دعاء الرسول | حـ #16 | دعاء الرسول لزيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة | أ.د علي جمعة - دعاء الرسول, سيدنا محمد

دعاء الرسول | حـ #16 | دعاء الرسول لزيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • أرسل النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً إلى مؤتة لمواجهة أخطار تحدق بالمسلمين من جهات مختلفة.
  • قاد الجيش زيد بن حارثة حب النبي الذي كان متبناه قبل نهي التبني، ورفض العودة لأبيه مختاراً رسول الله.
  • استشهد زيد في المعركة فحمل اللواء جعفر بن أبي طالب واستشهد أيضاً بعد أن قطعت يداه.
  • تولى عبد الله بن رواحة اللواء بعدهما واستشهد، ثم استلم خالد بن الوليد القيادة وانسحب بالجيش.
  • دعا النبي للشهداء الثلاثة بالمغفرة، مكرراً الدعاء لزيد ثلاث مرات.
  • سمى النبي جعفراً بـ"الطيار" لأن الله سيعوضه بجناحين في الجنة بدل يديه المقطوعتين.
  • الدعاء بالمغفرة يعني طلب علو الدرجة وحسن التلقي والترحاب عند الله وليس فقط محو الذنوب.
  • زيد بن حارثة هو الصحابي الوحيد الذي ذُكر اسمه صراحة في القرآن الكريم من بين 114 ألف صحابي.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

افتتاح اللقاء والترحيب بالمشاهدين في أيام رمضان المباركة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ومرحبًا بكم في هذا اللقاء المتجدد مع دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الأيام المُفرِجة، التي يفتح الله فيها أبواب الجنان ويستجيب الله فيها الدعاء، ويجعل فيها ليلة هي كألف شهر، ويُصفَّد الشياطين، ويُغلق أبواب جهنم، وتتنزل الرحمات والسكينة على قلوب المؤمنين.

فاللهم تقبل منا، نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

الأخطار المحدقة بالمسلمين وسعي النبي لفك الحصار عنهم

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى خطر الروم وهو يُحدِق من الشمال، وخطر الفرس وهو يُحدِق من الشرق، وخطر الأحباش في اليمن -قوم أبرهة- وهم يُحدِقون من اليمن من الجنوب، وخطر اليهود في خيبر ونحوها، وخطر المشركين، إلى غير ذلك من الأخطار.

فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفك الحصار؛ فكان يفك الحصار بفتح خيبر وبفتح مكة، وأيضًا في مؤتة التي أرسل لها جيشًا كبيرًا.

قادة غزوة مؤتة من أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم

في مؤتة كان فيها حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، وكان فيها أيضًا جعفر بن أبي طالب، وكان فيها عبد الله بن رواحة. كل هؤلاء كانوا من أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

زيد هو من كان -قبل نهي الله أن نتبنى الأطفال- تبنّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كان يُدعى بين الناس بـزيد بن محمد. جاءه أبوه وعمه فأبى أن يعود معهم واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم. رسول الله أعتقه وزوَّجه زينب بنت جحش عليها السلام. رسول الله كان يحب زيدًا وكان يحب ابنه أسامة بن زيد.

استشهاد قادة مؤتة الثلاثة وانسحاب خالد بن الوليد بالجيش

أرسل [النبي صلى الله عليه وسلم] زيدًا إلى هذه المعركة [غزوة مؤتة]، وقاتل زيدٌ واستُشهد. فأخذ اللواء بعده جعفر بن أبي طالب، وهو يُعدّ كأخٍ لرسول الله؛ هو أخو علي بن أبي طالب، تربّى النبي معهم في بيت أبي طالب. فجعفر وعلي وسيدنا النبي كانوا في بيت أبي طالب.

قاتل جعفر حتى استُشهد في سبيل الله، وأخذ اللواء عبد الله بن رواحة وقاتل حتى قُتِل. فأخذ اللواء خالد بن الوليد وقاتل، واستطاع أن يسحب الجيش أمام هذه الجحافل التي تفوق عددًا أكثر بكثير من عشر مرات جيش المسلمين، ورجع بهم.

دعاء النبي لزيد بن حارثة ثلاث مرات بعد استشهاده

ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم بموت هؤلاء الأكابر وهو راضٍ عنهم، دعا وقال:

«اللهم اغفر لزيد بن حارثة، اللهم اغفر لزيد بن حارثة، اللهم اغفر لزيد بن حارثة»

قدَّم زيدًا، الحِبُّ وابن حِبِّه -يعني أسامة ابنه- كان الحِبَّ ابن الحِبّ. أسامة بن زيد كان الحِبَّ، وزيد كان الحِبَّ أيضًا. فدعا لزيد ثلاث مرات.

الراوي يقول أنه سمع رسول الله وهو يكررها ثلاثًا: اللهم اغفر. هذا الدعاء يساوي الدنيا وما فيها؛ لأنه دعاء مستجاب، ولأنه انتهت مهمته في الدنيا بالشهادة، ثم بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بالذكر الحسن إلى يوم القيامة؛ لأنهم قد انتقلوا إلى الرفيق الأعلى ورسول الله صلى الله عليه وسلم راضٍ عنهم. يعني فضلٌ ليس بعده فضل.

دعاء النبي لجعفر الطيار وعبد الله بن رواحة بعد استشهادهما

اللهم اغفر لجعفر بن أبي طالب، وسمّاه بـجعفر الطيار؛ لأنه قد قُطعت يده فأمسك اللواء بيده الأخرى، فقُطعت يده فأمسك اللواء بعضديه فقُتل. فسمّاه [النبي صلى الله عليه وسلم] أن الله سوف يُبدل جعفرًا بيديه جناحين في الجنة، فسُمّي بجعفر الطيار رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

ثم دعا لعبد الله بن رواحة: اللهم اغفر لعبد الله بن رواحة.

معنى المغفرة للشهداء وعلاقتها بعلو الدرجة والقبول الحسن

إذا هذا [الدعاء بالمغفرة للشهداء] يُشعرنا بشيء مهم للغاية، وهو أن الغفران إنما هو لعلو الدرجة. يعني "اللهم اغفر لفلان" معناها: تقبَّله عندك في الصالحين، افتح له أبواب الجنة، يدخل من حيث ما شاء، كأنه يذهب إليه خالصًا نقيًّا عالي القدر.

فالغفران ليس فقط من الذنوب، بل أيضًا يُرقّي العبد حتى يكون إزالةً للغفلات وللشهوات وللرغبات، وهذا لا ينفك منه إنسان. أيضًا هو لعلو الدرجة، وأيضًا هو للزيادة التي في قوله تعالى:

﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]

الحسنى هي الجنة، لكن الزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم، فلهم الحسنى وزيادة.

سؤال النبي للشهداء معنى أعظم من الجنة وهو حسن القبول عند الله

هؤلاء الأكابر بالشهادة وحدها يدخلون الجنة، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل لهم معنى أكبر من الجنة، يسأل لهم معنى أعظم من الجنة، يسأل لهم حسن التلقي.

﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: 37]

القبول الحسن، الترحاب، وهذا يعلو حتى يصل إلى:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]

إذن هذا السياق وهو الدعوة والدعاء -سواء كان مكررًا لعظمة مكانة زيد بن حارثة- وهو الوحيد الذي ذُكِرَ اسمه في القرآن الكريم.

تفرد زيد بن حارثة بذكر اسمه صريحًا في القرآن الكريم دون سائر الصحابة

هو زيد من بين الصحابة الذين بلغ عددهم مائة وأربعة عشر ألف صحابي رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعينهم، إلا أن زيدًا وحده هو الذي ذُكِرَ في القرآن [باسمه صريحًا].

ومع علو شأن أبي بكر [الصديق رضي الله عنه] أُشير إليه [بالوصف لا بالاسم]:

﴿ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ﴾ [التوبة: 40]

لكن زيدًا أبدًا صُرِّح باسمه في قرآن يُتلى بالمحاريب إلى يوم القيامة.

الحمد لله على نعمة الانتماء لهذه الأمة والدعاء بالإلحاق بالصالحين

الحمد لله الذي جعلنا من هذه الأمة التي رضي الله سبحانه وتعالى عنها، فجعل فيها أمثال زيد بن حارثة، وأمثال جعفر الطيار بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، صاحب الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة، ثم يموت شهيدًا.

وعبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه الذي كان من أحباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ندعو الله سبحانه وتعالى أن يلحقنا بهم في الصالحين، وأن يجازيهم عنا خير ما جازى أفرادًا عن أمتهم. تحمّلوا كل هذا وضحّوا بحياتهم من أجل أجيال تأتي بعد ذلك إلى يوم القيامة.

إلى لقاء آخر أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.