خطبة عيد الفطرالمبارك1431 هـ | أ.د علي جمعة
- •الله أكبر والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده وأن محمداً عبده ورسوله الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة.
- •يوم العيد سماه رسول الله ﷺ يوم الجائزة، يفرح فيه المسلم فرحتين: فرحة بإتمام العبادة في شهر كريم، وفرحة بلقاء ربه وعفوه وثوابه.
- •السرور والفرح جزء لا يتجزأ من شخصية المسلم وعقليته، والإسلام بريء من الكآبة.
- •كان النبي ﷺ يحب الطيب ويضحك ويدخل السرور على الآخرين، فرحٌ لا يُفسد في الأرض.
- •شواهد كثيرة على ذلك: مداعبته للأطفال، وتشجيعه للشباب على التسابق، وسماحه للأحباش باللعب في المسجد.
- •العيد فرصة لتجديد الإيمان بقول لا إله إلا الله، وبدء صفحة جديدة مع الله لعمارة الأرض وعبادته وتزكية النفس.
- •رمضان نقطة انطلاق والصيام من رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما.
- •الدعاء بالرحمة والمغفرة والعتق من النار.
تكبيرات العيد والشهادتان وافتتاح خطبة عيد الفطر المبارك
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ما صام المسلم وأفطر، الله أكبر ما صلى المسلم ونحر، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وخليله وحبيبه، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.
فاللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه الأبرار، يا رب العالمين.
آيات التقوى من القرآن الكريم في مستهل الخطبة
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
يوم العيد يوم الجائزة وفرحة المسلم بإتمام الصيام والعبادة
أما بعد، فهذا يوم العيد، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بـيوم الجائزة. فيه يفرح المسلم فرحتان: فرحة لإتمام صيامه وقيامه وعبادته وركوعه وسجوده وقراءته ودعائه وذكره مع ربه في شهر كريم، أنزل الله سبحانه وتعالى فيه القرآن، وجعله خير شهر في السنة.
فيه ليلة خير من ألف شهر، نزل فيها كتاب الله على قلب رسوله الكريم هدايةً للعالمين. ويفرح [المسلم] بلقاء ربه وبعفوه سبحانه وتعالى وبثوابه الجزيل.
السرور والفرح جزء لا يتجزأ من شخصية المسلم لا الكآبة
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل من مكونات عقل المسلم السرور والسعادة والحبور والفرح جزءًا لا يتجزأ من شخصيته ونفسيته وعقليته، بخلاف أولئك الذين ظنوا أن الكآبة هي جزء من الإسلام، والإسلام بريء من هذا [الظن].
علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلّم الناس والبشرية جمعاء كيف تكون مسرورًا فرحًا بنعمة الله سبحانه وتعالى.
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
السرور والفرح جزء لا يتجزأ من حياة المسلم.
حب النبي صلى الله عليه وسلم للطيب وإدخال السرور على الآخرين
نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا السرور وهذا الفرح يحب الطيب والرائحة الطيبة ويحب الريحان.
وتقول السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها: «كنت أُطيّب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أرى وميض الطيب في جسده»
أي لمعة الطيب في جسده الشريف صلى الله عليه وسلم. كان يحب أن يفرح وأن يضحك، وكان يحب أن يُدخل السرور والفرح على الآخرين؛ من الأطفال إلى الشباب إلى الكبار إلى النساء إلى الرجال.
كان يحب من الإنسان أن يكون مسرورًا سعيدًا راضيًا عن ربه، فيرضى الله سبحانه وتعالى عليه بهذا الفرح. فرحٌ لا يُفسد في الأرض؛ فإن الله سبحانه وتعالى لا يحب الفَرِحين بمعنى المفسدين في الأرض، ولكن الله سبحانه وتعالى يحب الزينة ويحب السرور والسعادة.
قصة عبد الله الذي كان يُدخل السرور على النبي وشربه الخمر
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم له شخص -كما أخرجه البخاري- يُسمى بـعبد الله، يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم ويُدخل على قلبه السرور، ويحكي له من الحكايات ما يُضحك به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أتوا به مرة وقد شرب الخمر، والخمر حرام وبإزائها عقوبة، فأقام عليه العقوبة. وفي المرة الثانية أتوا به أيضًا وقد شرب خمرًا. وفي المرة الثالثة:
قال عمر: ما بال هذا المنافق يا رسول الله؟
قال [النبي ﷺ]: «والله لا أعلم إلا أنه يحب الله ورسوله» صلى الله عليه وسلم
هذا الرجل غلبته نفسه ووقع في المعصية، إلا أنه كان يحب الله ورسوله، وكان يُدخل السرور على سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وآله وسلم. ونهى [النبي ﷺ] الصحابة الكرام أن يصفوا هذا الرجل بتلك الصفة [النفاق]؛ حيث إنه يحب الله ورسوله.
قصة نعيمان الصحابي الذي كان يمازح النبي بالطعام
وكان عنده [صلى الله عليه وسلم] رجل يُقال له نُعيمان من صحابته الكرام، كان يذهب إلى البقّال ويأخذ منه طعامًا ويقول له: هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيظن الرجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسله من أجل هذا الطعام.
فيأتي [نعيمان] بالطعام ويضعه بين يدي النبي ويقول: هذا من فلان، فيظن النبي وأصحابه أنه هدية أرسلها لهم فلان. وبعد قليل يأتي الرجل [صاحب الطعام] يطالب بثمن الطعام.
وينظر النبي إلى نعيمان وهو يضحك خلف سارية المسجد، فلا يؤنبه ولا يلومه، ويدفع للرجل ثمن الطعام وهو يضحك هو وأصحابه ونعيمان.
ملاعبة النبي صلى الله عليه وسلم للحسن والحسين وأبناء العباس
كان [النبي ﷺ] يحب السرور والحبور، وكان يضع الحسن أو الحسين أو أبناء عمه العباس وهم صغار على قدميه الشريفتين ويهدهدهم ويغني لهم بلغة قديمة قد لا نفهمها الآن، ويقول لهم ما معناه: أيها الطفل الجميل الذي يشبه الكائنات الدقيقة لرب العالمين، حزوقة حزوقة، ارقَ عين بقة.
وهو كلام قديم عربي معناه: هذا أيها الطفل الصغير الجميل المدلل الذي ينبغي عليه أن يصعد على صدر جده. وكان يمسك الحسن والحسين فيرقى أحدهما برجليه إلى أن يصل إلى كتفي النبي المصطفى، أشبعهم حنانًا وسرورًا.
وكان يطيل السجود إذا جاء الحسن أو الحسين يركب ظهر النبي المصطفى [وهو ساجد في صلاته].
تشجيع النبي للشباب على التسابق والرماية وإدخال السرور على الأطفال
كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج فيجد أقوامًا من الشباب يتسابقون في فريقين، فيقول:
«ارموا فإن أباكم كان راميًا»
يقصد أباهم إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. ارموا فإن أباكم كان راميًا، وإني مع بني فلان. فيمتنع الفريق الآخر:
كيف ينافسون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال: ما بالكم؟ قالوا: لا نستطيع أن ننافسك يا رسول الله. قال: ارموا وأنا معكم جميعًا.
يُدخل السرور والحبور على عبد الله وعُبيد الله وعلى كثير من بني العباس، ويقف لهم في نهاية الطريق ويقول: تسابقوا ومن وصل إليّ فله جائزة، يتسابقون حتى يركبوا صدر وبطن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إقرار النبي لغناء الجاريتين يوم العيد وإذنه للأحباش باللعب في المسجد
دخل أبو بكر مرة فوجد النبي صلى الله عليه وسلم نائمًا وقد غطى وجهه، ووجد جاريتين تغنيان بغناء يوم من أيام الجاهلية نصر الله فيه الأنصار كان اسمه يوم بُعاث. فقال أبو بكر ناهيًا الجاريتين حتى لا يستيقظ رسول الله.
فكشف النبي عن وجهه وقال: «دعهما يا أبا بكر، فإنهما في يوم عيد»
وكان صلى الله عليه وسلم يدع الأحباش يلعبون في المسجد، فيقول عمر ويزجرهم لهيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسكوت، ويأذن للأحباش باللعب في المسجد الشريف، ويجعل عائشة رضي الله تعالى عنها تنظر إليهم.
إذ السعادة جزء لا يتجزأ مما علّمنا إياه رسول الله، يذكّرنا بذلك هذا العيد وأعيادنا كلها إن شاء الله.
العيد عيدان والدعوة إلى تجديد الإيمان وبداية صفحة جديدة مع الله
والنبي قال صلى الله عليه وسلم:
«العيد عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى»
ادعوا ربكم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
في هذا اليوم الأغر، يوم الفرح والسرور، يوم الجائزة، يجب علينا أن نبدأ سنة جديدة مع الله نجدد فيها إيماننا. وتجديد الإيمان ليس صعبًا، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«جددوا إيمانكم»
فيقول الصحابة: كيف نجدد إيماننا يا رسول الله؟
فيقول: «قولوا لا إله إلا الله»
شيء بسيط يصل إلى القلوب ولا يصعب على أحد. قولوا لا إله إلا الله وابدأوا صفحة جديدة مع ربكم.
عمارة الأرض وعبادة الله وتزكية النفس غاية الخلق في الدنيا
تعمرون فيها [الصفحة الجديدة] أرضه، وتعبدون فيها ربنا كما أراد، وتزكّون فيها أنفسكم؛ فإن الله سبحانه وتعالى خلق هذه الدنيا لعبادته ولعمارتها ولتزكية النفس.
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 32]
فالحمد لله الذي جعل السعادة جزءًا لا يتجزأ من شخصية المسلم، والحمد لله الذي جعل لنا رمضان نقطة انطلاق.
رمضان كفارة لما بينهما والدعاء بالمغفرة والرحمة والعتق من النار
ومن رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما. ندعو الله أن يكون قد رحمنا في أوله، وقد غفر لنا في أوسطه، وقد أعتق رقابنا من النار في آخره.
فاللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم. أرنا الحق حقًّا واهدنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وجنّبنا اتباعه.
اللهم يا أرحم الراحمين ارحمنا، ويا غياث المستغيثين أغثنا. اللهم احشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.
الدعاء الختامي بالرحمة والمغفرة وقضاء الحوائج والسلام
كن لنا ولا تكن علينا، فارحم حيّنا وميّتنا وحاضرنا وغائبنا، واجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرّقنا من بعده تفرّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا.
اللهم يا أرحم الراحمين، هذا حالنا لا يخفى عليك، فاغفر لنا ذنوبنا، وكفّر عنا سيئاتنا، وتوفّنا مع الأبرار. اقضِ حوائجنا يا أرحم الراحمين، فاشفِ مرضانا، وارحم موتانا، ورُدّ غائبنا، واهدِ عاصينا، واجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. تقبّل الله منا ومنكم صالح الأعمال، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كل عام وأنتم بخير.
