خطبة الجمعة بعنوان الإسراء والمعراج دروس وعبر 29 ابريل 2016 أ د علي جمعة
- •الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة.
- •في شهر رجب أسرى الله بنبيه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وبدأت الآية بكلمة "سبحان" التي تنزه الله عن كل نقص.
- •الإسراء معجزة نسبها الله إلى نفسه، والمعجزات على ثلاثة أنواع: معجزة للرسول لتثبيته أو تهيئته، ومعجزة للصحابة، ومعجزة تتعدى الزمان والمكان.
- •تم تهيئة النبي للإسراء بشق صدره الشريف ثلاث مرات، وهذا ما تؤكده روايات صحيحة.
- •كلمة "عبده" تستخدم في القرآن للرسول صلى الله عليه وسلم، وتدل على أنه أسري به بجسده.
- •المسجد الحرام هو مكة، والمسجد الأقصى هو بيت المقدس (القدس).
- •فرضت الصلاة في ليلة الإسراء، وهي الصلة بين العبد وربه.
- •الإسراء يذكرنا بالمساجد وأهميتها في حياة المسلمين.
خطبة الاستفتاح بالحمد والثناء على الله والصلاة على النبي
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ ونستهديهِ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ونبيُّهُ وصفيُّهُ وحبيبُهُ وخليلُهُ، بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصحَ للأمةِ وجاهدَ في سبيلِ اللهِ حتى أتاهُ اليقينُ.
فاللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمدٍ في الأولينَ، وصلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمدٍ في الآخرينَ، وصلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمدٍ في كلِّ وقتٍ وحينٍ، وصلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمدٍ في الملأِ الأعلى إلى يومِ الدينِ، وعلى آلِهِ الأطهارِ وأصحابِهِ الأخيارِ وأتباعِهِ الأبرارِ يا أرحمَ الراحمينَ.
الآيات القرآنية في التقوى والأمر بالقول السديد
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [النساء: 1]
﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم
أما بعدُ، فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وإنَّ خيرَ الهديِ هديُ سيدِنا محمدٍ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ، وقد تركَنا على المحجَّةِ البيضاءِ ليلُها كنهارِها لا يزيغُ عنها إلا هالكٌ.
في هذه الأيامِ الكريمةِ نتذكَّرُ ما منَّ اللهُ بهِ على رسولِهِ من نِعَمٍ ومن معجزاتٍ ومن عِلمٍ ومن تعليمٍ تركَهُ لنا على أوضحِ ما تكونُ البيِّنةُ والمحجَّةُ، تركَنا على المحجَّةِ البيضاءِ ليلُها كنهارِها لا يزيغُ عنها إلا هالكٌ.
الإسراء بالنبي في شهر رجب من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
في هذه الأيامِ وفي شهرِ رجبَ الأصمِّ الأصبِّ الفردِ الحرامِ أسرى ربُّنا سبحانَهُ وتعالى بنبيِّهِ من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى الذي باركْنا حولَهُ، في السابعِ والعشرينَ من رجبَ الأصمِّ الأصبِّ؛ حيثُ تُصَبُّ فيهِ البركاتُ والرحماتُ والسكينةُ.
[سُمِّيَ] الفردَ لأنَّهُ شهرٌ فردٌ، وبقيةُ الأشهرِ الحُرُمِ متتابعةٌ. و[سُمِّيَ] الحرامَ لأنَّهُ من الشهرِ الحرامِ الذي يستعظمُ فيهِ ربُّنا الآثامَ، وإن كانت حرامًا في سائرِ السنةِ إلا أنَّها في هذه الأيامِ تكونُ أشدَّ [حُرمةً] عبادَ اللهِ.
تفسير آية الإسراء ومعنى كلمة سبحان في القرآن والسنة
قالَ تعالى:
﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]
بدأتِ الآيةُ بكلمةِ «سبحانَ» جعلَها لنا القرآنُ والسنةُ ذِكرًا للهِ، سبحانَ اللهِ ومعناها أُنزِّهُ اللهَ سبحانَهُ وتعالى من كلِّ نقصٍ. تذكرُها في صلاتِكَ في ركوعِكَ: سبحانَ اللهِ العظيمِ، تذكرُها في سجودِكَ: سبحانَ ربِّيَ الأعلى، تذكرُها عندما تتعجَّبُ من شيءٍ من خلقِ اللهِ: سبحانَ اللهِ.
الباقيات الصالحات والعشر الطيبات من أذكار النبي صلى الله عليه وسلم
فاذكرْها [أي كلمة سبحان الله] من ضمنِ الباقياتِ الصالحاتِ التي تبقى بعدَ موتِكَ في رصيدِ أعمالِكَ: سبحانَ اللهِ، الحمدُ للهِ، لا إلهَ إلا اللهُ، اللهُ أكبرُ، لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ.
وهي من العشرِ الطيباتِ التي علَّمَنا إيَّاها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الذِّكرِ، معها: استغفرُ اللهَ، حسبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيلُ، إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ، توكَّلتُ على اللهِ، وختامُها بالصلاةِ على الحبيبِ المصطفى صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ، صلُّوا عليهِ وسلِّموا تسليمًا.
أنواع المعجزات الثلاثة ونسبة الإسراء إلى الله سبحانه وتعالى
سبحانَ الذي نسبَ الإسراءَ إلى نفسِهِ سبحانَهُ وتعالى، فهي معجزةٌ، والمعجزةُ على ثلاثةِ أنحاءٍ:
- معجزةٌ تكونُ للرسولِ تريدُ تثبيتَهُ أو تريدُ تهيئتَهُ أو تريدُ تعليمَهُ.
- وهناكَ معجزةٌ للصحابةِ ولمن حولَهُ.
- وهناكَ معجزةٌ تتعدَّى الزمانَ والمكانَ والأشخاصَ والأحوالَ وتُسمَّى بمعجزةِ الرسالةِ.
أمَّا النوعُ الأولُ فهو الذي منَّ اللهُ بهِ على نبيِّهِ من أجلِ أن يُثبِّتَهُ أو أن يُهيِّئَهُ أو أن يُعِدَّهُ أو أن يُعلِّمَهُ فيُعلِّمَ الأمةَ من بعدِهِ.
تسليم الحجر على النبي في طريقه إلى غار حراء تثبيتاً لقلبه
من هذا القبيلِ [أي معجزات تثبيت النبي] أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أخبرَ أنَّهُ كانَ إذا ذهبَ إلى غارِ حراءَ سمعَ سلامَ حجرٍ عليهِ يعرفُهُ بمكةَ، يُثبِّتُ اللهُ قلبَهُ حتى يُدرِكَ أنَّ وراءَ هذا المنظورِ عالمًا غيرَ منظورٍ.
وحتى يُدرِكَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شيئًا من تهيئتِهِ للوحيِ الشريفِ وللقائِهِ بالملَكِ ولانكشافِ العلومِ وهي كثيرةٌ على قلبِهِ الشريفِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولإلقاءِ الوحيِ إليهِ:
﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]
شق صدر النبي عند حليمة السعدية وإخراج نصيب إبليس منه
من المعجزاتِ التي كانت كذلك [لتهيئة النبي] شقُّ الصدرِ، شُقَّ صدرُهُ الشريفُ وهو عندَ حليمةَ صغيرًا من أجلِ أن يأخذوا منهُ ما وُضِعَ فيهِ من رحمةٍ تخصُّ إبليسَ اللعينَ، فأخذوا منهُ نصيبَ الرحمةِ لهذا المخلوقِ الذي رجمَهُ اللهُ وأبعدَهُ وحكمَ عليهِ حكمًا نهائيًّا:
﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 50]
هذا [شقُّ الصدرِ الأولُ] لم يرَهُ من الناسِ إلا أخوهُ من الرضاعةِ، فذهبَ فأخبرَ حليمةَ فردَّتْهُ إلى أمِّهِ السيدةِ آمنةَ خوفًا على الولدِ أن يكونَ قد حدثَ فيهِ شيءٌ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ.
شق صدر النبي في الحِجر تهيئةً للإسراء والمعراج
شُقَّ صدرُهُ [صلى الله عليه وسلم] بعدَ ذلكَ في الحِجرِ في الحطيمِ حِجرِ إسماعيلَ من أجلِ أن يتهيَّأَ للإسراءِ والمعراجِ، لم يرَهُ أحدٌ لكنَّهُ تهيَّأَ وأُعِدَّ لهذه الرحلةِ المُجهِدةِ.
فإنَّ جسدًا يتحمَّلُ وحدَهُ وبدونِ إعدادٍ أن يسيرَ في السماءِ وطبقاتِها عُلُوًّا حتى يخرجَ من الغلافِ الجويِّ ومن ضغطِ هذا الكونِ إلى فسيحِ السماواتِ والأرضِ إلا بإذنِ اللهِ. سبحانَ الذي أسرى! النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ هُيِّئَ لهذا، والرواياتُ صحيحةٌ في صحيحِ البخاريِّ في شقِّ الصدرِ الثاني، وشُقَّ صدرُهُ كذلكَ ثلاثَ مراتٍ تهيئةً وإعدادًا.
الفرق بين الشك العلمي والتشكيك الإبليسي في المعجزات
كلامٌ يقبلُهُ العقلُ السليمُ والقلبُ السليمُ والفكرُ السليمُ، ويأباهُ أهلُ التشكيكِ. وهناكَ فرقٌ بينَ الشكِّ والتشكيكِ؛ الشكُّ منهجٌ علميٌّ نصلُ بهِ في النهايةِ إلى الحقائقِ، والتشكيكُ تلبيسٌ وتغويشٌ وتلبيسٌ وتهويشٌ.
ولذلكَ لمَّا ألَّفَ المؤلِّفونَ في صفاتِ إبليسَ ألَّفوا «تلبيسَ إبليسَ» وألَّفوا «تفليسَ إبليسَ»، فإبليسُ يُلبِّسُ على الناسِ الحجَّةَ الواضحةَ التي تركَنا معها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.
الإسراء معجزة لتعليم النبي وإيحاء الله إليه بالحقائق
والإسراءُ من هذا النوعِ من أنواعِ المعجزاتِ التي كانت للنبيِّ من أجلِ أن يُدرِكَ الحقائقَ على ما هي عليهِ وأن يتعلَّمَ وأن يوحيَ اللهُ إليهِ سبحانَهُ وتعالى، فأوحى:
﴿فَأَوْحَىٰٓ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ [النجم: 10]
﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1]
وكلمةُ «بِعَبْدِهِ» تُستعمَلُ في القرآنِ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ في المواطنِ كلِّها إلا مع زكريَّا مرةً واحدةً:
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ [مريم: 2]
فنصَّ أنَّهُ زكريَّا.
دلالة كلمة عبده في القرآن على أنها خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم
أمَّا:
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [الكهف: 1]
لم يَذكُرْ مَن هو هذا [العبدُ] لأنَّهُ محمدٌ [صلى الله عليه وسلم].
﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]
﴿فَأَوْحَىٰٓ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ [النجم: 10]
وهكذا، ترى كلمةَ «عبدِهِ» تُستعمَلُ في القرآنِ لسيدِنا [محمدٍ] صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ، وهي تدلُّ هنا بأنَّهُ قد أُسرِيَ وعُرِجَ بهِ وجسدِهِ، وكلُّ ذلكَ أخذَهُ علماءُ الإسلامِ من نصِّ القرآنِ ومن الرواياتِ الصحيحةِ المؤيِّدةِ التي مكثوا كثيرًا على توثيقِها بما لم يُفعَلْ مع أحدٍ في العالمينَ.
التعجب ممن يهدم المنهج العلمي ويتحدث بغير علم في الدين
كما ألهمَ اللهُ الأمةَ في حفظِ تراثِ نبيِّها صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ، فنحنُ أهلُ عِلمٍ وأهلُ منهجٍ صحيحٍ، ولذلكَ نتعجَّبُ من أولئكَ الذينَ يخرجونَ هنا وهناكَ من أجلِ هدمِ المنهجِ العلميِّ ومن أجلِ أن يتحدَّثوا بما لا يعرفونَ:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: 36]
معنى الإسراء ليلاً ودلالة المسجد الحرام على مكة كلها
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بالليلِ وهو انتقالٌ من مكانٍ إلى مكانٍ، بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وهي مكةُ.
وكلمةُ «مسجد» يا عبادَ اللهِ يُسمِّيها أهلُ العربيةِ بـالمصدرِ الميميِّ الذي يصلحُ للدلالةِ على زمانِ السجودِ ومكانِ السجودِ ونفسِ السجودِ. وفي الحديثِ:
«اتَّخذوا قبورَ أنبيائِهم وأوليائِهم مساجدَ»
أي عبدوا مَن في القبرِ. فعندما تغيبُ عنَّا العربيةُ يغيبُ عنَّا الفهمُ الصحيحُ لكتابِ اللهِ ولسنةِ نبيِّهِ صلَّى اللهُ عليهِ.
المسجد الحرام هو مكة والمسجد الأقصى هو بيت المقدس لا البناء فقط
عندما تغيبُ منَّا العربيةُ نظنُّ أنَّ المسجدَ هو تلكَ المباني التي بُنيَت هنا أو هناكَ. المسجدُ الحرامُ هو مكةُ والصلاةُ فيها بمائةِ ألفِ صلاةٍ، والمسجدُ الأقصى هو بيتُ المقدسِ.
ولم يكنِ المسجدُ الذي على تلَّةِ داريا موجودًا حينئذٍ، ولكنَّ صورَ مدينةِ القدسِ الشريفِ - أُورْسالِم، أُورْشَلِيم، إيلياء - كانَ موجودًا، فرفعَهُ الملَكُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليصفَهُ للمشركينَ.
إذا عرفْنا هذا انحلَّ كلُّ إشكالٍ عندَ مَن يُثيرُ الشبهاتِ بغيرِ عِلمٍ. المسجدُ الحرامُ في مكةَ، والمسجدُ الأقصى في بيتِ المقدسِ (القدسِ)، ولها في التوراةِ أكثرُ من سبعينَ اسمًا، وهي أقصى بالنسبةِ إلى الحرمِ [المكيِّ].
فرض الصلاة ليلة الإسراء ورحمة النبي بالأمة في طلب التخفيف
عبادَ اللهِ، [الإسراء] معجزةٌ علَّمتِ النبيَّ حتى يُعلِّمَنا، وفُرِضَت في هذه الليلةِ الصلاةُ، وظهرَ مدى رحمةِ النبيِّ بنا:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
فسألَ ربَّهُ التخفيفَ حتى فُرِضَت علينا تلكَ الصلاةُ التي وصفَها ربُّنا سبحانَهُ وتعالى فقالَ:
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]
فالصلاةُ ليست شيئًا هيِّنًا، ولكنَّها آيةٌ من آياتِ المسلمينَ، وقد نظَّمَ المسلمونَ برنامجَهم اليوميَّ على تلكَ الصلاةِ، يقولُ أحدُهم لأخيهِ: قابِلْني قبلَ الظهرِ أو بعدَ العصرِ، عاشوا بالصلاةِ.
التمسك بالصلاة وتعليمها للأبناء والدعاء بأن تكون نوراً يوم القيامة
فتمسَّكوا عبادَ اللهِ بها [أي بالصلاة]، فإنَّها ذروةُ السَّنامِ وهي الصلةُ التي بينَكم وبينَ ربِّكم، وعلِّموها لأبنائِكم وسيروا في بركتِها، وادعوا اللهَ سبحانَهُ وتعالى أن يجعلَها لكم برهانًا ونورًا يومَ القيامةِ.
﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]
ذهبَ أهلُ التفسيرِ إلى أنَّ هذه صفةٌ للهِ [سبحانه وتعالى]، وبعضُهم قالَ إنَّها صفةٌ لرسولِ اللهِ، أي أنَّهُ سمعَ وأبصرَ الآياتِ التي حولَهُ، كما ذهبَ إلى ذلكَ الألوسيُّ [في تفسيره].
الاحتفال بمناسبات النبي والدعاء بالمغفرة والستر في ذكرى الإسراء
عبادَ اللهِ، كلُّ عامٍ وأنتم بخيرٍ، نعيشُ في مصرَ نفرحُ بفرحِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ، ونحتفلُ بمناسباتٍ قد جعلَها اللهُ نقاطًا فارقةً في تاريخِ الدعوةِ.
ونحتفلُ بها راجينَ اللهَ سبحانَهُ وتعالى بقلوبٍ ضارعةٍ أن يغفرَ لنا ذنوبَنا وأن يسترَ عيوبَنا وأن يُعلِّمَنا من عندِهِ، ادعوا اللهَ لعلَّها ساعةُ الإجابةِ.
الحمد والصلاة على النبي وذكرى الإسراء بتجديد المساجد لله
الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيهِ ملءَ السماواتِ والأرضِ وملءَ ما شئتَ من شيءٍ يا ربَّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا رسولِ اللهِ سيدِنا محمدِ بنِ عبدِ اللهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ واهتدى بهداهُ.
عبادَ اللهِ، يُذكِّرُنا الإسراءُ بالمساجدِ في مكانٍ يرجعُ إلى بهائِهِ وصفائِهِ وجمالِهِ بعدَ أن جُدِّدَ ويُعَدُّ وكأنَّهُ بيتٌ جديدٌ للهِ.
الدعاء لمن ساهم في بناء المساجد والختام بالأدعية الجامعة
نسألُ اللهَ سبحانَهُ وتعالى لمن ساهمَ في كلِّ مرحلةٍ من مراحلِهِ [أي بناء المسجد وتجديده] مالًا أو إدارةً أو وزارةً أو بناءً، أن يجعلَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى ذلكَ في ميزانِ حسناتِهِ وحسناتِنا يومَ القيامةِ.
اللهمَّ يا ربَّنا اغفرْ ذنوبَنا واسترْ عيوبَنا ويسِّرْ أمورَنا، واهدِنا يا ربَّنا فيمن هديتَ وعافِنا فيمن عافيتَ، أعِنَّا على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عبادتِكَ، اجعلِ القرآنَ الكريمَ ربيعَ قلوبِنا وجلاءَ همِّنا وحُزنِنا ونورَ أبصارِنا وصدورِنا.
