خطبة الجمعة | المسجد.. منطلق الخير والتقوى وتهيئة النفوس لمواسم الطاعة | أ.د. علي جمعة - خطب الجمعة

خطبة الجمعة | المسجد.. منطلق الخير والتقوى وتهيئة النفوس لمواسم الطاعة | أ.د. علي جمعة

17 دقيقة
  • الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الكريم، والدعوة لتقوى الله وطاعته لتحقيق الفوز العظيم.
  • المساجد بيوت الله في الأرض، جعلها النبي ﷺ منطلقًا للعبادة والخير والتعليم والدعوة والتشاور وتكافل المجتمع.
  • من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
  • يتأكد ثواب بناء المساجد إذا كانت برًا للوالدين، فالبر يكون في حياتهما وبعد وفاتهما.
  • افتتاح المسجد يذكرنا بانتقال القبلة في النصف من شعبان، وهي ليلة مباركة يستجيب الله فيها الدعاء.
  • ليلة النصف من شعبان ينزل الله فيها برحمته إلى السماء الدنيا ويغفر لمن استغفره.
  • كان التابعون يصلون في هذه الليلة في المساجد، وكان بعضهم يصلي جماعة.
  • شعبان شهر ترفع فيه الأعمال، وهو تهيئة لشهر رمضان الذي فيه ليلة القدر.
  • ينبغي الإكثار من العمل الصالح والدعاء والاستغفار في هذه الأيام المباركة.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

خطبة الحاجة والثناء على الله تعالى والشهادتان

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي سيدنا محمد رسول الله، وإن شر الأمور محدثاتها.

المسجد منطلق لكل خير في عبادة الله وتكافل المجتمع والتعليم

عباد الله، هذا مسجد مبارك بهيّ البناء، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو الذي يقول:

«إن بيوت الله في الأرض المساجد»

جعل المسجد منطلقًا لكل خير وفي كل وقت؛ جعله منطلقًا لعبادة الله:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

وجعله لفعل الخيرات وتكافل المجتمع:

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

وجعله للتشاور حتى في شؤون الحكم، وجعله مركزًا للتعليم ومركزًا للدعوة ومركزًا لكل خير في بناء الإنسان.

فضل بناء المساجد وثواب من بنى لله مسجدًا ولو صغيرًا

ولذلك قال [رسول الله صلى الله عليه وسلم]:

«من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة»

والقطاة طائر صغير كالعصفور بيته صغير، فما بالكم لو بُنِيَ مسجد كبير كهذا المسجد الذي نفتتحه اليوم منطلقًا للذكر وللقرآن وللعبادة وللعلم وللخير ولتكافل الناس جميعًا؟

فما بالكم بهذا، ولو كمفحص [قطاة] قال [رسول الله صلى الله عليه وسلم]:

«من بنى [لله مسجدًا] بنى الله له بيتًا في الجنة»

والجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ قصة أخرى دائمة خالدة، ليست كهذه الدقائق التي نحياها في الدنيا.

﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ * قَـٰلَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: 112-114]

حياة فيها الأبدية وفيها النعيم المقيم، وليس فيها تكليف بل كلها تشريف.

ثواب بناء المسجد يتأكد إذا كان برًّا بالوالدين بعد وفاتهما

هذه المساجد التي نبنيها في الأرض ابتغاء وجه الله يتأكد ثوابها ويحصل لبانيها إذا كانت برًّا لوالديه؛ يُهَب مثل ثواب ما أُهدي إلى أبيه وأمه. هذا مسجد بُنِيَ لبرّ الوالدين.

والنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالبرّ في حياتهما وبعد وفاتهما. قالوا: يا رسول الله، هذا في حياتهما، فكيف بعد الوفاة؟ قال:

«أن تبرّ أهل ودّ أبيك» [أي] من كان أبوك وأمك يودّونهم.

وقال [صلى الله عليه وسلم]:

«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، ومن صدقة جارية، ومن علم يُنتفع به»

كل عمل صالح يأخذ الإنسان عليه الثواب يدعو الله: اللهم هب مثل ثواب ما أعطيتني إلى أبي وإلى أمي وإلى والديّ، ومن أهل ودّه ورحمه.

افتتاح المسجد يذكّرنا بتحويل القبلة إلى المسجد الحرام

افتتاح المساجد يذكّرنا بانتقال القبلة:

﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال ثمانية عشر شهرًا يدعو الله سبحانه وتعالى أن يولّيه إلى البيت الحرام في مكة. كان دائمًا يستقبل البيت الحرام ويستقبل بيت المقدس معًا عندما كان في مكة.

فلما انتقل إلى المدينة المنورة أصبحت مكة في الجنوب والأقصى في الشمال، فجلس هكذا ثمانية عشر شهرًا يدعو الله سبحانه وتعالى.

استجابة الله لدعاء النبي ليلة النصف من شعبان بتحويل القبلة

حتى إذا ما كان النصف من شعبان -وهي الليلة الماضية، ونحن اليوم في الخامس عشر من شعبان- في هذه الليلة استجاب الله له:

﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا﴾ [البقرة: 144]

افتتاح هذا المسجد في هذا اليوم المبارك يذكّرنا بتلك الليلة العظيمة.

مرة قامت السيدة عائشة عليها السلام، افتقدت النبي [صلى الله عليه وسلم] بجوارها، فقامت تبحث عنه فلم تجده في المسجد، ووجدته عند البقيع -والبقيع قريب من الحجرات النبوية ومن المسجد النبوي-.

رأته من بعيد فذهبت إليه، فوجدته يتضرّع إلى الله في تلك الليلة، تلك الليلة التي استجاب الله له فيها. استنبط العلماء من هذا أن هذه ليلة يستجيب الله فيها الدعاء.

فضل ليلة النصف من شعبان ونزول الرحمة الإلهية فيها

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم:

«إذا جاءت ليلة النصف من شعبان نزل الله برحمته وملائكة عرشه إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له، هل من مسترزق فأرزقه، هل من كذا، هل من كذا، حتى مطلع الفجر»

وقال [صلى الله عليه وسلم]:

«قوموا ليلها وصوموا يومها»

وفي رواية:

«وصوموا نهارها»

صلاة التابعين ليلة النصف من شعبان وقول الإمام الشافعي في جواز الجماعة

كان التابعون مما حملوه من إرث الصحابة الكرام يصلّون في هذه الليلة في المساجد، وبعضهم في الشام كان يصلّي جماعة.

وذلك أن العلماء -ومنهم الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه- يقول: إنه كل ما لم تُسَنّ فيه صلاة الجماعة تجوز فيه الجماعة؛ تحية المسجد لا يُسَنّ فيها الجماعة فتجوز فيها الجماعة، وليلة النصف من شعبان لا تُسَنّ فيها الجماعة فتجوز فيها الجماعة.

فكان خالد بن معدان من التابعين، ولقمان بن عامر، ومكحول، وغيرهم من الأكابر الفقهاء يصلّون -وهم من أهل الشام من مدرسة عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه- ليلة النصف من شعبان.

الليالي المباركة التي ينظر الله فيها إلى خلقه ويغفر لهم

ويرشدون [أي التابعون والفقهاء] إلى ليلة أول رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلة القدر، وليلة العيد [عيد الفطر]، وليلة عيد الأضحى.

هذه ليالٍ ينظر الله فيها -كما ورد في الأثر- إلى خلقه، إلى الناس أجمعين: مؤمنهم وكافرهم، مسيئهم ومحسنهم. ينظر الله إليهم جميعًا، وهي فرصة يتوب الله على من يشاء فيها ويغفر للجميع إلا المشرك والمشاحن، وفي حديث عليّ [رضي الله عنه]: ومدمن الخمر.

إذن هذه أيام مباركة، الاحتفال بها يحيي الصدور، والاحتفال بها يهيّئ النفوس.

التهيئة لشهر رمضان وفضل شعبان الذي يغفل عنه كثير من الناس

رمضان على الأبواب:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]

تهيئة لرمضان كما قال سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم:

«هذا شهر -عن شعبان الذي يقع بين رجب ورمضان- يغفل عنه كثير من الناس»

ولذلك فنحن في تهيئة لشهر رمضان، هذا الشهر العظيم الذي يشتمل على عشر من الأواخر وعلى ليلة هي خير من ألف شهر:

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ * لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 1-3]

صيام النبي للاثنين والخميس ورفع الأعمال في شعبان والحث على التقوى

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الاثنين والخميس ويقول:

«أحبّ أن أصوم ذلك اليوم؛ لأنه تُرفع فيه الأعمال»

وكان يقول:

«إن شعبان تُرفع فيه الأعمال إلى الله»

فصار هناك رفع في كل أسبوع [يوم الاثنين والخميس]، وصار هناك رفع في كل سنة [في شهر شعبان].

فلنتّقِ الله سبحانه وتعالى، ولنُكثر من عمل الصالحات، ولنتهيّأ إلى رمضان، ولندعُ ربنا سبحانه وتعالى أن يشرح صدورنا وأن يغفر ذنوبنا وأن يهيّئ لنا من أمرنا رشدًا. ادعوا الله فإنه جدير بالإجابة.

الدعاء الختامي بالمغفرة والرحمة ونصرة المظلومين وجزاء بناة المسجد

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، وعلى سيدنا النبي المجتبى وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله.

اللهم يا ربنا هذا حالنا لا يخفى عليك، علم كل شيء بيديك. اللهم يا ربنا نوّر قلوبنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسّر غيوبنا، واجمعنا على الحق في الدنيا والآخرة، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همّنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا. اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.

اللهم ارحم ضعفنا واغفر ذنبنا واشفِ مريضنا واسدد الديون عن المدينين وانصر المظلومين. اللهم يا ربنا أرجع إلينا القدس رجعة جميلة.

اللهم يا ربنا لا حول ولا قوة إلا بك، وإنّا لك وإنّا إليك راجعون. فاللهم يا ربنا هب مسيئنا لمحسننا واغفر لنا جملة واحدة. يا رب احشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب ولا عتاب.

اللهم جازِ من ساهم وكان سببًا في بناء هذا المسجد وأثقل موازينه يوم القيامة، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، واجعله بداية خير يا أرحم الراحمين كما ترضى، وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك. وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم، وأقم [الصلاة].