خطبة الجمعة | الأخلاق مفتاح النصر | بتاريخ 3-12-2011
- •الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي بُعث رحمة للعالمين كما وصفه الله تعالى.
- •الرحمة من أهم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، ومع بداية العام الجديد في شهر محرم ينبغي تأسيس منهج للأخلاق النبوية.
- •من الأخلاق الأساسية التي تركها الأنبياء الحياء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت".
- •الحياء خير كله كما وصفه النبي، وهو ضابط للإنسان يجعله عابداً لربه، معمراً لكونه، مزكياً لنفسه.
- •الحياء شعبة من شعب الإيمان، واختاره النبي من بين الشعب لأهميته كمدخل لبقية أخلاق الإسلام.
- •عثمان بن عفان كان مثالاً للحياء حتى أن الملائكة تستحيي منه، وزوجه النبي ابنتيه.
- •المقولة الشائعة "لا حياء في الدين" غير صحيحة، والصحيح "لا حرج في الدين".
- •الحياء يكون مع الله أولاً فيفيض على سلوك الإنسان مع نفسه ومع الناس.
- •في شهر محرم يستحب صيام يوم عاشوراء، فهو يكفر السنة الماضية.
- •التوسعة على الأهل
خطبة الحاجة والثناء على الله تعالى والصلاة على النبي المصطفى
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ ونستهديهِ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ونبيُّهُ وصفيُّهُ وحبيبُهُ، بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصحَ للأمةِ وجاهدَ في سبيلِ اللهِ حتى أتاهُ اليقينُ.
اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمدٍ في الأولينَ، وصلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمدٍ في الآخرينَ، وصلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمدٍ في كلِّ وقتٍ وحينٍ، وفي الملأِ الأعلى إلى يومِ الدينِ، وعلى آلِهِ الأطهارِ وأصحابِهِ الأخيارِ وأتباعِهِ الأبرارِ بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.
آيات التقوى من القرآن الكريم ومقدمة الخطبة بأصدق الحديث
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
أما بعدُ، فإنَّ أصدقَ الحديثِ كلامُ اللهِ، نورٌ أنزلَهُ اللهُ على نبيِّنا وجعلَهُ سبحانَهُ هدًى للمتقينَ إلى يومِ الدينِ. وأفضلُ الكلامِ هو كلامُ النبيِّ المصطفى والحبيبِ المختارِ صلى الله عليه وسلم.
بعثة النبي لإتمام مكارم الأخلاق ووصفه بالرحمة المهداة
[النبي صلى الله عليه وسلم] تركَنا بهِ على المحجَّةِ البيضاءِ ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها إلا هالكٌ. أمرَ ونهى وقرَّبَنا من ربِّنا، وبعثَهُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى كما أخبرَ عن نفسِهِ ليُتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ.
قالَ صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتُ لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ»
وكانَ يحبُّ مكارمَ الأخلاقِ ويكرهُ سَفسافَها، وكانَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يقولُ:
«إنما أنا رحمةٌ مُهداةٌ»
ويصفُهُ ربُّهُ سبحانَهُ وتعالى:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
الرحمة على قمة الأخلاق النبوية وبسملة السور القرآنية
وجعلَ [النبيُّ صلى الله عليه وسلم] الرحمةَ على قمةِ الأخلاقِ التي يدعو إليها، حتى أنزلَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ وجعلَها في بدايةِ كلِّ سورةٍ من القرآنِ الكريمِ إلا سورةَ التوبةِ؛ لأنها نزلَتْ بالسيفِ على أهلِ الفسادِ الذينَ لا يريدونَ صلاحًا ولا يريدونَ عبادةَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ.
الدعوة إلى التأسيس لمنهج الأخلاق النبوية في بداية العام الجديد
ونحنُ في شهرِ مُحرَّمٍ، ففي بدايةِ عامٍ جديدٍ نريدُ أن نؤسِّسَ لأنفسِنا منهجًا للأخلاقِ التي بُعِثَ بها رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ. نحاولُ، عسى اللهُ أن يوفِّقَنا، أن نتخلَّقَ بأخلاقِهِ الشريفةِ المنيفةِ فنفوزَ بخيرِ الدنيا والآخرةِ.
هيَّا بنا نستمعُ إليهِ في وصاياهُ حولَ الأخلاقِ ونُطبِّقُ على أنفسِنا وعلى أهلينا وعلى من حولَنا، ونبدأُ بأنفسِنا ثمَّ بمن يلينا ومن نعولُ. ابدأْ بنفسِكَ ثمَّ بمن تعولُ، حتى نكونَ أُسوةً حسنةً كما كانَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أُسوةً حسنةً للعالمينَ.
حديث الأنبياء عن الحياء وأثر فقدانه على الإنسان والمجتمع
من تلكَ الأخلاقِ أخلاقٌ أساسيةٌ تركَ فيها العالَمُ بالدعوةِ إليها حتى بداياتِ هذا العصرِ النَّكِدِ الذي خلقَنا اللهُ فيهِ، فصارَتْ وكأنها مَنقَصةٌ. فينبغي علينا أن نتمسَّكَ بها، وذلكَ ما يقولُهُ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ حينما يقولُ:
«مما تركَ الأنبياءُ: إذا لم تستحِ فاصنعْ ما شئتَ»
كلامُ الأنبياءِ الأوائلِ: الدعوةُ إلى الحياءِ، وأنَّ الحياءَ إذا افتقدَتْهُ الأمةُ وافتقدَهُ المجتمعُ وافتقدَهُ الإنسانُ مع نفسِهِ، فليصنعْ ما يشاءُ.
تشبيه فقدان الحياء بسيارة بلا قائد تدمر كل شيء حولها
تخيَّلْ نفسَكَ تصنعُ ما تشاءُ فتكونُ مُدمِّرًا لنفسِكَ ولمن حولَكَ في حياتِكَ ولآخرتِكَ. تخيَّلْ سيارةً تسيرُ بلا قائدٍ فتذهبُ في أيِّ اتجاهٍ؛ فإنها ستصطدمُ بالإنسانِ فتقتلُهُ، وبالشجرِ فتدمِّرُهُ، وبكلِّ كائنٍ ومكوَّنٍ، ثمَّ بعدَ ذلكَ تنفجرُ؛ لأنها صارَتْ بلا ضابطٍ.
والحياءُ هو ضابطُ الإنسانِ الذي يجعلُهُ عابدًا لربِّهِ، مُعمِّرًا لكونِهِ، مُزكِّيًا لنفسِهِ. وتخيَّلْ أنَّ الحياءَ قد نُزِعَ، فاصنعْ ما شئتَ!
«إنَّ مما أدركَ الناسُ من كلامِ النبوةِ الأولى: إذا لم تستحِ فاصنعْ ما شئتَ» أخرجه البخاري
حديث النبي في الدفاع عن الحياء وأن الحياء خير كله
جاءَ أحدُهم إلى رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يلومُ أخاهُ في الحياءِ وأنهُ حَيِيٌّ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ:
«دَعْهُ؛ فإنَّ الحياءَ خيرٌ كلُّهُ»
كلُّ أنواعِ الحياءِ طيبةٌ، وليسَ هناكَ في نفيِ الحياءِ طيبٌ، بل الشرُّ كلُّ الشرِّ في نفيِ الحياءِ.
حياء عثمان بن عفان الذي استحت منه الملائكة
النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ في شأنِ الحياءِ وهو يُقرِّبُ إليهِ عثمانَ بنَ عفانَ:
«ألا أستحيي من رجلٍ تستحيي منهُ الملائكةُ»
تخيَّلْ أنَّ حياءَ عثمانَ قد بلغَ إلى الغايةِ، حتى أنهُ كانَ حَيِيًّا مع اللهِ، حَيِيًّا مع نفسِهِ، فما بالُكَ مع الخلقِ! فإنَّ اللهَ غفورٌ، واللهُ معنا في كلِّ وقتٍ وحينٍ.
تتخيَّلُ أنهُ حَيِيٌّ في الخلواتِ فما بالُكَ بالجَلَواتِ! اللهُ يغفرُ والإنسانُ لا يغفرُ، اللهُ يعلمُ والإنسانُ لا يعلمُ، لكنَّ هذا الوليَّ التقيَّ سيدَنا عثمانَ يستحيي من اللهِ في خلواتِهِ حتى استحَتْ منهُ الملائكةُ.
قصة جبريل مع خديجة والحياء كمعيار للتفريق بين الملائكة والشياطين
والملائكةُ عندها هذا الخُلُقُ [خُلُقُ الحياءِ]؛ لمَّا جاءَ جبريلُ إلى رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ في بدءِ الوحيِ، فكانَ يحكي للسيدةِ خديجةَ أنَّ جبريلَ يأتيهِ ولا يعرفُ هل هو مَلَكٌ أم غيرُ ذلكَ.
فقالَتْ: إذا أتاكَ فأخبِرْني. فأتاهُ، فخلعَتْ ما على رأسِها من خِمارٍ، فذهبَ [جبريلُ]؛ لأنهُ كانَ يستحيي من السيدةِ خديجةَ. فلمَّا ارتدَتِ الخِمارَ مرةً أخرى ظهرَ، فعرفَتْ أنهُ مَلَكٌ؛ لأنَّ هذا ليسَ من أخلاقِ الشياطينِ، بل إنَّ أخلاقَ الشياطينِ كلَّها قلةُ الحياءِ.
وأخلاقُ الملائكةِ الكرامِ الحياءُ، معيارٌ واضحٌ وصريحٌ. فقالَتْ: ما هذا بشيطانٍ، هذا مَلَكٌ من الرحمنِ.
العلاقة بين الحياء من الله وذكر الله وأثره على السلوك
نعم، الحياءُ خيرٌ كلُّهُ. والنبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ عندما أكَّدَ لنا الحياءَ وأنهُ في أصلِهِ حياءٌ من اللهِ، فدرِّبْ نفسَكَ على هذا، واعلمْ أنَّ اللهَ معكَ بالليلِ والنهارِ، في الحِلِّ والترحالِ، وأنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى لا يفارقُكَ وهو عليمٌ بذاتِ الصدورِ.
فهناكَ علاقةٌ بينَ الحياءِ وبينَ الذكرِ:
﴿ٱذْكُرُوا ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42]
لأنَّ الذكرَ هو الذي يُعينُكَ على الحياءِ من اللهِ، فإذا نشأَ في قلبِكَ الحياءُ من اللهِ فإنَّ الحياءَ يظهرُ على وجهِكَ وعلى سلوكِكَ بينَ الناسِ.
تزويج النبي عثمان بنتيه رقية وأم كلثوم لعظيم حيائه
زوَّجَ النبيُّ [صلى الله عليه وسلم] عثمانَ بنتَيْهِ؛ رقيةَ فماتَتْ عندَهُ، ثمَّ أمَّ كلثومٍ فماتَتْ عندَهُ. كانَ ذا النورَيْنِ؛ نورِ رقيةَ ونورِ أمِّ كلثومٍ.
وقالَ [النبيُّ صلى الله عليه وسلم]: لو كانَ عندي ثالثةٌ لزوَّجتُهُ إيَّاها، وذلكَ لدرجةِ الحياءِ التي وصلَ إليها عثمانُ رضيَ اللهُ عنهُ، جملةٌ طويلةٌ كبيرةٌ من المناقبِ.
تصحيح مقولة لا حياء في الدين وبيان أن الصواب لا حرج في الدين
يشيعُ في وسطِ الناسِ مقولةُ «لا حياءَ في الدينِ» وهي مقولةٌ فاسدةٌ لم تَرِدْ لا في كتابٍ ولا في سُنَّةٍ، وإنما صحَّتُها: «لا حَرَجَ في الدينِ».
ولذلكَ أباحَ الدينُ أن نسألَ حتى في المسائلِ التي قد يكتنفُها شيءٌ من الغموضِ أو شيءٌ من الحياءِ، وأن نكتفيَ بالإجمالِ دون التفصيلِ.
سؤال أم سليم للنبي عن احتلام المرأة وجواز السؤال في أمور الدين
جاءَتْ أمُّ سُلَيمٍ بنتُ مِلحانَ رضيَ اللهُ تعالى عنها وأرضاها، وهي أمُّ أنسِ بنِ مالكٍ، وكانوا من الأُسَرِ التي كانَتْ في خدمةِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ وفي شأنِ القيامِ بشؤونِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ.
وأمُّ سُلَيمٍ جاءَتْ والنبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ عندَ زوجتِهِ أمِّ سَلَمةَ، فسألَتْهُ: ماذا تصنعُ المرأةُ يا رسولَ اللهِ إذا احتلمَتْ؟ قالَ:
«عليها الغُسلُ»
واكتفى. أخرجَهُ البخاريُّ تحتَ بابٍ عنوَنَهُ بأنَّ هذا ليسَ من الأشياءِ المرفوضةِ ما دُمنا نتعلَّمُ، وليسَ هذا في مقامِ الحياءِ الذي ندعو إليهِ.
أصل الحياء في العلاقة بين العبد وربه وفيضه على السلوك
إنَّ أصلَ الحياءِ الذي يدعو إليهِ رسولُ اللهِ [صلى الله عليه وسلم] إنما هو في العلاقةِ بينَكَ وبينَ اللهِ، حتى يفيضَ الحياءُ عليكَ من نورِهِ فتكونَ حَيِيًّا بينَ الناسِ. وليسَ معناهُ أن نكتمَ العلمَ، ولا أن نتعلَّمَ حتى في المواطنِ التي هي محدودةٌ تتعلَّقُ بالشخصِ وبحياتِهِ وبأسرارِهِ وبمكنونِ نفسِهِ، إلا أنَّ الحياءَ خيرٌ.
قصة المرأة التي سألت عن التطهر من الحيض وتعليم عائشة لها
وجاءَتِ امرأةٌ تسألُ عن كيفيةِ التطهُّرِ من الحيضِ، فأجابَها النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، فلم تكتفِ بمقالتِهِ. فقامَ وانصرفَ، وأخذَتْها عائشةُ [رضي الله عنها] حتى تُعلِّمَها كيفَ تتطهَّرُ من دمِ الحيضِ.
إذا كانَ التفتيشُ قد يصلُ بنا إلى مرحلةٍ تُضادُّ الحياءَ، والإجمالُ قد يكفينا في دينِ اللهِ كما وصفَ لنا رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، وتكلَّمَ عن كلِّ شيءٍ وعلَّمَنا كلَّ شيءٍ بوضوحٍ وبقلبٍ مفتوحٍ.
ثمرة الحياء من الله في تجنب الآثام والرجوع بالاستغفار
والصحيحُ أن نقولَ: لا حَرَجَ في الدينِ فهو خيرٌ كلُّهُ. لو أنَّ الإنسانَ استحيا من اللهِ واستحيا من الناسِ، فتجنَّبَ كثيرًا من الآثامِ، ولكانَتِ الأخطاءُ غيرَ مقصودةٍ تقعُ من الإنسانِ بسببِ ضعفِهِ وظروفِهِ ومقامِهِ، ولكنهُ يرجعُ مرةً أخرى فيستغفرُ ربَّهُ.
وكما يُذكِّرُنا ربُّنا سبحانَهُ وتعالى: بابُ الحياءِ كبيرٌ، وهو أصلٌ من أصولِ هذا الدينِ.
حديث شعب الإيمان واختيار النبي للحياء شعبة مميزة من بينها
حتى قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ:
«الإيمانُ بِضعٌ وسبعونَ شُعبةً، أعلاها لا إلهَ إلا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن طريقِ الناسِ، والحياءُ شُعبةٌ من شُعَبِ الإيمانِ»
لماذا اختارَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ شُعبةَ [الحياءِ] من بضعٍ وسبعينَ شُعبةً؟ ذكرَ لنا أعلاها وأدناها، فلماذا اختارَ فيما بينَهما شُعبةَ الحياءِ؟ لأنَّ الحياءَ مدخلٌ لبقيةِ أخلاقِ الإسلامِ، الحياءُ يمكنُ أن نقولَ عنهُ مفتاحٌ سحريٌّ تفتحُ بهِ الأبوابَ. الحياءُ خيرٌ كلُّهُ.
الحث على التحلي بالحياء مع الله والنفس والناس والمحاولة المستمرة
حاوِلْ أن تكونَ حَيِيًّا مع اللهِ، حَيِيًّا مع النفسِ، حَيِيًّا مع الأهلِ والجيرانِ. حاوِلْ أن تكونَ حَيِيًّا مع الناسِ، فإذا فشلتَ فحاوِلْ مرةً أخرى؛ لأنَّ الأمرَ مهمٌّ والبابَ خطيرٌ.
وفَّقَنا اللهُ وإيَّاكم لما يحبُّ ويرضى، ادعوا ربَّكم.
الخطبة الثانية والشهادتان والصلاة على النبي والدعاء له
الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا رسولِ اللهِ وآلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ، صدقَ وعدَهُ ونصرَ عبدَهُ وأعزَّ جندَهُ وهزمَ الأحزابَ وحدَهُ. وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ونبيُّهُ وحبيبُهُ وخليلُهُ وصفيُّهُ، بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصحَ للأمةِ وجاهدَ في سبيلِ اللهِ حتى أتاهُ اليقينُ.
اللهمَّ يا ربَّنا جازِهِ عنَّا خيرَ ما جازيتَ نبيًّا عن أمتِهِ، وصلِّ عليهِ كما يليقُ بمكانِهِ ومكانتِهِ عندَكَ يا أرحمَ الراحمينَ، وانفعْنا بهِ في الدنيا والآخرةِ، واحشُرْنا تحتَ لوائِهِ، واسقِنا من يدِهِ الشريفةِ شربةَ ماءٍ لا نظمأُ بعدَها أبدًا.
فضل صيام يوم عاشوراء وحديث النبي عن التوسعة على الأهل فيه
هذا الشهرُ الشريفُ [شهرُ مُحرَّمٍ] فيهِ يومُ عاشوراءَ، وفيهِ يقولُ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ عندما دخلَ [المدينةَ] فوجدَ اليهودَ يصومونَهُ:
«نحنُ أَوْلى بموسى منهم»
سألَ: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ نجَّى اللهُ فيهِ موسى. فصامَهُ وأمرَ بصيامِهِ حتى نزلَ رمضانُ، فقالَ: من شاءَ فليصُمْ ومن شاءَ فليُفطِرْ. وظلَّ هو صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يصومُهُ، يصومُ عاشوراءَ.
وأخبرَنا أنَّ صيامَهُ يُكفِّرُ السنةَ الماضيةَ، وأخبرَنا أنَّ من حِكَمِ صيامِهِ أنَّ التوسعةَ على الأولادِ والأسرةِ يومَ عاشوراءَ وسَّعَ اللهُ عليهِ سائرَ سنتِهِ، فقالَ:
«من وسَّعَ على أهلِهِ يومَ عاشوراءَ وسَّعَ اللهُ عليهِ سائرَ سنتِهِ»
قالَ ابنُ المباركِ: جرَّبناهُ ستينَ سنةً فوجدناهُ صحيحًا.
التعرض لنفحات الله والدعاء لتحرير القدس وإقامة الدين
فهذهِ من نفحاتِ اللهِ علينا.
«للهِ في أيامِ دهرِكم نفحاتٌ، فتعرَّضوا لنفحاتِ اللهِ»
قوموهُ واذكروا اللهَ فيهِ، وادعوا للقدسِ أن يُحرِّرَها اللهُ من أيدي اليهودِ، وأن يُعيدَها إلينا سالمةً من غيرِ حولٍ منَّا ولا قوةٍ، وأن يُمكِّنَنا في الأرضِ، وأن يُعينَنا على إقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ، وأن يستعمِلَنا سبحانَهُ وتعالى فيما يُرضيهِ عنَّا، وأن ينقُلَنا من دائرةِ سخطِهِ إلى دائرةِ رضاهُ.
الدعاء بالمغفرة والعفو والتوفيق والصلاة على النبي وإقامة الصلاة
أدعو اللهَ سبحانَهُ وتعالى أن يغفرَ ذنوبَنا وأن يسترَ عيوبَنا وأن يهديَنا في من هدى وأن يُعافيَنا في من عافى. اللهمَّ يا ربَّنا استجِبْ دعاءَنا ولا تَرُدَّنا خائبينَ، اغفِرْ وارحمْ وتجاوزْ عمَّا تعلمُ إنكَ أنتَ الأعزُّ الأكرمُ.
اللهمَّ اجعلْ جمعَنا هذا جمعًا مرحومًا وتفرُّقَنا من بعدِهِ تفرُّقًا معصومًا، ولا تجعلْ فينا شقيًّا ولا محرومًا. كُنْ لنا ولا تكُنْ علينا، وارحمْ حيَّنا وميِّتَنا وحاضرَنا وغائبَنا، واجعلْ هذا البلدَ بلدَ أمنٍ وإيمانٍ وعدلٍ وسلامٍ وإسلامٍ، وسائرَ بلادِ المسلمينَ يا أرحمَ الراحمينَ.
اللهمَّ أخرِجْنا من ضيقِنا إلى السَّعةِ، ومن حالِنا هذا إلى أحسنِ حالٍ. اللهمَّ وَلِّ من تريدُ إصلاحَنا وإصلاحَ البلادِ والعبادِ. اللهمَّ وفِّقْ من وَلَّيتَ إلى ما تحبُّ وترضى، ولا تُدخِلْنا في تجربةٍ ولا تمتحِنَّا يا أرحمَ الراحمينَ فإنَّا أضعفُ من ذلكَ.
اللهمَّ حالُنا ظاهرٌ بينَ يديكَ وعلمُ كلِّ شيءٍ عندَكَ يا أرحمَ الراحمينَ، فاغفِرْ لنا ذنوبَنا على ما كانَ من عملٍ ووفِّقْنا إلى ما تحبُّ وترضى. نلتجئُ إليكَ أن تعفوَ عنَّا وأن تغفرَ لنا وأن توفِّقَنا وأن تصرفَ عنَّا السوءَ بما شئتَ وكيفَ شئتَ ومتى شئتَ يا أرحمَ الراحمينَ.
اللهمَّ يا ربَّنا صلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ونوِّرْ قلوبَنا واغفِرْ ذنوبَنا واسترْ عيوبَنا. وأقِمِ الصلاةَ؛
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]
