دعاء الرسول | حـ #11 | دعاء الرسول ﷺ لأبي بكر | أ.د. علي جمعة

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا وأهلًا بكم في هذا اللقاء المتجدد مع دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف دعا لأمته ولصحابته، للمهاجرين وللأنصار، ولأهل بيته، ولأزواجه، وللأمة من بعد ذلك، بل وللناس جميعًا دعاء البركة الذي أيده الله بالاستجابة إليه إلى يوم الدين مع البشرى التي بشره بها سبحانه وتعالى فصدقه وصدق وعده معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحب كثيراً قبل الوحي وبعد الوحي أبا
بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وكان أبو بكر إسمه في الجاهلية عتيق، وقيل كان إسمه عبد الكعبة وكان يُكنى بأبي بكر، ثم صار أبو بكر إسماً له، وهو ابن أبي قُحافة أسلم ابنه وأسلم حفيده، فكان هؤلاء الأربعة حالة نادرة أن كانت أربعة أجيال من الصحابة الكرام: الحفيد، والإبن، وأبو بكر، وأبوه أبو قُحافة، والكل من الصحابة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا لأبي قُحافة ودعا لأبي بكر
وكان يعتز به ولم ينس أنه قد زوجه ابنته السيدة عائشة الصديقة عليها السلام من أزواج النبي المصطفى وكانت أحب الأزواج إليه لم ينس أنه أنفق ماله في الإسلام أكثر من ثمانين قنطاراً من الذهب لم ينس له أنه حمله في الهجرة فكان ثاني اثنين إذ هما في الغار لم ينسَ له أنه كان ردءًا له فصدقه حيث كذّبه الناس حتى سُمي بالصديق لم ينسَ له أنه كان أول الرجال إسلامًا كانت خديجة هي أول النساء إسلامًا، وكان علي هو أول الصبيان إسلامًا، ثم أبو بكر
لأنه كان يصدق النبي وكان يعتز بصداقته للنبي وكان يحب النبي حبًا الوالد لولده وإن كان أصغر منه، وكان النبي أكبر منه في السن، إلا أنّ هذه العاطفة الجياشة كانت في أبي بكر كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه رجلاً أسيفاً، أي هادئاً، أي رقيقاً، أي ليس جهوري الصوت مثل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وليس قوياً في بنيته مثلما كان علي بن أبي طالب فارس الفرسان والفارس النبيل زوج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن بهذه الصفة، وإنما كان رجلاً هادئاً، وكان عاقلاً، وكان
عالماً بأيام العرب وبأنسابهم وبأشعارهم هذا هو أبو بكر الصديق كان النبي يدعو له كثيراً، يروي لنا أبو بكر عن ابن أبي زهير عن أبي بكر الصديق أنه قال: "يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية: {من يعمل سوءاً يُجزَ به}؟" هزت الآية أبا بكر من داخله من يعمل سوءاً يُجزَ به، من منا لم يرتكب المعصية؟ من منا لم يخطئ؟ من منا لم يأثم؟ من منا لم يعمل السوء من يعمل سوءًا يجزى به، هزت أبا بكر فسأل رسول الله
صلى الله عليه وسلم: كيف ننجو بعد هذه الآية إذا كان الله سبحانه وتعالى سوف يؤاخذنا بكل شيء قد فعلناه؟ رسول الله يحب أن يدعو الله سبحانه وتعالى بشأن أبي بكر فيقول: رحمك الله يا أبا بكر اللهم ارحم أبا بكر، ودعاء النبي مستجاب، فرحم الله أبا بكر ووفقه وهداه ورزقه ومكنه وجعله خليفة رسول الله، أول ما جعل خليفة للمسلمين وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ينيبه بعده في الصلاة فقال: "يرحمك الله يا أبا بكر،
ألست تمرض؟" قال: "بلى، أمرض"، قال: "ألست تنصب وتتعب؟" يعني تتعب، ألم نشرح لك صدرك ورفعنا لك ذكرك، والذي وضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك فهناك شيء يتعب الإنسان، هناك نَصَب، هناك إجهاد، فيقول له أبو بكر: بلى يا رسول الله، أتعب من المجهود، من السعي، من الصلاة، من العبادة الإنسان يصيبه التعب فيقول له صلى الله عليه وسلم أليست تصيبك اللأواء؟ يعني أن الإنسان
يقع في أزمة، يقع في شدة، يقع في كرب، يحدث أن يفقد عزيزاً لديه، فهذا يسمى اللأواء يعني الكدر، النكد، الشدة، الأزمة قال: بلى يا رسول الله قال: فذاك. هذا هو المقصود من الآية بأنه يجزى به إذاً عجب أمر المؤمن أن أمره كله له خير، إذا أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء - الضراء التي هي المرض، التي هي التعب، التي هي الأزمة والكدر - صبر فكان خيراً له، وما من شوكة يشاكها المؤمن إلا رفع الله له بها
درجة وغفر الله بها سيئة وأعطاه حسنة، كل الأشياء التي تحدث لنا، بعض الناس يتذمر قائلاً: "لماذا يا ربي هكذا؟"، ولكنه لا يدرك ما أعدَّه الله سبحانه وتعالى من الثواب في مقابلة هذا المرض، وفي مقابلة هذا التعب، وفي مقابلة هذه اللأواء فإن الصبر عليها يرفع من شأن الإنسان يرحمك الله يا أبا بكر، هذا هو الدعاء الذي معنا اليوم لننظر كيف أن الصحابي الكريم إلتفت إلى معنى في الآية وأراد أن يطبقه في حياته وخاف أن يكون هذا التطبيق فيه شيء من الصعوبة
أو قد يكون الاستحالة، فمن ذا الذي ما أساء قط ومن له الحسنى فقط، فكما قالوا محمد الهادي الذي عليه جبريل هبط، لكن رسول الله يدعو لأبي بكر بالرحمة وبالسعة وبالتوفيق فيستجيب الله سبحانه وتعالى له دعاءه. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.