنيا والآخرة، نوّر بصائرنا وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك. اللهم انقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك يا رب.

الدعاء بالحشر تحت لواء النبي والشرب من يده ودخول الجنة

احشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا. ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.

وأظلّنا في ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، ومتّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم.

الدعاء بالشفاء والرزق والعلم النافع والقلب الخاشع

اللهم يا رب العالمين اشفِ مرضانا وارحم موتانا، وارزقنا رزقًا واسعًا وعلمًا نافعًا وقلبًا خاشعًا، وعينًا من خشيتك دامعة، ونفسًا قانعة، وشفاءً من كل داء.

هدّئ بالنا وأصلح حالنا. اللهم يا ربنا أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

الدعاء بأن يكون القرآن ربيع القلوب وحجة لنا لا علينا

واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همّنا وحزننا، ونور أبصارنا وصدورنا. واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا.

علّمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا، وأقمنا بالحق وفي الحق وللحق يا أرحم الراحمين. يا رب هذا حالنا لا يخفى عليك.

الدعاء لنصرة القدس وقبول العبادات واستجابة الدعاء

اللهم يا ربنا رُدّ إلينا القدس ردًّا جميلًا. اللهم يا ربنا انصر أهله في رباطهم ضد آل صهيون.

اللهم يا ربنا نلجأ إليك بما قُرئ في الحرمين وفي القدس الشريف وفي سائر أقطار الإسلام والمسلمين، أن تتقبل منا عباداتنا وصالح أعمالنا، وأن تتقبل منا دعاءنا، وأن تجعلنا من مستجابي الدعاء. اللهم اجعلنا من مستجابي الدعاء.

اللهم يا رب العالمين اقضِ دين المدينين واشفِ المرضى يا رب العالمين، واجمعنا على الحق في الدنيا والآخرة.

الصلاة على النبي والأمر بإقامة الصلاة وختام الخطبة

اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وأقيموا الصلاة:

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]