دورة التراث الإسلامي بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي ج1 | بتاريخ 10-2-1995 | أ.د. علي جمعة - التراث, ندوات ومحاضرات

دورة التراث الإسلامي بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي ج1 | بتاريخ 10-2-1995 | أ.د. علي جمعة

1 ساعة و 25 دقيقة
  • يعالج فهم التراث موضوع أساسي لإكمال المسيرة والتعامل مع النصوص التراثية وتقويمها.
  • يتطلب فهم التراث الدقيق إدراك خمسة عناصر: التصورات الكلية التي كانت قائمة في أذهان العلماء، والنظريات الحاكمة التي أسست لتلك العلوم، والمصطلحات الدقيقة لكل عصر ومذهب وعلم، والعلوم الخادمة التي كونت البنية الذهنية للعلماء، والصياغة اللغوية والمنطقية.
  • يمثل التراث الإسلامي نتاجاً فكرياً ضخماً يمتد لأكثر من عشرة قرون ويشمل مساحة مكانية واسعة من الأندلس إلى الهند.
  • يقدم النص مثالاً تطبيقياً على كتاب المنهاج للإمام النووي، ويبين كيفية فهم النصوص الفقهية من خلال تحليل عبارات من كتاب البيع.
  • الاتصال بالتراث يتم على درجات ومستويات متعددة، وتحتاج كل مرحلة إلى مفاتيح معرفية تمكن من فهم التراث وإدراك المعاني العميقة للنصوص.
محتويات الفيديو(75 أقسام)

مقدمة اللقاء وعنوانه: كيف نفهم التراث الإسلامي؟

بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. عنوان هذا اللقاء يمكن أن نجعل له جملة: كيف نفهم التراث؟

ومحاولة فهم التراث محاولة أساسية لإكمال المسيرة، ومحاولة أساسية أيضًا لقضية التعامل مع التراث، ومحاولة أساسية لقضية تقويم التراث والقبول والرفض لبعض مناحيه.

ضخامة التراث الإسلامي في مساحته الزمنية والمكانية وتشعب فنونه

والحاصل أن أمامنا كتبًا تشتمل على نتاج فكري ضخم جدًا في مساحته الزمنية؛ لأنه يبدأ منذ تدوين العلوم في أواخر القرن الأول الهجري. ويمكن أن نسمي بالتراث كلما كان قبل مائة عام من وقتنا هذا.

حددناه مرات بأن آخر من كتب بطريقة تراثية في العصور الأخيرة وشاعت كتبه - لأن هناك من كتب بعده كثير لكن لم تشتهر كتبهم كما اشتهرت كتبه - هو البرهان الباجوري في حواشيه المتعددة وشروحه المتعددة على الكتب المختلفة.

ولو أخذنا نتاج البرهان الباجوري ورجعنا به إلى الخلف لوجدنا أنفسنا أمام تراث كبير في حجمه الزماني يشمل أكثر من عشرة قرون، ولوجدنا أن هذا التراث له مساحة مكانية واسعة تأتينا من الأندلس إلى الهند، وشمالًا من شمال إفريقيا إلى جنوبها.

نجده أيضًا متشعب الجوانب في فنونه المختلفة وعلومه المتعددة، نجده أيضًا متشعب الجوانب في كل فن بمدارسه المختلفة، متشعب الجوانب في كل فن بمذاهبه المختلفة وبأنماط تفكير الناس. فهناك مساحة ضخمة من النتاج الفكري الذي نتج من أذهان المسلمين، نحاول أن نلتمس مفاتحه وأن نجد أشياء نستطيع بها أن نقرأ النص التراثي.

فقدان التصورات الكلية الحاكمة يحول بيننا وبين فهم التراث

عندما تأملت كثيرًا في هذه القضية حتى أرى ما هو الحائل الذي يحول بيننا وبين التعامل مع نص تراثي مكتوب، وجدت أن الأمر لا يخلو من أن يكون القارئ المعاصر قد فقد التصور الكلي الذي كان شائعًا عند الكاتبين للتراث عبر الزمان والمكان.

وعلى ذلك فمن الممكن أن نقول إنه ينبغي علينا - حتى نفهم التراث فهمًا دقيقًا واعيًا نستطيع أن نكمل [به المسيرة]، نستطيع أن نقبل أو أن نرد، وأن نميز وأن نختار - ينبغي علينا أن ندرك أولًا التصورات الكلية التي كانت قائمة في أذهانهم حاكمة على كتاباتهم، حتى شاعت هذه التصورات وكأنها مسلمات.

عندما نفقد هذه التصورات أو لا نستوعبها ولا نستحضرها حين الاتصال بالتراث، فإن خيرًا كثيرًا يفوتنا وأن فهمًا دقيقًا يعوزنا.

النظريات الكلية الحاكمة للذهن وتشتت عناصرها في الكتب التراثية

هناك أيضًا نقطة أخرى هي نقطة النظريات الكلية التي حكمت الذهن عندما أنشأ تلك العلوم أو تعامل وتفاعل معها أو دوّنها أو انقسم فيها إلى مدارس إلى آخره.

هذه النظريات الكلية عادةً وغالبًا لا نجدها مسطورة في الكتب التي بين أيدينا بطريقة شاملة، بل نجد عناصرها مشتتة في الكتب وموزعة على العصور، وموزعة أيضًا بين المذاهب وبين الأشخاص والعلماء والفقهاء الذين قاموا بإنتاج كل تلك النظريات الكلية.

جهود العلماء في استنباط النظريات الكلية من التراث الفقهي

منذ أكثر من خمسين سنة وعلماء المسلمين يحاولون في بعض العلوم - وليس في كل العلوم وليس بطريقة منظمة - إنما في بعض العلوم وخُصّ منها العلوم الفقهية وبعض العلوم العربية، يحاولون أن يستنبطوا تلك النظريات وأن يكتبوا رسائل، الرسائل العلمية، رسائل الماجستير والدكتوراه في هذه النظريات.

قطعوا بذلك شوطًا كبيرًا، كتبوا في نظرية الملكية، في نظرية المال، في نظرية الحق، في نظرية العقد، في نظرية الضمان، في نظرية المسؤولية، في نظرية وهكذا. كتبوا عن هذا كثيرًا، لكن الأمر لم يسر في كل العلوم مسيرته في الفقه، كما أنه أيضًا لم يسر بصورة منتظمة وعلى درجة واحدة من الإتقان ومن العمق.

فأصبح عندنا نظريات استطعنا أن ندرك فيها عمق التفكير، وهناك نظريات ما زالت في بداياتها. فنظرية العقد مثلًا في الفقه الإسلامي نضجت بما فيه الكفاية لأن نستعملها كمفتاح نستطيع به أن ندرك كثيرًا من العقود في الفقه الإسلامي.

أهمية المصطلحات الدقيقة في فهم النصوص التراثية

الأمر الثالث - بالإضافة إلى التصورات الكلية وإلى النظريات الحاكمة - مما يجعل الإنسان غير قادر على أن يتصل الاتصال المرجو بالتراث هو قضية المصطلحات.

فإن لكل عصر ولكل مذهب ولكل علم مصطلحاته الدقيقة التي إذا ما فقدها القارئ المعاصر أو طالب العلم أو الباحث فإنه لا يدرك كثيرًا مما أمامه، ويقف هذا [الجهل بالمصطلحات] حجر عثرة أمامه في الفهم العميق أو الفهم المتأني.

العلوم الخادمة وأثر البنية الفكرية للعالم في صياغة التراث

هناك قضية أخرى رابعة هي قضية العلوم الخادمة: كل علم من هذه العلوم كان يعتمد على بنية فكرية هي عبارة عما حصّله العالم من دراسة في مختلف العلوم.

فالذي كتب في الفقه درس قبله المنطق، ودرس في علم الكلام، ودرس في ما كانوا يسمونه بعلم الوضع، درس في النحو، درس في البلاغة، درس علوم العربية، درس في الأصول، درس في علوم كثيرة كوّنت نسيج تفكيره وكوّنت بنيته الذهنية.

فجلس وهو يتكلم في الفقه متحدثًا بهذه الأداة التي تولدت في ذهنه من دروسه المختلفة.

أثر كمّ الساعات الدراسية للفقيه القديم في صياغة العبارة التراثية

نحن الآن عندما نريد أن نقوم أو نعادل شهادات الكليات، فإننا نطلع على كم الدراسة وكم الساعات وكم المعلومات التي تلقاها طالب معين في جامعة بعينها، حتى نرى إذا ما كان مساويًا لما تلقاه الآخر في جامعة أخرى.

إن كمّ الساعات الذي كان يتلقاها الفقيه قديمًا كان يشتمل على علوم كثيرة قد تغيب عنا وعن كثير من المطلعين، لكن هذا أثّر في الإنشاء، في إنشاء العبارة، في الأداء، في الصياغة، في كتابة هذا العلم.

فلما كُتب الفقه رأيناه وكأنه مستبطنًا للمنطق ومستبطنًا لما عليه علماء الكلام من مفاهيم، ومستبطنًا أيضًا لما عليه علماء الحكمة العالية، ومستبطنًا لما عليه علماء الأصول.

تكامل العلوم وتشكيلها نسيجاً فكرياً واحداً في التراث الإسلامي

وهكذا في كل فن وفي كل علم، عندما كان صاحبه يصوغه، عندما كان يصوغه فإنه يصوغه متأثرًا بما قد تلقاه من درسٍ في حياته العلمية.

كانت تجعل العلوم يخدم بعضها بعضًا لتشكل نسيجًا وبنية فكرية واحدة. هذا أمر أساسي حتى نفهم بدقة، وحتى نستطيع بعد ذلك أن نكمل المسيرة.

النقطة الخامسة: قضية الصياغة اللغوية والمنطقية وفلسفة اللغة

هناك نقطة خامسة وأظنها ستكون الأخيرة وهي قضية الصياغة اللغوية، قضية الصياغة اللغوية والمنطقية، والتي تحتم علينا أن ندرك فلسفة اللغة وعلاقتها بما في الأذهان وما في الأعيان.

من صياغات لا بد علينا أن نقف عندها كثيرًا وأن نعيها بطريقة أساسية، حتى تصبح مفتاحًا لنا لقراءة التراث كله بكافة تشعباته وبكافة أنواعه.

ملخص المحاور الخمسة لفهم التراث ومستويات الاتصال به

هذه هي الخمسة [المحاور] التي سنلتقي عليها في جلسات متتالية في هذا الشهر المبارك، عسى الله أن يعيننا على إلقاء بعض الضوء عنها وعليها وحولها.

ولا أدّعي أن هذه المحاور هي فقط التي نحتاجها لفك شفرة التراث، لكنها هي أهم المحاور على كل حال. كما أنني أريد أن أبين لكم أن الاتصال بالتراث على درجات ومستويات مختلفة، ونحن الآن في المستوى الأول منه.

ولكننا إذا أردنا أن نتقدم خطوة إلى الأمام أو أن ننتقل نقلة نوعية فإننا ينبغي علينا أن نعالج هذه الموضوعات بمستوى آخر غير الذي سنعالجه في هذه الدورة، وهكذا.

المستويات المتصلة للاتصال بالتراث والفرق بين الكم المتصل والمنفصل

والمستويات منها ما هو مبتدئ ومنها ما هو متوسط ومنها ما هو متقدم بالإجمال، لكنها في الحقيقة كثيرة لا تنتهي. فالمستويات هي كأنها من الكم المتصل وليس من الكم المنفصل.

وأرى بعضكم يضحك وكأنه لا يدري ما المتصل وما المنفصل، وهذه أزمة، أزمة عدم الاتصال بالتراث على وجهه.

اختيار نص تراثي من كتاب المنهاج للإمام النووي كنموذج تطبيقي

على كل حال، اخترت قطعة من كتاب تراثي ألّفه صاحبه في القرن السابع الهجري وهو الإمام النووي. والإمام النووي كان فقيهًا محدثًا مفسرًا أصوليًا، وهو عُمدة من عُمَد الشافعية.

وله كتاب صار هو الكتاب الأهم في فقه الشافعية من بعده، قام فيه بما رآه أنه واجب عليه في وقته - واجب الوقت - فلخص فيه مسيرة الفقه الشافعي، لخص فيه تلك المسيرة كلها في كتاب أسماه المنهاج أو منهاج الطالبين وعمدة المفتين. وعادة ما نحذف المضاف إليه ونعوض الكلمة بدلًا عنه بالألف واللام فنقول المنهاج اختصارًا.

رحلة الإمام الشافعي واستقراره في مصر وتلاميذه الذين نقلوا علمه

وحتى نرى شيئًا سريعًا من طبيعة ذلك الكتاب فإننا علينا أن نعلم أن الإمام الشافعي بعد رحلته إلى الحجاز وإلى اليمن وإلى العراق استقر في مصر ومات بها في حيّه المشهور بحي الإمام الشافعي، ومبني بجواره مسجد الآن، أرى أنكم تعرفونه جميعًا.

الإمام الشافعي لما حلّ مصر كان له تلاميذ، منهم البويطي، ومنهم الربيع المراضي، ومنهم الربيع الجيزي وغيرهم. تلقوا منه العلم وكتبوا ما أملاه، ولما كتبوا هذا صارت كتب الشافعي حجة في مذهبه.

خدمة المذهب الشافعي وبقاء أربعة مذاهب من مائة مذهب اجتهادي

ثم بعد ذلك تلى هذا علماء كثيرون خدموا المذهب الشافعي، وهذا من جملة مذاهب المجتهدين الكثيرة التي كانت موجودة والتي وصلت إلى مائة مذهب.

إلا أن مذاهب أربعة قد نالت من الشهرة والخدمة ما لم تنله المذاهب الأخرى، وهي: الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية.

جهود المزني والبيهقي في خدمة المذهب الشافعي وتأليف السنن الكبرى

الإمام الشافعي عندما ألّف كتبه وانتشرت في أوساط الناس، وجاء من بعده أصحابه قاموا بخدمة المذهب والاستدلال عليه، لدرجة أن المزني - وهو واحد من تلاميذه - جمع كل ما قاله الإمام ولخصه في صورة مسائل متتالية وسمّى هذا الكتاب مختصر المزني.

وجاء الإمام البيهقي فجعل كل مسألة من تلك المسائل، كل سطر من هذه السطور في كتاب المزني عنوانًا له في كتاب كبير ألّفه وسماه بالسنن الكبرى. يأتي بالعنوان ثم يأتي بعده بالأحاديث التي تُعدّ دليلًا على هذا الحكم الذي ذهب إليه الإمام [الشافعي].

حتى قيل إنّ الشافعي له المنّة على كل الشافعية إلى يوم القيامة إلا البيهقي، فإنّه له منّة على الشافعي؛ حيث إنّه قد أظهر أدلته في هذا الكتاب الكبير الرائق الفائق المسمى بسنن البيهقي.

تطور التأليف في المذهب الشافعي من الجويني والغزالي إلى الرافعي والنووي

سار هذا التأليف وهذا العطاء من علماء المذهب جيلًا بعد جيل وقرنًا بعد قرن، إلى أن وصل الأمر إلى القرن الخامس فرأينا الإمام الغزالي ورأينا الإمام الجويني أستاذه.

أما الجويني فقد ألف كتابًا كبيرًا في فقه الشافعية أسماه بالنهاية - نهاية المطلب في معرفة المذهب. ثم ألف الإمام الغزالي كتابًا هذّب فيه النهاية وسماه البسيط، واختصر البسيط في الوسيط، واختصر الوسيط في الوجيز، واختصر الوجيز في الخلاصة.

وأصبحت هذه الكتب - النهاية للجويني والبسيط للغزالي إلى الوجيز للغزالي أيضًا - هي الكتب التي اعتُمِدت لنقل ذلك المذهب جيلًا بعد جيل.

إلى أن أتى الإمام الرافعي والإمام النووي وهم من أهل القرن السابع الهجري، فألّف الإمام الرافعي كتابًا كبيرًا سماه فتح العزيز شرح كتاب الوجيز للغزالي، وألّف بعد ذلك كتابًا سماه المحرر. فجاء النووي وجاء للمحرر هذا الذي يُعَدُّ تلخيصًا لكل المذهب من قبله ولخصه في المنهاج، والمنهاج هو الذي بين أيدينا اليوم.

الفرق بين الكتاب المدرسي وأمهات المذهب وأهمية كتاب المنهاج

جاء الجلال المحلي وشرح المنهاج، وأصبح حينئذٍ هناك فرق كبير بين الكتاب الذي يُدرَس والكتاب الذي يُعَدُّ من أمهات المذهب.

فهناك كتب كثيرة جيدة وجميلة وفيها من العلم ما الله به عليم، إلا أنها لا تصلح للدرس والدراسة؛ تحتاج [العملية التعليمية] إلى أمر محدد يستطيع فيه الأستاذ أن يجري العملية التعليمية مع طلبته في كتاب واضح محدد له بداية وله نهاية وله مصطلحه الخاص، من غير تشعب يقضي فيه الطالب والأستاذ أزمانًا بعيدة دون أن يصلوا إلى شيء.

لا، ولكن الحاصل أن الإنسان إذا ما حدد نفسه في كتاب دراسي كان هذا الكتاب عونًا له ولتلاميذه من أن ينطلقوا منه ويدركوا العلم كله.

كتاب المنهاج ككتاب مدرسي وشروحه الستون وشرح الجلال المحلي

فكان كتاب المنهاج كتابًا مدرسيًا، ولذلك كثرت عليه الشروح حتى وصل إلينا أكثر من ستين شرحًا على كتاب المنهاج.

شرح منها شاع بين الطلاب وهو شرح الجلال المحلي من المحلة الكبرى، والجلال المحلي شرحه معنا هنا اليوم. إلا أن كل أستاذ كان يدرس شرح الجلال على المنهاج كان يصنع مذكرة حوله تعين الطلبة على الفهم.

بنية الكتاب التراثي: المتن والشرح والحاشية في المذهب الشافعي

المنهاج نسميه المتن، وكلام الجلال [المحلي] نسميه الشرح، أما المذكرات التي حول ذلك فهي الحاشية.

وعلى ذلك فقد شُرح الشرح فأصبحت حاشية القليوبي وحاشية الشيخ عميرة، وكان من علماء الأزهر الشافعية الذين يدرسون ذلك الكتاب هنا.

الانطلاق من عبارة تراثية لاختبار مدى فهمنا للتراث بأدواته الخمس

إنني أريد أن أنطلق من عبارة ذكرها المحشي [القليوبي] نقرأها أولًا ثم نرى مدى فهمنا لها، هل سنفهمها؟ ثم نرى بعد ذلك كيف نفهمها إذا ما نحن قد أدركنا التصورات الكلية والنظريات الضابطة الحاكمة والمصطلحات والتعريفات، كذلك العلوم الخادمة والصياغة اللغوية والمنطقية.

وأننا إذا ما أدركنا من خلال تلك الخلفية استطعنا أن ندرك شفرة ما أمامنا وأن نتعامل معها بصورة هي أجدى وأبرّ وأحلى وأعلى مما كان عليه الأمر.

قراءة النص التراثي في كتاب البيع من شرح المنهاج قراءة صحيحة وغير صحيحة

إنني سأقرؤها قراءة صحيحة، علمًا أن إحدى المشكلات تتمثل في عدم القراءة الصحيحة أيضًا. سأحاول بعدما أقرؤها قراءة صحيحة أن أقرأها قراءة غير صحيحة حتى نرى ما الذي يمكن أن نقع فيه.

يقول [المحشي]: كتاب البيع، أخَّرَه عن العبادات لأنها أفضل الأعمال، ولأن الاضطرار إليها أكثر، ولقلة أفراد فاعله. ولفظه في الأصل مصدر فلذا أفرده وإن كان تحته أنواع. ثم صار اسمًا لما فيه مقابلة على ما سيأتي.

ثم إن أُريد به أحد شقي العقد الذي يسمى من يأتي به بائعًا فيُعرف بأنه تمليك بعوض على وجه مخصوص. ويقابله الشراء الذي هو الشق الآخر الذي يسمى من يأتي به مشتريًا ويُعرف بأنه تملك بعوض كذلك.

تتمة النص التراثي: تعريف البيع لغةً وشرعاً وأركانه الثلاثة

ويجوز إطلاق اسم البائع على المشتري وعكسه اعتبارًا، والتعبير بالتمليك والتملك بالنظر للمعنى الشرعي كما سيأتي.

وإن أريد به المركب من الشقين معًا بمعنى العُلقة [أي العلاقة والرابطة] الحاصلة من الشقين التي ترد عليها الإجازة والفسخ، فيقال له لغةً: مقابلة شيء بشيء على وجه معاوضة. فيدخل فيه ما لا يصح تملكه كالاختصاص، وما لو لم تكن صيغة كالمعاطاة. وخرج بوجه المعاوضة نحو السلام.

وشرعًا: عقد معاوضة مالية تفيد ملك عين أو منفعة على التأبيد لا على وجه القُربة. وأركانها ثلاثة: عاقد ومعقود عليه وصيغة، وهي في الحقيقة ستة كما سيأتي.

تتمة النص: العقد في التعريف وما يدخل ويخرج منه وأفضل المكاسب

والعقد في التعريف جنس وشأنه الإدخال، لكن إذا كان بينه وبين فصله عموم من وجه، يخرج بكل منها ما أُدخل في عموم الآخر. ولذلك قالوا: خرج بالعقد المعاطاة، وبالمعاوضة نحو الهدية، وبالمالية نحو النكاح، وبإفادة ملك العين الإجارة، وبغير وجه القربة القرض.

والمراد بالمنفعة بيع نحو حق الممر، والتقييد بالتأبيد فيه لإخراج الإجارة أيضًا. وإخراج الشيء الواحد بقيدين غير معيب.

وهذا التعريف أولى من التعريف بأنه مقابلة مال بمال على وجه مخصوص لما لا يخفى.

تعليق على عبارة لما لا يخفى وكيف أصبح الواضح خافياً على المعاصرين

هو يقول: لما لا يخفى، يعني كأننا نفهم الكلام الذي سبق كله! لا يخفى على أي شخص عاقل أنها مسألة سهلة جدًا.

فيقول حينما لا يخفى، ما الذي يخفى وما الذي لا يخفى؟ هل نحن فاهمون شيئًا؟ إنه يقول: انظر إلى الكلام، عندما [قال] لا يخفى وتركنا، هذا شيء واضح. أي أن الجميع كان يدرك إدراكًا تامًا وعميقًا بما لا يخفى على أحد من الناس، في حين أنه قد أصبح خافيًا على كثير من علماء الوقت.

تتمة النص: أطراف البيع الخمسة وأفضل المكاسب عند الشافعية

فيقول: ثم البيع منحصر في خمسة أطراف:

  1. الأول في صحته وفساده.
  2. والثاني في جوازه ولزومه.
  3. والثالث في حكمه قبل القبض وبعده.
  4. والرابع في الألفاظ المطلقة.
  5. والخامس في التحالف ومعاملة العبيد.

وأفضل المكاسب الزراعة ثم الصناعة ثم التجارة على الراجح.

انطباع الحاضرين عن النص التراثي وتفاوت مستويات الفهم بحسب الخلفية العلمية

هذا هو الذي سنحاول أن نفهمه، وأنا لا أعرف ما انطباعكم عنه الآن، لكن بكل تأكيد أنكم متفاوتون. فبعضكم يشعر أنه قد استمع إلى كلام عربي لكنه لا يدرك ما هو، وبعضكم قد يدرك بعض ما قيل لكنه قد يخفى عليه ما لم يستخفه المصنف، وبعضكم قد يكون قد فهم الكثير.

وأظن أن من فهم ومن لم يفهم إنما هو من حصل على التصور الكلي والعلوم الخادمة والمصطلحات والنظريات الحاكمة وهكذا. وبقدر ما حصل من هذه الأشياء فإنه يتفاعل ويتعامل مع هذا النص ويستطيع أن يفهم شيئًا ما أو يستطيع أن يفهم كل شيء.

شرح كلمة البيع كمصدر عند النحويين ومدرسة البصريين في الاشتقاق

هو يتحدث عنه [عن لفظ البيع] ويقول: كتاب البيع - والبيع يُسمى في النحو مصدرًا. وسُمي مصدرًا لأن النحويين رأوا جذر الكلمة، مادة الكلمة، ورأوا التشكيلات المختلفة لها.

وسألوا أنفسهم: أين أصل مصدر هذه التشكيلات؟ باع (باء، ألف، عين)، يبيع - هذا مضارع - بيع، بيع، بائع، نبيع، وهكذا. كل الكلمات ترجع إلى الباء والألف والعين، أو الباء والياء والعين.

وهذا قد تعلمنا في كيفية الكشف عن الكلمة في القاموس أو في المعجم أننا نبحث عن جذر الكلمة. هذا الجذر "بيع" رأى البصريون أنه هو المصدر. البصريون مدرسة من مدارس النحو، ويرون أنه هو مصدر الاشتقاق، وأنه هو المصدر الذي استطعنا أن نولد منه باقي الكلمات مثل بيع، فمنها نشتق: باع ويبيع وبائع ومبيع وهكذا، فسموا هذا مصدرًا.

المصدر يدل على الحدث لا على الذات وتعريف الحدث عند النحاة

والمصدر هذا عندهم - عند النحاة - المصدر هذا يدل على حدث لا يدل على ذات، بل يدل على حدث.

وما الحدث؟ الفعل لغةً، يعني انتقال يدي من هنا إلى هنا، هذا حدث، شيء حادث، أهو فعل. هذا الحدث نسميه الانتقال.

إذن الانتقال هذا مصدر. أنا عندما أضرب يدي هنا: ضرب. الضرب هو المصدر؛ لأن الحدث هو المصدر.

ارتباط الحدث بالزمن يحوله إلى فعل ماضٍ ومضارع وأمر

إذا ارتبط الحدث بزمن يتحول إلى فعل:

  • باع: يعني أحدث البيع في الزمن الماضي.
  • يبيع: يعني يُحدث البيع في الزمن الحاضر.
  • بِع: يعني أحدث أنت، اعمل البيع، أوقع البيع في الزمن القادم المستقبل.

وهكذا، فهناك مصدر والمصدر دال على الحدث.

هل الحدث يتعدد؟ قاعدة أن المصادر لا تُجمع عند النحاة

هل الحدث يتعدد؟ الإنسان يتعدد، التسجيلات هذه تتعدد، هنا ميكروفونان وليس واحدًا، وورقتان وليست ورقة واحدة، لكن هل الحدث يتعدد؟

فكروا هكذا فوجدوا أن الحدث لا يتعدد؛ لأن قضية الضرب هي ضرب واحد، ليس هناك ضربان. هو ضرب واحد، الضرب هو اصطدام جسم بجسم آخر، هذا هو الضرب. والاصطدام هذا في عقل الإنسان واحد، نوعيته واحدة.

فقاموا بوضع قاعدة هناك في النحو أن المصادر لا تُجمع. فالمصدر ليس له جمع. لماذا؟ لأن هذا المصدر الذي يدل على الحدث، والحدث لا يتعدد، إذن فالمصدر لا يتعدد، وبالتالي فالمصدر لا يُجمع.

جواز جمع المصدر إذا تعددت أنواعه ومفهوم الاعتبار عند العلماء

هل هناك نوع من أنواع التعدد التي يمكن أن ندركها في المصدر؟ كأن يكون هناك ضرب قوي وضرب ضعيف وضرب متوسط. أنت تتحدث عن اصطدام، أليس هناك اصطدام شديد واصطدام خفيف؟

قالوا: نعم، هو اصطدام، اصطدام، لكن هناك اصطدام شديد واصطدام خفيف فعلًا. قال: إذن يجوز جمع المصدر من هذه الجهة فقط، إذا تصورنا له أفرادًا مختلفة.

هو في ذاته غير تصوره للأفراد، هو في نفسه هكذا لا يتعدد. الضرب هو الاصطدام، والاصطدام هو الانتقال، لكن عندما يكون انتقالًا سريعًا يختلف عما إذا كان انتقالًا بسيطًا، يصبح في ذلك الوقت جائزًا إذا نظرنا إلى هذه الجهة.

نعم، تصبح إذن عقلية هؤلاء العلماء يمكن أن نسميها بالعقلية الفارقة. كانوا يفرقون بين الأشياء، وهو ما يعبر عنه الإنجليز بالمدخل (Approach)، وهم يعبرون عنه بالاعتبار. يعني إذا اعتبرنا المصدر أنه حدث فلا تعدد فيه، وإذا اعتبرنا صفاته فيكون فيها تعدد. الاعتبار أي المدخل الذي أدخل منه إلى المسألة.

ضرورة إدراك طريقة تفكير النحاة والمتكلمين لفهم النص التراثي

هذه قضية في النحو ينبغي علينا أن ندرك كيف كان يفكر النحاة بصورة إجمالية، كيف كان يفكر المتكلمون بصورة إجمالية، كيف كان يفكر الحكماء، وهكذا.

أنا أحتاج الآن حتى أفهم هذا النص أن أدرك كيف كان يفكر النحويون، وأنهم كانوا يرون أن المصدر هو الحدث، وأن الحدث لا يتعدد.

كل هذه المعلومات أخذها الشيخ القليوبي في درسه على شيوخه وانتهى الأمر، لا يذكرها هنا. هذه المشكلة! ولا يمكن طبعًا أن يذكرها هنا؛ لأن هذا كلام بعضه متعلق بعلم الكلام وبعضه متعلق بالنحو وبعضه متعلق بالمنطق.

فعليّ أنا أن أحصّل ذلك القدر المفتاحي الذي أستطيع أن أفهم به أي نص بعد ذلك.

تطبيق عملي: قراءة سطر واحد من النص التراثي وأهمية القراءة الصحيحة

هيا بنا نقرأ سطرًا واحدًا ونحاول أن نرى إذا ما كنا قد تقدمنا إلى الأمام شيئًا ما عندما أدركنا هذه المعلومة.

كتاب البيع، شخص يقرأ: "آخره عن العبادات" هكذا. بدأنا عدم الفهم مطلقًا! إذا قرأت أصل كلمة "آخره" وهي ألف وخاء وراء وهاء مربوطة، آخِرَة، ما هي؟ حلوة؟ نعم، آخِرَة. آخِرَة عن العبادات.

خطأ القراءة يؤدي إلى فهم خاطئ: البيع ليس من العبادات

آخِرَة، آخر البيع العبادات. نعم، إذن البيع من العبادات؟ هكذا يتم، هكذا يتم في طريقة اتصالنا بالتراث، هذا بالضبط هكذا.

آخِرَة عن العبادات، آخِرَة عن العبادات، كلمة أنا لست أعرف ماذا تقول، ماذا أفعل؟ لا بد أن لها معنى، فليكن: آخِرَة عن العبادات، يعني البيع من العبادات.

حسنًا، جيد، هكذا البيع من العبادات. وهذا طبعًا لأن البيع فيه أحكام لله وأحكام الله من العبادات، فهو من العبادات لأنها أفضل الأعمال. العبادات أفضل الأعمال، فيصبح البيع أفضل الأعمال لأنه من العبادات!

هذا خطأ! لأنه قرأ خطأً.

القراءة الصحيحة: أخَّرَه عن العبادات وترتيب أبواب الفقه

هو أخَّرَه عن العبادات، يعني ترتيب الكتاب بدأ بالعبادات: الصلاة، الصوم، الحج، ثم بعد ذلك يأتي ويقول: كتاب البيوع. بعدما أنهى الحج قال: كتاب البيوع.

فينبغي عليّ أن أقرأ صحيحًا؛ لأنني لو قرأته "آخِرَهُ عن العبادات" وبعد ذلك يقول لي: البيع من العبادات. هكذا قال الشيخ القليوبي!

حدث عندنا من بلداء الطلبة مثل ذلك، حدث مثل ذلك كثيرًا.

أسباب تأخير كتاب البيع عن العبادات: الأفضلية والاضطرار وقلة الأفراد

أخَّرَهُ عن العبادات لأنها أفضل الأعمال، والإنسان يبدأ بالأفضل، فنبدأ بالعبادات وبعد ذلك نُتبعها بالمعاملات.

ولأن الاضطرار إليها أكثر؛ طبعًا العبادات كلنا نعبد، وكلنا محتم علينا أن نصوم إلا المعذورين، وكلنا محتم علينا أن نصلي إلا المعذورين، وهكذا. لكن هل محتم علينا جميعًا أن نبيع وأن نشتري؟ أبدًا، فهناك أناس وُلدت وماتت ولم تبع ولم تشترِ، بل بِيع لها واشتُري لها.

لكن هنا نضطر إلى العبادة كثيرًا. أنا أبيع عدة مرات في اليوم لكنني أصلي خمس مرات في اليوم وأتوضأ كثيرًا وهكذا، فالعبادات الاضطرار إليها أكثر.

قلة أفراد فاعل البيع مقارنة بالعبادات وأهمية الوقف عند انتهاء الجملة

ولقلة أفراد فاعليه [أي فاعلي البيع مقارنة بفاعلي العبادات]، فماذا أفعل إذن؟ أمارس البيع والشراء الذي هو أقل أهمية من العبادات، أخِّره عن العبادات لأنها أفضل الأعمال ولأن الاضطرار إليها أكثر ولقلة أفراد فاعليه.

وهنا تتدخل الصياغة اللغوية؛ فلا بد لنا من أن نقف، لأننا لو لم نقف وانتهت الجملة لقلت: "ولقلة أفراد فاعله ولفظه في الأصل مصدر"، وأصبح بعد ذلك خلاص انتهى الأمر، ذهبت مني الجملة، لا أستطيع أن أدرك منها شيئًا بمجرد أنني لم أضع علامة توقفني عند انتهاء الكلام.

شرح عبارة أخَّره عن العبادات وبيان أسباب تأخير البيع عنها

أخَّرَهُ عن العبادات لأنها أفضل الأعمال، ولأن الاضطرار إليها أكثر، ولقلة أفراد فاعله.

حسنًا، بيِّن لي لماذا أخَّر المصنف كتاب البيع عن كتاب العبادات؟ وبدأ وشرع في معنى جديد.

شرح عبارة ولفظه في الأصل مصدر ولماذا أفرده المصنف ولم يجمعه

ولفظه - يبقى بالضم فهذا مبتدأ وهذا كلام جديد - ولفظه، أي لفظ البيع، في الأصل مصدر وليس فعلًا.

بيوع! الكتاب: "البيع"، لم يقل "بيوع". لماذا؟ لأنه مصدر، والمصدر ما شأنه؟ يعني حسنًا، لنفترض أنه مصدر.

ولذلك لا بد علينا ونحن في طريقنا لدراسة التراث حتى نصل إلى درجة طيبة في التعامل معه، علينا أن نسأل أنفسنا الأسئلة الممتدة. كلما سألنا سؤالًا وأجبنا عنه، نقول: حسنًا لماذا؟ طيب لماذا؟ حتى ندرك ونفتح هذه المسائل.

المصدر لا يُجمع لأنه يدل على الحدث والحدث واحد لا يتعدد

لفظه في الأصل مصدر، فلذا أفرده، جعله مفردًا. لماذا؟ ما معنى ذلك؟ نعم، الكلام الذي قلناه: أن المصدر هذا الذي يدل على الحدث، والحدث واحد لا يتعدد، فالمصدر واحد لا يتعدد. المفروض أن المصدر لا يُجمع، فالمصدر واحد، فلذا أفرده.

فقال قائل: حسنًا، ولكن نحن نرى في كتب أخرى "بيوع"، كتاب البيوع، فهل نحن مخطئون أم ماذا؟

فأجاب: وإن كان تحته أنواع البيوع، فهذا البيع تندرج تحته أنواع، فمن الممكن أن نقول بيوع. لماذا لا؟ ليس باعتبار أنه حدث، بل باعتبار أن تحته أنواع.

اختيار المصنف لإفراد كلمة البيع باعتبار الحدث لا باعتبار الأنواع

لقد أجابني عن هذا السؤال. إذن كلمة "بيوع" التي نراها، أين؟ قال: لا عليك، أنا سأدخل هذه المرة من مدخل الحدث وسأختار هنا، أو أن المصنف اختار قضية الحدث وهي أن المصدر يقابل الحدث والحدث لا يتعدد فالمصدر لا يُجمع.

أنا أعلم أن الشيخ كان يقول لنا هكذا، وأعلم أنه يندرج تحت أنواع، وأعلم أنه يمكن أن يُجمع، لكننا اخترنا هذه المرة أن نبقى مفرد. أجل، إنه حدث.

هذا الكلام لا نفهمه فهمًا عميقًا إلا إذا كانت معنا المعلومة التي قد استقرت عند النحويين في أن الأصل في المصدر عدم الجمع، وأنه يجوز الجمع إذا كان تحت المصدر أنواع: انتقال سريع وبطيء، بيع سلم وبيع آجل وبيع عاجل وبيع كذا وبيع حاضر وبيع غائب وإلى آخره. إذا كان هناك ضرب شديد وضرب خفيف، وهكذا. إذا كان تحت المصدر أنواع فإنه يجوز جمعه.

عبارة ثم صار اسماً ومشكلة مرجع الضمير في فهم النص التراثي

حسنًا، وإن كان تحته أنواع، ثم صار اسمًا. ثم صار ماذا؟ من هو الذي ثم صار؟ هذا البيع.

نحن نتحدث عن شيء آخر، وهنا يأتي ما نسميه بمرجع الضمير. الضمير يعود إلى أين؟ ومرجع الضمير إحدى معوقات الفهم. إذا لم نعرف أين يرجع هذا الضمير فإننا سنقع في الارتباك دائمًا؛ لأنني لن أستطيع فهم معنى الجمل.

إذن، فمن معوقات الفهم عدم إدراك مرجع الضمير، وهو ما سنعود إليه بالتفصيل في النقطة الرابعة: الصياغات اللغوية والمنطقية.

ما سنعالجه في الصياغات اللغوية: مرجع الضمير والإشارة والصلة والمجملات

سنعالج في هذه النقطة [الصياغات اللغوية والمنطقية]:

  • مرجع الضمير.
  • مرجع اسم الإشارة.
  • مرجع الصلة.
  • مرجع الصفة.
  • المجملات التي لا يستطيع الإنسان الفهم بدون أن يفكها.

خطأ المبتدئ في قراءة ثم صار اسماً وتشويه النص بالتصحيح الخاطئ

يقول: ثم صار اسمًا. أهي "ثم صار اسمًا"؟ يمكن للمبتدئ أن يقرأها: "ثم صار سما"! ما هو بجانب بعضه وكلماته ابتدأت عيني: ثم صار، أصبح سما.

وبعد ذلك من الذي أصبح سمًا؟ لا بد أن هناك خطأً مطبعيًا! وهكذا ويأتي ممسكًا القلم بكل جرأة ويشطّب عليها ويكتب أي شيء في ذهنه عليها، وهو المخطئ؛ لأنه قد قرأ خطأً.

ثم صار اسمًا لما فيه مقابلة. كلمة بيع أصبحت اسمًا لأي شيء فيه مقابلة، وكذلك كلمة شراء.

البيع والشراء بمعنى المقابلة في القرآن الكريم واللغة العربية

﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111]

ما هو ليس بيعًا وشراءً هكذا الذي في الأسواق، هذه مقابلة، مقابلة النفس بالجنة.

﴿فَٱسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِ﴾ [التوبة: 111]

فأصبح هناك بيع، باع نفسه لله ولرسوله، وكذلك مقابلة، مقابلة الشيء بالشيء، فسمي البيع والشراء أي مقابلة سميت بيعًا.

ثم صار اسمًا لما فيه مقابلة على ما سيأتي، انتهى.

ثلاثة مداخل لتعريف البيع: مدخل البائع ومدخل المشتري ومدخل العلاقة بينهما

ثم إن أُريد به أحد شقي العقد. هنا، لا بد علينا أن نفهم قضية الاعتبار، قضية المدخل، من أين ندخل للمسألة؟

فأتى بثلاثة مداخل، ثلاث مداخل سيُعرَّف عليها البيع:

  1. إذا ما دخلنا للبيع باعتباره صفة من صفات البائع.
  2. ولا نقصد البيع باعتباره صفة من صفات المشتري.
  3. ولا نقصد البيع الذي هو العلاقة بين البائع والمشتري، ليست صفة المشتري ولا صفة البائع، إنما هي العلاقة بينهما.

إذن هناك ثلاثة مداخل يمكن لي أن أختار أيها شئت.

تعريف البيع من مدخل البائع: تمليك بعوض على وجه مخصوص

فقال: ثم إن أُريد به أحد شقي العقد الذي يُسمى من يأتي به بائعًا، يعني إذا دخلنا له من مدخل البائع.

فيُعرف البيع بأنه تمليك - وانظر إلى الدقة وأن نقرأ كلمة كلمة بل حرفًا حرفًا - بأنه تمليك؛ لأننا سنرى أننا إذا ما دخلنا من مدخل المشتري فإننا سنقول تملك. والفرق بينهما حرف الياء واحدة: تمليك وهنا تملك.

فإن كنا دخلنا مدخل البائع فنقول: تمليك بعوض على وجه مخصوص.

شرح معنى تمليك بعوض على وجه مخصوص من خلال حوار البائع والمشتري

أي المقابلة: أن هناك سلعة وهناك نقود وهذه كانت في مقابلة تلك. أي تمليك البائع، نقول له: ماذا صنعت الآن؟ يقول لي: لقد قمت بتمليك سلعة لهذا الإنسان وأخذت منه عوضًا بطريقة مخصوصة.

طريقة مخصوصة تتعلق بكيفية إيقاع البيع: قلت له: بعتك هذه السلعة بعشرة قروش، فقال لي: اشتريتها منك بعشرة قروش. لأنه لو لم يتم هذا وتم هذا التوافق فلا بيع.

فالبيع قد تم على وجه مخصوص، سنعرف بعد ذلك ما هو الوجه المخصوص، لكن في التعريف نقول: تمليك بعوض على وجه مخصوص.

تعريف الشراء من مدخل المشتري: تملك بعوض كذلك

وبعد ذلك يقول: ويقابله الشراء. البيع يقابله الشراء الذي هو الشق الآخر، والبائع يقابله المشتري، هو العاقد الآخر الذي يسمى من يأتي به مشتريًا.

ويُعرف حينئذٍ يعني بأنه تملَّك؛ لأننا لو سألنا المشتري: ماذا فعلت الآن؟ هذه العملية التي نسميها بيعًا وسنعرف أحكامها، ماذا فعلت؟ يقول: تملكتُ السلعة في مقابل عوض على وجه مخصوص.

بأنه تملك بعوض كذلك. كاف الإشارة "ذلك"، طيب يشير إلى أين؟ إلى كلمة مخصوص. يعني أصبح لدينا تعريفان: تمليك بعوض على وجه مخصوص، وتملك بعوض على وجه مخصوص.

فهم إشارة كذلك في النص التراثي ومنهج المقابلة بين التعريفات

حسنًا، من أين جاءت كلمة "على وجه مخصوص"؟ ليست مذكورة أمامي، لا يوجد أمامي ما يحيل إليها أو يشير إليها.

"كذلك" وذلك هذه ترجع إلى كلمة مخصوص. حسنًا، وما الذي يُعرّفني أنها ترجع إلى كلمة مخصوص؟ ما الذي يُعرّفني أنه هذا تعريف وهذا تعريف في مقابلة؟

يعمل مثل المعادلة الرياضية عندما نضعها تحت بعضها، تحت بعض حتى نرى الموافقات والمخالفات. فهو تمليك بعوض مخصوص، تمليك بعوض، فقال "كذلك"، يبقى كذلك هذه رجعت على المقابل الخاص بها في التعريف الذي هو مخصوص.

هذه طريقة منهج ينبغي أن نفهمه في طريقة الكتابة والصياغة.

جواز إطلاق اسم البائع على المشتري وعكسه اعتباراً ومفهوم الاعتبار

ويجوز إطلاق اسم البائع على المشتري وعكسه يجوز، أي أن نسمي البائع مشتريًا، وكذلك يجوز أن نسمي المشتري بائعًا. فيجوز إطلاق اسم البائع على المشتري وعكسه، أي إطلاق اسم المشتري على البائع اعتبارًا.

وهو المدخل أو الوجهة المعتبرة. أنت تبحث في ماذا؟ شخص وآخر، أحدهما أمامه سلعة والآخر أمامه نقود.

طيب، افترض أننا سنقول على واحد منهم أو سنقول على هذين الاثنين محل العقد، هذا عوض هذا، طيب وهذا ما هو؟ عوض هذا هو الثاني.

تحديد البائع والمشتري بالاعتبار وليس بالعرف في حالة المبادلة

حسنًا، من إذن البائع والمشتري؟ نعم، صاحب العوض ألف إذا جعلناه بائعًا يكون الثاني هو المشتري، أما إذا جعلنا صاحب العوض باء هو البائع يكون الثاني هو المشتري.

وهذه كلمة اعتبارية، يعني أطلقوا كلمة البائع وكلمة المشتري من أي اعتبار اعتبروه. فلو قلت أن صاحب العوض الأول أو صاحب العوض ألف - والعوض هنا هو السلعة - هو البائع، يكون الثاني مشتريًا. وصاحب النقود هو البائع، سيبيع النقود في مقابل السلعة.

ماذا؟ أي أنه لا يوجد مانع، فهي معاوضة، حيث ينتقل هذا إلى هنا وذاك إلى هناك.

الرد على من يحصر البائع في صاحب السلعة بمثال المبادلة بين كتابين

بعض الفقهاء قد يقول: لا، صاحب النقود يجب أن يكون هو المشتري، الذي نسير عليه في العرف العام هذا، وصاحب السلعة يجب أن يكون هو البائع.

نقول لهم: حسنًا، لنفترض أنه لا توجد نقود. أنا سأشتري كتابًا قصاد [مقابل] كتاب، مبادلة. هذا بيع وشراء أم لا؟ بيع وشراء باتفاق.

لكن هذه المبادلة التي هي بيع وشراء لن أعرف من فيها البائع ومن فيها المشتري إلا بالاعتبار. فكلمة "اعتبارًا" تعني من حيث ما أردت أن أدخل وأعتبر، وكثيرًا ما يقع هذا.

الفرق بين كلمة اعتباراً والتعبير وأهمية إدراك الجملة المفيدة

يقول ماذا؟ ويجوز إطلاق اسم البائع على المشتري وعكسه اعتبارًا. والتعبير - انظر انظر انظر - استعمل كلمتين قريبتين من بعضهما: اعتبارًا والتعبير.

اعتبارًا والتعبير، ولذلك لو لم نقف عند "اعتبارًا" فلن نفهم شيئًا إطلاقًا. يقول: ويجوز إطلاق اسم البائع على المشتري وعكسه اعتبارًا. والتعبير - افترض وقفنا عند التعبير - اعتبارًا والتعبير، اعتبارًا والتعبير، لا يوجد، لا توافق، ليس لها معنى.

اعتبارًا وعكسه اعتبارًا، والتعبير بالتمليك والتملك بالنظر، طوّلت الجملة ليس لها معنى، ضاعت.

فلا بد أن ندرك ما يسمى بالنسبة التامة بالجملة المفيدة، أين نقف وأين نبتدئ، وهو ما سنعالجه في الصياغات اللغوية.

التعبير بالتمليك والتملك بالنظر للمعنى الشرعي لا العرفي

والتعبير بالتمليك والتملك بالنظر للمعنى الشرعي. هذه جملة مفيدة، فيكون: وعكسه اعتبارًا وخلاص وقفنا وانتهت.

ثم بعد ذلك: والتعبير بالتمليك والتملك بالنظر للمعنى الشرعي وليس للمعنى العرفي، وليس للمعنى [اللغوي]؛ لأن في العرف الاثنين تملكا، فهذا تمليك أيضًا.

لكن كلمة تمليك وتملك هذه كلمات بالنظر للنظرية الشرعية للأموال التي سندرسها بالتفصيل في النظريات الحاكمة.

المدخل الثالث لتعريف البيع: العُلقة الحاصلة من الشقين التي ترد عليها الإجازة والفسخ

وإن أُريد به [البيع] - فسيكون بالكلام الذي نتحدث فيه - نحن لم ننته بعد؛ لأنه في الأعلى يقول أنني أريد به أحد شقي العقد، حسنًا كذا وكذا، وأنني أريد به المركب من الشقين، من البائع والمشتري، من البيع والشراء، من التبادل بهذا الشكل معًا.

بمعنى العُلقة - حتى لا يراها أحد "العَلقة" وتكون غير تمامًا - المقصود بالعُلقة العلاقة أي الرابطة. [فالعَلقة تعني الضرب، والعُلقة تعني العلاقة أي الرابطة].

نريد أن نعرف الرابطة الحاصلة من الشقين التي ترد عليها الإجازة والفسخ. هذه العلاقة هي ذلك الاتفاق الذي يقع بين طرفين والذي يرد عليه أن نجيزه ونمضيه أو أن نفسخه وننهيه.

هذا هو المجال وهو المحل الذي نريد أن نعرف البيع منه من خلاله إن أردنا ذلك.

تعريف البيع لغةً من مدخل العلاقة: مقابلة شيء بشيء على وجه المعاوضة

عرفنا البيع [من هذا المدخل] بأنه: يقال له لغةً مقابلة. الرابطة بين البائع والمشتري هي عبارة عن مقابلة، مقابلة شيء بشيء على وجه المعاوضة.

مقابلة شيء بشيء، أي شيء؟ لو سكت توجد مقابلات كثيرة تتم. يقول: مقابلة شيء بشيء، هناك مثلًا الزواج مقابلة، لكنها ليست على سبيل المعاوضة.

ليست هذه قيمته؛ لأن الرجل يدفع مهرًا، لكن ليس هذا المهر في مقابل شيء معين على سبيل المعاوضة مثل البيع والشراء أبدًا. هذا يأتي من قبيل الود وليس من قبيل المعاوضة.

ولذلك تختلف المهور والزواج واحد لا يختلف، لكن لا تختلف أسعار السلع بهذا الشكل بين الناس؛ لأن المقصود في الزواج ليس هو المعاوضة.

ضرورة إدراك التصور الكلي للتعريف في المنطق لفهم كلمة يدخل ويخرج

فيقول: فيدخل [فيه]. ثم بعد ذلك في آخر السطر يقول: وخرج. وهذا كلام لا ندركه إلا إذا أدركنا التصور الكلي لقضايا التعريف في المنطق.

المناطقة لهم تصور كامل، قصة كبيرة في التصور والتصديق، لا بد علينا أن ندركها وإلا لا نعرف كثيرًا مما يقولون.

مثال تعريف الإنسان بأنه حيوان ناطق وكيفية الإدخال والإخراج في التعريف

أريد أن أنقل إليك شيئًا وهو تعريف الإنسان، فأقول لك إنه حيوان ناطق.

ما معنى حيوان؟ هو المتحرك بالإرادة، إذا ما أراد أن يحصل على هذا الشيء الذي أمامه فإنه يسعى إليه، يتحرك مريدًا له. البقرة كذلك، إذا ما أرادت أن تحصل على بعض الحشيش فإنها تسعى، هي تنظر وتسعى.

الجماد لا يسعى ولا يتحرك. النبات كذلك يتحرك بالآلية ولكن لا يتحرك [بالإرادة]. عباد الشمس هذا ينتقل من مكان لمكان طبقًا للشمس، أو النباتات المتوحشة، لكن هذا كله لا يكون عن إرادة وتفكر أبدًا. هذا عن آلية ردود فعل، لكن الحيوان يتحرك بالإرادة.

إذن عندما قلت أن الإنسان حيوان، فقد أخرجت من التعريف الجماد؛ لأن الجماد لا يتحرك بالإرادة، فأنا لا أريد أبدًا الجماد ولا النبات.

كلمة ناطق تخرج البهائم من التعريف والنطق آية من آيات الله في الإنسان

عندما قلت ناطق فإنني أخرجت البهائم؛ لأن البهيمة ليست ناطقة. و"ناطق" هنا يعني مفكر، مما يؤثر في اللسان فيجعله ينطق، يتكلم.

لأن الكلام المرتب بهذا الترتيب العجيب الذي ننطق به آية من آيات الإنسان، خاصية من خصائصهم التي خلقه الله بها. ولذلك:

﴿مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: 23]

جعلها آية من آياته سبحانه وتعالى وهي آية معجزة غريبة إذا تأملت كيف تخرج الحروف، كيف تتركب فتكون كلمة ثم جملة ثم عبارة، وينتقل هذا إلى ذهنك فإذا بك تضعها بإزاء معانٍ تخطر في بالك. ما هذا؟ هذا تعقيد عجيب، ثم يتم كل هذا بسرعة ويسر.

فهذا مجال - قسم بالله سبحانه وتعالى - أو إرشاد لنا، منّة من مننه: كما أنكم تنطقون.

كلمة يدخل ويخرج مصطلح منطقي يحتاج إلى فهم التصورات الكلية

إذن فقد دخل في هذا التعريف [تعريف الإنسان بأنه حيوان ناطق] أفراد الإنسان العقلاء، وخرج منه الحيوانات - باقي الحيوانات والبهائم يعني - والجماد والنبات وكذا إلى آخره.

فكلمة يدخل ويخرج كلمة منطقية يُراد بها تصور معين سنراه عند كلامنا عن التصورات الكلية. سنشرح كيف كانوا يفهمون الوجود وكيف كانوا يفهمون جريان هذا الوجود على طريقة معينة تكلموا بها.

أثرت ماذا؟ أثرت في كلامهم، لكنهم لا يمكن أن يذكروا هنا هذا الكلام. هذا كلام مفتاحي ينبغي أن يكون في أذهاننا جميعًا.

دخول الاختصاص في تعريف البيع لغةً وشرح نظرية المال عند الشافعية

فيدخل فيه - يعني في التعريف [اللغوي للبيع] - ما لا يصح تملكه كالاختصاص. وهذا لا ندرك معناه إلا إذا عالجنا النظريات الحاكمة.

نظرية المال ستقسم الأشياء عندي إلى أعيان وإلى منافع، ستقسم منافع الأعيان هذه إلى ما يجوز له أن تكون له قيمة أم لا: المقوَّم وغير المقوَّم.

سيكون هناك من غير المقوَّم ما فيه منفعة، فماذا نصنع؟ والملك لا يتم إلا على المقوَّم. قال: إذا غير المقوَّم نسميه تسمية أخرى وهي قضية الاختصاص، وهذا سنشرحه بالتفصيل.

الاختصاص يعني شيئًا أنا مختص به، أي خاص بي.

مثال الاختصاص عند الشافعية: روث البهائم النجس ورفع اليد عن الاختصاص

هؤلاء الشافعية عندهم أن روث البهائم نجس، والنجس لا يُملَك. ولكن يحتاج الفلاح في أرضه إلى روث البهائم لاستعمالات شتى، منها سماد الأرض - السماد البلدي للأرض يأتي من روث البهائم النجس - استعماله كوقود لأنه وقود رخيص يأتي تقريبًا بلا مقابل.

أريد أن أبيعه لجاري، لا يجوز لأنه نجس، والنجس لا يُملَك، ولكنه مُختَص به. فيمكنه حينئذٍ - ولشدة حاجة الناس إلى هذا التعامل - أن أنقله، لا أنقل ملكيته لأنه لا يملك، أن أنقله من بيتي إلى بيت جاري وأرفع يدي، أتنازل يعني عن اختصاصي به.

رفع اليد عن الاختصاص هذه عبارتهم، رفعوا اليد عن الاختصاص، أي أنني تنازلت عن خصوصية هذا الشيء المتعلقة به وتركتها لجاري. لكن ليس لوجه الله، إنما لأن جاري سيعطيني نقودًا.

التفريق بين البيع لغةً والبيع شرعاً في مسألة رفع اليد عن الاختصاص

قريبة من البيع، لكن الفقهاء الشافعية لا يسمونها بيعًا بل يسمونه تبادلًا عن طريق رفع اليد عن الاختصاص.

فهو هنا يشير إلى أن معنى البيع في اللغة سيشمل هذه الحالة، لكنه في الشرع لا يشمل هذه الحالة. فهذا يسمى بيعًا لغةً لا شرعًا، إنما شرعًا هو من قبيل رفع اليد عن الاختصاص وليس من قبيل البيع والشراء.

ويفعلون هذا حتى يحافظوا على ما أقروه من أحكام بقضية البيع والشراء، ويجيزون هذا حتى لا يوقعوا الناس في الحرج.

دخول الاختصاص والمعاطاة في تعريف البيع لغةً وتعريف المعاطاة

فيدخل فيه - أي في التعريف [اللغوي للبيع] وليس شرعًا - فلم يأتِ بعد ما لا يصح تملكه لأجله [أي] لأنه نجس مثلًا، كروث البهائم. لكنه لم يكتب هنا هكذا، لماذا؟ قال يعني أنتم تعرفون، أنتم علماء وتعرفون، كالاختصاص، كمسألة الاختصاص التي هي رفع اليد عن الاختصاص.

وأراكم بدأتم ستنامون ونحن أمامنا ما زال نصف ساعة، هل نتوقف أم نكمل؟ طيب، ما لكم تقولونها وأنتم نائمون هكذا، لماذا؟ هل تعبتم؟ نعم، الأمر لا يُتعب معنويًا ولا نفسيًا.

حسنًا، يندرج في البيع لغةً ما لا يصح تملكه كالاختصاص، مثل مسألة الاختصاص التي شرحناها.

شرح المعاطاة: البيع والشراء بلا صيغة لفظية كما في شراء الفول والآلات

وانظر كيف جاءت الصياغة اللغوية، ويدخل فيه شيء لو لم تكن صيغة، لو لم تكن صيغة معينة، لا توجد صيغة كالمعاطاة.

نضطر أن نعرّف مصطلح المعاطاة وإلا لن تكون الجملة سليمة في أذهاننا. والمعاطاة مصطلح عندهم يُطلق على ما نفعله كثيرًا من العقود بيعًا وشراءً من غير صيغة، من غير كلام، بسكوت.

في الصباح ذهبت إلى الرجل بائع الفول، أعطيته خمسة وعشرين قرشًا - ربع جنيه كان قديمًا بخمسين الآن - خمسين قرشًا، وأعطيته القدر الخاص بالفول، فذهب وملأه وأعطانيه. حدثت هنا معاطاة، هو أخذ النقود وأنا أخذت السلعة من غير أن أقول له: اشتريت منك بخمسين قرشًا فضة مصرية من أجل ملء قدر من الفول المدمس في الحال، فيقول لي: بعتك بذلك. من غير هذا!

وإذا فعلنا ذلك ضحكت علينا الناس في الأسواق. يعني لو ذهبنا وكذلك الأربعين قرشًا ألقِها في الصندوق وخذ الجريدة والرجل واقف صامت.

آلات البيع الحديثة وعلاقتها بالمعاطاة ودقة التعبير بكلمة كالمعاطاة

وكذلك الآن أصبح هناك آلة أضع فيها النقود وأضغط على زر فتنزل لي السلعة من غير كلام، والآلة لا تتكلم. فهذا هو المقصود.

وما لو لم تكن صيغة ما، فليس هناك صيغة كالمعاطاة. كالمعاطاة هي المعاطاة فيها أخذ وعطاء. حتى صيغة الآلة الجديدة هذه ليس فيها معاطاة؛ لأنه لا يعطي لأنه غير عاقل، إنها آلة.

ولذلك كان دقيقًا هنا وقال: كالمعاطاة، مثل المعاطاة وأشبه. وهذا يشبه المعاطاة، يشبه في ماذا؟ في عدم وجود الصيغة.

المعاطاة بيع لغةً لا اصطلاحاً وخروج السلام بوجه المعاوضة من التعريف

الصيغة - ركِّن [أي تذكّر] - فهذا التبادل الذي حدث يسمى بَيْعًا لغةً لكنه لا يُسمى بالبيع اصطلاحًا وشرعًا، لا يُسمى بيعًا لكنه في اللغة يُسمى بيعًا.

ولذلك هنا قال: أه، وخرج بوجه المعاوضة كلمة "وجه المعاوضة" التي أضفناها هذه جعلت التعريف مطردًا وأخرجت عدة صور، لو لم نكن أضفنا هذه اللفظة لكان التعريف يشمل هذه الصور.

nحو السلام: لما واحد قال للآخر: السلام عليكم، فرد عليه: عليكم السلام، مقابلة شيء بشيء! شخص عطس فقال: الحمد لله، فرد عليه: يرحمكم الله، فقال له: يرحمنا ويرحمكم الله أو يهديكم الله ويصلح بالكم، مقابلة شيء بشيء! ما كان سيدخل بهذا الشكل.

الأذان والرد عليه مقابلة شيء بشيء وأهمية قيد على وجه المعاوضة

الأذان والرد على الأذان: المؤذن يقول: الله أكبر الله أكبر، وأنا أرد عليه قائلًا: الله أكبر الله أكبر، ما هو إلا مقابلة شيء بشيء! وهكذا.

ولذلك لو قلنا إن البيع هو مقابلة شيء بشيء وسكتنا واكتفينا، إنما هو ما هو البيع؟ مقابلة شيء بشيء. أقول نعم، لكن هناك أشياء أخرى ليست بيعًا ولا شراءً وفيها مقابلة شيء بشيء.

وهنا يقولون عن التعريف أنه غير مانع من دخول [أفراد غير مرادة] فيه. فعندما قلتُ: مقابلة شيء بشيء وسكتُّ، يكون هذا خطأً؛ لأن مقابلة شيء بشيء هذه واسعة بهذا القدر، وأنا أريد دائرة صغيرة بهذا الحجم.

فلا بد أن أزيد قيدًا. وما معنى قيد؟ أي كلمة "على وجه المعاوضة"، هذه هي الكلمة التي أضفتها، هذه أفادتني، أخرجت السلام وتشميت العاطس ورد الأذان إلى آخره.

قاعدة منطقية: كلما زادت القيود قلّ الموجود وتطبيقها على التعريفات

حسنًا، قاعدة لطيفة اكتبوها: كلما زادت القيود قلّ الموجود، كلما زادت القيود قلّ الموجود. كلام منطقي.

فلو قلت لك: ائتني برجل، حسنًا، أي رجل. لكن لو أضفت كلمة واحدة وقلت لك: هذا الرجل يكون مصريًا، قم أستاذنا العلامة هذا هو لا يدخل لأنه ليس مصريًا - إذا كان مصريًا فيكون الآن أربعين يومًا، أكثر من أربعين يومًا يُعتبر مصريًا.

فلو قلتُ لك إن هذا المصري من القاهرة، قلتُ: أصبحنا ثلاثة، ثلاث كلمات: مصري، رجل مصري، قاهري. كلمة أخرجت كثيرًا من المصريين.

عندما أقول له مثلًا ويكون مشتركًا في هذه الندوة، أوه! بدلًا من أن تكون القاهرة فيها اثنا عشر مليونًا، ستة منهم رجال، ستة ملايين، لا، لم يعودوا ستة ملايين، بل أصبحوا كذا عشرة، وهكذا.

فكلما زادت القيود قلّ الموجود.

مهمة القيود في التعريف: بيان التصور والإدخال والإخراج

ولذلك مهمة القيود هي بيان التصور، ولكنها تقوم أيضًا بمهمات أخرى منها الإدخال والإخراج. الإدخال والإخراج: تُدخِل أشياء وتُخرِج أشياء أخرى، تمنع أشياء وتطردها، ودخلت معي أشياء.

وخرج بوجه المعاوضة نحو السلام.

تعريف البيع شرعاً: عقد معاوضة مالية تفيد ملك عين أو منفعة على التأبيد

وشرعًا - كل الكلام هذا كان لغة، البيع في اللغة ماذا يعني - لكن في الشرع ماذا يعني:

عقد معاوضة مالية تفيد ملك عين أو منفعة على التأبيد لا على وجه القربة.

هذا هو التعريف، طال قليلًا. في اللغة كان أسهل: مقابلة شيء بشيء على وجه المعاوضة، سهلة. لكن أصبح لدينا هنا في الشرع الذي سنتحدث عن أحكامه في كتاب البيع طال الأمر قليلًا.

عقد معاوضة هاتان كلمتان، هذا تبادل مالي، ثلاثة أمور. وانتبه فلا بد من كل كلمة، كلها فائدة، ولو نقصت كلمة واحدة يختل الكلام، كلمة واحدة؛ لأنه كلما زادت القيود قلّ الموجود، وكلما قلت القيود كثر الموجود.

أريد أن أحدد، ولذلك سموه الحد. التعريف سموه الحد لأنه يحدد ما سأتكلم عنه.

شرح قيود تعريف البيع شرعاً وفائدة كل قيد في التعريف

عقد معاوضة مالية يفيد ملكية عين أو منفعة على التأبيد لا على وجه القربى.

لا بد أن يكون لكل قيد من هذه القيود فائدة وإلا سيكون عبثًا، وسنكون نتحدث كلامًا كثيرًا، وقد نهانا الله عن اللغو. يجب أن نتكلم بقدر المطلوب.

وأركانه ثلاثة: عاقد ومعقود عليه وصيغة.

خلاصة اللقاء وخطة الجلسات القادمة لفهم شفرة التراث الإسلامي

أريد أن أستخلص مما ذكرت أهمية ما سنخوض فيه. سنترك هذا جانبًا وسنبدأ في المرة القادمة إن شاء الله - وهي غدًا - لإنشاء التصورات الكلية أو بعضها مما أراه مفيدًا في قضية شفرة التراث.

كذلك بعض النظريات الحاكمة المتعلقة بهذا الذي قرأناه، كذلك المصطلحات والتعريفات في مرة بعدها، فالعلوم الخادمة، فالصياغات اللغوية.

ثم نرجع في آخر جلسة لهذا الكلام مرة ثانية، وسيكون بين أيديكم المرة القادمة إن شاء الله، حتى نرى ما الذي حدث بعد أن نظرنا هذه النظرة الكلية وما الذي كان قبل أن ننظر إليها.

ومن خلالها إن استطعنا أن نفعل ذلك فأظن أننا سنتقدم شيئًا ما في قضية فهم التراث. وأراكم قد بلغ بكم الجهد مبلغًا، نتوقف عند هذا وإلى لقاء قريب من غدٍ إن شاء الله تعالى.