خطبة الجمعة | وصايا عمرو بن العاص | 27-7-2018
- •الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة.
- •أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نسير وراء سنته وخلفائه الراشدين، فكانوا خير أمة أخرجت للناس.
- •جاء عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى مصر ففتحها، وحذر المصريين من أربع خصال تجلب الشقاء.
- •حذر من كثرة العيال التي تعد مسؤولية عظيمة، وقد كان عدد سكان مصر آنذاك نحو عشرين مليوناً.
- •نبه إلى أن كثرة العيال تؤدي إلى انخفاض الأحوال، وتضييع المال، والقيل والقال بلا فائدة.
- •هذه الخصال الأربع تؤدي إلى النصب بعد الراحة، والضيق بعد السعة، والمذلة بعد العز.
- •المطلوب اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم لا اتباع شياطين الإنس والجن.
- •كثرة النسل تحتاج إلى قوة وقدرة على التربية، وإلا أصبحنا غثاء كغثاء السيل.
- •الحديث يوازن بين الكثرة المحمودة والكثرة المذمومة في ضوء القدرة على الإحسان والتربية.
خطبة الحاجة والثناء على الله تعالى والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، ونبيه وصفيه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.
فاللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في العالمين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
الآيات القرآنية في التقوى والأمر بالقول السديد وخير الهدي
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها.
وصية النبي باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده
عباد الله، أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نسير وراء سنته، وأن نهتدي بهديه، فقال:
«فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ»
وخلف بعده خلفاء: سيدنا أبو بكر، وسيدنا عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا علي رضي الله عنهم أجمعين. وخلف من بعده علماء الصحابة الكرام، فتحوا البلدان وبلّغوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما فهموه وما تربّوا على يديه صلى الله عليه وآله وسلم، فكانوا خير أمة أُخرجت للناس رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
فتح عمرو بن العاص لمصر وخطبته التحذيرية من أربع خصال مهلكة
وجاء منهم عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه إلى مصر، ففتحها وأحسن النصح لأهلها، وكل من دخل الإسلام من أهل مصر فهو في ميزان حسناته إلى يوم القيامة.
خطب الناس مرة فقال: يا معشر الناس، وكلمة "يا معشر الناس" كلمة للالتفات والتنبيه والتحذير؛ يا معشر الناس أي استمعوا لي، وهو ينصحهم ويعطيهم من حكمته، ومن فهمه لشريعة الله، وفي كيفية تطبيقها في واقع الناس.
إياي وخلالًا أربعة؛ لأن المعدود إذا تقدّم جاز تذكيره وتأنيثه. إياي وخلالًا أربعة -أو أربع- فإنها تدعو إلى النَّصَب بعد الراحة، تدعو إلى التعب وإلى المشكلات بعدما يكون الإنسان في راحة وسعادة وهناء، فإنها تدعو إلى النَّصَب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى المذلة بعد العز.
التحذير من كثرة العيال وانخفاض الحال وتضييع المال والقيل والقال
إياكم مرة أخرى، أي احذروا، أنبّهكم إلى هذه الأربعة التي سيذكرها: إياكم وكثرة العيال، إياكم أي احذروا كثرة العيال. ولذلك هذا من تراكيب اللغة التي يقع ما بعدها مفعولًا به.
إياي وكثرة الأولاد، وانخفاض الحال، وتضييع المال، والقيل والقال من غير إدراك ولا نوال.
أورده الدارقطني بسنده في المؤتلف والمختلف، وابن عبد الحكم في فتوح مصر بسنده إلى عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه. يحذّرنا من أربعة؛ هكذا فهم الشريعة، وهكذا نصحنا كيف نطبّقها في حياتنا وفي واقع الناس.
تقدير عدد سكان مصر وقت الفتح وكفاية العشرين مليونًا لعمارة الأرض
يقول بعض العلماء بناءً على الخراج والعشور التي كانت تُجبى من مصر، أن مصر في هذا الوقت [وقت الفتح الإسلامي] قد بلغ عدد سكانها نحو عشرين مليونًا. عشرون مليونًا يكفي هذا لعمارة الأرض، ولعبادة الله، ولحياة الرفاهية والسعادة، ولتطبيق الدين الذي أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فنبّههم عمرو [بن العاص] رضي الله تعالى عنه وأرضاه: إياي وكثرة العيال.
قول ابن عباس في أن كثرة العيال أحد الفقرين ومسؤولية التربية
كان ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، يقول: كثرة العيال أحد الفقرين، وقلة العيال أحد اليسارين.
كثرة العيال نعمة من عند الله، ولكنها مسؤولية يجب عليك أن تحسن إليهم، وأن تربّيهم، وأن تخرجهم على التقوى. ولذلك ينبغي ألا تكثر الأولاد حتى نصل إلى الغثاء الأحوى كما حذّر من ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
حديث النبي في المباهاة بالأمة وطلب الكثرة القوية المؤمنة لا الضعيفة
هو [النبي صلى الله عليه وسلم] يريد كثرة قوية مؤمنة، يقول:
«تزوّجوا تكثّروا فإني مُباهٍ بكم الأمم يوم القيامة»
هل يباهي الأمم بأقوام ضعاف، أم يباهيهم بالأقوياء الأتقياء الأذكياء المُعمِّرون؟ يقول [صلى الله عليه وسلم]:
«المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف»
ويقول [صلى الله عليه وسلم]:
«توشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكَلَة على قصعة الطعام»
قالوا: أمِن قلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال:
«أنتم يومئذ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل، يُلقي الله الوهن في قلوبكم وينزع المهابة من قلوب عدوّكم»
قال: وما الوهن يا رسول الله؟ قال:
«حبّ الدنيا وكراهية الموت»
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. تزوّجوا تكاثروا، انتهى [المقصود أن تكون الكثرة كثرة قوة وإيمان].
تحذير عمرو بن العاص من الزيادة السكانية التي تعجز عن التربية والتطبيق
عندما وصل المصريون إلى عشرين مليونًا، أكثر من ذلك سيهبط المنحنى بنا؛ ولا نحسن تربية أولادنا، ولا نستطيع أن نقيم فيهم شرع الله، ولا أن نخرجهم كما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتباهى بنا الأمم على القوة وعلى الخيرية، لن نستطيع هذا.
فأحسن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه النصيحة لنا: إياي وكثرة الأولاد.
كثرة العيال تؤدي إلى انخفاض الحال وانتشار الفقر وقلة الموارد
كثرة العيال تؤدي إلى اضطراب في المجتمع، فينتشر الفقر وتقلّ الموارد، وهذا ما يُسمّى بـانخفاض الحال؛ كثرة الأولاد وانخفاض الحال.
الناس يشكون من الغلاء ومن الوباء ومن البلاء، الحياة لم تعد سهلة. أما لو كان عند الإنسان ابن أو ابنان، بنت أو بنتان، فإنه يستطيع أن ينفّذ فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الزمان.
تضييع المال والإسراف في الموارد والطعام والشراب
وتضييع المال يأتي لهذا المثنى [أي نتيجة لكثرة العيال وانخفاض الحال]؛ كثرة العيال وانخفاض الحال، فيصبح السَّرَف في الماء وفي الموارد، إسرافًا في الطعام والشراب.
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
المصيبة الثالثة القيل والقال وخطر الإشاعات على المجتمع
ثالثة الأثافي [المصيبة الثالثة] التي تكدّر على الإنسان عيشه ومعيشته وهي القيل والقال، فتأتي الرابعة: الإشاعات.
أخرج مسلم في مقدمة صحيحه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع»
نهانا [النبي صلى الله عليه وسلم] عن الكذب وشدّد فيه، حتى قال له أبو ذر فيما أخرجه مالك في الموطأ: أيسرق المؤمن؟ قال: نعم، قد يضعف ويسرق ويرتكب هذه الجريمة. أيزني المؤمن؟ قال: نعم. أيكذب المؤمن؟ قال: لا.
فما بالنا والإشاعات كأننا نُثاب عليها! ونتّبع شياطين الإنس والجن، وندع نصيحة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام.
القيل والقال ينشئ نزاعًا بلا فائدة والتحذير من عواقب الخصال الأربع
القيل والقال، قال فقيل وقيل فقال، وهذا مما يُنشئ نزاعًا لا حاجة لنا به، ولا مساحة عندنا لاستيعابه، من غير إدراك ومن غير فائدة ولا نوال؛ لا نِلنا خيرًا ولا حقّقنا فائدة.
إياي خلالًا أربع، إذا أُصبنا بها فسوف نُصاب بـالنَّصَب بعد الراحة، وبـالتعب بعد السعادة، بـالضيق بعد السعة، بـالمذلة بعد العز.
فلينظر أحدكم طريقه: هل يريد أن يسير وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه المنيف الشريف، أم أنه يريد أن يسير وراء شياطين الإنس والجن؟ كل عاقل خصم نفسه.
الخطبة الثانية والدعاء بجعل ثواب العبادة في ميزان سيدة أهل البيت
ادعوا ربكم. الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على سيدنا المصطفى وآل بيته الحنفاء وأصحابه ومن وفى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده.
فكل ما يحدث في هذا المسجد من عبادة ومن موعظة، ندعو الله سبحانه وتعالى أن يجعل ثوابها، أو مثل ثوابها، في ميزان سيدة أهل البيت وعقيلتهم الطاهرة.
فاللهم يا ربنا حنّن قلبها علينا، نسألها أن تدعو لك [لنا] في عالم الأرواح أن تغفر لنا ذنوبنا، وأن تكفّر عنا سيئاتنا، وأن تتوفّنا مع الأبرار، وأن نرى الحق حقًّا وأن تهدينا لاتباعه، والباطل باطلًا وأن يجنّبنا اتباعه.
الدعاء بالمغفرة والرحمة والحشر تحت لواء النبي يوم القيامة
يا رب اغفر وارحم، وتجاوز عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم. اجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرّقنا من بعده تفرّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا.
كن لنا ولا تكن علينا، فارحم حيّنا وميّتنا وحاضرنا وغائبنا، واحشرنا تحت لواء نبيّك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة يا ربنا من غير حساب، ولا سابقة عقاب ولا عتاب.
اللهم شفّعه فينا يا أرحم الراحمين، واجعلنا على ملّته وأمِتنا على شريعته وقبلته، وأحينا يوم القيامة، فاعفُ عنا واسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.
الدعاء بتنوير القلوب وجعل القرآن ربيعها والصلاة على النبي وإقامة الصلاة
اللهم يا ربنا نوّر قلوبنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسّر غيوبنا، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همّنا وحزننا، ونور أبصارنا وصدورنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا. أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد صلاة ترضيه وترضيك وتُرضى بها عنا يا أرحم الراحمين. اللهم يا ربنا جازِه عنا خير ما جازيت نبيًّا عن أمته ورسولًا عن أمته. اللهم يا ربنا اغفر لنا به ذنوبنا، وكفّر عنا به سيئاتنا، وتوفّنا مع الأبرار.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]
الله أكبر، الله أكبر.
