خطبة الجمعة | القدس | أ.د. علي جمعة - خطب الجمعة

خطبة الجمعة | القدس | أ.د. علي جمعة

28 دقيقة
  • القدس مدينة عربية ذات مكانة دينية عظيمة، هي أولى القبلتين وثالث الحرمين، لا تشد الرحال إلا إليها وإلى مكة والمدينة.
  • أسرى الله برسوله ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وجعل الصلاة فيه بخمسمائة صلاة.
  • فضل الله بعض الأماكن على بعض كما فضل بعض الأزمان والأشخاص، والقدس من هذه الأماكن المفضلة.
  • القدس لا تباع ولا تشترى ولا يساوم عليها، وهي في قلوب المسلمين، ولا سلام بدون رد الحقوق لأصحابها.
  • أنشأها اليبوسيون قبل ستة آلاف سنة، وعندما دخلها عمر بن الخطاب كتب وثيقة عادلة للمسيحيين.
  • منح العهد العمري المسيحيين حرية العبادة وأمان الكنائس وحماية الممتلكات وعدم الإكراه في الدين.
  • التاريخ الإسلامي خال من الاستعمار والاسترقاق وإبادة الشعوب واضطهاد المرأة ومحاكم التفتيش.
  • يجب على المسلمين الاهتمام بالقدس وتعليم أبنائهم عنها، والصبر والدعاء لاسترجاعها.
محتويات الفيديو(27 أقسام)

خطبة الاستفتاح بالحمد والثناء على الله والصلاة على النبي

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.

فاللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه بإحسان يا أرحم الراحمين.

آيات التقوى من القرآن الكريم ومقدمة الخطبة الشرعية

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدى هدي سيدنا محمد رسول الله، وأن شر الأمور محدثاتها.

منّة الله على النبي بالقرآن والإسراء والمعراج والاصطفاء

سيدنا [محمد] صلى الله عليه وآله وسلم منّ الله عليه بالقرآن العظيم، ومنّ الله عليه برحلة الإسراء إلى بيت المقدس، وبرحلة المعراج إلى سدرة المنتهى، منّ الله عليه بالاصطفاء والاختيار.

﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]

مكانة بيت المقدس في القرآن وفضله عند النبي صلى الله عليه وسلم

أنبأنا الله سبحانه وتعالى أن بيت المقدس هو المسجد الأقصى، أنبأنا أن الله قد بارك فيما حوله، أنبأنا الله سبحانه وتعالى أنه مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان [بيت المقدس] أولى القبلتين وأصبح ثالث الحرمين.

وجعل النبي [صلى الله عليه وسلم] الصلاة فيه بخمسمائة صلاة، وفي مكة بمائة ألف، وفي المدينة بألف، وفي بيت المقدس بخمسمائة صلاة. وقال [صلى الله عليه وسلم]:

«لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة: مكة والمدينة والمسجد الأقصى»

صغر مساحة القدس وتفضيل الله للأزمان والأماكن والأشخاص

هذه المدينة [القدس] مساحتها تُقدَّر بكيلومتر في كيلومتر ونصف، فمساحتها كيلومتر ونصف مربع، بقعة صغيرة لكن الأمر هنا ليس بالكمّ، بل بنظر الله سبحانه وتعالى إليها.

فقد فضّل الأزمان بعضها على بعض وجعل ليلة القدر خير ليالي السنة، والعشر الأوائل من ذي الحجة خير أيام السنة. وفضّل الأشخاص على بعض:

﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]

حتى درجة الرسالة والنبوة، فضّل الله بها أشخاصًا على أشخاص. فضّل الله أشخاصًا على أشخاص، وأزمانًا على أزمان، وأماكن على أماكن، ومن مفضّلات الأماكن هذه البقعة الطاهرة [القدس الشريف].

الرد على نظرية فريدمان بأن القدس لا تُباع ولا تُشترى

جاء فريدمان من أجل أن يقول إن كل شيء في العالم له ثمن، والعبرة أن تعرف ثمنه. وكما نقول في العامية: من عرف دية رجل قتله ودفع الدية.

ولكن هذه النظرية الخائبة والتي حصل عليها على جائزة نوبل لا تصلح معنا؛ فالقدس لا تُباع ولا تُشترى ولا يُساوَم عليها بسياسة طاهرة أو بسياسة نجسة.

القدس في قلوب كل المسلمين، وإن فرّطنا فيها فلن يفرّط فيها أبناؤنا. وإذا أراد العالم سلامًا، فلا بد أن يكون مبنيًّا على رد الحقوق إلى أصحابها وإلا فلا سلام.

الإسلام دين السلام والقدس مدينة عربية أسسها اليبوسيون

ليس لأننا لا نحب السلام؛ فديننا اسمه الإسلام من السلام، وتحيتنا هي السلام، ونختتم صلاتنا بالسلام عليكم، نُسلّم على العالم وعلى من بجوارنا، حتى إننا ونحن منفردون نُسلّم على الملائكة، والجنة اسمها دار السلام. فلا يُزايد علينا أحد في رغبتنا في السلام.

لكن القدس مدينة عربية أنشأها اليبوسيون من ستة آلاف سنة، قبل سيدنا إبراهيم وقبل العبرانيين وقبل سيدنا موسى بمئات السنين. فهي من حق العرب.

العهدة العمرية وثيقة تاريخية تدعو للاعتزاز بالإسلام

ولما دخل العرب مرة أخرى مدينة القدس، فإن سيدنا عمر بن الخطاب كتب وثيقة وعهدًا عمريًّا للمسيحيين بها.

هذا العهد يبيّن لكم تاريخكم، ويبيّن لكم أنه يجب عليكم أن تعتزّوا بإسلامكم، وأن ترفعوا رؤوسكم هكذا عاليًا في العالمين، وأن تسجدوا لرب العالمين فتشكروه أن هداكم إلى الإسلام بالليل والنهار.

قولوا: الحمد لله الذي جعلنا مسلمين، نِعْمَ الدين الذي نفتخر به، دينٌ نعلو به، فالإسلام يعلو ولا يُعلى عليه.

دخول عمر بن الخطاب القدس وتواضعه أمام سفرونيوس

دخل عمر [بن الخطاب رضي الله عنه القدس] وهو يقود ناقته وخادمه يركب الناقة. فقال سفرونيوس مطران القدس: أين عمر، الواقف أم الراكب؟ يعني أنه لم يكن يرتدي شيئًا يميّزه في الفخامة، وهو خليفة المسلمين، وهو المنتصر على الرومان وعلى الفرس وعلى المشركين.

لا، دخل [متواضعًا]. فسأل سفرونيوس عن عمر، فقالوا له: عمر الذي يمسك بخطام الناقة وخادمه الذي يجلس عليها. فبكى [سفرونيوس].

فقالوا: لماذا تبكي؟ قال: هكذا مكتوب عندنا في الكتب؛ أن خليفة المسلمين عندما يأتي لفتح بيت المقدس سيكون ممسكًا بخطام ناقته وعليها خادمه.

دلالات تواضع عمر ومنهجه في العلاقة بين الحاكم والمحكوم

فماذا يعني هذا؟ أن هذا [الفتح] من عند الله، ويعني أن عمر والخادم قد تساويا، ويعني أن عمر الدنيا في يده وليست في قلبه، ويعني أن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه معينٌ لا ينضب في تعليمنا وإلى يوم الدين.

[يعلّمنا] كيف نسير في حياتنا، وكيف نقيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين القوي والضعيف، وبين الخادم والمخدوم، وبين العامل وصاحب العمل. وأن كل ذلك قد بُني في الإسلام على الرحمة؛ إنما بُعثتُ رحمةً مُهداة.

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

جلوس عمر في كنيسة القيامة وكتابة العهد العمري الفريد

جلس عمر [رضي الله عنه] في كنيسة القيامة حتى يكتب للناس عهده، فكتب عهدًا فريدًا أظن أننا لم نصل إليه إلى اليوم. كتب عهدًا يقشعرّ له بدني عندما أقرؤه وأتأمله وأقف عند مفرداته.

أردت أن أتلوه عليكم لأنه مما يُتلى، وأن نقف عند كل جزء منه لأنه مما يُدرَس.

نص العهدة العمرية وأسماء مدينة القدس المتعددة

كتب [عمر رضي الله عنه]: هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء، وهو اسم من أسماء تلك المدينة المباركة: مدينة يبوس ومدينة إيلياء وأورشليم وأورسليم ودار السلام ودار سالم ودار سليم ودار شليم وبيت المقدس والبيت المقدس والمسجد الأقصى والقدس الشريف.

في نحو أكثر من ألف اسم لمدينة القدس، والعرب كانت إذا خافت شيئًا أو أحبّته أكثرت من أسمائه.

عهد عمر بالأمان لأهل إيلياء على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم

إذن، فإيلياء يعاهدها عمر [رضي الله عنه] من الأمان، سيعطيهم الأمان. أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، سقيمها وبريئها.

وهذا جائز في النحو بعد التقسيم أن ترفع ما بعده، سقيمها وبريئها، وهذا جائز على البدلية.

ما معنى هذا؟ الكنيسة السقيمة أي الآيلة للسقوط أو التي ليس فيها خدمة، والبريئة هي البريئة من النقص والبريئة من العيوب في المباني. أنه لا يُهدَم لا تلك ولا هذه؛ السقيمة تحتاج إلى ترميم فلْيُرمّموها.

الرد على من يمنع ترميم الكنائس والأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين

وهذا عكس ما تقوله النابتة أنه لا يجوز للنصارى أن يرمّموا كنائسهم. يبدو أنهم يظنون أنفسهم أفقه من عمر [رضي الله عنه].

ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أمرنا قال:

«فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور»

ولم يقل لنا: اتبعوا النابتة سفهاء الأحلام أحداث الأسنان، يقولون من كلام خير البرية، لا يجاوز إيمانهم تراقيهم.

مبدأ المواطنة في العهدة العمرية وحرية العقيدة للطوائف المسيحية

نعم، سقيمها وبريئها، تركها لهم عمر [رضي الله عنه] وسائر ملّتها. وبعض الناس لم يفهموا تلك العبارة لكنهم نقلوها كما هي.

وذلك أن كنيسة القيامة يسيطر عليها ثلاث طوائف من النصارى: الروم والأرمن والأرثوذكس. ولذلك هو [عمر] لا يريد أن يدخل في نزاع عقدي بينهم، هو يريد أن يقرّر مبدأ المواطنة: لكم ما تدينون، وعليكم أن تفعلوا ما تعتقدون.

حتى أن ترفعوا الصليب الذي قد أنكره القرآن الكريم، حتى أن ترفعوا الصليب الذي هو مدخل لكل العقائد التي بيننا وبينكم؛ لنا ديننا ولكم دينكم.

التعايش السلمي في الإسلام وحماية الكنائس وأوقافها من الاعتداء

لكننا ننظر إلى جانب آخر وهو أننا نعيش سويًّا، فلنعش في أمان، وكل منا يدرك الآخر ويعرف الآخر لكنه لا يعتدي عليه.

إذن، إنه لا تُسكَنوا كنائسهم؛ إياكم أن تحتلّوا كنائسهم، وأن تزاحموهم، وأن يبني أحدهم بيته بجوار الكنيسة فيسدّ عليهم بابها. إياكم أن تعتدوا على الكنائس، ولا تُهدَم ولا يُنقَص منها ولا من خيرها.

والأوقاف التي تدرّ الأموال على الكنائس لا تُعطّلها ولا تقف عقبة بإزائها، إلا أن تستبدلها بما هو مثلها أو هو خير منها.

حماية الصلبان والفصل بين قضية العقيدة وقضية التعايش

ولا من صلبهم؛ إياكم أن تكسروا الصليب، وإياكم أن تعتدوا عليه. وإياكم!

وهل نعتقد نحن في الصلب والصليب؟ لا، هذه قضية وهذه قضية أخرى. قضية الحياة لها قواعدها، والاعتقاد له مبادئه.

ونحن لا نتخلّى عن عقائدنا الواضحة الجلية، المبنية على التوحيد، المبنية على الإخلاص، المبنية على التنزيه، المبنية على التصديق لكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم. ولكن التعايش له قواعده.

حرية الدين وعدم الإكراه وإجلاء اليهود بطلب النصارى

ولا يُكرَهون على دينهم، ولا من صلبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرَهون على دينهم، ولا يُضارّ أحد منهم.

ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود؛ طلب النصارى من عمر [رضي الله عنه] أن يُجلي اليهود لأنهم كانوا لصوصًا وكانوا جبارين في الأرض. فقال لهم [عمر]: تخلّوا عن هذا الكيلو ونصف [أي مساحة المدينة]، اجلسوا في الخارج، لا تُضايقوا أهل البلد، ولكن لكم أن تدخلوا للعبادة. فسمح لهم بالوجود وأجلاهم عن السكن.

تحية لعمر بن الخطاب الذي سبق حقوق الإنسان الحديثة بعدله

رضي الله تعالى عنك يا عمر، فقد رفعت رأسنا، وكنت خيرًا من الأمم المتحدة التي كتبت حقوق الإنسان على الحجر وحرمتها البشر. وكنت خيرًا من الولايات المتحدة التي تظلمنا ليل نهار بهذا الاعتراض الذي تعترض به على كل خير.

وكنت خيرًا يا عمر من هذا الكيان الصهيوني الإسرائيلي المزعوم الذي احتلّ الأرض وأراد أن يُهوّد القدس. كنت عادلًا يا عمر، فتحية لك من القلب، ورضي الله تعالى عنك وأرضاك وأعلى شأنك في الدنيا والآخرة.

رسالة للصهاينة بأن الله يمهل ولا يهمل وتحذير التلمود لهم

أما بالنسبة لأولئك الصهاينة فنقول لهم: حسبنا الله ونعم الوكيل، سيُغنينا الله من فضله ورسوله. تسيرون في طريق مظلم مسدود، وستصطدمون بحائط القدر؛ لأن الله سبحانه وتعالى يُمهل ولا يُهمل.

وفي التلمود بعدما عبدوا الوثن في فلسطين طردهم [الله] من أرض فلسطين وقال: لو عدتم ستُذبَحون كما تُذبَح الغزلان في الغابة. هم الذين يقولون عن أنفسهم هذا، وهم يعلمون أنهم في طريق الدمار والشنار والعار.

واجب المسلم في تعليم أبنائه عن القدس وتفاصيل العهدة العمرية

أما أنت أيها المسلم فلا بد لك من أن تهتمّ وأن تُعلّم أبناءك القدس الشريف الذي كاد كثير من الناس أن ينسوه.

عمر [رضي الله عنه] يقول: وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص. فمن خرج منها فإنه آمن على نفسه، اللصوص آمنون على أنفسهم.

أرأيت حقوق الإنسان كيف تكون؟ آمنًا على نفسه. ما معنى هذا؟ أنه أخرجه بسلام.

حماية أموال المخرجين ونقلهم الآمن على نفقة الدولة الإسلامية

ثم انظر: وماله حتى يبلغوا مأمنهم. حسنًا، أليس من الجائز أن يكون قد سرق هذا المال؟ نبدأ من جديد؛ القانون لا يعرف الأثر الرجعي.

حسنًا، حتى يبلغوا مأمنهم، ما معناه أن عمر [رضي الله عنه] سيتكلّف النقل الآمن لهم؛ حماية وتذكرة سفر حتى يذهبوا إلى المكان الذي يريدون.

والهجرة والجنسية في العالم كله الآن إذا رأتك مخالفًا فإنك لا بد أن تدفع ثمن التذكرة. لا أحد يدفع ثمن التذاكر سوى عمر [رضي الله عنه].

تاريخ المسلمين خلا من الاستعمار والاسترقاق ومحاكم التفتيش

تاريخكم أيها المسلمون قد خلا من الاستعمار؛ فلما دخل المسلمون مصر والشام والعراق والمغرب لم يحملوا خيرات تلك البلاد إلى بلادهم كما فعل الاستعمار بنا.

تاريخكم خلا من الاسترقاق؛ فلم نسترقّ الشعوب ولم نخطف الناس كما خطفوهم إلى ليفربول ثم إلى أمريكا، أربعون مليونًا في النصف الأول من القرن التاسع عشر حتى يبنوا أمريكا.

تاريخكم خلا من محاكم التفتيش؛ لقد أخرجوا من ترجم الكتاب المقدس من القبر وعلّقوه وحرقوا جثمانه بعد أن مات.

تاريخ المسلمين خلا من اضطهاد المرأة وإبادة الشعوب ودعوة لعدم نسيان القدس

تاريخكم قد خلا من اضطهاد المرأة التي كانوا يضعون كمامة كلب على فمها ويجرّونها بالساجور، وهذا في المتحف البريطاني منشور معلوم.

تاريخكم الوحيد في العالم الذي جعل الرقيق العبيد حكّامًا له في فترة واسعة تُسمّى حكم المماليك. هل رأيتم أحدًا في العالم يجعل خادمه ورقيقه حاكمًا عليه؟

تاريخكم قد خلا من إبادة الشعوب كما فعلوا في الهنود الحمر وكما فعلوا في أستراليا وفي تسمانيا وكما فعلوا مع قبائل الزولو في أفريقيا.

تاريخكم منير، وقدسكم منير، ودينكم عادل. استمرّوا على هذا ولا تنسوا القدس في خضم أحداث هنا أو هناك.

الخطبة الثانية والشهادة والثناء على النبي صلى الله عليه وسلم

ادعوا ربكم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه وخليله، أدّى الرسالة وبلّغها وأدّى الأمانة وأوصلها.

فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيًّا عن أمته يا ربنا.

الدعاء بعودة القدس إلى أصحابها وجمع القلوب على الخير

هذا حالنا لا يخفى عليك، فاستعملنا فيما تريد وأقمنا فيما تحب، ووفّقنا إلى ما تحب وترضى، وألّف بين قلوبنا.

اللهم يا ربنا اقدر لنا في حياتنا أن نرى القدس قد عادت إلى أصحابها وسائر حقوق العرب والمسلمين.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرّقنا من بعده تفرّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا. أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم.

الدعاء الختامي بالرحمة والمغفرة والأمن للبلاد وختام الخطبة

آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عفوّ يا غفّار. احشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.

نحن في حاجة إلى رحمتك ولست في حاجة إلى عذابنا، فاغفر ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا، ونوّر قلوبنا واستر عيوبنا ويسّر غيوبنا، واشفِ مرضانا وارحم موتانا وردّ غائبنا واهدِ ضالّنا وألّف بين قلوبنا.

اللهم يا ربنا اجعل هذا البلد بلد أمان وأمن وسلام وإسلام وعدل وإحسان إلى يوم الدين، وسائر بلاد المسلمين. اللهم يا ربنا أعنّا على أنفسنا وأعنّا على ذكرك يا رب العالمين.

اللهم يا ربنا اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همّنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا. علّمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا واهدنا بالحق.

اللهم انصرنا بالحق وانصر الحق بنا، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.

وأقم الصلاة؛ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.